الأحد، 10 يناير 2021

سورية والقومية العربية مجدداً طروحات وزير الأوقاف طروحات رئيس الجمهورية

سمعنا مؤخراً خطابين في الشام، الأول لوزير الأوقاف والثاني لرئيس الجمهورية، يتحدثان به عن العروبة والاسلام.

طروحات وزير الأوقاف

فكان الأول مستفزاً للكثير من السوريين وأهل الفكر، من خلال الهزء بمفهوم الأمة السورية، واعتبار أن هناك “عقيدتين أساسيتين في المنطقة هما الإسلام والعروبة، وكل ما عداهما هو متفرق وضئيل”. ويتابع أنه “لولا المؤسسة الدينية لكان التطرف والفكر التكفيري قد انتشر في مناطق كثيرة من الجغرافيا السورية”، محذرا من خطر “فصل الدين عن الدولة” الذي يخدم جماعات “الإخوان المسلمين والجماعات المتطرفة”. وأكد السيد أن “فصل الدين عن الدولة يؤدي حُكماً لفصل المجتمع عن الدولة وهذا لا يحصّن المجتمع ولا يخدم مصلحته”.

وقال السيد، “شو هي الأمة السورية؟ هل سمع أحدكم بالأمة السورية؟ نحن نعرف الأمة العربية، ولا يمكن الفصل بين العروبة والإسلام أبدًا”. وأضاف أن “الغزو الثقافي الذي نراه في بلادنا الآن يتم على الإسلام بكل شيء، إضافة إلى اللغة العربية والعروبة وإلى الأصل”. واستهزأ من الدعوات القومية المحلية بالقول: “إنو شي بيقلولك نحنا قبرص وسوريا ولبنان وما بعرف شو وبيدخلوا عباس بدرباس”.

ولاحقاً اعتبر وزير الأوقاف خلال جلسة حوارية مع مجموعة من المحللين والأكاديميين بمقر “دار البعث للصحافة والنشر” بدمشق، أن “المؤسسة الدينية في سورية تساهم في حماية البلاد من فكر الإخوان المسلمين الذين يريدون ديناً بلا مؤسسة، حتى يكونوا هم المسيطرون على الفكر الديني في المجتمع، وبذلك ينقضّون على الدولة الوطنية العلمانية لإقامة حلمهم بإقامة دولة دينية إخوانية”. وأضاف أن “أحد مقتضيات فصل الدين عن الدولة هو إبعاد الدولة عن إدارة وتنظيم العمل الديني، وبالتالي تعم الفوضى في العمل الديني وهذا ما يريده الإخوان والجماعات المتطرفة ليسيطروا على العمل الديني وبعد ذلك يسيطرون على المجتمع، وهذا مافعلوه تماماً في تركيا فاستطاعوا من خلال ذلك ضرب العلمانية والسيطرة على الدولة”.

وبيّن الوزير السيد أن كلام الرئيس بشار الأسد الذي وصف فيه المؤسسة الدينية بأنها رديفة للجيش العربي السوري، ينبع من حقيقة عمل هذه المؤسسة وخاصة لجهة تحصين البلاد ومنع الفتنة ومحاربتها للتطرف، وأضاف السيد أنه، كما حارب الجيش العربي السوري الإرهاب وحمى الوطن، حاربت المؤسسة الدينية التطرف والفتنة وساهمت في تحصين الإسلام في سورية عن الفكر الظلامي.

وقال وزير الأوقاف أيضاً إن “الجيش العربي السوري كان يحارب تنظيمات ترفع رايات وشعارات متطرفة وتكفيرية تُنسَب للإسلام وهو بريء منها، وكان من الضروري أن يكون هناك رديفاً عقائدياً للجيش هو المؤسسة الدينية، هذا الرديف ينقُض ويعرّي الفكر الديني المتطرف”، وأضاف أن المؤسسة الدينية كانت الحامل العقائدي الفكري للجيش في مواجهة هؤلاء المتطرفين ومنابعهم التكفيرية!

ونوه وزير الأوقاف بالخطر الذي يهدد المجتمعات النابع من مفهوم ما سماها الرئيس الأسد بـ “الليبرالية الحديثة” التي تسوِّق للشذوذ والانحلال الأخلاقي والحرية المنفلتة عن الضوابط وانفصال الفرد عن أسرته ومجتمعه وبيئته، واعتبر السيد أن الليبرالية الحديثة هي خطر على المجتمعات الإسلامية والمسيحية معاً.

وحول ربط التربية الدينية بالأخلاق رأى الوزير السيد أنه عندما تحدث الرئيس عن هذا الموضوع كان الهدف منه واضحاً، وهو أن يكون المجتمع يحب بعضه بعضاً وأن تعود للأسرة عراقتها وتقاليدها المسيحية والإسلامية وركز على الأخلاق وطلب من علماء وعالِمات الإسلام أن يربطوا كل أمر بمقصده فتكون النتيجة هي الأخلاق وهذا هو جوهر الدين.

يمكن بالتالي تلخيص مواقف وزير الأوقاف بما يلي:

  1. الاستهزاء بمفهوم الأمة السورية والتأكيد على مفهوم الأمة العربية.
  2. هناك عقيدتين أساسيتين في المنطقة هما الإسلام والعروبة، وكل ما عداهما هو متفرق وضئيل. وهذا تناقض مع البعث الذي هو عضو فيه، ويقول بعقيدة واحدة هي القومية العربية المرتبطة بالإسلام، واستهزاء بكل العقائد الأخرى، سواء عقائد قومية أخرى مثل القومية السورية، أو عقائد دينية غير الإسلام، الذي هو بالنسبة له الإسلام السني كونه يمثله. وفي هذا شطب لتاريخ سورية الذي يمتد لآلاف السنين قبل ظهور الاسلام، وإسهاماته الحضارية التاريخية.
  3. الغزو الثقافي الذي نراه في بلادنا الآن يتم على الإسلام بكل شيء، إضافة إلى اللغة العربية والعروبة وإلى الأصل. وهو لا يحدد ما هي بلادنا، هل هي سورية أم “الأمة العربية” أم “الأمة الاسلامية”، ولا أي إسلام يعني. ولا يحدد ما هي العروبة وأي أصل يتكلم عنه. هل هو الأصل العرقي العربي، أم الأصل السوري المتنوع الذي يعني المزيج العرقي والسلالي والحضاري الذي تشكل نتيجة تفاعل الجماعات والإثنيات والطوائف في دورة حياة واحدة في سورية الطبيعية على مدى آلاف السنين. مع أنه طالب باستعادة الأخلاق من خلال أن تعود للأسرة عراقتها وتقاليدها المسيحية والإسلامية. مع أنه في خطاب طرطوس قال أن كل ما عدا الاسلام والعروبة هو متفرق وضئيل! وكأنه بهذا الرد أراد تخفيف حدة قوله الأول.
  4. يستنجد بحديث الرئيس حول الليبرالية الحديثة، ويقول أنها “تسوِّق للشذوذ والانحلال الأخلاقي والحرية المنفلتة عن الضوابط وانفصال الفرد عن أسرته ومجتمعه وبيئته”، واعتبرها خطراً على المجتمعات الإسلامية والمسيحية معاً. فهل يعني أن في سورية عدة مجتمعات، منها الاسلامي ومنها المسيحي، كما تكرر في السنوات الأخيرة في خطاب البعث وحتى خطاب الرئيس، أن في سورية أكثر من قومية، منها القومية العربية ومنها القومية الكردية وربما الأشورية السريانية أي المسيحية؟ وهل الأكراد كمسلمين، هم جزء من المجتمع الاسلامي لكنهم ليسوا جزءاً من القومية العربية؟
  5. يعطي الوزير السيد للمؤسسة الدينية دوراً نضالياً مقاوماً يوازي دور الجيش، في محاربة التطرف والارهاب، متسلحاً بما قاله الرئيس في هذا المجال. ويعطيها بالتالي دوراً في مواجهة المتطرفين ومنابعهم التكفيرية من جهة، ومواجهة الهجمة الثقافية التي تأتي بها الليبرالية الحديثة من جهة أخرى. وأنها كانت الحامل العقائدي الفكري للجيش، الذي لطالما تغنى البعث أنه جيش عقائدي يدين بعقيدة البعث. فهل أصبحت المؤسسة الدينية بديلاً عن البعث في هذا المنحى؟
  6. فصل الدين عن الدولة يخدم جماعات “الإخوان المسلمين والجماعات المتطرفة”. “ويؤدي حُكماً لفصل المجتمع عن الدولة وهذا لا يحصّن المجتمع ولا يخدم مصلحته”. وهذا استنتاج أقل ما يقال فيه أنه يساوي الدولة كمؤسسات سياسية حقوقية والمجتمع كواقع حياتي. مع أنه لا يحدد إن كان يعني المجتمع الاسلامي، أو المجتمعين الاسلامي والمسيحي كما يسميهما في مكان آخر، أم المجتمع السوري بكل فئاته، أم المجتمع العربي في “الأمة العربية”، أم المجتمع الإسلامي في “الأمة الاسلامية”.
  7. فصل الدين عن الدولة يسهم في ضرب الدولة الوطنية العلمانية ويساعد المتطرفين والإخوان المسلمين على إقامة حلمهم بإقامة دولة دينية إخوانية. فالمؤسسة الدينية إذاً هي ضد مبدأ فصل الدين عن الدولة لكنها مع الدولة الوطنية العلمانية، دون تحديد كيف يمكن أن تكون الدولة غير مفصولة عن الدين وبنفس الوقت هي دولة وطنية علمانية! وأن الإخوان المسلمين يريدون فصل الدين عن الدولة كي يقيموا دولتهم الدينية الإخوانية!

ما هو مشترك في معظم هذه النقاط هو الخلط العشوائي بين المفاهيم والتناقض في الطروحات، وغياب التحديد والوضوح فيما يريد هذا الوزير.


طروحات رئيس الجمهورية

بعد خطاب وزير الأوقاف في طرطوس، بعدة أيام، وقبل ردود الوزير في دار البعث، التي أراد أن يكحلها فعماها، القى رئيس الجمهورية كلمة مطولة في الاجتماع الدوري الموسع الذي تعقده وزارة الأوقاف للعلماء والعالمات في جامع العثمان بدمشق (كان من المفضل أن يتحدث وزير الأوقاف في الجامع عن شؤون الدين والأوقاف ويتحدث الرئيس في دار البعث عن الشؤون القومية والسياسية ودور الدولة، لا العكس). فحاول الرئيس شرح وتفنيد الكثير من النقاط، من موقع ما يعتبر أنه قومي عربي معاصر، والدفاع عن وزير أوقافه، وترسيخ دور المؤسسة الدينية في معركة الدفاع عن سورية. وأعطى هذه المعركة أبعاداً سياسية وفكرية أوسع من خطاب الوزير، خاصة بوجه الإخوان المتطرفين المدعومين من تركيا، أو بوجه العروبيين الذين يتهمون القيادة السورية بأنها أقليّة طائفية رهنت سورية الى قوى غير عربية من ايران الى روسية، أو حتى بوجه الهجمة الثقافية التي تسوقها الليبرالية الحديثة ضد العالم الإسلامي!

وكنا قد كتبنا مقالاً نقدياً للطروحات العروبية المستحدثة التي طرحها الرئيس في الملتقى العربي لمواجهة الحلف الأميركي الصهيوني الرجعي العربي ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني في دمشق في 16 تشرين الثاني 2016، فندنا فيها المحاور التالية: حول أهمية القومية والانتماء، العلاقة بين العروبة والإسلام، في تعريف العروبة، في مفهوم القومية، في تحديد المجتمع والأمة والوطن، حصر الخيارات في ثنائية القطرية والقومية العربية، رد الفعل على السياسات العربية، ربط العروبة بالتخلف، من تعبئة الجماهير الى وعي الشعب، وأهمية التمسك باللغة العربية.

مع ذلك، لا بد من مراجعة الطروحات الأخيرة للرئيس، وتفنيدها بالتفصيل لتبيان نقاط الضعف والقوة فيها، وطرح بدائلنا العقائدية في معرض صياغة استراتيجية المواجهة لما تواجهه كيانات سورية الطبيعية، والشام تحديداً في هذه المرحلة، حتى لا تبقى هذه الاستراتيجيات تشوبها نقاط ضعف تؤدي الى المزيد من تفتيت المجتمع وتجهيل هويته، بحجة الدفاع عنه.

الدين والفكر والمجتمع

يبدأ الرئيس مقاربته بأن “ما يحدد قدرة المجتمعات على مواجهة العواصف الهدامة هي عوامل الاستقرار وتحصينها من الاختراقات الفكرية”، مشدداً على أن “قياس تمسك المجتمع بالدين يكون من خلال قياس أخلاق المجتمع وسلوك أبنائه” ويتابع “عندما نتحدث عن الفكر في منطقتنا أنا لا أتحدث الآن عن سورية في هذا الشرق الكبير قد لا يكون هناك تعريف، قد يكون الشرق يمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي ومناطق أخرى هو شرق عقائدي.. شرق ديني.. عندما نتحدث عن الفكر فاليوم هذا الفكر هو الدين لأنه يدخل في كل جوانب الحياة.. يدخل في العقل.. يدخل في العاطفة يدخل في السلوك.. في الماضي.. وفي الحاضر.. وسيكون كذلك في المستقبل.. فإذا يكفي أن نخرب هذا الفكر لكي نخرب المجتمعات”. وهذا اختزال خطر للفكر ومساواته بالدين.

ثم يتابع “.. وبالمحصلة بعد مئة عام فقد حقق أعداء تلك المجتمعات نجاحات كبيرة في هذا الشيء وبدلا من أن يكون الدين الذي أنزل أداة للمجتمعات لكي تتطور استخدم هذا الدين لكي يكون أداة لتخريب تلك المجتمعات”. يفضّل في حالات كهذه تحديد ما هي هذه المجتمعات، وما هي حدود وهوية كل منها. خاصة وأنه يتابع بأن هناك تعارض بين المصالح الدولية وبين “بنية مجتمعاتنا سواء كانت البنية بالمعنى الاجتماعي البحت أو البنية بالمعنى العقائدي لأننا لا نستطيع أن نفصل مجتمعاتنا عن ديننا”. فإذا كنا لا نستطيع الفصل بين المجتمع والدين، فالمجتمع المقصود اذا هو الذي يحدده دين معين، كالمجتمع الاسلامي أو المجتمع المسيحي أو المجتمع البوذي. وهذا تسليم من جهة بالتقسيم الديني للمجتمعات المتنوعة دينياً كالمجتمع في الشام أو في سورية الطبيعية، ومن جهة أخرى بامتداد المجتمعات على بيئات طبيعية وحتى قارات متعددة.

تحديد ضبابي لمن نحن وكيف نواجه؟

وهو أوضح ذلك بالقول: “بالمحصلة خلال القرن الماضي نحن نتراجع.. نحن نخسر والأعداء يتقدمون إلى الأمام.. السؤال الذي يجب أن ننطلق منه بالبداية من هو المسؤول… نحن أم هم… طبعا نحن لا نتحدث الآن عن سورية.. أنا أتحدث عن العالم الإسلامي ككل وسورية اعتبرها في هذا المجال متقدمة جدا وحققت نقلات نوعية جدا ولكننا جزء من هذا العالم الكبير لا نستطيع أن نفصل أنفسنا عما يحصل في العالم الإسلامي..” لذلك نحن العالم الإسلامي”. عندما يكون تحديد النحن بالعالم الإسلامي، فهذا تناقض مع القومية العربية التي يدين بها البعث، حتى لو كان ذلك من باب تحليل ما يحصل في هذا العالم الإسلامي من تطورات. وهكذا نقطة انطلاق، ولو من باب مسايرة المؤسسة الدينية وإعطائها دوراً وبعداً تاريخياً، كما سنرى، تؤدي الى ترجرج في الرؤية وفي استراتيجية المواجهة، وقفز فوق الواقع الاجتماعي السوري، والعربي، الى فضاء أوسع وأكثر تنوعاً من حيث البيئات واللغات والأعراق والدورات الاجتماعية الاقتصادية والمصالح والأولويات.

ويتابع أنه “من الطبيعي عندما تحصل هجمات كالهجمة الأخيرة للإساءة لمعتقداتنا ولرموزنا (…) من الطبيعي في مثل هذه الأحوال أن يكون الرد الأول هو بالإدانة.. الإدانة الحاسمة والموقف الحازم. وهذا الشيء حصل من خلال موقف علماء بلاد الشام ومن خلال موقف وزارة الأوقاف.. الموقف الأول يعبر عن المؤسسة الدينية بشكل عام والموقف الثاني يعبر من خلال كلام السيد وزير الأوقاف عن موقف الدولة السورية.”.

وينتقد الرد بالكلام الغاضب فقط: “نحن نغضب لكننا لا نتصدى وهناك فرق كبير بين الغضب وبين التصدي..” هل هذا نقد وإدانة لموقف المؤسسة الدينية ووزير الأوقاف والدولة السورية فيما يتعلق بالرد على الإساءات؟ أم محاولة لتمييز موقف المؤسسة الدينية في الشام عن غيرها من المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي؟

ويوضح أن “كل ما نقوم به يدور حول مشاعرنا لا يدور حول مصالحنا وعندما نتحدث عن مصالحنا فهي لا تنفصل عن عقائدنا لأن العقائد أنزلت من أجل المصالح. وبين الهجمة والإدانة والغضب يتحول الدين إلى كرة يتقاذفها الانتهازيون من السياسيين. الأول في فرنسا لديه انتخابات العام القادم وهو يريد أن يستقطب المصابين برهاب الإسلام.. والثاني لديه انتخابات في تركيا في عام 2023 أردوغان.. ولم يعد لديه من الأكاذيب ما يقنع بها شعبه وبدأ يخسر شعبيته فقرر أن ينصّب نفسه حامياً للإسلام”.

ويتابع: “غضبنا كرد فعل ولكن هذا الغضب لم يتحول إلى فكر.. لم يتحول إلى خطة عمل.. وعندما لا يضبط العقل الغضب يتحول كالعاطفة”.. “فإذاً من خلال الحماس أحيانا نضرب بالمسلمات من دون أن نشعر بحسن النوايا.. وهذا لأن جزءا كبيرا من مفاهيم الدين هو مفاهيم غير واضحة”.

وينتقد مقولة “إلا رسول الله”.. التي سوقها الإخوان المسلمين للدفاع عن الرسول. ويقول أن الرسول لم تزعجه الانتقادات بل تزعجه الكبائر التي ترتكتب باسم الدين، كقتل الابرياء. ويتساءل “كيف للمسلم أن يغضب على كلام سفهاء لا يعني الرسول لو كان موجودا ولم يهتم به عندما كان حياً.. ولا يغضب من كبيرة من الكبائر…”

ويضيف: “كيف نتصدى… أين يبدأ التصدي… التصدي يبدأ أولاً بمعرفة العدو الحقيقي وأين يتواجد… الحقيقة أول عدو لأي عقيدة لا يأتي من الخارج… عبر التاريخ لم يحصل أن هناك عقيدة انهارت بهجوم خارجي.. بالعكس تماماً… دائماً الخطر يأتي من الداخل.. الخطر من أبناء الدين ومن اتباع الديانات ومن اتباع العقيدة.. ويبدأ هذا الخطر بالتخلّف والتطرّف وبالتعصّب وبعدم قدرة أبناء أو اتباع تلك العقيدة على التفكير السليم”.

