آفاق
نهله سوسو
قلعة الجراص
ذهبتُ إليها بحماسة واشتياق لأستطلع هيئتها بين مئات الحصون ، في وطن القلاع ! من تكون ؟ ما الأزياء التي بدّلتها قبل أن تركن إلى متاحف التّاريخ ؟ ما اللّغات التي تحدّثت بها عبر العصور حقبةً وراء حقبة ؟ لماذا توارت في الصّفوف الخلفيّة وراء قلعة حلب وقلعة الحصن وقلعة شيزر وقلعة دمشق وسواها من القلاع ذات القامات المهيبة ، تصدُّ الزّمنَ عن الغَفْو والنّسيان ولو لثانية واحدة ؟
بعد الخطوة الأولى وجدتُ التّاريخ مرتبكاً وهو يذكرها ، والتّاريخ يرتبك أحياناً في بعض المناطق الغامضة ، لكنّه لا يخجل من أداء " وظيفته " التي وُجِد لأجلها : قلعة الجراص ، تقع في قرية من منطقة الغاب ، عمارُها قديم وفيها أطلالُ سورِ قلعة قديمة ، يُرَجَّح أنها قلعة الجسر التي شيّدها بنو منقذ قبل الاستيلاء على شيزر عام 1081 ! حسناً ، وما معنى التّسمية ؟ هل كانت قلعةً ذات أجراس ، ثم نُطِقت السّينُ صاداً؟ من حرّفَ الاسم وأداره قليلاً حتى صار عامّياً ؟ التّاريخ نفسه قال : يُرجّح أنّها ... ! يعني لا جَزْمَ في أنّ بني منقذ مرّوا بها وشيّدوها قبل أن تعلو قلعتهم في شيزر ثم يصيبها الزّلزال و يطويها بأهلها الأحياء ولا يُبْقِي من حجارتها ومائها إلا دموع الأمير أسامة ، السّخينة وهو يقف على أطلالها بعد ترحاله الطّويل ، فكيف يمكن الجزْم باسمها من قبلُ ومن بعد ؟
قلعة لا تستطيع النُّهوض من تحت الأنقاض لتقف بين أخواتها ، لكنّها موجودة ، ولا بدّ أنها عرفت ما عرفته القلاع : جنداً وقادةً وقاعاتٍ وأروقة واصطبلات خيول وصدَّ غزاة وعواصف ، مثلُها مثلُ البشر الذين يغيبون من الذّاكرة الجَمْعيّة ، غيابَ أمواج البحيرة السّاكنة بعد أن يستقرَّ في أعماقها الحجر !
في عالم الإبداع يبرز مفكّر أو شاعرٌ أو موسيقار ويغدو كوكباً مشعّاً على مرّ الزّمان ومن المفارقة أن لا مبدع ، مهما كان شأنه ، ينبثق من عدَمٍ أو سديم لأنّ النّجم نفسه يتكوّن من نثارٍ كونيٍّ تداعى إلى بعضه فتجمّع وتلاصق ليصبح ذلك النّجمَ الأحمر أو ذاك الذي تزنِّره هالاتٌ ملوّنة ! يكون في محيط المبدع معلّمون كبار ، يبذرون ويسقون ويتلمسّون البراعم بأرواحهم وأصابعهم ، لكنّ الزّمن يحتفي بزرعهم وينساهم ، إلا في لحظة التنقيب القصدي ! وإذا سرّح البصَرُ جِيادَه في عالم نجومٍ أُخَر سيرى هذا حتّى في مواكب الشّهداء الذين يزيلون عن وجه الأرض أوضارَها وأدرانها وشوائبَها ، فبعض وجوههم تبدو كاشفةً متلألئة ، تعجب النّفسُ لقلّتها قياساً بالآلاف الذين مضوا على نفس الطريق ، وكلُّ شهيد لا يفضل بشيءٍ عمّن داناه بكتفه وقلبه وسلاحه ودمه و لا بلحظة إشراق وجه الله حين سقط دمه بين يديّ الله !
لسبب ما ، يسود قانون التنحّي هذا في صيرورة العالم البشري والذاكرة الإنسانية ، ولا يعطي سرّه لمتأمّل : أهو الاصطفاء ؟ تخفيف الحِمْل؟ الاكتفاء بالبوابات دون الردهات العميقة ؟ أم هو السّبب الإلهيّ الذي يجعل الشّجرة تهَبُ نفسها ، من جذورها الضّاربة في عتَمة التّراب إلى ساقها إلى أغصانها المغتسلة بالضّوء إلى نسغها المخزون، لتكون الأزهار وحدها رسول الرّبيع والخصب والخلاصة التي تقول أنا وعدُ معجزة الثّمر لا حاجة للعين أن ترى غيري ولا للقلم إلا التغزّل بي فما سواي إلا ظلال يراها من يفتش عن التّفاصيل فضولاً أو عفو خاطر ..
