آفاق ذكريات
نهله سوسو
هي التي ليس لها من قوانين المنطق نصيب ! متمرّدة بلا حدود ، تنبثق في برهة غيرِ محضّرة لاستقبالها لأنّها تخرج من مكامنها رافضةً مدافنَها التي نظنُّها آمنةً ، مقفلةً بآلاف الأختام ، هي القادرة على إزاحة الحاضر بقوّتِه وسطوعه وتفاصيله الحيّة لتأخذنا إلى زمنٍ آخر ، مختلط ، لكنّه آسرٌ ومستحوِذ !على رصيف بردى ، خلفي السّيف الدّمشقي الباهي بجواهره في طرف ساحة الأمويّين ، بعد دار الأوبّرا ، التي خُيّل إليّ أن كاميرا بطيئة تغيّبها من جواري وتسحبها خلفي ، سرتُ باتجاه قلب دمشق مع قضبان السّور الرّتيبة كلحنٍ متعَب يذكّر المشاة ببردى المستلقي عميقاً بلا حسّ ، بينما تواصل السيّارات الأقرب من قريبة تدفُّقَها مع اتّجاهه بأغزَر من مائه بكثير ... يعبر شابٌّ طويلُ الشّعر ، مجموعُه على قُذال نحيل ، يعانق الكمان عناقاً يشي بخوفه عليه فيهمس قلبي : هذا عازف سيتخطّى بوّابة المعهد العالي للفنون المسرحيّة ومن باحته سيأخذ طريقه إلى رفاقه في الفرقة السيمفونيّة ! لابدّ لديهم تدريبات ، والعازفون ، حياتُهم الأوتار ، يعشقونها مع تردُّد الأنفاس .. وما يلبث الرّصيف أن يخلو لي وحدي .. متمهّلةَ الخطا ، عائدةً بالطّريق الرّاجع ، مصحّحة إحداثيّات المكان اللابث أمامي ، حيث المبنى العالي بمنظوره الدّائريّ وأعمدته التي تحيّرني ككلّ أعمدة الأبنية في الدّنيا : جمال التّصميم . حذق المهندسين . صبر العمّال . الوقوف في وجه الزّمن العاتي بعواصفه وزلازله والتّخريب الذي يناله ولو بالإهمال والنّسيان ! المبنى الذي أوقفت الحرب " مساره " ، اختفى من ساحة بصري بإسمنته ومحيطه المليء بالرّمل والحصى ، وشعّت مكانه استراحات ، كانت فضّيّة الألوان ، ترفرف فوقها غابات من الأعلام ، هنا كانت تجري احتفاليّة سنويّة مبهرة ، تجذب النّاس من الجهات الأربع فتنوء الأرصفة بالقادمين المبتهجين بحفلات المساء كأنّها من صنع الخيال ! يصدح صوت فيروز في احتفاليّات باتت خالدة كأنّها " الشّامات " منقوشة على وجه وأصابع دمشق الجميلة ! بلى .. هنا شاهدت مسرحيّة " المحطّة " ، ولا تسعفني الذّاكرة إلا بالشّعاع المنبعث من وجه فيروز وذلك القطار الذي استحضرتْه المسرحيّة بشاشة سينمائيّة ! لا أتذكّر الزّمن ولا الرّفقة التي كنت معها ولا التّفاصيل التي لابدّ كان فيها زحام وصخب وانطباعات ! وهنا لزمْتُ استديو إذاعة دمشق الموسميّ ، يبثّ شجو فيروز ويستضيف الزّائرين ! هنا كان معرض دمشق الدّوليّ ... وكان .. وكان .. ثماني وخمسين مرّةً ! ثمانيةً وخمسين ربيعاً ، التقى فيها العشّاق خلسة في الصّباح والمساء ، خبّؤوا قلقهم من الغد في زيارة الأجنحة ، وتناول الذّرة المسلوقة من الباعة المعَمّدين ببخار الحلل المكشوفة وبهجة الليالي الدّمشقية وتقمّصوا فرحة الأطفال يتقاسمون " غزل البنات " ، ووعود أن يصمد الحبّ مهما واجه من المصاعب ! تُرى ، كم من الزوّار رأى في المعرض صناعات وشركات واهتمّ بالتّصدير والاستيراد ؟ لكن لاشكّ أنهم جميعاً انتظروه عيداً و منعطفاً لأحداث هامة في حياتهم ! وقفت سيّدة حيث أقف ، ولعلّها ككلّ السّوريين تقرأ المعاني بروحها وتختصر المقدّمات : - سقى الله يوم كان المعرض هنا ! نزهةً كان لكلّ مشتاق لأنس الليالي ! لن أنسى النّوافير والغناء الصدّاح يقول إن الشّام لا تحبُّ النّوم إلا على فرح وأغاني حبّ .. وبنتي التي تزوّجت في المعرض الرابع والأربعين ستذهب مع حفيدتي لزيارته ولو في قصر على القمر ..جريده تشرين١٨/٨/٢٠١٧