ويتهم الغرب بخلق الارهاب الذي يعانون منه. “المجتمع الغربي هو من حرض الإرهاب في هذه المنطقة والأهم من ذلك أن جزءا من الإرهاب الذي يضرب عندهم في أوروبا لا علاقة له بالإرهاب الموجود لدينا.. هم أدخلوا الفكر الوهابي فقط مقابل البترودولار.. مقابل أموال والآن يدفعون الثمن.. ولكنهم يلقون بالمسؤولية على المسلمين وعلى تطرف المسلمين وإلى آخره وصولاً إلى رموزنا. فإذاً التصدي يبدأ من معرفة الخطر ويبدأ أيضاً من معرفة نقاط الضعف..”

الليبرالية الحديثة والمؤسسة الدينية

ويضيف أن “المؤسسة الدينية في سورية قطعت خطوات مهمة جداً وعقدنا الكثير من النقاشات بجلسات مختلفة وتحدثنا عن نقاط الضعف واعتقد بأنكم أنتم من يقوم بمعالجة هذه النقاط.. نقاط الضعف. لكن النقطة التي لم تكن ظاهرة للكثيرين وما زالت هي.. تحديد هوية العدو الحقيقي”.. ويحدد هذا العدو الذي لم يكن واضحاً للكثيرين بأنه تيار الليبرالية الحديثة والقلة من الناس تعرف عنهم”.. وهو “طبعا يختلف عن الليبرالية.. الليبرالية هي تيار سياسي اجتماعي لا يوجد فيه مشكلة”.. “الليبرالية الحديثة التي بدأت تتطور منذ حوالي الخمسة عقود بشكل تدريجي وخبيث… أساس منهجيتها هو تسويق الانحلال الأخلاقي بشكل كامل وفصل الإنسان عن أي مبادئ أو قيم أو انتماءات أو عقائد من أجل الوصول لأهدافها”.. ويعطي مثالاً على ذلك تسويق وتشريع الزواج المثلي وتشريع المخدرات واختيار دينه أو ما اذا كان يريد أن يكون ذكراً أو أنثى. ويتابع أن “المطلوب من هذه الليبرالية ضرب إنسانية الإنسان وهنا تتناقض مع الدين.. لأن الأديان أنزلت من أجل تكريس الإنسانية فتأتي الليبرالية لتفصل الإنسان عن إنسانيته.. إذا.. عندما يفصل عن إنسانيته ويفصل عن قيمه وعقائده ما الذي يقود هذا الإنسان… شيئان.. المال والغريزة.. وعندها تسهل قيادته بالاتجاه المطلوب.”

ويتابع أن “منهجية هذه العقيدة وهي طبعاً عقيدة ترفض العقائد لأنها تطلب من الإنسان ألا ينتمي للعقائد.. منهجيتها هي أن تحول مرجعية الفرد من المرجعية الجماعية.. كما هو الحال الطبيعي بالنسبة للبشر.. إلى مرجعية الفرد.. وبالتالي مرجعية الفرد المقصود فيها رغباته فكل ما يرغب به هذا الفرد هو صحيح بغض النظر عن المجتمع.. فإذاً رغبات الفرد هي الأساس لا الأسرة ولا المجتمع الأكبر.. انسلاخ الفرد عن هذه القيم هو منهجية ثانية.. الانسلاخ عن الأسرة والانسلاخ عن الوطن.. فإذاً هو لا ينتمي إلى أي شيء.. ينتمي لنفسه في الداخل.. وينتمي لهذه العقيدة الليبرالية.. هم يسوقون أن هذه العقيدة هي ليست عقيدة.. هي ترفض العقائد لكن في الحقيقة هي عقيدة.”

لا شك أن في هذا الوصف الكثير من الحقيقة، لكن هذه الفلسفة الليبرالية التي ترتكز الى الفلسفة الفردانية Individualism ليست وليدة هذا العصر، برغم الأمثلة المتطرفة التي ساقها والتي تعبئ العلماء والعالمات المستمعين طبعاً. الليبرالة أصلاً ومنذ القرن الماضي تقوم على الفلسفات الفردانية التي تجعل الفرد هو المعيار، لا المجتمع ولا حتى الأسرة، وهي تنطلق من نظرة دينية مسيحية تقول ان الله خلق الانسان الفرد على صورته ومثاله، وبالتالي فالفرد هو المرجع. وهناك العديد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع مثل جيمس أليشاما سميث و وليام ماكول و جون ستيوارت ميل وتوماس كارليل و جيلبيغ سيموندون وفريدريك نيتشه وسيغموند فرويد وماكس ويبير وسورين كيركيغارد و نيقولا بيردياييف في أوروبا، منذ القرن التاسع عشر، نظروا لهذه الفلسفة. والرد على هذه الفلسفة يكون بفلسفة اجتماعية جديدة وجامعة ومتماسكة لا بتعزيز الدين ومؤسساته ومقولاته خاصة في مجتمع متنوع دينياً مثل سورية.

ويتابع الرئيس أن ضرب العقائد هو ليس شيئا جديدا وقد بدأ الحديث عنه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي فراحت أمريكا تسوق “أن زمن العقائد قد ولى يعني لا توجد عقائد.. يعني هذه هي بداية أو كانت مرحلة مهمة من مرحلة الليبرالية الحديثة”. ومن باب مساواته للفكر والدين، يضيف أن الليبرالية الحديثة لا مشكلة لها مع الدين “لكن يجب أن نتخلى عن المبادئ والقيم.. يعني مقبول الدين الفارغ من المضمون مسموح به.. الدين المتطرف مسموح به.. أما دين صحيح فلا.. غير مسموح على الإطلاق”.

ويقول أنه في التسعينيات “عندما بدأت الفضائيات تنطلق.. كنا أمام حالتين إما فضائيات تفرغ العقل وتدفع الجيل الشاب نحو التغرب أي باتجاه الفكر الغربي وخروج عن القيم ومقابلها تماماً الفضائيات التي بدأت تكرس التطرف فكنا أمام حالتين إما الأولى أو الثانية.. والتطرف الأول يخلق التطرف الثاني.. والتطرف الثاني يخلق التطرف الأول.. و تمويل هذه القنوات كان من مصدر واحد.. نفس الدول تدعم الأولى وتمول الثانية.. فإذاً كلاهما يصب باتجاه المضمون نفسه”..

في هذا الطرح مسايرة تعميمية حول هدف الليبرالية وكيفية مقاومتها. فالهجمة الثقافية الليبرالية استهدفت نخب العالم الثالث جميعها، وليس فقط العالم الاسلامي، وسوقت لفكرة أن وطن الانسان هو حيث يجد حياة أفضل، مما أدى الى نزف الأدمغة من كل دول العالم الثالث، بمختلف أديانها، الى الغرب، الذي استفاد منها واحتضنها. والمسلمون في الغرب يدعون المحافظة على القيم الاسلامية مثلهم مثل علماء بلاد الشام وربما أكثر. وهذه القيم الدينية لم تمنع الملايين منهم من المهاجرة الى الغرب والكفر بأوطانهم. وبالتالي هذه القيم لوحدها، دون وضوح الهوية القومية وصحة الوعي القومي والوجدان الاجتماعي، وإهمال عامل الأرض والبيئة والوطن في تشكيل الهوية والانتماء، هي غير قادرة على تحصين المجتمعات والصمود في وجه الهجمة الثقافية المعولمة. لأن الدين انساني بطبيعته وليس قومياً. وحتى التيارات القومية التي تشطب عامل البيئة والأرض والمتحد ووحدة الدورة الحياتية الاجتماعية الاقتصادية داخل البيئة الجغرافية، وتركز فقط على عوامل اللغة أو الدين أو الثقافة أو العرق فقط لتحديد الأمة، هي شبه عاجزة عن تحصين المجتمعات بوجه مغريات الهجرة. وتحديد النحن بأنها العالم الاسلامي أو الأمة الإسلامية يسهم في سلخ الأفراد والجماعات عن أوطانها الجغرافية، إذا أنها تعتبر نفسها ما تزال جزءاً من الأمة الاسلامية والمجتمع الاسلامي والعالم الاسلامي حتى بعد هجرتها الى الغرب واندماجها في مجتمعاته ونيلها جنسية دوله.

وقول الرئيس “الدين الصحيح هو الذي يمنع الأهداف السياسية عبر خلق حاجز يمنعهم من تحقيق الأهداف ويمنعهم من تحويلنا إلى قطعان من المواشي تقاد إلى المذبح.. انطلاقاً من هذه الفكرة تستطيعون أن تفهموا لماذا نرى هذا الهجوم الشرس على المؤسسة الدينية”.. هو تصريح بحاجة الى اثباتات علمية غير متوفرة، بل عكسها هو السائد.

ويتابع أن الموضوع أكبر وأوسع من الحرب على سورية، ويتساءل “من هي المؤسسة التي تدفع الشهداء من أجل تكريس الدين الصحيح على كل الساحة الإسلامية؟” ويجيب أن هذه هي المؤسسة الدينية السورية، ويستنتج أنه من “الطبيعي أن تكون هذه المؤسسة هي العدو الأول.. هاجموكم كأشخاص وهاجموكم كمؤسسة.. لأن الدين الصحيح الذي نتحدث عنه هو الذي يؤسس لبنية اجتماعية مناقضة تماماً للبنية الاجتماعية المطلوبة لتسويق الليبرالية”..

لنفترض أن ما تقوم به المؤسسة الدينية هو مناقض لليبرالية وطروحاتها، ولكن هل هو يؤسس لبنية اجتماعية متينة وصحيحة تؤسس لوحدة المجتمع ومنع تفتيته وإضعافه وحماية أجيالنا من الهجرة الى الغرب؟ الجواب الفوري هو كلا. ولكن حتى اذا اردنا أن نكون موضوعيين وعلميين، وسلمنا جدلاً أن النهضة تستمد بعضاً من روحها من تراثنا الديني، فنقول أن ترسيخ بعض القيم الإيجابية المستمدة من الدين الاسلامي المحمدي، الذي تمثل المؤسسة الدينية في الشام إحدى طوائفة الاساسية، قد يسهم في رفد مجتمعنا ببعض عناصر القوة والمنعة، على أن لا تهمش العناصر الأخرى التي يتشكل منها مجتمعنا، سواء كانت مذاهب اسلامية أخرى أم أدياناً أم إثنيات أخرى تشكل جزءاً لا يتجزأ من نسيجنا الاجتماعي في سورية الطبيعية. أما وصف هذه العناصر بأنها متفرقة وضئيلة، على طريقة وزير الأوقاف، فهذا يخدم أهداف الليبرالية الحديثة ولا يقاومها.

ولعل الرئيس يحمل المؤسسة الدينية مهمة أكبر من أن تتحملها، وبنفس الوقت يختزل دور المجتمع بالمؤسسة عندما يقول: “هذه هي المشكلة بينكم كمؤسسة وبين الليبرالية الحديثة”. فتصبح المؤسسة مسؤولة عن رد الهجمة المفترضة من الليبرالية الحديثة على الدين الاسلامي والعالم الاسلامي، من منطق ديني طائفي يمثل جزءاً من المجتمع، كأن الأطراف الأخرى من المجتمع إما غير معنية بالهجمة، أو غير معنية بمواجهتها.

العلمانية والليبرالية

وحول الخلط بين الليبرالية والعلمانية.يدافع الرئيس عن العلمانية ويفصلها عن الليبرالية: “الحقيقة أن الهجوم الذي يحصل والطروحات الشاذة التي نسمعها هي طروحات ليبرالية لا علاقة لها بالعلمانية.. العلمانية شيء مختلف تماماً.. العلمانية هي حرية أديان لا علاقة لها على الإطلاق.. فيجب أن نميز ونعرف من هو العدو الحقيقي الذي نواجهه”..

ويتابع بالحديث عن تعرض الجيل الجديد اليوم لثقافات الغرب من خلال الهاتف والحاسوب، ويقول: “قبل ثلاثة عقود نستطيع أن نتقوقع على أنفسنا ونعيش مع عاداتنا وتقاليدنا ومفاهيمنا.. اليوم هذا الكلام غير ممكن لا خيار سوى التحصين.. تحصين المنزل كما قلنا في البداية. ما هو أهم عامل في التحصين؟ طالما أنا تحدثنا عن علاقة هذه الليبرالية بالدين فلا بد أن تكون البداية من الدين.. والدين عندما نقول الدين يعني الدين الصحيح”… وهذا افتراض كبير، سببه خلط الدين بالفكر كما مر في بداية الكلمة.

ويتابع: “. بكل مجال من المجالات هناك قدرة على القياس ولكن في المجال الديني كيف نقيس؟ لا يمكن أن نقيس من خلال عدد المصلين.. لا يعني شيئا. أنتم تعرفون أن عدداً من الذين خرجوا من المساجد في بداية الحرب هم من الملحدين الذين كانوا يهتفون.. الله أكبر” … “ولكن نستطيع أن نقيس أخلاق المجتمع وسلوك المجتمع والمصطلحات الصحيحة التي تستخدم من قبل عامة المسلمين.. نستطيع أن نقيس عندما نرى أن التدين هو الذي يواجه التعصب وليس الربط بين التدين والتعصب”. و”الذي تحدث بالتعصب وبالطائفية في بداية الحرب هم بمعظمهم من غير المؤمنين وإذا كان البعض منهم من التيار الديني فهم غالباً بالميول الإخونجية والذين تركوا البلد والحمد لله تخلصت من كل هؤلاء”..

هذا كلام شبه تبريري قد يؤدي الى التعمية على الحقائق. فالكثيرون ممن تحدثوا بالتعصب والطائفية كانوا من المتديّنين، حتى لو تأثروا بالميول الاخونجية. والقول أن البلاد تخلصت منهم هو نوع من الفشل والانهزام لأن هؤلاء من ابناء المجتمع الذين لم تستطع لا المؤسسة الدينية ولا حزب البعث تحصينهم والحفاظ عليهم، خاصة وأن أكثريتهم كانوا إما من البعثيين أو من أتباع مشايخ انبتتهم المؤسسة الدينية.

بناء الإنسان الجديد على اساس الانتماء القومي الصحيح والوجدان الاجتماعي والعقلية الأخلاقية الجديدة ومنظومة قيم مجتمعية واحدة لكل افراد الشعب ووعي حقيقة المجتمع وهويته ووحدة حياته وأهمية الاشتراك في الدورة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة فيه، هو ما يحصن المجتمع، لا القوميات التي تقوم على الدين واللغة والعرق والثقافة كالبعث، والتي تصبح اقصائية في مجتمع تاريخي متنوع، ولا المؤسسات الدينية التي تتدخل في السياسة والقضاء القوميين، فتسهم في تشييد الحواجز بين الطوائف والمذاهب والإثنيات بدل إزالتها.

اللغة العربية

وينتقل الرئيس للحديث عن نقطة أخرى، هي اللغة العربية، التي “هي حامل الفكر والثقافة بشكل عام قبل أن تكون لغة القرآن.. هي الحامل الطبيعي.. عندما تندثر هذه اللغة أو تتراجع أو تضعف وهذا الشيء كلنا نراه في المجتمع بشكل واضح وبشكل خطير ومخيف فيجب أن نعرف أن هناك حاجزاً وهناك غربة بين الإنسان وثقافته”.. ويحذر من “الفصل بين ثقافة القرآن وثقافة المجتمع.” ويقول: “اللعبة واضحة.. فلذلك لا نستطيع أن نفك اللغة عن العقيدة واللغة عن المجتمع والمجتمع عن العقيدة” والعقيدة هنا يعني بها الدين. كل الإرث الحضاري الذي انتجته سورية باللغة العربية بكل طوائفها وفئاتها، على مدى اكثر من ألف عام بعد الاسلام، في كافة مجالات الحياة وعلومها وآدابها، بما في ذلك النهضة العربية منذ القرن التاسع عشر، شطبها الرئيس بحصره اللغة العربية بالقرآن الكريم، وحصره العقيدة بالدين الاسلامي، واختزال المجتمع (على أمل أن يكون قصده المجتمع السوري لا المجتمع الاسلامي على كامل مساحة العالم العربي أو الاسلامي) بالطوائف الاسلامية أو حتى بعضها.

الأسرة والدين

ويتابع أن “الأسرة هي الوحدة الأصغر في مجتمعاتنا الشرقية وليس الفرد كما تحاول الليبرالية الحديثة تسويقه. الأسرة هي الحاملة للعادات والتقاليد والثقافة وكل ما يمثل الهوية نراه في الأسرة.. والفرد هو عضو فيها.. والأسرة لا يمكن أن تؤسس إلا على الغيرية لا يمكن للأنانية أن تبني أسرة.. لأن هذه الوحدة هي أساس سلامة المجتمع عندما تكون سليمة فالأسرة الأكبر مع الأقرباء تصبح سليمة والحي والمدينة والمجتمع كله يصبح سليماً.. لذلك ركز الدين على هذه الأسرة ولذلك من أهم الخطوات لضرب هذه البنية الاجتماعية هي ضرب الأسرة والنزول باتجاه الفرد.. فإذاً في عملنا الديني يجب أن نركز على موضوع الأسرة في عملنا الديني والاجتماعي وأيضاً نتحدث عن هذا الموضوع.. لأن الأسرة بدأت تتفكك بفعل عوامل مختلفة.. بفعل تطور الحياة.. العوامل التقنية.. وبفعل الهجمة التي تحصل على الثقافة.” ويتابع “هناك كثير من المسلمات التي تمثل القيم والعادات والتقاليد والمفاهيم التي يبنى عليها المجتمع.. لا بد من تمتين هذه المسلمات أيضاً.. مجتمعاتنا تفقد هذه المسلمات.. عندما نلغي هذه المسلمات يصبح الكبير كالصغير والطالب كالمعلم والأبناء يحلون محل الوالدين.. يأخذون دورهم وتلغى الحدود بينهم.. وفي هذه النقطة بر الوالدين هو أحد أهم المفاهيم التي يجب أن نركز عليها في بناء الأسرة ويصبح الفاسد كالشريف ويصبح الظالم كالمظلوم”.. “إذا أرادوا أن يصلوا إلى الانهيار السياسي فلا بد من الانهيار الاجتماعي”..