ربما تحتوي الصورة على: شخص واحد، ونظارة شمسيةجريده تشرين 13/6/2017
نهله سوسو
قلعة الجراص
ذهبتُ إليها بحماسة واشتياق لأستطلع هيئتها بين مئات الحصون ، في وطن القلاع ! من تكون ؟ ما الأزياء التي بدّلتها قبل أن تركن إلى متاحف التّاريخ ؟ ما اللّغات التي تحدّثت بها عبر العصور حقبةً وراء حقبة ؟ لماذا توارت في الصّفوف الخلفيّة وراء قلعة حلب وقلعة الحصن وقلعة شيزر وقلعة دمشق وسواها من القلاع ذات القامات المهيبة ، تصدُّ الزّمنَ عن الغَفْو والنّسيان ولو لثانية واحدة ؟
بعد الخطوة الأولى وجدتُ التّاريخ مرتبكاً وهو يذكرها ، والتّاريخ يرتبك أحياناً في بعض المناطق الغامضة ، لكنّه لا يخجل من أداء " وظيفته " التي وُجِد لأجلها : قلعة الجراص ، تقع في قرية من منطقة الغاب ، عمارُها قديم وفيها أطلالُ سورِ قلعة قديمة ، يُرَجَّح أنها قلعة الجسر التي شيّدها بنو منقذ قبل الاستيلاء على شيزر عام 1081 ! حسناً ، وما معنى التّسمية ؟ هل كانت قلعةً ذات أجراس ، ثم نُطِقت السّينُ صاداً؟ من حرّفَ الاسم وأداره قليلاً حتى صار عامّياً ؟ التّاريخ نفسه قال : يُرجّح أنّها ... ! يعني لا جَزْمَ في أنّ بني منقذ مرّوا بها وشيّدوها قبل أن تعلو قلعتهم في شيزر ثم يصيبها الزّلزال و يطويها بأهلها الأحياء ولا يُبْقِي من حجارتها ومائها إلا دموع الأمير أسامة ، السّخينة وهو يقف على أطلالها بعد ترحاله الطّويل ، فكيف يمكن الجزْم باسمها من قبلُ ومن بعد ؟
قلعة لا تستطيع النُّهوض من تحت الأنقاض لتقف بين أخواتها ، لكنّها موجودة ، ولا بدّ أنها عرفت ما عرفته القلاع : جنداً وقادةً وقاعاتٍ وأروقة واصطبلات خيول وصدَّ غزاة وعواصف ، مثلُها مثلُ البشر الذين يغيبون من الذّاكرة الجَمْعيّة ، غيابَ أمواج البحيرة السّاكنة بعد أن يستقرَّ في أعماقها الحجر !
في عالم الإبداع يبرز مفكّر أو شاعرٌ أو موسيقار ويغدو كوكباً مشعّاً على مرّ الزّمان ومن المفارقة أن لا مبدع ، مهما كان شأنه ، ينبثق من عدَمٍ أو سديم لأنّ النّجم نفسه يتكوّن من نثارٍ كونيٍّ تداعى إلى بعضه فتجمّع وتلاصق ليصبح ذلك النّجمَ الأحمر أو ذاك الذي تزنِّره هالاتٌ ملوّنة ! يكون في محيط المبدع معلّمون كبار ، يبذرون ويسقون ويتلمسّون البراعم بأرواحهم وأصابعهم ، لكنّ الزّمن يحتفي بزرعهم وينساهم ، إلا في لحظة التنقيب القصدي ! وإذا سرّح البصَرُ جِيادَه في عالم نجومٍ أُخَر سيرى هذا حتّى في مواكب الشّهداء الذين يزيلون عن وجه الأرض أوضارَها وأدرانها وشوائبَها ، فبعض وجوههم تبدو كاشفةً متلألئة ، تعجب النّفسُ لقلّتها قياساً بالآلاف الذين مضوا على نفس الطريق ، وكلُّ شهيد لا يفضل بشيءٍ عمّن داناه بكتفه وقلبه وسلاحه ودمه و لا بلحظة إشراق وجه الله حين سقط دمه بين يديّ الله !
لسبب ما ، يسود قانون التنحّي هذا في صيرورة العالم البشري والذاكرة الإنسانية ، ولا يعطي سرّه لمتأمّل : أهو الاصطفاء ؟ تخفيف الحِمْل؟ الاكتفاء بالبوابات دون الردهات العميقة ؟ أم هو السّبب الإلهيّ الذي يجعل الشّجرة تهَبُ نفسها ، من جذورها الضّاربة في عتَمة التّراب إلى ساقها إلى أغصانها المغتسلة بالضّوء إلى نسغها المخزون، لتكون الأزهار وحدها رسول الرّبيع والخصب والخلاصة التي تقول أنا وعدُ معجزة الثّمر لا حاجة للعين أن ترى غيري ولا للقلم إلا التغزّل بي فما سواي إلا ظلال يراها من يفتش عن التّفاصيل فضولاً أو عفو خاطر ..
ربما تحتوي الصورة على: شخص واحد، ونظارة شمسيةجريده تشرين 13/6/2017