نهله سوسو
هي التي ليس لها من قوانين المنطق نصيب ! متمرّدة بلا حدود ، تنبثق في برهة غيرِ محضّرة لاستقبالها لأنّها تخرج من مكامنها رافضةً مدافنَها التي نظنُّها آمنةً ، مقفلةً بآلاف الأختام ، هي القادرة على إزاحة الحاضر بقوّتِه وسطوعه وتفاصيله الحيّة لتأخذنا إلى زمنٍ آخر ، مختلط ، لكنّه آسرٌ ومستحوِذ !على رصيف بردى ، خلفي السّيف الدّمشقي الباهي بجواهره في طرف ساحة الأمويّين ، بعد دار الأوبّرا ، التي خُيّل إليّ أن كاميرا بطيئة تغيّبها من جواري وتسحبها خلفي ، سرتُ باتجاه قلب دمشق مع قضبان السّور الرّتيبة كلحنٍ متعَب يذكّر المشاة ببردى المستلقي عميقاً بلا حسّ ، بينما تواصل السيّارات الأقرب من قريبة تدفُّقَها مع اتّجاهه بأغزَر من مائه بكثير ... يعبر شابٌّ طويلُ الشّعر ، مجموعُه على قُذال نحيل ، يعانق الكمان عناقاً يشي بخوفه عليه فيهمس قلبي : هذا عازف سيتخطّى بوّابة المعهد العالي للفنون المسرحيّة ومن باحته سيأخذ طريقه إلى رفاقه في الفرقة السيمفونيّة ! لابدّ لديهم تدريبات ، والعازفون ، حياتُهم الأوتار ، يعشقونها مع تردُّد الأنفاس .. وما يلبث الرّصيف أن يخلو لي وحدي .. متمهّلةَ الخطا ، عائدةً بالطّريق الرّاجع ، مصحّحة إحداثيّات المكان اللابث أمامي ، حيث المبنى العالي بمنظوره الدّائريّ وأعمدته التي تحيّرني ككلّ أعمدة الأبنية في الدّنيا : جمال التّصميم . حذق المهندسين . صبر العمّال . الوقوف في وجه الزّمن العاتي بعواصفه وزلازله والتّخريب الذي يناله ولو بالإهمال والنّسيان ! المبنى الذي أوقفت الحرب " مساره " ، اختفى من ساحة بصري بإسمنته ومحيطه المليء بالرّمل والحصى ، وشعّت مكانه استراحات ، كانت فضّيّة الألوان ، ترفرف فوقها غابات من الأعلام ، هنا كانت تجري احتفاليّة سنويّة مبهرة ، تجذب النّاس من الجهات الأربع فتنوء الأرصفة بالقادمين المبتهجين بحفلات المساء كأنّها من صنع الخيال ! يصدح صوت فيروز في احتفاليّات باتت خالدة كأنّها " الشّامات " منقوشة على وجه وأصابع دمشق الجميلة ! بلى .. هنا شاهدت مسرحيّة " المحطّة " ، ولا تسعفني الذّاكرة إلا بالشّعاع المنبعث من وجه فيروز وذلك القطار الذي استحضرتْه المسرحيّة بشاشة سينمائيّة ! لا أتذكّر الزّمن ولا الرّفقة التي كنت معها ولا التّفاصيل التي لابدّ كان فيها زحام وصخب وانطباعات ! وهنا لزمْتُ استديو إذاعة دمشق الموسميّ ، يبثّ شجو فيروز ويستضيف الزّائرين ! هنا كان معرض دمشق الدّوليّ ... وكان .. وكان .. ثماني وخمسين مرّةً ! ثمانيةً وخمسين ربيعاً ، التقى فيها العشّاق خلسة في الصّباح والمساء ، خبّؤوا قلقهم من الغد في زيارة الأجنحة ، وتناول الذّرة المسلوقة من الباعة المعَمّدين ببخار الحلل المكشوفة وبهجة الليالي الدّمشقية وتقمّصوا فرحة الأطفال يتقاسمون " غزل البنات " ، ووعود أن يصمد الحبّ مهما واجه من المصاعب ! تُرى ، كم من الزوّار رأى في المعرض صناعات وشركات واهتمّ بالتّصدير والاستيراد ؟ لكن لاشكّ أنهم جميعاً انتظروه عيداً و منعطفاً لأحداث هامة في حياتهم ! وقفت سيّدة حيث أقف ، ولعلّها ككلّ السّوريين تقرأ المعاني بروحها وتختصر المقدّمات : - سقى الله يوم كان المعرض هنا ! نزهةً كان لكلّ مشتاق لأنس الليالي ! لن أنسى النّوافير والغناء الصدّاح يقول إن الشّام لا تحبُّ النّوم إلا على فرح وأغاني حبّ .. وبنتي التي تزوّجت في المعرض الرابع والأربعين ستذهب مع حفيدتي لزيارته ولو في قصر على القمر ..جريده تشرين١٨/٨/٢٠١٧