لا شك أن للأسرة دور في احتضان الأفراد. ولكن طرحها بهذا الشكل، من دون مؤسسات اجتماعية تأخذ الأفراد الى التفاعل المباشر مع المتحد المحلي، خارج نطاق الاسرة والعشيرة والقبيلة، والى الانخراط في التفاعل الحياتي الأوسع في المتحد الأتم، الذي هو المجتمع بحسب التحديد العلمي له، وتأسيس قيم اجتماعية وأخلاقية تأخذ ما هو جيد من المسلّمات الموروثة وتتخلص مما هو سيء وقديم ورجعي، كل هذا هو تراجع من الرابطة القومية والاجتماعية الى الرابطة الدموية والأسرية وتعيدنا الى عصر العشائرية والقبلية والعائلية والإقطاع مجدداً، التي تنتج انتماءات ومصالح محدودة وقاصرة عن تحقيق وحدة المجتمع وتحصينه. وقد رأينا أُسَراً كثيرة محافظة على الرابطة والقيم الأسرية والمسلّمات الموروثة من عصور الانحطاط والجهل والتخلف، تهاجر بأكملها الى الغرب وتستوطن فيه. إذاً هذه نظرة مجتزأة وقاصرة. وإن كانت ضرورية فهي غير كافية لتحصين المجتمع بوجه ما يسمية الرئيس هجمة ثقافية تقوم بها الليبرالية الحديثة.

ثم انتقل الى تهنئة المؤسسة الدينية على انجازها موضوع التفسير الذي يعتبره أساس العمل الديني وأن ما قاموا به هو إنجاز تاريخي. وهو بداية الطريق لفهم الدين الصحيح وأيضاً لمكافحة التطرف من خلال التطبيق الصحيح للدين.. وقال “أن التفاسير تتناسب مع العصر وما تقوم به اليوم هذه المؤسسة المهمة وزارة الأوقاف بالنسبة للتفسير ربما بعد قرن من الزمن سيقولون ما هذا التفسير لا يرتبط بعصرنا فتكون التحديات مختلفة وهذا هو الطبيعي.. القرآن موجود لكي نغرف منه في كل مرحلة ما يناسبنا.. نحن نحدد كم نأخذ.. هو عميق كما قلنا.. عميق بعمق الحياة وبعمق فلسفة الحياة ولكن ما نأخذه هو ما نستطيع نحن كبشر أن نستوعبه ونتعمق به هذا هو دور التفاسير.” لسنا هنا بوارد التعليق على هذه النقطة، لأنها من اختصاص المؤسسة الدينية، على أن لا تؤثر على وحدة الحياة داخل المجتمع وتؤدي الى تكثيف الحواجز بين الطوائف.

فصل الدين عن الدولة

ومع أن الرئيس دافع عن العلمانية، وهذا من بدايات التراث البعثي، ولو شكلياً، لكنه انتقد فصل الدين عن الدولة، واعتبر كما وزير الاوقاف، أن هذا يؤدي الى فصل الدين عن المجتمع! وفي هذا خلط بين الدولة والمجتمع. فيسأل” كيف يمكن فصل الدين عن الدولة؟” ويجيب “ممكن ولكن في حالة واحدة عندما نفصل الدين عن المجتمع لأن الدولة تتجذر حيث يتجذر المجتمع”.. “وعندما ينفصل المجتمع عن جذور محددة فلا بد للدولة أن تنفصل عن هذه الجذور فهي مرآة لهذا المجتمع”.. وهذا منطق مشوش، فإذا افترضنا أن الدولة تتجذر حيث يتجذر المجتمع، (لا معنى دقيق لذلك)، فهو يفترض أن الدولة تنفصل عن الدين اذا انفصل الدين عن المجتمع. وفي هذا خلط بين الدولة والمجتمع. مع أن الدين يمكن أن يفصل عن الدولة، التي هي شأن ثقافي بحت وشأن سياسي بحت يرعى مصالح المواطنين ويؤمن المساواة في الحقوق والواجبات والعدالة الاجتماعية ودور المرأة في المجتمع والحياة العامة، دون أن يتم الغاء الدين من المجتمع، أو فصله عنه، خاصة في المجتمعات المتنوعة دينياً وطائفياً. وهو يتابع بالتأكيد ان “مجتمعاتنا عقائدية وستبقى عقائدية لقرون إلى ما شاء الله والله أعلم لا نعرف..ففصل الدين عن الدولة بالشكل الذي يطرح يعني فصل الدولة عن المجتمع”.. هذا المنطق غير متماسك. فلو افترضنا أن المجتمع سيبقى عقائدي (يقصد ديني)، فهذا لا يعني بالضرورة أن الدولة لا يمكن أن تنفصل عن الدين، أي أن يبقى الدين منزهاً عن السياسة وتبقى الدولة بعيدة عن التأثيرات الدينية والطائفية، وبعيدة عن استغلال رجال الدين لمكانتهم الروحية للتدخل في شؤون الادارة والسياسة والاقتصاد والقضاء وغيرها، وهي مجالات بحاجة لتخصصات حديثة. أما القول بأن فصل الدين عن الدولة يعني فصل الدولة عن المجتمع، فهذا خلط كبير يساوي بين الدين والمجتمع. واذا دمجنا ذلك مع الخلط السابق بين المجتمع والدولة، نخرج بخلطة غريبة عجيبة تناقض كل علوم الاجتماع والسياسة المعاصرة، وتعود الى ضبابية مفاهيم الدول القديمة، وهي أن المجتمع والدين والدولة شيء واحد.

ومن أجل ترهيب من يطرحون فصل الدين عن الدولة وتسخيفهم، يقول أن من يطرحونه يعبرون “عن سذاجة لأنهم يعتقدون بأن فصل الدين عن الدولة هو خطوة في مكافحة الإرهاب أو التطرف مع أنه لا يوجد علاقة على الإطلاق بينهما”. ويتابع: “أنا أقول دائما بأن هؤلاء الأشخاص الذين لا يمتلكون المعرفة لا بد من محاورتهم والشرح لهم..”

ثم يقول أن “هناك خلط بأن البعض يعتقد بأنه من متطلبات العلمانية أو جوهر العلمانية فصل الدين عن الدولة.. أيضاً هذا الكلام خاطئ.. لا يوجد أي علاقة بين العلمانية وفصل الدين عن الدولة لأن العلمانية هي حرية الأديان وهي احترام الأديان وهذا في صلب ديننا.. وهذا في صلب ممارسات الرسول الكريم احترام الآخرين وحرية الأديان.. فلذلك العلمانية في مكان آخر لا علاقة لها بالليبرالية ولا فصل الدين عن الدولة ولا كل هذه الأشياء”. العلمانية إذاً هي النموذج الاسلامي باحترام الاديان، بالرغم من كثرة الأمثلة التي تناقض ذلك في الدين الاسلامي. وبكل الأحوال فهذا التوصيف يعيدنا بأحسن الأحوال الى عصر أهل الذمة ودفع الجزية كمقومات للعلمانية!

وينتقد فكرة “استبدال الديانة في المدارس بمادة التربية الأخلاقية” ويقول أن لا يمكن أن يكون هناك أخلاق بدون دين ولا يمكن أن يكون هناك دين من دون أخلاق”. ويتابع أن “الأخلاق الفردية تتواجد ولكن وجود الأخلاق الفردية لا يعني أن المجتمع سيكون أخلاقياً.. هنا يأتي دور الدين الذي يقوم أولاً بضبط العلاقات الأخلاقية بين الناس ويحول الأخلاقيات الفردية إلى أخلاقيات جماعية.. هذا جانب والجانب الآخر إذا كان الإنسان أخلاقياً لا يعني بأنه لن ينحرف.. ممكن للإنسان الأخلاقي أن ينحرف بفعل المؤثرات وبالتالي الدين يشكل رادعاً عن الانحراف. والجانب الآخر وهو يرتبط بالجانب الأول.. عندما نقول بأن هناك مجتمعاً أخلاقياً لا يعني أن نلغي القانون لأن الأخلاق لا يعني أنها تنظم.. الدين هو من ينظم العلاقات الأخلاقية.. فالدين ضروري للأخلاق بشرط أن يكون الدين هو الدين الصحيح والدين المرتبط بجوهره وبمقاصده”.. و”الدين هو القانون الذي يضبط المجتمع”.. ويضيف “القانون يضبط العلاقات بين الناس بالمعنى المؤسساتي أما الدين فهو يضبطها بالمعنى الذاتي والعقائدي”. ربما ينطبق هذا المنطق على الملة أو الطائفة أو المجتمعات ذات طائفة واحدة. لكنه يعطي للدين دوراً تنظيمياً لضبط المجتمع. ومع اختلاف الاديان والطوائف، حتى بوجود طائفة تشكل أكثرية شعبية، يعني أن قوانين ضبط وتنظيم المجتمع بالمعنى الذاتي والعقائدي والأخلاقي ستكون مختلفة باختلاف الاديان والطوائف وأساليبها وشرائعها، مما ينتج مجتمعاً مفتتاً مقسم المرجعيات والقوانين والضوابط. وهذه وصفة دائماً للصدامات والاختلافات الداخلية. خاصة في ظروف الأزمات والتدخلات الخارجية، التي قد تؤدي الى تأثر كل طائفة بطرف خارجي وتبني وجهة نظره، مما يؤدي الى حرب المجتمع على نفسه كنتيجة لتضارب المصالح الخارجية التي قد تتبناها الأديان والطوائف المتعددة. وهذا يضعف دور القانون المدني ودور الدولة. وهو يدمج الدين ليس فقط مع الدولة والمجتمع كما ورد سابقاً، بل أيضاً مع القانون الذي يجب أن يكون واحداً وعادلاً يضمن الوحدة والمساواة والعدالة. وفي بداية الحرب في الشام، والتحاق البعثيين بمئات الآلاف بالجماعات المسلحة التي تقاتل الدولة، كما حصل منذ البداية في درعا، التي كانت تعتبر مدينة بعثية بامتياز، كنا قد تساءلنا عن طريقة تربية البعث لأعضائه، وعن المنظومة الفكرية العقائدية الأخلاقية القيمية التي يرسخها عندهم. وكان الاستنتاج أنه لا يقوم بهذه المهمة. ويتبيّن من كلام الرئيس هنا، أن هذه المهمة تركها البعث على ما يبدو الى المؤسسة الدينية، فكانت النتيجة ما شهدناه من تحوير لما تبنيه هذه المؤسسة وسهولة استغلاله من قبل الجماعات التكفيرية أو الاسلام السياسي الممول خارجياً، خاصة مع تفاقم مشكلات الفقر والجهل والأزمات الاقتصادية والفساد والتفاوت الاجتماعي.

العروبة الحضارية

وينتقل الرئيس الى موضوع آخر يعتبره خطيراً،”وهو يأتينا على شكل ثلاثة مواضيع منفصلة الأول يمس أو يشكك بعروبة سورية وبلاد الشام والعالم العربي بشكل عام والثاني يشكك بعروبة القرآن من خلال القول بأن القرآن كتاب سرياني والثالث يشك بعروبة الرسول من خلال القول بأن الرسول مستعرب وليس عربياً.. طبعاً الهدف من هذه الطروحات الوصول لعدة أهداف الأول هو ضرب العروبة والإسلام بالرغم من أنها ضربت منذ أكثر من مئة عام وساهم الإخونجيون في التفكيك بينهما ونحن نعيش كمجتمعات أزمة هوية منذ عقود ومنذ قرن من الزمن أو أكثر بقليل أو ربما منذ بدأ التتريك في العهد العثماني.. بدأنا نعيش أزمة هوية.. وبدأ البعض يسأل نفسه أنا مسلم أكثر أم عربي أكثر… هل أنا أنتمي لدمشق أو حلب أو دير الزور أو اللاذقية أكثر أم أنتمي لسورية أكثر… ما هو التعارض؟ أنت تنتمي لعائلتك ولحيك ولقبيلتك ولطائفتك ولمدينتك وتنتمي للوطن وتنتمي للدين”. هذه الإشكالية لا تحل بالجمع. والجواب الذي يعطيه الرئيس على سؤال “أنا مسلم أكثر أم عربي أكثر”، والذي بدأ كإشكالية منذ اواخر أيام العثمانيين، لا يحل بالقول انك تنتمي الى الوطن وتنتمي الى الدين، بنفس النسبة. فالانتماء الى الدين قد يجعله يتبع مرجعيات دينية خارج الوطن، أو مرجعيات دينية داخل الوطن تعمل ضد مصلحة الوطن. المشكلة ليست عندما تكون مصلحة الدين ومصلحة الوطن متفقتين ومتناغمتين. المشكلة هي عندما يحصل تضارب، فأي منهما أهم وأولى؟

ويتابع: “.. يريدون أن يفرقوا بين العروبة والإسلام ويفرقوا بين القرآن ولغته ويفرقوا بين المسلم والمسيحي ويضربوا جوهر انتماء هذا المجتمع وهو الانتماء العربي الذي تكرس عبر السياق التاريخي.” ويشرح هذه النقاط كما يلي: ” النقطة الأولى حول سورية أن سورية هي بلد كان قبل الإسلام مسيحياً يتحدث السريانية ويكتب بالسريانية وأتت الغزوات من الجنوب غزوات إسلامية عربية وأتت اللغة العربية لتلغي اللغة السريانية.. الحقيقة الرد على هذا الكلام بسيط وسهل جداً لأن الحقائق التاريخية تنسفه هم خلطوا بين ثلاثة أشياء ليست مرتبطة بالزمن مع بعضها البعض.. العرب كعرق واللغة العربية والإسلام كدين.. فالعرب متواجدون في هذه المنطقة في بلاد الشام عشرة قرون قبل الميلاد طبعاً أقول عشرة قرون لأنه أول مرة ذكر العربي بالوثائق أو بالمخطوطات الآشورية كان في القرن العاشر قبل الميلاد أعتقد في عام 950 ق.م حسب ما هو مؤرخ.. متى وجدوا قبل لا نعرف.. ولكن أول ذكر لهم في عام 950 ق.م.. القبائل العربية أتت إلى تدمر في الألف الأول قبل الميلاد وبالمناسبة العرب في ذلك الوقت عشرة قرون قبل الميلاد كانوا عرباً ولكنهم كانوا يتحدثون اللغة الآرامية لأنها كانت اللغة السائدة.. اللغة العالمية في تلك المنطقة.. الشيء نفسه في تدمر كانت لديهم لغة قريبة من الآرامية ولديهم كتابة قريبة من الآرامية ولكنهم كانوا عرباً.. الأنباط أتوا في بضع مئات.. بضعة قرون.. قبل الميلاد وهم قبائل عربية وسكنوا في جنوب بلاد الشام وكانوا يتحدثون العربية وعرقهم عربي ولكنهم يكتبون بالآرامية.. وبعدهم أتى الغساسنة.. كانوا مسيحيين عرباً سكنوا في جنوب بلاد الشام. وأيضا كانوا يكتبون بالآرامية ويتحدثون اللغة العربية.. فاللغة شيء والعرق شيء كما نلاحظ والكتابة شيء آخر مختلف لا يمكن الربط بينهما.. وطبعاً كان هناك تفاعل بين اللغات أما عندما وصلت قريش إلى سورية فلا يمكن لقريش أن تقوم بغزو كل هذه المنطقة وتبني لأفرادها دولة من المحيط الأطلسي إلى مناطق في أواسط آسيا.. غير ممكن بحكم الحسابات البسيطة.. بنيت هذه الدولة بأبناء هذه المنطقة هذا شيء محسوم أما بالنسبة للغة فلن تأتي اللغة لكي تلغي لغة أخرى.. أولاً اللغة السريانية كانت اللغة المحكية ولم تكن لغة الكتابة.. لغة الكتابة.. لغة الدواوين.. اللغة الرسمية.. لغة السياسة.. لغة التجارة.. كانت هي اللغة الإغريقية أي اليونانية وبقيت متداولة لسبعة قرون وبعد إنشاء الدولة الأموية استمرت هذه اللغة رسمية حتى العام الخامس والستين للهجرة.. أما اللغة السريانية فقد بقيت هي اللغة المحكية حتى القرن الثاني عشر أو الثالث عشر يعني تقريباً سبعة قرون بعد مجيء الإسلام فلم يأت أحد ليلغي أحداً.. لا أتت قبيلة لكي تلغي أقواماً أصليين يعيشون في هذه المنطقة.. ولم تأت لغة لتلغي لغات.. لو منعت لألغيت بأقل من قرن من الزمان واستمرت كما تعرفون في مناطق في القلمون ومعلولا وغيرها يتحدثون هذه اللغة حتى هذا العصر.”

هذا السرد التاريخي جيد، خاصة لجهة استبدال أهل بلاد الشام للغة السريانية باللغة العربية تدريجياً. ولكن القول أن العرب أتوا الى سورية قبل الف سنة قبل الميلاد وإعطاء أمثلة عن تدمر والأنباط والغساسنة هو نوع من اختزال بقية مكونات الشعب السوري، والإصرار على الأصل العربي العرقي للشعب السوري، مع أن هذه الأقوام شكلت جزءا صغيراً من تكوين الشعب السوري، بأصوله الآرامية والكنعانية والأمورية والحثية وغيرها التي اندمجت مع بعضها عبر التاريخ، وهذا الشعب السوري المتنوع الأصول والأعراق، والذي هو مزيج متميز منها، هو من بنى الدولة الاسلامية الأموية ومن بعدها العباسية ونشر الاسلام في كل اصقاع العالم القديم، وليس قريش وحدها كما ذكر. لذلك سرد التاريخ بشكل دفاعي بأن عروبة سورية تعود الى آلاف السنين قبل الفتح العربي هو أيضاً تعديل للحقائق التاريخية للتماشى مع نظرية القومية العربية، ولتفادي إقصاء الفئات “غير العربية” من الشعب السوري وإسقاط الهوية العربية عليها بالقوة.

ويضيف “أما القرآن السرياني فالبعض من المنظرين قال والمقالات التي نقرؤها بأن هناك مصطلحات سريانية في القرآن وهذا يدل على أن القرآن هو أن النبي محمد قام باقتباس القرآن من روايات سريانية قديمة.. هذا الكلام أقل ما يقال عنه أنه كلام غبي جداً لسبب بسيط.. لأن لغة أهل قريش وهي اللغة العربية الشمالية في شبه الجزيرة كانت أساساً على احتكاك.. كانت اللغات كلها تتفاعل مع بعضها.. تتفاعل جغرافياً عندما يكونون في الزمن نفسه أو تتوارث المصطلحات عندما تنقرض لغة وتبقى لغة.. فكانت لغة أهل قريش اللغة الشمالية في ذلك الوقت.. اللغة العدنانية فيها مزيج من السرياني.. فيها مزيج من الكنعاني.. والفينيقية في الساحل السوري كان فيها كلمات أكادية وهي من أقدم الحضارات الموجودة في جنوب العراق ما بين النهرين.. فالقرآن أنزل بلغة هؤلاء القوم ومن الطبيعي أن تكون فيه مصطلحات سريانية وأكادية وحتى اللغة المحكية التي نتحدث بها اليوم سواء كانت الفصحى أو العامية فيها مصطلحات من إيبلا.. فاللغات تتوارث ولو أنزل اليوم كتاب سماوي فسوف ينزل بهذه المصطلحات المتداولة التي عمرها قرون من الزمن فهذا الكلام أقل من أن يرد عليه”. لا نعتقد أن من لا يدينون بالاسلام او بالقومية العربية يصرون على أن القرآن الكريم كتب باللغة الآرامية أو السريانية. والقول بتداخل اللغات جيد وكافي. لكن هذا النقاش حتى لو حصل لا يغير شيئا في بحثنا حول أن القومية العربية التي تربط العروبة بالاسلام لا تستطيع تحصين مجتمعنا المتنوع بوجه الغزوات الثقافية التي تهدف الى ضرب وحدة المجتمع وتغذية حرب المجتمع على نفسه وتفتيته وتشجيع نخبه على الهجرة.

ويتابع الرئيس “أيضاً عروبة الرسول لا داعي للرد عليها لأن الرسول ينتمي لقريش فهو مضري وهو عربي قح.. عرب عدنانيون.. هذا الموضوع محسوم ولكن لا نستطيع أن نفصل الحديث عن عروبة الرسول عن الحديث عن عروبة القرآن عن الحديث عن عروبة سورية لأن هذه الأشياء تصل إلى نقطة واحدة أن المستهدف من كل هذه الطروحات هي فكرة العروبة، لماذا؟ لأن العروبة الآن هي العنصر الجامع بين كل هذه المكونات، القرآن عربي والرسول عربي وثقافة الدين عربية والمجتمع هو مجتمع عربي فلا بد أن نضرب العروبة لكي نفكك هذه العناصر وعندها يحل محل هذا العنصر الجامع العناصر التفريقية المختلفة”. عروبة القرآن والرسول مسائل واضحة. أما الكلام عن عروبة سورية، فهو كان صحيحاً بالمطلق لو أن عروبة المجتمع هي هوية جامعة وليست منطلقة من طائفة وعرق وثقافة دينية محددة تشطب تاريخ سورية ما قبل الاسلام ومساهمة ابنائها على تنوعهم في الانتاج الفكري والثقافي والحضاري حتى باللغة العربية بعد الإسلام.

ويستدرك الرئيس قائلاً: “تحدثت كثيراً عن القرآن وعن الدين والعروبة.. هذا لا يعني أن يكون الدين هو دين عنصري هذا كلام محسوم لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ولكن الدور مقصود.. دور العروبة كدور مركزي في صلب هذه الثقافة.. يعني لا يمكن أن نتخيل الدين الإسلامي من دون الدور المركزي للعرب وهذا الكلام لم أسمعه من علماء عرب سمعته من علماء أتونا من شرق آسيا في مراحل مختلفة وكانوا يقولون هذا الكلام بأننا لا نستطيع أن نتخيل الدين الإسلامي من دون المجتمع العربي وهذا هو الشيء الطبيعي لتأثير اللغة وتأثير الثقافة لذلك عندما نتحدث عن العروبة فنحن نتحدث عنها بالمعنى الحضاري وليس بالمعنى العرقي ولو كانت بالمعنى العرقي لما دافع عنها أحد”. كما قلنا في مقالنا السابق الذي ناقش طروحات الرئيس المحدثة للقومية العربية، والتي انتقد فيها العروبة العرقية لصالح العروبة الحضارية، فإن ذلك يشكل تقدماً على المنطقات القديمة للقومية العربية التي تربط العروبة بالأصل العرقي العربي، والتي تقول بأن الشعب السوري قبل الفتح الاسلامي هو شعب عربي، وما زالت كتب التاريخ في الشام تعتبر الكنعانيين والآراميين والأشوريين والأكراد عرباً بطريقة ما. كما أن بعض دعاة القومية العربية وحتى بعض العلماء المسلمين الذين أرادوا استعادة الخلافة للعرب، كما سنرى لاحقاً في هذا المقال، تحدثوا عن فضل العرب في الاسلام وأن مجد الإسلام بناه العرب. وكل هذه مقولات قديمة سلفية لا تفيد حالياً، إلا من باب تكتيكات المعركة السياسية بوجه الدول الاسلامية غير العربية مثل تركيا، التي تتنظح لقيادة العالم الإسلامي. لكن لا يجوز خلط التكتيك السياسي بالأسس الفكرية العقائدية.

ويتابع مؤكداً على التنوع الثقافي والعرقي في إطار وحدة حضارية في سورية، ويقول: “فإذاً نحن نتحدث عن المعنى الحضاري بمعنى التنوع ونحن نقبل ليس بكل رحابة صدر بل بكل حماس أن نقول بأن هذا المعنى الحضاري فيه ثقافات متعددة وفيه أعراق متعددة وهذا دليل قوة ودليل غنى لكن أن نقبل هذا التنوع الثقافي والعرقي لا يعني أن نقبل التنوع الحضاري فهي حضارة واحدة لن نقبل بأن يأتي ويقول أحدهم بأن هذه المنطقة متنوعة فيها عدة حضارات.. ليس فيها عدة حضارات فيها عدة ثقافات لذلك الذي يجب أن يحسم موضوع العروبة.. سورية وبلاد الشام والعالم العربي هو منطقة عربية بالهوية وستبقى ولكن إذا كان هناك من يعتقد أنه ببعض الخواطر على الانترنت أو ببعض المقالات أو ببعض الدراسات أو ببعض الكتيبات أو ببعض المجلدات يستطيع أن يغير هوية شعب فهو خاطئ وهو واهم وهو ضال”.

هذا التأكيد على وحدة الحضارة في سورية وبلاد الشام جيد، لكنه يتناقض مع كل ما تقدم سابقاً عن دور الدين والمؤسسة الدينية في المجتمع. أما القول أن العالم العربي كله له هوية عربية واحدة وحضارة عربية واحدة فهو اختزال أيضاً للحضارات القديمة السابقة للاسلام، ليس فقط في سورية الطبيعية بل أيضاً في مصر الفرعونية وفي بلاد الأمازيغ في شمال افريقيا. ونحن نميّز بين الهوية والصفة. ونقول أن الهوية هي سورية والعروبة الحضارية هي صفة لسورية كما هي صفة للأمم الأخرى في العالم العربي، من الخليج الى وادي النيل الى المغرب العربي. وهذا لا يلغي ضرورة التعاون والتكامل بين هذه البيئات والشعوب والأمم في بوتقة عربية عبرت عنها غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بالسعي لإنشاء جبهة عربية واحدة تكون منيعاً سدّاً بوجه المطامع الاستعمارية الأجنبية، بعد أن تكون كل واحدة من هذه الأمم قد بعثت نهضتها وعملت على وحدتها في بيئتها. إذ أن تخطي الواقع الجغرافي والاجتماعي والقفز الى وحدات بين كيانات متفرقة من هذه البيئات كما حصل في الوحدة الشامية المصرية في الخمسينات قبل أن يتوحد كل من هذه الكيانات مع مداه الطبيعي المباشر في البيئة الجغرافية التي ينتمي اليها، هو قفزة عاطفية في المجهول ومصيره الفشل. لذلك اعتمدنا هذه العروبة، عروبة الأمم العربية الناهضة المتحالفة أو حتى المتحدة في جبهة عربية واحدة، وأسميناها العروبة الواقعية التي نسعى اليها، والتي تحترم تاريخ كل من هذه الأمم وإسهاماتها الحضارية والثقافية قبل وبعد الاسلام، في مقابل عروبة الأمة العربية الواحدة التي يقول بها دعاة القومية العربية، والتي تختزل تارخ هذه الأمم وتاريخها بالقول أنها كانت أمما عربية منذ آلاف السنين، وأن كل الأقوام التي عاشت فيها على مر القرون هي من أصل عربي، وصولاً الى تمجيد الأصل العربي قبل الإسلام، كما يقول زكي الأرسوزي، أحد مؤسسي البعث، أو أن تاريخ هذه الأمة ومستقبلها مرتبط بالرسالة المحمدية التي هي روح الأمة ورسالتها الخالدة كما يقول مؤسس آخر للبعث، ميشيل عفلق.

ويختم الرئيس كلمته المطولة بمدح المؤسسة الدينية التي كانت رديفاً للجيش “وكلنا يعرف بأن الحرب التي استخدمت المصطلحات الدينية في سورية بدأت قبل الحرب العسكرية وكان أملهم بأن الحالة الطائفية هي التي ستدفع الناس إلى حمل السلاح والقتال ولكن عندما فشلوا قرروا أن يذهبوا باتجاه الإرهاب فلذلك عندما أقول رديف للجيش فهذا الكلام دقيق لأنه لو تخاذل الجيش لانتصر الإرهاب ولو تخاذلت المؤسسة الدينية لانتصرت الفتنة لذلك كانت الحرب عليكم كأشخاص وعليكم كمؤسسة حرباً شرسة جداً من قبل الطائفيين.. من قبل المتعصّبين ومن قبل الخونة”.. من يسميهم الرئيس بالطائفيين والمتعصبين والخونة من أين أتوا، غير من لدن المؤسسة الدينية وجوامعها ومشايخها وتربيتها وفروع البعث وتنشئته، فتحولوا عند أول هبوب ريح عربية أو غربية، وأول غيث الدعم الخارجي بالمال والسلاح، الى ما وصّفهم به الرئيس؟ فكيف نعود ونسلم رقبة الوطن الى نفس الأطراف الذين فشلوا في تحصينه كما يدعو الرئيس؟

ويمتدح إنجاز المؤسسة الدينية “تفسيراً عصرياً يتناسب مع تحديات العصر ويشكل مرجعية جامعة لمختلف الطوائف الإسلامية ويشكل نقطة التقاء مع إخوتنا المسيحيين.. هذا انجاز كبير جداً.” ويمتدح أيضاً قدرتها على تغيير قانون الأحوال الشخصية في السنة الماضية بعد أن عجزت الدولة عن تغييره لأكثر من ستة عقود. وهذه إدانة غير مباشرة حتى لحكم البعث الذي استمر لأكثر من خمسة عقود. ويقر بأن هذا القانون تعرض “للهجوم في العام الماضي وهو كقانون مهم جداً من أجل مأسسة العمل الديني ومنع الحالات الفردية الشاذة من تعميم شذوذها على الوسط الديني”..وأن المؤسسة تمكنت من “منع الربط بين الدين وبين الخيانة الوطنية وتكريس أو تثبيت أنه لا يمكن للإنسان أن يكون مؤمناً حقيقياً وخائناً لوطنه بالوقت نفسه”. وخاطب العلماء بمعالجة التراكمات التي تراكمت عبر القرون الماضية، قائلاً: “من واجبكم أيضاً الحفاظ على بلاد الشام عامود الكتاب والأرض المباركة التي أحبها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم”.. لا ضرورة للتعليق على التفسير وانجازات المؤسسة الدينية في هذا المجال كونه من اختصاصها أصلاً. أما اعتبار هذا التفسير أو تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي أبعد الدولة عن كونها دولة علمانية وطنية ورسخ فيها السلطة الدينية في الكثير من المسائل المدنية، فهو مسايرة خطرة وغير مطلوبة.

لا بد في النهاية من الإقرار بأن الرئيس يخوض حرباً على عدة جبهات، وهو يحاول تحفيز المؤسسة الدينية على المشاركة الفعالة في هذه الحرب. وهذا جيد من حيث التكتيك السياسي، من موقعه كرئيس للجمهورية، على أن لا تؤدي هذه المسايرة الى تعميق الانقسام في المجتمع من خلال إعطاء المؤسسة الدينية للطائفة الأكبر في البلاد، دوراً في تنظيم المجتمع ككل، بما في ذلك الطوائف الاسلامية الأخرى و”اخوتنا المسيحيين” دون أن يكون لهؤلاء رأي في ذلك. فهو من جهة يخوض حرباً مع الإخوان المسلمين المدعومين من تركيا، ومع الوهابيين المدعومين من السعودية والدول العربية الأخرى، والذين لجأوا الى العنف والارهاب لإسقاط الدولة “العلمانية الوطنية” من منطلقات طائفية. ومن هذه الناحية فإن تجييش المؤسسة الدينية لمحاربة الفكر التكفيري والتفتيتي والخروج بتفسير وسطي للدين، هو مسألة جيدة وذكية ومشكورة. وهو أيضاً يخوض حرباً ضد العرب الذين يتهمونه بإفساح المجال لإيران بتشييع المجتمع السوري وتحويل الدولة واجهزتها الى أداة للمشروع الفارسي الاستعماري كما يسمونه، وأيضاً يتهمونه بأنه استعان بالكفار الروس وسلّمهم مقاليد الحكم، مما ضرب عروبة سورية وانتمائها الإسلامي. كل ذلك في ظل شعور سلبي من قبل الشعب في الشام تجاه العرب والعروبة وموقف الدول العربية والجامعة العربية من الشام والحرب عليها.

وايضاً فإن استخدام المؤسسة الدينية واصطفافها الى جانب الدولة في تسخيف وردّ هذه المقولات هو موقف ينم عن دينامية سياسية متقدمة. لكن أن نخلط بين التكتيك السياسي والحربي وخطط المواجهة من جهة، وبين التنظير الفكري وتحوير الحقائق العلمية والتاريخية والاجتماعية، لأدلجة هذه التكتياكات، مما يسمح للمؤسسة الدينية أن تختلط مهامها بمهام الدولة وتنظيم المجتمع والقانون، وتحميلها دوراً تاريخياً لمواجهة الهجمة الثقافية التي تشنها الليبرالية الحديثة على كامل العالم الاسلامي، وتحديد النحن بأنها كامل العامل الاسلامي، وخلط المفاهيم والدفاع عن العلمانية كمفهوم إسلامي لاحترام تعدد الأديان، والهزء من مبدأ فصل الدين عن الدولة ومن دعاته، وتبرير كل ذلك من خلال ربط العروبة بالإسلام وإعطاء صبغة اسلامية طائفية على الحرب وعمليات الدفاع عن المجتمع، مع كل المخاطر التي يحملها هذا التوجه على وحدة المجتمع وتشويش هويته، واستقواء المؤسسة الدينية الى حد استهزاء وزير الأوقاف بمفاهيم تاريخية مثل الأمة السورية وغيرها، فهذا خلط غير حميد ويضرب الاستراتيجيا على حساب كسب التكتيك المرحلي.

إن مواجهة الهجمة الثقافية التي تقوم بها الليبرالية الحديثة في الغرب، يكون بتحصين المجتمع ووعيه لحقيقته الواحدة، وبناء جيل جديد مواكب لعلوم ومفاهيم العصر يمتلك تفكيراً نقدياً يحكم فيه العقل كشرع أعلى، ويعمل على التحرر والمساواة بين الرجل والمرأة، وتأصيل العلوم والتقنيات الحديثة في منظومتنا التربوية والفكرية، وتعزيز الانتاج الفكري والادبي والثقافي والتكنولوجي الإبداعي لإدخال مجتمعنا الى عصر المعرفة، وتطوير اقتصادنا باتجاه الانتاج على قاعدة أن يكون كل مواطن منتج بطريقة من الطرق، علماً ومعرفة وفكراً وغلالاً وصناعة. والعمل على تحديث الإدارات العامة باتجاه مزيد من الفعالية والشفافية وصيانة الحريات وخلق توازن بين الحقوق والواجبات، ودفع الأجيال الجديدة باتجاه المزيد من البحث العلمي والإبداع والتجديد على كافة المستويات، وتأمين الحريات والعدالة وسيادة القانون. وهذه مهام أساسية للدولة لا يمكن أن تتنازل عنها لطائفة معينة، لأن الفكر الديني القائم على المسلّمات التي يتغنى بها الرئيس، من أي دين أتى، هو غير مؤهل لقيادة كامل المجتمع والدولة نحو هذه الاتجاهات المستقبلية، الضرورية واللازمة لتطوير واقعنا الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، للخروج من جراح الحرب والندوب التي تركتها في نسيجنا الاجتماعي ودورة الحياة داخل الكيان أولاً، وعلى امتداد الكيانات السورية ثانياً. من هذا المنطلق، فإن نقد هذا التوجه التراجعي حتى عن العقيدة القومية العربية باتجاه التسليم بأن العقيدة هي الدين وأن ما يحمي المجتمع هي المسلمات الدينية لمؤسسة تمثل جماعة واحدة من الجماعات المتنوعة التي يتشكل منها المجتمع في الشام أو في سورية الطبيعية كلها. وهذا يعيق بناء جيل جديد معاصر على قيم وأخلاق قومية مشتركة يستطيع من خلالها مواكبة العصر وتطور الحياة، مع المحافظة على هويته القومية وانتمائه الحضاري.


قراءة تاريخية لنشوء فكرة العروبة

بعد هذه القراءة التفصيلية لكلمة الرئيس، لا بد من العودة الى المراحل التاريخية التي خرجت من رحمها فكرة القومية بشكل عام، والقومية العربية بشكل خاص، لنفهم السياق التاريخي الذي أدى الى تطور فكرة العروبة، وأدلجتها مع الوقت، وصولاً الى ما يطرحه الرئيس. وسنفصل السرد التاريخي عن نقاش مراحل تطور الفكر القومي العربي.

تطورات مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى

بدأت بوادر النهضة الأدبية العربية في نهاية القرن التاسع عشر تتخذ أشكالاً سياسية متعددة، عنوانها المشترك التخلص من النير العثماني، واستعادة كرامة الشعب ولغته العربية وهويته القومية الضائعة، بوجه الهوية العثمانية وحكم الخلافة الذي ورثه العثمانيون بالقوة من آخر الخلفاء العباسيين المتوكل على الله الثالث بعد موته عام 1543 واستمر حتى عام 1924 عندما ألغاه أتاتورك.

ونتج عن النشاط الأدبي والسياسي في بلاد الشام، زيادة التضييق والضغط العثماني، مما دفع الكثيرين من المثقفين والادباء والناشطين للهجرة الى مصر، وبعضهم الى اوروبا (وخاصة فرنسا) وأميركا. وزاد التوتر إثر استلام جمعية الاتحاد والترقي الحكم في 1909 وبدء حركة تتريك المناطق الخاضعة للحكم العثماني، مع أن توجه التتريك كان قد بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان من الطبيعي أن تتخذ الحركة المضادة للتريك عنوان التعريب، أو المحافظة على الهوية القومية للشعب الذي يتكلم اللغة العربية بشكل عام، وخاصة في سورية الطبيعية. حيث أن مصر كانت قد استقلت عن العثمانيين من أيام محمد علي وشنّ ابنه ابراهيم باشا حملة عسكرية وصلت الى مشارف آسيا الصغرى، قبل أن يعود وينسحب بعد تدخل الجيوش الأوروبية ونزولها في بيروت وجونيه عام 1940. تأججت إثر ذلك الصراعات الطائفية، الناتجة عن التدخلات الأجنبية وحماية كل دولة لطائفة معينة، فكانت مجازر 1840 و1860، خاصة بين الدروز والموارنة، والتي لم يكن الولاة العثمانيين بعيدين عنها.

تلك كانت بذور نشوء التوجه العروبي في بلاد الشام كردّ على الهوية التركية المفروضة. واللغة لا شك هي من العوامل الرئيسة في تشكيل الهوية القومية، لكنها ليست عاملاً حاسماً محدِّداً، كون اللغة الواحدة يمكن ان تتكلمها عدة شعوب وأمم. وبنفس الوقت كان الوعي القومي عند شعوب المنطقة ما زال في بدايته، غير محدد بشكل علمي، وتختلط فيه العروبة بالاسلام المحمدي مع الكثير من العواطف والحنين الى الأمجاد الغابرة، ومع طموحات طوباوية بالتحرر من النير العثماني واللحاق بالركب العالمي، دون امتلاك الحد الأدنى من المؤسسات ومفهوم الدولة ومفاهيم الفكر المعاصر والعلوم الحديثة وقتها.

كما أن المجتمع، بعد قرون عدّة من الحكم العثماني، وقد فاته اللحاق بالثورة الصناعية والعلمية والحقوقية والسياسية في الغرب، كانت تتناتشه الغرائز المذهبية والمحلية والثقافة القبلية العتيقة والمسلمات الدينية المطلقة الجامدة، والقيم الإنهزامية والفردية وصراع الولاة في دمشق وعكا وحلب وجبل لبنان وتحلفاتهم ضد بعضهم، ونسبة عالية من الأميّة والجهل والفساد. والنخب يجتاحها ميل أدبي شاعري أكثر من المنهج العلمي المتين. والوضع الاقتصادي كان ما يزال في عصر الاقتصاد العائلي الزراعي المحلي مع بعض التجارة والصناعات البدائية والخدمات الأولية. وبالتالي كان هناك غياب لثقة القوم بمقدراتهم، وللخبرات الضرورية للنهضة القومية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية والسياسية والعلمية. وقد بدأ انتشار المدارس والجامعات التي انشأتها الارساليات الأجنبية، مع عدد محدود من المؤسسات المحلية، مما عزز قيام النهضة الأدبية العربية الأولى، التي كان احد جناجيها في بلاد الشام، خاصة دمشق وحلب وجبل لبنان والعراق بعد إصلاحات داوود باشا هناك، والجناح الآخر في مصر في ظل حكم محمد علي ومن خلفه لاحقاً، برغم الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882 اثر ثورة عرابي باشا، وحولت بريطانيا الاحتلال الى حماية على مصر سنة 1914، قاطعة بشكل نهائي أي علاقة لمصر مع الخلافة العثمانية.

ظروف الحرب العالمية الأولى والانتداب والتقسيم

خلال الحرب العالمية الأولى، كانت الدول الغربية تبحث في الطرق الأسرع لتقاسم تركة الحكم العثماني المريض بعد نهاية الحرب. فكانت اتفاقية سايكس بيكو في سنة 1916، التي شطرت سورية الطبيعية الى شطرين: منطقة للفرنسيين شمال خط يمتد من القدس الى كركوك، ومنطقة للبريطانيين جنوب هذا الخط حتى قوس الصحراء العربية. ولاحقاً تمت بعض التعديلات الطفيفة على هذا التوزيع. ثم تبع ذلك وعد بلفور (وزير خارجية بريطانيا وقتها) سنة 1917، الذي وعد اليهود بوطن قومي في فلسطين، مع ما رافق صدوره وشرعنته لاحقاً في مؤتمرات السلام وصكوك الانتداب، من تفاصيل لا مجال لسردها في هذا المقال. وكانت سورية الغربية تحت الحكم العثماني خلال الحرب العالمية الأولى مؤلفة من ثلاثة ولايات، هي حلب (تضم كيليكيا والاسكندرون وسورية الشمالية) ودمشق (التي تضم سورية الوسطى والبقاع وعكار وحمص وحوران وعمّان وصولاً الى العقبة) وبيروت (التي امتدت على كامل مدن الساحل من حيفا حتى اللاذقية)، وثلاث متصرفيات في جبل لبنان (من زغرتا حتى جزين) والقدس شملت غرب فلسطين (من سيناء الى الجليل) ودير الزور (التي شملت منطقة الجزيرة السورية). كما قسمت المنطقة الشرقية في العراق الى ثلاث ولايات هي الموصل في الشمال وبغداد في الوسط والبصرة في الجنوب.

بالتوازي مع ذلك، كان البريطانيون قد وعدوا الشريف الحسين والي الحجاز، بشكل مبهم، بدولة عربية موحدة في الجزيرة العربية وسورية الطبيعية، فيما لو ثار ضد الحكم العثماني. وكان ابنه الأمير فيصل قد زار دمشق عدة مرات في 1915 و1916 والتقى عدداً من الجمعيات السورية السرية التي تدعو الى الاستقلال عن السلطنة العثمانية وانشاء دولة عربية في سورية، بوجه حملة التتريك، وقد شجعه قادة هذه الجمعيات على الثورة، خاصة بعد بطش جمال باشا السفاح بأحرار البلاد، وبعد تفشي الجوع والمرض. وعلى هذا الأساس انطلقت الثورة العربية في 1916 وطردت العثمانيين من الحجاز ولاحقاً شاركت في الدخول الى خليج العقبة وصولاً الى دمشق، بالتعاون مع الجيش البريطاني الآتي من مصر بقيادة الجنزال اللّنبي. وكانت قد قامت قبل ذلك عدة ثورات في العديد من المناطق السورية كرد على التتريك والتجنيد الاجباري والجور العثماني، فشهدت حلب انتفاضة عام 1895 و‌السويداء عام 1896 و‌1906 وبيروت عام 1903. وفي عام 1909 انطلقت ثورة من بصرى الشام وعمّت حوران ووصلت إلى وادي البقاع و‌بيروت وحاصر الثوّار القطارات والقوافل والحاميات العسكرية العثمانية الصغيرة، وأدى قمعها بالقوة من قبل السلطة العثمانية الى قتل ستة آلاف مواطن. وكان سقف مطالب السوريين حينها، الاعتراف باللغة العربية ومنح اللامركزية الإدارية كالولايات المتحدة و‌سويسرا وخدمة الفرق العسكريّة داخل ولاياتها وبإشراف ضبّاط من أهالي الولاية. غير أنّ جميع هذه المطالب قد رفضت أو قبلت صوريًا فقط.

وقد قدمت بريطانيا وعوداً للشريف الحسين، من خلال مراسلاته مع مكماهون، الحاكم البريطاني في مصر، حول قيام دولة عربية واحدة في سورية الطبيعية والجزيرة العربية. لكن هذه الوعود كانت تتناقض مع وعود والتزامات ومشاريع استعمارية بريطانية أخرى، ليس أقلها اتفاقية سايكس بيكو وتقسيم النفوذ بين فرنسا وبريطانيا في سورية، ووعد بلفور بإعطاء فلسطين لليهود.

وقد عمل الفرنسيون والبريطانيون على تقديم الوعود المتناقضة الى الفئات الدينية والعرقية الموجودة في مناطق نفوذهم. فتم التنازل في مؤتمر لوزان سنة 1923، وتحت الضغط التركي بقيادة اتاتورك، عن مناطق كيليكيا الواسعة في الشمال السوري من مرسين وطرسوس في الغرب الى أضنة وعنتاب وكلس ومرعش وأورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر في الشرق، بحجة أنها أراضٍ تركية، بعد أن كان مؤتمر سيفر قد صنفها بأنها أراضي سورية وجزء من منطقة النفوذ الفرنسي.

وفي رسالة توجيهية من الرئيس الفرنسي بريان إلى سفيره في لندن بول كامبون والمفاوض الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، بحسب وثائق الخارجية الفرنسية، بتاريخ 9 تشرين الأول 1915 يحدد له الخطوط العريضة لما يجب أن تشمله الحصة الفرنسية في التفاوض مع بريطانيا، الممثلة بالدبلوماسي مارك سايكس: «يبدو أن الحل الأبسط يكمن في تثبيت الحدود الإدارية الحالية لسورية. وهكذا، فستشتمل أرضها على ولايات أو متصرفيات القدس وبيروت ولبنان ودمشق وحلب، وفي الشمال الغربي على الجزء الكامل من ولاية أضنة الواقع جنوب طوروس». وقد كانت فرنسا تطمح بضم فلسطين أو ولاية القدس، لكن الدهاء البريطاني أبقى فلسطين منطقة ضمن الحصة البريطانية مع وعود بتأمين مصالح فرنسا في مرفأ حيفا وفي المناطق المقدسة في القدس، مقابل تأمين استخدام بريطانية لمرفأ الاسكندرون. وتمّت الاتفاقية بمصادقة روسية وايطالية.

ولاحقاً أيضاً سيطرت تركيا واليونان على جزيرة قبرص وحاولتا اقتلاع الهوية السورية منها على مدى قرن كامل. وبرغم ذلك، في إحصاء قبرصي أجري عام 2010، كانت نسبة السوريين في قبرص ما زالت تتجاوز أربعين بالمئة من السكان، ونسبة استخدام اللغة العربية ما زالت تصل إلى 35 بالمئة.

وحاولت فرنسا في بداية عهد الانتداب تقسيم منطقة انتدابها الى المناطق التالية على اسس مذهبية وعرقية، من ضمن سياسة “فرّق تَسُد”: لبنان الكبير (الموارنة)، الاسكندرون (العلويين والتركمان)، الساحل الشمالي من حدود لبنان الكبير الى اللاذقية (العلويين والمسيحيين الأرثوذكس)، السويداء وجبل العرب (الدروز)، منطقة دمشق (سنة الوسط) ومنطقة حلب (سنة الشمال) بما فيها منطقة الجزيرة (الاكراد والسريان).

ولما فشل المشروع الفرنسي للتقسيم في بداية العشرينات، وكان غورو قد أعلن دولة لبنان الكبير في 1920، فحافظ الانتداب الفرنسي على دولة موحدة في الشام. لكنه عاد وتنازل عن الاسكندرون لتركيا لاحقاً في 1939 لإغرائها بعدم المشاركة في الحرب العالمية الثانية الى جانب المانيا.

وكان رئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو (1919-1920) قد قام بمفاوضات مباشرة مع فيصل خلال وجوده في مؤتمر الصلح، في كانون الثاني 1920، على أثر المؤتمر السوري الأول (حزيران 1919) الذي طالب بوحدة سورية الطبيعية، وبعد زيارة لجنة كينغ كراين (تموز 1919) المرسلة من قبل الرئيس الاميركي ويلسون، والتي طالبها السوريون بتحويل سورية الطبيعية إلى دولة ملكية دستورية مستقلة تحت حكم الملك فيصل، طالبين المساعدة الأمريكية في رفض المطالبات الفرنسية والبريطانية للانتداب عليهم. في ظل هذه الأجواء عرض كليمنصو اعتراف فرنسا باستقلال شكلي لسورية وبحكم فيصل، مقابل أن يعترف فيصل والسوريون بانفصال لبنان سياسياً عن سورية، على أن يقوم مؤتمر الصلح بتعيين الحدود. وكان ذلك قبل إعلان الجنرال غورو لدولة لبنان الكبير في أيلول 1920. وقد طلب رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج من فيصل قبول التفاهم مع الفرنسيين حيث قال له:”لايمكننا التخلي عن حليفتنا فرنسا”. ولم يكن الموقف البريطاني مجانيًا، فقد تنازلت فرنسا عن الموصل التي كانت لها حسب حدود اتفاقية سايكس – بيكو. كما تنازلت عن المناطق الشمالية من شرق الأردن والتي هي امتداد لسهل حوران وكانت تابعة للشام.

وقد نصّت مفاوضات فيصل – كليمنصو على دعم الفرنسيين لإستقلال سوريا ووحدتها بين الساحل والداخل عدا “لبنان”، واعتراف عصبة الأمم بالإستقلال، وأن تمدها فرنسا بالمال والخبراء الفنيّين دون التدخل في إدارة الأمور الداخلية، وبالمستشارين العسكريين لتدريب الجيش العربي إلى أن يستطيع النهوض بأعباء الدفاع عن الوطن، ثم لن يبقى أي جندي فرنسي. ولكن تلك التسوية لم ترضِ السوريين انصار فيصل الذين يطالبون بالاستقلال التام، فضغطوا عليه لرفض تلك المعاهدة، وهو ماحصل. وأيضاً في الجانب الفرنسي، سقط كليمنصو في الانتخابات بعد مفاوضاته مع فيصل مباشرة، وفازت حكومة ميلران الأكثر استعمارية، ورفضت اتفاق فيصل كليمنصو. فتعرضت القوات الفرنسية بشكل متقطع لهجمات عنيفة في انحاء سوريا، ثم اجتمع المؤتمر السوري العام في آذار 1920 فأعلن في 8 آذار استقلال المملكة السورية العربية، وأن فيصل بن الحسين هو ملكها، وأعلن عن إنشاء حكومة مسؤولة أمام المؤتمر الذي هو بمثابة مجلس نيابي، وكان يضم ممثلين انتخبهم الشعب في سوريا ولبنان وفلسطين. كما رفض المؤتمر ادعاء الصهيونية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وكان مؤتمر مماثل عقد في العراق وطالب بمملكة عراقية مستقلة يرأسها عبدلله بن الحسين شقيق فيصل، الذي كان يشغل منصب وزير خارجية مملكة الحجاز وقتها.

رفض الإنجليز والفرنسيون هذا العمل، لذا فقد عقد المجلس الأعلى للحلفاء مؤتمر سان ريمو في المدة مابين 19-25 أبريل 1920 في إيطالية حيث خرج بمطالبة صريحة بانتداب فرنسي على بلاد الشام، بالإضافة إلى انتداب الإنجليز للعراق وشرق الأردن وفلسطين مع الالتزام بتطبيق وعد بلفور. وتجدر الإشارة أن هذا القرار صدر من مجلس الحلفاء وليس عصبة الأمم، حيث أن صك الانتداب صدر في 24 تموز 1922 أي بعدها بسنتين. فأضحت المواجهة بين حكومة فيصل والفرنسيين حتمية، وحصلت معركة ميسلون في تموز 1920 وطرد فيصل من دمشق وألغيت مملكته.

أما بريطانيا، التي كانت أولويتها العمل من ضمن مهام الانتداب على تحقيق وعد بلفور وحماية المشروع اليهودي، فقد نكثت بكل وعودها الى الشريف الحسين، نتيجة التزاماتها الاخرى المتناقضة مع هذه الوعود. لكنها حاولت التعويض عليه بإبقائه حاكماً في الحجاز، بينما نصّبت ابنه فيصل ملكاً على العراق في تموز 1921، بعد أن طرده الفرنسيون من دمشق. لكن الشريف الحسين رفض التوقيع على الاتفاقية البريطانية الهاشمية، بعد الحرب العالمية الأولى، لأنها كانت تتضمن القبول بوعد بلفور ومشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين. بينما وافق ابن سعود ضمنياً على تمرير المشروع. فانتقل الدعم البريطاني في الجزيرة من الشريف حسين الى ابن سعود حاكم نجد، الذي شن حرباً على الهاشميين في الحجاز وطردهم منها نهائياً في 1925، بعد أن سيطر على الرياض. فهاجر الشريف حسين الى قبرص، حيث عاش بضعة سنوات وتوفي هناك.

وبعد مضي شهر على معركة ميسلون وطرد الفرنسيين للملك فيصل من دمشق، وقعت في حوران السورية انتفاضة قادها شيوخ المنطقة ضد السلطات الفرنسية، واضطر قادة الانتفاضة فضلا عن وقوف أهالي شرقي الأردن إلى جانبهم لطلب العون من الشريف حسين، الذي قام بالاتصال بالسلطات الفرنسية ينذر فيه بالكوارث والاخطار التي ستحل، وبعث بابنه الأمير عبد الله، الذي كان وزيراً للخارجية في مملكة الحجاز، مع قواته باتجاه شرقي الأردن، ليكون عبد الله وكيل أخيه في ما حول سوريا من الأراضي التي لم يحتلها الفرنسيون. غادر عبد الله من الحجاز ومعه من القوات ألف مقاتل، ودعا جميع أعضاء المؤتمر السوري للالتحاق به في شرق الأردن. فقام البريطانيون بإرضائه من خلال إقامة إمارة صغيرة له في شرق الاردن عام 1921 تحت الحكم البريطاني للمنطقة، منفصلة عن فلسطين من جهة، وعن العراق من جهة أخرى، مع أن ملك العراق كان أخاه وذريته لاحقاً. وموقع هذه الإمارة يفصل أيضاً مملكة ابن سعود عن فلسطين. وقد وعد البريطانيون الأمير عبد الله الأول بن الحسين باستثناء شرق الأردن من وعد بلفور، مقابل قبول عبدالله به ضمنياً في فلسطين. فيما بقيت الوكالة اليهودية تسوّق بأن شرق الأردن جزء من “أرض إسرائيل” المزعومة. وكان أخوه فيصل قد رضي قبله بتنصيب البريطانيين له ملكاً على عرش العراق، ووافق ضمنياً على وعد بلفور، من خلال اتفاقية فيصل وايزمان عام 1919، برغم تحفظه على أن لا يضر ذلك بغير اليهود من سكان فلسطين!

وبقي الأقارب يحكمون العراق والأردن ويدعون الى قيام وحدة الهلال الخصيب من جهة (نوري السعيد في العراق)، ووحدة سورية الكبرى من جهة أخرى (الملك عبدالله في الاردن)، دون أي تفعيل جدي لأي اتحاد او وحدة بين الكيانين، من مطلع العشرينات حتى 14 شباط 1958، عندما أعلن عن قيام الاتحاد الهاشمي بين العراق والاردن، وهو اتحاد غير اندماجي كونفدرالي، كردّ على قيام دولة الوحدة بين مصر والشام (الجمهورية العربية المتحدة) في 1 شباط من العام نفسه. غير أن هذا الاتحاد كان شكلياً ولم يعمّر طويلاً إذ أطاحته ثورة تموز 1954 في العراق. ومن النماذج المشابهة، حكم حزب البعث في الشام من 1963 حتى اليوم وفي العراق من 1968 حتى 2003، دون أي تقارب يذكر. بل أدى حكم البعثين الى تعميق العداوة وقطع التعاون الذي كان قائماً سابقاً، مثل ايقاف تصدير نفط العراق عن طريق الشام ولبنان منذ منتصف السبعينات. وكان التناقض في السياسات بين الدولتين هو عنوان المرحلة في معظم المسائل البينية والعربية والاقليمية والدولية. الى أن جاءت داعش في 2014 وأزالت الحدود بين العراق والشام ببضعة جرافات!

حصلت كل هذه التطورات في فترة سريعة جداً خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، دون أن تكون المنطقة العربية برمتها جاهزة لمواكبتها والإفادة من التغيرات، فكانت النتيجة أن التحرر من النير العثماني رمى بالمنطقة في أحضان الإنتداب الأوروبي وخططه ومؤامراته وتواطئه مع المشروع اليهودي. ترافق ذلك مع غياب مفاهيم معاصرة للدولة والديمقراطية وسيادة الشعب والوجدان القومي والوعي الصحيح للهوية القومية، وعدم وجود مؤسسات مدنية أو عسكرية عريقة يمكن البناء عليها، ما عدا بعض المؤسسات الدينية المشرذمة بين الطوائف والمذاهب.

لذلك كانت البدايات تختصر بالدعوة الى الهوية العربية، بمواجهة التتريك. وكان لا بد من تمييز الاسلام السوري أو العربي عن الخلافة العثمانية، لنزع مشروعية السيطرة العثمانية باسم الدين من خلال الخلافة. ترافق ذلك مع آمال ودعوات هيولية رومنسية لمواكبة التطور الحاصل في الغرب، مع ما يرافق ذلك من مفاهيم للعلمانية والتحرر والتطور، واصطدام ذلك بالثقافة التقليدية الموروثة.

فكانت الهوية العربية رد فعل على العدو التركي المشترك ومحاولاته لتتريك المنطقة. ولكن عندما زال هذا العدو المشترك، لم تكن الهوية العربية، التي تخلط الانتماء العرقي مع الانتماء الديني لطائفة كبرى هي الطائفة السنية، قادرة على توحيد المجتمع المتنوع والموزع طائفياً وعرقياً. ففرزت الدعوة العربية الشعب الى أكثرية سنية وأقليات من طوائف ومذاهب محمدية غير سنية، وأديان ومذاهب غير محمدية، وعرقيات أخرى لا تعتبر نفسها عربية مثل الأكراد والسريان والأشوريين وبعض مسيحيي جبل لبنان الذين زعموا بأنهم يرجعون بأصولهم الى الفينيقيين.

كما أن هذه الهوية العاطفية التي تستلهم أمجاد العصور الغابرة والدولة الأموية والعباسية، لم تستطع توحيد الشعب لتخطي الكيانية التي فرضها الانتدابين الفرنسي والبريطاني كل في مناطقه. ولا هي انطلقت من نظرة فلسفية أو إجتماعية، تستطيع توحيد الشعب على منظومة قيم موحدة ومقاربة موحدة للمسائل المعاصرة مثل التحرر الاجتماعي والعصرنة والاستقلال والحرية والقومية وشكل الدولة ودور المرأة والتربية والتعليم. فبقيت مقاربة هذه المسائل مشرذمة بين ما تم استيراده أو فرضه من البلاد المنتدبة أو من الغرب، وبين بقايا التقاليد الرثة والقيم المجتزأة والعادات القديمة الموروثة من أيام الحكم العثماني، والمسلّمات الجامدة من الموروث الديني، والمترسخة بشكل أساسي في مفاهيم هوية الملّة التي يقودها ويدافع عن مصالحها رجال الدين، فتم الخلط والدمج بين المؤسسات الدينية والمؤسسات السياسية والمدنية.

وقامت الدول المنتدبة بتعميق هذه التوجهات التفتيتية التي تمنع وحدة المجتمع، لإبقاء سيطرتها على مقاليد الأمور في البلاد وتحكّمها بمواردها. كما غذت الخلافات بين الحكام والزعامات المحلية لإبقاء طموحاتهم الوحدوية لا تتخطى مسألة الحفاظ على كرسي الحكم. فكانت مواجهة الانتداب تتم من خلال نفس الأدوات التي خلقها ورسخها لتأبيد سيطرته ومنع توحيد البلاد وتمرير مشروع إنشاء الوطن اليهودي في فلسطين.

ومن الأمثلة الفاقعة على ذلك، هي عندما لقّب الشريف الحسين نفسه ملكاً على البلاد العربية، في 1916، إثر إعلان الثورة العربية، واعتبر قضية اللقب في برقيته للمعتمد البريطاني في جدة وقتها أمرًا طبيعيًا كأحد الدلائل المهمة على انتصار العرب واستقلالهم عن الحكم العثماني. فأخذت بعض الدول الغربية على الحسين تسرّعه في اتخاذ هذه الخطوة. فهي تجد نفسها سعيدة بالاعتراف به ملكًا شرعيًا على الحجاز على أن لا يلقب باللقب الملكي على كامل البلاد العربية، لأن ذلك قد يثير المشاكل مع الحكام العرب الآخرين. لم تكتفِ الحكومة البريطانية بذلك، وبعثت إلى الملك حسين بمذكرة رسمية أوضحت فيها موقفها وموقف حلفائها من الملكية، جاء فيها: “أن حكومة بريطانيا ومعها حكومة فرنسا وروسيا مع أنها تعتبر أن سموكم الرأس الاسمي للشعوب العربية في ثورتها ضد مساوئ الحكم التركي، ومع سرورها بالاعتراف اعترافًا واقعيًا بأن سموكم الحاكم الشرعي والمستقل للحجاز، إلا أنها لا تستطيع الاعتراف باللقب الذي اعلنتموه، والذي يمكن أن يثير التفرقة بين العرب في الوقت الحاضر، ومن ثم يعيق التسوية السياسية النهائية لقضايا الجزيرة العربية على أسس مُرضية… ذلك أن التسوية النهائية يجب أن تتم بمواقفة الزعماء العرب الآخرين وهي موافقة لا دليل عليها في الوقت الراهن، وهي تسوية يجب ان تتبع لا أن تسبق النصر في ميدان الحرب. وتلاحظ الحكومة البريطانية أن اللقب الذي اتخذتموه سيادتكم يقوم على أساس قومي وليس على أساس الأقطار، وهي تسجل ما صدر عنكم من أن ابن سعود والسيد الإدريسي يحكمان بلديهما (نجد واليمن وقتها)، وأنه لا رغبة لسموكم في التدخل في شؤونهما”.

ولاحقاً عندما أعلن الشريف الحسين نفسه خليفة المسلمين في عمّان في شهر مارس 1924، رفضت مصر الاعتراف بذلك ودعت إلى عقد مؤتمر إسلامي في القاهرة لتقرير مصير هذه الخلافة باتفاق المسلمين.

وعندما بدأ الانتداب يسلم بعض نواحي الإدارة المحلية للسياسيين المحليين، غاص كل فريق منهم في الكيانات الناشئة في لبنان وفلسطين وشرق الاردن وسورية الحالية (الشام) والعراق، بتفاصيل المشاكل المحلية العملانية، والمشكلات الطائفية والمذهبية والاقتصادية والادارية المحلية، في ظل الصراعات المحلّية على المراكز والمكاسب والتجارة والتوظيف بين الزعامات الطائفية والمذهبية والسياسية والإقطاعية الموروثة من أيام السلطنة العثمانية.

فكانت مرحلة ما بين الحربين العالمية الأولى والثانية، هي مرحلة تثبيت الانتداب والكيانات والزعامات المحلية وصراعات المذاهب والطوائف والإقطاع التقليدي ضمن كل كيان، فيما الشعارات الكبرى كانت تتأرجح بين الدعوة العمومية الى العروبة، والقومية العربية التي كانت واجهة للمذهب الاسلامي السني، وبعض الدعوات الى قوميات محلية، تستظل دعوات مذهبية أو عرقية أخرى، مثل القومية اللبنانية المسيحية، والدعوات القومية الكردية والأشورية وغيرها. وبرغم هذه الدعوات، كان سقف الطموح القومي لكل جماعة هو الاستقلال الكياني، وتراجعت الدعوات الوحدوية الواسعة. وتركت فلسطين وحيدة في مواجهة الهجرة اليهودية والانتداب البريطاني، والتآمر العربي وتدخل ابن سعود والملك فاروق بطلب بريطاني لإجهاض ثوراتها المتكررة في الثلاثينات.

الحرب العالمية الثانية ونهاية الانتداب ونشوء كيان العدو

بعد بداية الحرب العالمية الثانية، وسقوط باريس وقيام حكومة فيشي المتعاونة مع الألمان، أصبحت سلطات الانتداب في سورية تابعة لحكومة فيشي، الى أن قام البريطانيون باحتلال مناطق الانتداب الفرنسي الفيشي في المشرق عام 1941، وازداد النفوذ البريطاني لفترة من الزمن في هذه المناطق، حيث فرضت بريطانيا على فرنسا الحرة منح الاستقلال للبنان والشام وجلاء جيوشها عنها لاحقاً، بعد إيصال حكومات وطنية قريبة من النفوذ البريطاني.

هذه الحكومات الوطنية، واجهت مرحلة ما بعد الحرب، وإعلان كيان العدو في 1948، بشكل متفرّق وهزيل أقرب الى التآمر، مدعومة بأوهام التدخل العربي المصري والسعودي، ولعبت الدعوات القومية العربية الدينية دوراً كبيراً في تخدير الشعب، ووعده بجرف كيان العدو الى البحر، من قبل جيوش “الأمة العربية” الجرارة التي استلهمت نوستالجيا جيوش دولة الخلافة الاسلامية ورومانسية القوميات الأوروبية، مع التركيز على عوامل الدين واللغة والعرق أحياناً.

هذه المدارس الرومانسية، التي تجزئ قوى المجتمع الموحد في سورية الطبيعية من جهة، وتحلم بالبحر الاسلامي السني من المحيط الى الخليج، وترتكز الى أمجاد السلف، وتغرق في سلفية قيمية وفكرية مقفلة جامدة، وتفتقر الى أي أساس علمي منهجي في مقاربة السياسة والاقتصاد والاجتماع والحرب، أودت بالمنطقة الى النكبة المنكرة في فلسطين، وحافظت على التخلف والفساد والشرذمة والتفتّت داخل الكيانات، والصراعات فيما بينها والتبعية للخارج في الشرق والغرب، برغم قيام مؤسسات وحدوية شكلية مثل الجامعة العربية. وهو ما نراه يتكرر في خطاب وزير الأوقاف الشامي وخطاب البعث والرئيس الأسد.

مرحلة الإستقلال من الخمسينات حتى اليوم

في مراحل الخمسينات والستينات والسبعينات، قامت ثورات وانقلابات عسكرية كرد على الهزيمة، لكنها لم تعالج مشكلات المجتمع القديم، بل ركبت نفس موجة القومية العربية التي تخلط بين العروبة والاسلام، مما عمق الانقسامات الداخلية، واستمرار التخلف والتجزئة والفساد، وأضافت عامل القمع وسلب الحريات بحجة أن لا صوت يعلو على صوت المعركة. فتحولت في وقت سريع الى أنظمة قمعية تسلطية، ترفع شعارات فضفاضة للوحدة والحرية والنهوض والاشتراكية والتقدم، فيما بقي الواقع عكس ذلك، وبقيت الاساسات القديمة التي حكمت الحياة العامة من أيام العثمانيين، أي القبلية والطائفية والإقطاع، متحكمة بحياة المجتمع. ومع أن بعض هذه الأنظمة قد ضرب الإقطاع التقليدي، من خلال حركات تأميم واسعة (مثل مصر والشام والعراق)، غير أن استمرار العقل القبلي الفردي والصراعات المذهبية وغياب منظومة قيم اجتماعية وفلسفية جديدة، عادت وافترست معظم الاصلاحات الاقتصادية والسياسية التي حاولت هذه الأنظمة القيام بها، وأنتجت أنواع جديدة من الإقطاع والمصالح والتكتلات والشلل والمذهبيات داخل الأحزاب الحاكمة. وبقيت الشعارات الفضفاضة شماعة تستخدمها لقمع كل معارض ومطالب بالإصلاح الحقيقي. والأمثلة على ذلك كبيرة وواسعة، من مصر عبد الناصر الى حكم البعث في الشام والعراق.

كما أن الأنظمة التقليدية المتحالفة مع الغرب، سواء الملكية أو المشيخية الوراثية منها في الخليج، أو التي تستظل واجهات ديمقراطية مثل لبنان وتونس، بقيت عاجزة عن تقديم صورة حديثة للدولة القوية القادرة المعاصرة التي تسودها الحريات والشفافية والديمقراطية والتحرر ومواكبة العصر، إلا ببعض الأشكال والمظاهر، فيما نتخرها المحسوبيات والطائفية والمذهبية والإقطاع والتبعيّة حتى النخاع. كما أن مصالح حكامها قد وضعتها في موقع العداء لأي طرح وحدوي اقليمي أو فضفاض، حفاظاً منها على عروشها وامتيازاتها.

واشتد صراع النفوذ على المنطقة في الخمسينات. فكان الاتحاد السوفياتي يحاول تصدير الفكر الشيوعي ودعم الحركات اليسارية في العالم العربي، خاصة وأن طروحات القومية العربية افتقرت الى نظرة مستقلة للشأن الاقتصادي والاجتماعي، مما دفع بمعظمها لاعتماد الاشتراكية كمذهب اقتصادي، وتبني نوع مخفّف من نظرية صراع الطبقات، ولو شكلياً. وكان الغرب بشكل عام يتخوف من المدّ الشيوعي على المنطقة، فيما أميركا تحاول فرض سيطرتها بعد الحرب العالمية الثانية ووراثة النفوذين الفرنسي والبريطاني في المنطقة. فنشأت منافسة شديدة بين النفوذ البريطاني تحديداً، المتمثل بالحكم الهاشمي في العراق والاردن، وبحكم شمعون في لبنان، وبين النفوذ الأميركي المتحالف مع مملكة ابن سعود في الخليج، ولاحقاً مع مصر عبد الناصر في بداية حكمه، برغم محاولاته اللاحقة لخلق توازن في علاقته بين الأميركان والسوفيات، انسجاماً مع دوره القيادي في حركة عدم الانحياز العالمية، مع جواهر لال نهرو وجوزف تيتو.

وقد دعم البريطانيون مشاريع الهاشميين الداعية الى وحدة سورية الطبيعية أو الهلال الخصيب، فيما دعم الأميركيون مشروع الجامعة العربية ومثلث التحالف المصري السعودي الشامي، من أيام حسني الزعيم والشيشكلي في الشام، والملك فاروق في مصر، الى أيام عبد الناصر والوحدة الشامية المصرية. وقد استمر هذا الطرح سائداً بعد هزيمة النفوذ البريطاني اثر ثورة تموز 1958 في العراق وسقوط شمعون وتولي فؤاد شهاب رئاسة الجمهورية في لبنان، كتقاطع ناصري أميركي. فتسلمت أميركا قيادة النفوذ الغربي في المنطقة. وبعد غياب عبد الناصر وتولي السادات الحكم، وحرب 1973 التي كان فيها شبه تحالف مصري شامي سعودي، مع استخدام الملك فيصل لسلاح النفط، مما أدى الى اغتياله. ولاحقاً ذهب السادات الى القدس وثم الى كامب دايفيد، مما دفع بالدول العربية الى مقاطعة مصر لعقد من الزمن، قبل أن تعود مصر في عهد مبارك، الى الجامعة العربية، بعد حرب الخليج الأولى (الكويت) وعزل عراق صدام، وهزيمة منظمة التحرير في لبنان إبان الاجتياح الاسرائيلي قبل ذلك. فتجدد التحالف المصري السعودي الشامي الذي أدى الى تلزيم مرحلة ما بعد الحرب اللبنانية الى الشام بقيادة الرئيس حافظ الاسد، وإفساح المجال لرئيس الحكومة رفيق الحريري بقيادة عملية إعادة الاعمار، فكان تقاطعاً سورياً سعودياً برعاية أميركية، في ظل النفوذ الشامي. وكان الأميركان في هذه المرحلة يراهنون على جرّ سورية والمنطقة الى سلام شامل مع اسرائيل، والذي فشل في نهاية عهد حافظ الأسد، بعد رفضه التنازل عن حدود بحيرة طبريا وإستعادة جزئية للجولان. واستمر الوضع على ما هو عليه الى مرحلة بدء الهجوم على سورية وقانون محاسبة سورية في سنة 2004، ثم اغتيال الحريري وخروج الجيش الشامي من لبنان في سنة 2005، وحرب تموز 2006 التي زعزعت العلاقة بين الشام والسعودية. وبدأت مرحلة التحضير للربيع العربي وتحكيم الإخوان المسلمين في العالم العربي بقيادة تركية وتمويل قطري، الذي انطلق في عدة دول عربية سنة 2011. وكان التسويق لهذا المشروع يرتكز على فشل منظومة القومية العربية في الحكم في معظم الدول العربية، بينما كان نظام الإسلام السياسي في تركيا عنواناً للتنمية والازدهار والتطور. وعندما اصطدم المشروع التركي الأميركي بالصمود الشامي، ودخول عناصر جديدة في الصراع، بدّلت أميركا الاحصنة وسلّمت قيادة الحرب على سورية الى السعودية، كاستعادة للدور الإسلامي العربي وتهميش الدول التركي الإسلامي. فاستُبعد الاخوان وحلّ محلهم الوهابيون. وبعد التدخل الروسي والايراني في الحرب، أيقن الأميركي أن مدّ نفوذه على كامل العالم العربي أصبح مستحيلاً، فاكتفى بمنطقة حوض البحر الأحمر، التي تضم دول الخليج ومصر والسودان، وبدأ حصاراً اقتصادياً وحرباً من نوع آخر على دول الهلال الخصيب، حيث سيأتي يوم يتقاسم فيه النفوذ على دول الهلال الخصيب مع الروسي والايراني والتركي. وهذا أدى الى تردّي الوضع الاقتصادي في العراق ولبنان والشام، التي عمّها الدمار وواجهت مجموعة من المشكلات الكبرى، ليس أقلها التضخّم وضرب سعر الصرف ومشكلات اعادة الاعمار وعودة النازحين وغيرها.

إن تعريف الوحدة العربية الذي ساد في حقبة الستينات وحتى الثمانينيات كان يتبنى الوحدة الاندماجية. وبعد فشل الأحزاب والقادة الذين رفعوا شعار الوحدة الاندماجية بات بعض القوميين العرب يطرحون مفهوماً جديداً للوحدة العربية يعتبر قريباً من المشروع الأوروبي، أي الدعوة للانصهار في كتلة ذات سياسة خارجية موحدة، وذات ثقل اقتصادي كبير يقوم على التكامل الاقتصادي والعملة الموحدة وحرية انتقال الأفراد والبضائع بين الأقطار المختلفة، بالإضافة لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك للوصول إلى اتحاد عربي مع المحافظة على خصوصيات اجتماعية أو ثقافية قد توجد في الكيانات العربية.

واقع الشام اليوم

في ظل هذه الظروف، كان من المتوقع أن تعمل القيادة الشامية على استراتيجية سورية جديدة، تقوم على التأسيس للتكامل الاقتصادي والاجتماعي مع العراق ولبنان والأردن، وعلى التوجه شرقاً للتكامل مع الفضاء الآسيوي الناشئ، خاصة مع صعود المشاريع الصينية والروسية والهندية والايرانية، بعيداً عن الشعارات القومية العربية الفضفاضة التي تدمج العروبة بالاسلام، وكأنها تنتظر إعادتها الى الحظيرة العربية، والى التحالف مجدداً مع مصر والسعودية، برغم كل ما حصل، في وقت أصبح التموضع الجيوستراتيجي لهاتين الدولتين هو في منطقة أميركية بالكامل متصالحة مع اسرائيل مداها حوض البحر الأحمر كما ذكرنا سابقاً. وهذا ما ولّد استهجاناً ليس فقط على المستوى الشعبي محلياً، بل أيضاً على مستوى الحلفاء في ايران وروسيا والصين.

فهل أن الأطماع التركية في الشمال السوري، والتعاون الاقتصادي والعلاقات السياسية بين تركيا وروسيا وايران، قد ولّدت نقزة عند القيادة في الشام، من مسايرة الحلفاء الروس والايرانيين لتركيا، وجعلتها تلجأ مجدداً كما حصل في مطلع القرن العشرين، الى العروبة كرد على محالات التتريك التي يطبقها أردوغان في المناطق الشمالية التي يحتلها الجيش التركي أو يسيطر عليها حلفاؤه من التنظيمات المسلحة؟ وحتى لو كان ذلك مشروعاً، فماذا يضير الشام أن تبني اولوياتها الاستراتيجية على وحدة الهلال الخصيب، كمنطلق لأي تعاون أو توازن سواء مع العالم العربي، حيث النفوذ الاميركي في حوض البحر الأحمر، والتركي والاوروبي في شمال افريقيا، أو مع الحليف الايراني أو الجار التركي المحتلّ والطامع بالمزيد من الأراضي في الشمال الشامي والعراقي؟ وحتى لو كانت دينامية التكتيك السياسي تفرض تعزيز دور المؤسسة الدينية السورية وتموضعها كمرتع للاسلام الوسطي في مواجهة الاسلام التكفيري الاخواني أو الوهابي، فإن ذلك لا يجوز أن يطغى على التوجه الاستراتيجي وإعطاء هذه المؤسسة أدواراً استراتيجية، سواء من خلال التصريح بأن الفكر هو الدين، أو دمج الدولة والدين والمجتمع والقانون، أو من خلال تحميلها مهمة مواجهة الهجمة الثقافية لليبرالية الحديثة على كامل العالم الأسلامي.

إشكالية العلاقة بين العروبة والاسلام

توزع منظرو القومية العربية على عدة اتجاهات فكرية رئيسية، أهمها: الاتجاه اليساري أو الاشتراكي (الذي تمثل بحركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي)، والاتجاه الديني الإسلامي المحمدي (الذي يمثله مفكرون مثل عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عزة دروزة وعصمت سيف الدولة وفهمي هويدي وعبد الوهاب المسيري ومحمد عابد الجابري ومحمد سليم العوا ومنير شفيق وغيرهم)، والاتجاه التقدمي الديمقراطي (الذي يمثله مفكرون مثل ساطع الحصري وخير الدين حسيب وعزمي بشارة)، والاتجاه الوسطي (الذي تمثله الحركة الناصرية بأحزابها المختلفة).

وقد تمايزت هذه الاتجاهات في النظر الى موضوع العلاقة بين العروبة والإسلام، الى حد تحوّله الى إشكالية بحاجة للاجتهاد. فبعض المفكرين القوميين من ذوي التوجه الإسلامي مثل عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عزة دروزة وعصمت سيف الدولة وحتى أحد مؤسسي البعث ميشيل عفلق ربطوا العروبة بالإسلام بوضوح وأقروا بأن الإسلام كان وسيلة العرب إلى الحضارة والرفعة، وهو روح الأمة على حد تعبير عفلق. ومن أقوال عفلق المعروفة: “في وقت مضى تلخصت في رجل واحد حياة أمته كلها، واليوم يجب أن تصبح كل حياة هذه الأمة في نهضتها الجديدة تفصيلاً لحياة رجلها العظيم. كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمداً.”

غير أن الفصل بين العروبة والإسلام لم يكن فقط دعوة من التيارات اليسارية، بل أيضاً من تيارات دينية متطرفة مثل الوهابيين، والذين ردّ عليهم الداعية الاسلامي الشيخ يوسف القرضاوي في اجتماع المؤتمر القومي الإسلامي في الدوحة في كانون الأول 2006 قائلا: “من يريد أن يفصل بين العروبة والإسلام كمن يريد أن يفصل بين الروح والجسد”. هذا مع أن القرضاوي يعتبر من رواد تيار الإخوان المسلمين، الذي تتهمه المؤسسة الدينية في الشام بأنه يدعو الى فصل العروبة عن الاسلام وفصل الدين عن الدولة بهدف ضرب “الدولة الوطنية العلمانية”! ويؤيد مفكرو الإخوان المسلمين كسيد قطب الوحدة العربية ويرونها مدخلاً للوحدة الإسلامية. لكنهم عارضوا الميول الاشتراكية لبعض مفكري القومية العربية وبعض الأحزاب القومية مثل البعث. ومن بين دعاة الفصل بين العروبة والإسلام، كان أحد مؤسسي حزب البعث، زكي الأرسوزي، الذي ركز أكثر على عامل العرق والأصل العربي.وقال بعظمة العرب قبل الإسلام.

وبالعودة الى البدايات، نقرأ عند ابن تيمية في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم” تركيز على أفضلية الأصل العربي: “الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم: عبرانييهم وسريانيهم، رومهم وفرسهم، وغيرهم. وأن قريشاً أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسا، وأفضلهم نسباً”. ويتابع: “سبب هذا الفضل.. ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم”.

ويلخص الشيخ محمد صالح المنجد هذا الرأي في موقع الإسلام سؤال وجواب: “ومن المقرر أيضا في السنة النبوية أن العروبة مفضلة على غيرها من الأجناس، فقد اختار الله سبحانه وتعالى النبي محمداً صلى الله عليه وسلم من العرب، وجعل القرآن عربياً، واتفق أهل السنة والجماعة على أفضلية العروبة على غيرها من الأعراق والأنساب”. وهذا يشبه الى حد معين، تأكيد الرئيس الأسد في كلمته التي استعرضناها مطولاً، على عروبة العالم العربي وعروبة الرسول وعروبة القرآن الكريم، مع أنه انتقد القائلين بتميّز العرق العربي أو بربط العروبة بالعرق، وأكّد على العروبة الحضارية، برغم أن ذلك لا ينسجم مع أفكار الأرسوزي كما ورد سابقاً.

الرد على حركة التتريك

والبعض يرجع بأصل فكرة القومية العربية الى محمد علي باشا في مصر، متأثراً بالفرنسيين بعد حملة بونابرت على مصر، فصار يطمع في امبراطورية عربية تنفصل عن الحكم العثماني. وهذا ما دفعه الى شن حملة على بلاد الشام قادها ابنه ابراهيم باشا كما ورد سابقاً، وحكمها من 1833 حتى 1840، عندما أخرجته منها الجيوش الأوروبية. وقد أجرى خلال فترة حكمه عدة اصلاحات أهمها تأسيس أول مطبعة عربية في بيروت، وإلغاء الأحكام الإسلامية المطبقة على المسيحيين في الشام والدعوة لمساواتهم بالمسلمين وكما فعل أبوه في مصر، وتأسيس المدارس الوطنية وتشجيع الارساليات الأجنبية. وقد أدى ذلك لاحقاً الى انطلاق حركة النهضة الأدبية العربية، وكان من روادها ناصيف اليازجي وابنه ابراهيم، والمعلم بطرس البستاني، الذين يعتبرون من آباء الفكرة القومية في المنطقة، وكانت دعوتهم بشكل أساسي لوحدة قومية في سورية قائمة على اللغة العربية بوجه الضغط العثماني التركي. وقد كانت دعواتهم ذات طابع علماني، وتسعى لوحدة قومية ذات طابع عربي في بلاد الشام، وتتمايز عن دعوة عقائد الجامعة العثمانية والرابطة الإسلامية، وأصبحت لاحقاً متناقضة تماماً مع حركة التتريك.

وفي هذا الصدد يقول عصمت سيف الدولة في كتابه “عن العروبة والإسلام” الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت سنة 1986، (ص 131): “في مطلع القرن العشرين كانت كل أقطار الوطن العربي تحت سيطرة الاحتلال الأوروبي ما عدا أقطار المشرق، فقد كانت ما تزال أجزاء منه ضمن دولة الخلافة، ولم تلبث الحركة القومية التركية (الطورانية) ممثلة في قيادتها (جمعية الاتحاد والترقي) أن ألغت فعليا دولة الخلافة من حيث هي دولة مشتركة بين أمتين العربية والتركية، وحولوها إلى دولة تركية تحكم العرب وتحاول سلب خصائصهم القومية بتتريكهم، وحيث بدأ الهجوم بدأت المقاومة، وبدأ الدفاع عن القومية العربية حيث بدأ الهجوم على القومية العربية.”

وقد أسس اليازجي والبستاني وتلامذتهم لاحقاً عدة جمعيات تحمل بذور الدعوة القومية، منها:

  • جمعية الآداب والفنون: أسستها البعثة التبشيرية الأمريكية عام 1847، ومن قادتها بطرس البستاني وناصيف اليازجي وعدد من المفكرين المسيحيين.
  • الجمعية الشرقية: أسسها اليسوعيون عام 1850 وكان يشرف عليها الأب اليسوعي دبرونر.
  • الجمعية العلمية السورية: أسسها أتباع البعثة الاميركية سنة 1857 وضمت عدداً من المفكرين من كافة الطوائف، ونالت اعتراف الحكومة بها 1868 م. وكان من قادتها ابراهيم اليازجي.
  • جمعية بيروت السورية: تأسست عام 1875، ويصف نشأتها المؤرخ جورج انطونيوس في كتابه “يقظة العرب” (ص 149): “أول جهد منظم في حركة العرب القومية، قبل ارتقاء عبدالحميد العرش بسنتين – حين ألف خمسة شبان من الذين درسوا في الكلية البروتستنتية السورية -الجامعة الأمريكية لاحقاً- ببيروت جمعية سرية وكانوا جميعا من النصارى ولكنهم أدركوا قيمة إنضمام المسلمين والدروز إليهم، فاستطاعوا أن يضموا الى الجمعية نحو اثنين وعشرين شخصا ينتمون إلى مختلف الطوائف الدينية ويمثلون الصفوة المختارة المستنيرة في البلد، وكانت الماسونية قد دخلت قبل ذلك بلاد الشام على صورتها التي عرفتها أوروبا، فاستطاع مؤسسو الجمعية السرية، عن طريق أحد زملائهم أن يستميلوا إليهم المحفل الماسوني الذي كان قد أنشيء منذ عهد قريب ويشركوه أفي أعمالهم”.

وكانت الهوية السورية التي تعبر عنها اللغة العربية هي العامل المشترك بين معظم هذه الجمعيات. غير أن الضغط العثماني خلال فترة حكم عبد الحميد دفع الكثيرين من هؤلاء المفكرين للهجرة الى مصر، حيث الحكم أكثر تشجيعاً لنمو فكرة القومية، برغم الاحتلال البريطاني. ومن بين المفكرين السوريين المهاجرين الذين نشطوا في مصر في تلك الفترة: ابراهيم اليازجي(أسس جريدة “الضياء”)، فارس نمر وصهره شاهين مكاريوس (صاحب جريدة “المقطم” اليومية ومجلة “المقتطف” الشهرية)، سليم تقلا (مؤسس جريدة “الإهرام” اليومية)، جرجي زيدان (صاحب دار الهلال وله مؤلفات كثيرة)، أديب إسحق (مدير صحيفة “مصر”)، وسليم نقاش (مدير إدارة صحيفة “التجارة”)، روز اليوسف (مؤسسة مجلة “روز اليوسف”)، أحمد فارس الشدياق (أصدر صحيفة “الجوائب”)، والدكتور خليل سعاده والد أنطون سعاده (له الكثير من المؤلفات، ومنجد باللغتين العربية والانكليزية وقام بترجمة انجيل برنابا). وارتكزت الدعوة القومية عند هؤلاء، مثل أقرانهم في سورية، على إحياء هوية سورية والاعتراف باللغة العربية كلغة رسمية وتحرير بلاد الشام والعراق من الإحتلال العثماني.

كما نشط عدد من المفكرين في مصر، الذين دعوا الى القومية العربية وكانوا ضد الخلافة العثمانية برغم كونهم علماء دين، مثل جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده مفتي مصر، ومن تلامذته أحمد لطفي السيد الذي اصدر صحيفة “الجريدة” وأسس حزب الأمة الذي دعا الى القومية المصرية والتاريخ الفرعوني، والتي دعا اليها أيضاً تلامذة آخرين لمحمد عبده مثل سعد زغلول. وقاسم أمين وطه حسين. كما نشط أيضاً عبد الرحمن الكواكبي، صاحب كتابي “أم القرى” و”طبائع الاستبداد”، وكان يدعو لمبايعة خليفة عربي، ويدعو إلى المساواة بين الأديان لتحقيق التماسك القومي، ويقول في “طبائع الاستبداد”: ” دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم الآخرة فقط، دعونا نجتمع على كلمة سواء، ألا وهي فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء”، ويضيف “هذه أمم اوستريا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق الإتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والإرتباط السياسي دون الإداري”. وقد كان للثلاثي الأفغاني وعبده والكواكبي دور كبير في ترسيخ فكرة القومية المتناقضة مع نداء السلطان عبد الحميد “يا مسلمي العالم اتحدوا”.

وفي نفس الفترة نشط في باريس عدد من المفكرين القوميين، وبينهم نجيب العازوري، وهو سوري ألف سنة 1904 جمعية “عصبة الوطن العربي” في باريس. وكان هدفها المعلن تحرير الشام والعراق من السيطرة التركية، ونشر سنة 1905 كتاب “يقظة الأمة العربية” باللغة الفرنسية، تحدث فيه عن أمة عربية مكونة من مسيحيين ومسلمين. ووجوب إقامة دولة على أسس دستورية وليبرالية. وكانت أعماله تمهيداً لمؤتمر باريس الذي عقد سنة 1913، وكان عدد المشاركين فيه 24 عضواً نصفهم من المسيحيين ونصفهم من المسلمين، وهو ركز على ولايات العرب العثمانية فقط، وطالب بجعل اللغة العربية رسمية في البلاد العربية، وتجنب المطالبة بالإستقلال، ربما كي لا تحرج بعض الدول الأوروبية التي كانت تشجع الحركة القومية وتمدها بالأموال. واضطرت الحكومة الاتحادية العثمانية أن تفاوضهم وترضيهم بادخال 3 وزراء عرب وخمسة من الولاة العرب كذلك في سلك الدولة.

وقد نشأت عدد من الجمعيات السرية الأخرى على أثر استلام جمعية الاتحاد والترقي الحكم وإطاحتها بعبد الحميد وبدء حركة التتريك. ومن هذه الجمعيات: الجمعية القحطانية في القسطنطينية (1909) والعربية الفتاة في باريس (1911) وجمعية العهد في مصر (1913).

ورافق ذلك نشاط عدد من الادباء والمفكرين في اميركا الشمالية، مثل جبران خليل جبران، الذي أسس كان ناشطاً للدفاع عن بلاده في اميركا الشمالية، وقد كان له الكثير من الكتابات في الشأن السياسي والقومي، نختار منها رسالته إلى إميل جرجي زيدان، رئيس تحرير جريدة الهلال في مصر، عام 1919، يقول فيها: “أنا من القائلين بوحدة سوريا الجغرافية وباستقلال البلاد تحت حكم نيابي وطني… هناك أمور رئيسية يجب علينا المطالبة بها بإلحاح واستمرار وهي:

– وحدة سوريا الجغرافية

– الحكم الاهلي النيابي

– التعليم الاجباري

– جعل اللغة العربية الاولية والرسمية في كل آن

إذا كنا لا نريد أن نُمضغ ونُهضم، فعلينا أن نحافظ على صبغتنا السورية حتى وان وُضعت سورية تحت رعاية الملائكة”. ويتابع: “أنا أعتقد، أن السوريين يستطيعون أن يفعلوا شيئاً مشكوراً بعد خروجهم من عهد التلمذة الى عهد التوليد. ولولا اعتقادي هذا لفضلت الانضمام الكلي الى أية دولة قوية. بإمكان الغربيين مساعدتنا علمياً واقتصادياً وزراعياً، ولكن ليس بإمكانهم أن يعطونا الاستقلال المعنوي، وبدون هذا، لن نصير أمة حية. والاستقلال صفة وضعية في الانسان، وهي موجودة في السوري، ولكنها لم تزل هاجعة، فعلينا ايقاظها”.

أولوية القومية أم الدين؟

كانت نتيجة كل ذلك الحراك أن العرب عندما قاتلوا مع البريطانيين ضد الخلافة العثمانية، كانوا يعطون أولوية للقومية على الدين، كما قال لورانس العرب، ضابط المخابرات البريطاني الذي كان يقاتل مع فيصل خلال “الثورة العربية” (مجلة المجتمع العدد 433، السنة 20، شباط 1979): “وأخذت أفكر طيلة الطريق إلى سوريا وأتساءل هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية؟ وهل يغلب الإعتقاد الوطني المعتقدات الدينية؟ وبمعنى أوضح هل تحل المثل العليا السياسية مكان الوحي والإلهام وتستبدل سوريا مثلها الأعلى الديني بمثلها الأعلى الوطني”؟

وقد ترافقت هذه المراهنة مع خيبة كبيرة تجلت في إخلال بريطانيا بوعودها للشريف الحسين بإقامة دولة عربية واحدة في الجزيرة والهلال الخصيب. فطرد الحسين من الحجاز وقسمت سورية الطبيعية بين الانتدابين البريطاني والفرنسي، مع جوائز ترضية لأبناء الحسين فيصل وعبدالله في العراق وشرق الاردن كما مر سابقاً. وترافق ذلك مع نهوض القومية التركية العلمانية بقيادة أتاتورك، الذي قضى على الخلافة العثمانية الاسلامية في 1924. وهذه العوامل أدت الى التشكيك بجدوى الفصل بين القومية والدين. وتعزز هذا التشكيك لاحقاً بفعل عدم وضوح طروحات القومية العربية وربط معظم مفكريها للعروبة بالإسلام، والتغني بالأصل العربي والتاريخ المجيد للعروبة من خلال الدولة الإسلامية، ونتيجة استفحال سياسات الانتدابين الفرنسي والبريطاني في تقديم المصالح الاستعمارية على مهمة تهيئة الشعب للاستقلال والحكم، وفي ترسيخ الانقسامات المذهبية، وفي دعم الحركة الصهيونية بحجة أن تحقيق وعد بلفور هو من مهام الانتداب البريطاني. كما ساعد تنافس وتناحر الحكام العرب، على امتداد بيئات العالم العربي المجزأة، على إضعاف إيمان الشعوب بإمكانية النهوض في ظل الدعوة الهيولية الرومنسية للقومية العربية. ونتج عن ذلك عودة العديد من مفكري القومية العربية لربط العروبة بالإسلام، ونشوء حركات أسلامية ضد منطق القومية العربية، متهمة اياها بالكفر والعلمانية ومعاداة الدين وتبني النظرات الليبرالية المفتلتة والاشتراكية الملحدة.

وقد اعتبر عدد من المفكرين، مثل عزيز السيد جاسم، “أن رسالة الفكر القومي العربي هي مواصلة النمو والتطور والحماية من الركود والتخلف والتراجع”. (نحو تحريفية أوسع للفكر القومي العربي. مختارات من كتابات المفكر الراحل عزيز السيد جاسم. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت. 2005. ص 255). بينما خلط آخرون بين العروبة والإسلام الى حد ظهور مواقف واجتهادات مترجرجة حول الخيار بين أولوية الوحدة العربية أو الوحدة الإسلامية، حيث يقول عصمت سيف الدول في كتابه “عن العروبة والإسلام” الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت سنة 1986: “لا بد، اذن، من الوحدة، العربية أو الإسلامية، ليستطيع الشعب العربي أن يتحرر ويتطور، وليستطيع أن يحافظ على حريته وتطوره، في غابة الدول العملاقة. وإذا ما كانت إحدى الوحدتين تناقض الأخرى فعلى الشعب العربي أن يختار منهما الوحدة التي يكون بها وفيها، أكثر مقدرة على التحرر والتطور”. ويتابع منتقداً دعاة الفصل بين العروبة والاسلام: “في الوطن العربي طائفتان اختلفتا فاتفقتا. طائفة تناهض الإسلام بالعروبة وطائفة تناهض العروبة بالإسلام. فهما مختلفتان. وتجهل كلتاهما العروبة والإسلام كليهما فهما متفقتان. وإنهما لتثيران في الوطن العربي عاصفة غبراء من الجدل تكاد تضل الشعب العربي المسلم عن سبيله القويم. وانهما لتحرضان الشباب العربي على معارك نكراء تكاد تلهيه عن معركة تحرير أمته.”

واعتقد بعض مفكري القومية العربية أن للعرب الفضل الأكبر في الحضارة الإسلامية كما ورد سابقاً. واعتقدوا أن الإسلام السياسي غير العربي ساهم في التقهقر والتخلف ورأوا وجوب إحياء التراث العربي كمقدمة لمشروع النهضة. وليس مصادفة أن أول مهمة للإحياء العربي كانت متجهة إلى إحياء اللغة العربية وآدابها. لذلك نجد أن الفكر القومي العربي غالباً ما ركز على التراث اللغوي، وبالتالي على المرجع اللغوي الأساس والحاضن للثقافة العربية، أي القرآن الكريم. كما كانت يقظة العرب القومية في البداية كمحاولة لإحياء الإسلام السياسي وليس للانفصال عنه. ظلت هذه الملابسة قائمة حتى الآن. بل إن العرب لم يفكروا في الانفصال عن الدولة العثمانية ولم يقطعوا حبل اتصالهم الديني بها إلا في فترة متأخرة مع انهيار الدولة العثمانية وسيطرة الاستعمار الأوروبي. كان الاهتمام بلغة الضاد هو الأول لاستنهاض العروبة، كما كانت العودة إلى نقاوة الإسلام الأول إيذاناً بالحديث عن الدور العربي في الإسلام.

في المقابل، فقد تأثر بعض مفكري القومية العربية في مطلع القرن العشرين بالفكر القومي الغربي (الأوروبي) بصيغته النظرية، التي تدعو الى النهضة والإصلاح، بالتوازي مع الثورة العلمية والصناعية الأوروبية، التي لم تكن موجودة في العالم العربي. وكانت فكرة الدولة القومية في أوروبا رافعة لمشروع بناء دولة حديثة مرتبطة بتطور العلوم والاختراعات والاقتصاد، وحق الأسواق القومية بالحدود والحماية، ومقاومة الهيمنة السياسية للكنيسة والإقطاع، كون الكنيسة هي مشروع فوق قومي، والإقطاع بصفته عنصر تجزئة وتخلف في وجه السوق القومي واحتياجاته للتوسع والنمو.

لكن واقع العالم العربي كان مختلفاً عن الواقع الأوروبي. فلا نهضة علمية أو صناعية حدثت فيه، ولا الوعي القومي انتشر بسبب النسب العالية للأمية وغياب المناهج الوطنية وحركات التحرر القومية، ولا الفصل بين الدين والدولة أو حتى العلمنة ممكنة خارج إطار النخب القليلة، بسبب تجهيل التاريخ القومي وربط الأمجاد التاريخية حصراً بتاريخ الدولة الإسلامية العربية في بداياتها، يوم كان العنصر العربي حاكماً، وقبل تداخل العناصر غير العربية من فارسية ومملوكية وتركية عثمانية وغيرها.

كما اصطدمت القومية العربية منذ انطلاقها بتيارات قومية معارضة، مثل القومية المصرية أو السورية، أو الدعوات القومية العرقية أو المذهبية مثل الكردية في كل من العراق سوريا والأمازيغية في دول المغرب، والمسيحية في لبنان وشمال شرق الشام وشمال العراق، والزنجية في جنوب السودان وموريتانيا. كما اصطدمت بالدعوات المعادية للقومية بكل أشكالها مثل الشيوعية العالمية، حيث تقول الرؤية الماركسية، أن الشيوعية هي مرحلة حتمية في تاريخ البشرية، تأتي بعد مرحلة الاشتراكية التي تقوم على أنقاض المرحلة اللا قومية. وبرز هذا التناقض والخلاف بشكل كبير بين الشيوعيين والقوميين في مراحل لاحقة خلال عهد حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق والشام وخلال حكم جمال عبد الناصر في مصر.

وقد شهدت مرحلة الثلاثينات والاربعينات تنافساً شديداً بين دعاة القومية العربية، على تنوعهم، وبين دعاة القوميات الأخرى ضمن البوتقة العربية، وخاصة القومية السورية في سورية الطبيعية، والقومية المصرية في مصر. وكانت القومية السورية التي طرحها أنطون سعادة بشكل علمي تتفوق من حيث التماسك والعلم والمنهجية والتنظيم على الدعوات القومية العربية الفضفاضة والمتناقضة المرتكزات أحياناً، مع أن الأخيرة كانت أقرب الى المنطق الشعبي السائد الذي ما زال رازحاً تحت الثقافة الدينية الاقطاعية القبلية القديمة. فكانت الدعوة الى القومية العربية المدموجة مع الاسلام والتي تحلم بأمة كبيرة من المحيط الى الخليج، تدغدغ مشاعر العامة من ابناء الشعوب العربية، أكثر من تلك التي ترتكز الى فلسفة اجتماعية أخلاقية مثالية وتدعو الى نظام صارم والتزام كلّي ودرس معمق لعلوم العصر وتخصصات غير موجودة في كل مجالات العلوم، والى فصل الدين عن الدولة وبناء إنسان جديد على منظومة قيم جديدة عصرية، وعلى عقلية أخلاقية جديدة ترتكز الى الحق والحرية والواجب والنظام، والى إدخال البلاد الى عصر التمدن والتطور. فكان دخول المواطن العادي الى الحركة السورية القومية الاجتماعية أكثر تعقيداً وأكثر تطلّباً من سيره في خط جماهيري أقرب الى معتقداته التي كانت سائدة في ظل الحكم العثماني على مدى قرون عديدة. ومع أن الدعوات الى القومية المصرية كانت سائدة، وكان لها روادها ومفكريها، لكنها لم تتبلور في حركة منظمة حديثة على الطريقة الأوروبية المعاصرة وقتها، كما حصل في سورية.

بقيت الحال كذلك فيما المنطقة ترزح تحت الانتدابات والاحتلالات الاوروبية، وبدأت حركات الاستقلال الكيانية تؤتي ثمارها بعد الحرب العالمية الثانية. لكن فرح الاستقلال بدّده تخلف وضعف الدول الناشئة وسيطرة بقايا الاقطاع السياسي الطائفي على الحكم وتغوله في الفساد، وكانت الطامة الكبرى نكبة فلسطين. وبعد الهدنة والتقاط الأنفاس، بدأ عصر الانقلابات العسكرية من الشام الى مصر. وجاءت بعد ذلك أزمة السويس، التي كانت مفصلية في تحول مزاج الشارع المصري نحو القومية العربية، التي استهوت عبد الناصر بعد أن سمع هدير الجماهير العربية من المحيط الى الخليج. فانتعشت مجدداً الحركات القومية العربية، وأدى الحماس المتزايد الى الوحدة الاندماجية الارتجالية بين مصر والشام، والتي لم تعمّر أكثر من سنوات قليلة. وشكل فشل الوحدة انتكاسة كبيرة لفكرة القومية العربية، وجاءت نكسة 1967 لتكمل على أحلام العروبيين. مما أدى الى تراجع المد الناصري، وموت عبد الناصر في 1970 إثر خلافات عربية لا تحصى. وبرغم محاولات البعث بقيادة حافظ الاسد في الشام وصدام حسين في العراق، وراثة تألق المدّ القومي العربي للناصرية، ومحاولة تطوير كياناتهم ضمن المتاح، إلا أن خلافات الكيانين وعجزهم على مدى 30 عاماً من إقامة اي وحدة أو تقارب فيما بينها، لا بل صراعها الدائم والانخراط في حروب ومحاور عربية واقليمية متناقضة، ضرب اية إمكانية لتحقيق شعارات البعث بالوحدة والحرية والاشتراكية، مع أن الكيانين ينتميان الى نفس البيئة الطبيعية والتاريخية، ووحدتهما وتقاربهما أسهل بكثير من الوحدات الفضفاضة التي تتطلع الى كامل العالم العربي من المحيط الى الخليج. كما نشأت خلافات فكرية فيما بينها مثل الخلاف حول أولوية تحقيق الوحدة أم الاشتراكية أولاً.

في هذا الوقت، تلقت الحركة السورية القومية عدة ضربات متتالية، من إعدام زعيمها أنطون سعادة في 1949، الى اقتلاعها من الشام اثر اتهامها باغتيال العقيد عدنان المالكي في 1955، مما أدى الى حصرها في لبنان، حيث شاركت في حرب 1958 الى جانب الجيش اللبناني، لكنها استبعدت من أي مشاركة سياسية بعد انتخاب شهاب، والتضييق عليها بطلب من عبد الناصر ودولة الوحدة، مما دفعها الى القيام بمحاولة انقلابية فاشلة في 1961، زجت بقياداتها في السجن طيلة مرحلة الستينات. وعند خروج القيادة من الأسر، كان العالم قد تغيّر، وبدأ عصر الثورات اليسارية في معظم أنحاء العالم النامي، وصعدت الثورة الفلسطينية على أنقاض سقوط الرهان على الأنظمة العسكرية القومية العربية وهزيمة 1967، هذه الأنظمة التي اتسمت بالقمع والتخلف وعدم التنسيق والتبعية. وقد تبنّت مرحلة حكم حافظ الأسد في الشام، منذ السبعينات، باستراتيجية واقعية تعطي الأولية لبلاد الشام، من خلال محاولة امتلاك أوراق التفاوض اللبنانية والفلسطينية، وتعزيز العلاقة مع الأردن، حتى في ظل استحكام الخلاف العدائي مع عراق صدام حسين. مما أدى الى تقارب بين الحركة السورية القومية الاجتماعية والشام في مراحل لاحقة، برغم المحاولات المتكررة من النظام الشامي للسيطرة على قرار الحركة.

وفي مرحلة السبعينات وما بعدها، وبعد نكسة 1967 وثم خروج مصر من الجامعة العربية إبان اتفاقية كامب ديفيد، تبنّت معظم الأنظمة العربية شعارات جديدة تمجد الانتماء الكياني أو القطري وتضعه في مقدمة الأولويات. ازداد هذا الشعار ظهوراً بعد الفشل الذريع الذي منيت به الأنظمة على صعد التنمية والاقتصاد وزيادة البطالة ومشاكل التعليم والصحة، مما عزز مشاعر التفرقة بين كيان وآخر. وأصبحت الشعارات التي تمجد الانفصال والنزعة الكيانية لاحقاً مثل (الأردن أولاً ولبنان أولاً، والسعودية فوق الجميع، الخ) عادية ومألوفة. ولكن هذا التوجه الانغلاقي الانعزالي الضيق لم يجلب سوى المصائب على المستوى الكياني والمستوى القومي، فلم تستطع الأنظمة حل مشاكلها الداخلية أو الحفاظ على أمنها أو تحقيق النمو والازدهار لشعبها. وعانت دول مثل مصر والجزائر والعراق ولبنان واليمن والشام من عنف دموي أو انقسام طائفي وصل أحياناً حد الحروب الأهلية، ولم تستطع معظم الكيانات في العالم العربي تخفيض معدلات البطالة العالية أو الفقر أو الجهل أو الأمية.

تحديات القرن الحادي والعشرين

أدى تراجع المشروع القومي إذاً إلى صعود الكيانية أو القطرية والمشاريع الوطنية كبديل للمشروع الوحدوي العربي. كما أدى سقوط الاتحاد السوفياتي الى خسارة حليف استراتيجي للأنظمة العسكرية العربية التي ترفع شعارات القومية العربية والاشتراكية. وبعد عقدين أو أكثر من الانكفاء الكياني والتناحر الداخلي والبيني، ظهر فشل المشاريع الكيانية في تحقيق التنمية والحرية والسيادة، بل ازدادت الخلافات ونشبت حروب أهلية داخل الكيان الواحد وحروب بين الكيانات. كما أن دخول العالم الى عصر المعرفة، وعولمة الاقتصاد والاتصالات، واستفراد أميركا لفترة بقيادة العالم، وتهديدها للأنظمة بالحروب الاستباقية على الإرهاب، خاصة بعد تفجيرات أيلول 2001 في أميركا، والهجمة الثقافية التي ترافقت مع تطور الاعلام الاجتماعي والاتصالات، كل ذلك أدى الى المزيد من تعرية الأنظمة العربية، سواء المطبّعة منها مع العدو والسائرة في ركاب الغرب، أو الممانعة والمشاكسة، وأظهر ضعفها وعجزها عن القيام بمستلزمات النهوض ومواكبة العصر. وقد دفعها ذلك الى المزيد من الحذر والقمع، في ظل استشراء الفساد على أعلى مستوى، وتحوّل معظم انظمتها الاقتصادية من الاشتراكية الى الرأسمالية المتوحشة، التي أدت الى تمركز الثروة في أيدي القلّة الحاكمة وحاشيتها. كل ذلك أدى بالنخب في الدول العربية المتعددة، للمزيد من الارتماء في أحضان الغرب، الذي اصبح نموذجاً يحتذى للتنمية والمواطنية والديمقراطية، بنظرهم، كما سوّق لهم إعلامه ودبلوماسيّوه.

كل ذلك أدى الى ظهور تيارات ليبرالية جديدة في الدول العربية، تمثلها الجمعيات غير الحكومية، التي تكفر بكل ما هو قومي وتعتبر الفكر القومي فكراً انقرض منذ الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وبداية عصر المعرفة، متأثرين بالدعاية الأميركية الغربية، التي تقول بأفول عصر القوميات، وبدء عصر العولمة الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، التي ما هي سوى تسويق لأنماط الحياة الغربية ومفاهيمها للتنمية والمواطنة والديمقراطية وصراع الحضارات والنظرة الرأسمالية المادية الحتمية الى الحياة والمستقبل.

كما قام بعض مفكري القومية العربية، المتأثرين بهذه التطورات، بمحاولة تطوير طروحاتهم، كما يعتقدون، من خلال الإبقاء على الدعوة للوحدة، في مواجهة التجزئة الكيانية المصطنعة التي “بدأها الاستعمار واستكملتها أنظمة الحكم القمعية لتقوية الشعور الكياني وترسيخ واقع التجزئة والحفاظ على مكتسبات وعروش اغتصبوها وكراسٍ لم يستحقوها” على حد وصف البعض منهم. وطرحوا هذه الوحدة على أساس وحدة اللغة والمشاعر والثقافة والتاريخ والجغرافيا وأضافوا اليها التحديات المشتركة (حالة الاستعمار والتخلف والجهل). وأضيفت في الأدبيات القومية الأخيرة مسألتا المستقبل المشترك والمنافع المشتركة (التكامل الاقتصادي) كدوافع إضافية لنشوء الوحدة العربية.

تجديد “المشروع النهضوي العربي”

ويعتبر “المشروع النهضوي العربي” الذي أعده مركز دراسات الوحدة العربية نموذجاً لهذه الطروحات (انطلاقاً من أوراق عمل قدمت إلى ندوة «نحو مشروع حضاري نهضوي عربي» نظمها المركز في فاس في المغرب عام 2001)، يهدف الى إرساء أساس تقوم عليه الوحدة العربية في ظل الفشل المطبق للمشاريع القطرية العربية ومشاريع الوحدة الاندماجية الفضفاضة. ويقوم المشروع على ستة عناصر:

  • الوحدة العربية في مواجهة التجزئة،
  • الديمقراطية في مواجهة الاستبداد،
  • التنمية المستقلة في مواجهة النمو المشوه والتبعية،
  • العدالة الاجتماعية في مواجهة الاستغلال،
  • الاستقلال الوطني والقومي في مواجهة الهيمنة الأجنبية والمشروع الصهيوني،
  • الأصالة والتجدد الحضاري في مواجهة التغريب.

وبالتالي يعتبر أصحاب هذا الطرح أنه أكثر موائمة للواقع الحالي للدول العربية ولمخاوف المواطنين من استبدال النظام القمعي القطري (سواء كان طائفياً أو فئوياً أو عشائرياً أو إقليمياً) بنظام قمعي قومي أكثر قوة وشرعية. من شأن هذا الطرح الجديد أن يجذب فئات متخوفة أو معارضة تقليدياً للمشروع القومي مثل الأقليات العرقية والدينية. وقد دخل الغرب وبعض الدول الإقليمية واستفادت من هذه الطروحات التي اسقطت محرمات انتقاد الأنظمة القائمة. واستغل البعض الواقع الطائفي وحرمان حركات الإسلام السياسي في المنطقة من الوصول الى السلطة لعقود طويلة، فطرح بعضهم أن الاسلام هو الحل. مما أفسح المجال لتكوين مزيج من الحركات الاسلامية والليبرالية المدعومة من الغرب، وبعض منظري القومية العربية الذين يتبنون طروحات الديمقراطية والتنمية والمواطنة والحرية، واستفاد هذا المزيج من أطماع بعض الدول الاقليمية مثل تركيا لقيادة العالم الاسلامي السني، ومن التطور التكنولوجي والاعلامي الهائل، والتمويل الدولي والخليجي، والتدريب والتخطيط الغربيين، وقاموا بتحركات اسموها “ثورات الربيع العربي”، لإسقاط الأنظمة القائمة، مع الوعود بالازدهار والسلام والتنمية ومواكبة العصر وأعطاء دور للشباب العربي المهمش والمبعد عن دوائر القرار في الأنظمة القائمة.

أوهام “الربيع العربي”

عندما بدأت التحركات في عدد من الدول العربية، اكتشف الليبراليون والقوميون العرب والغرب، أن الحركات الأكثر تنظيماً والأقدر للوصول الى السلطة، هي التيارات الإسلامية على أنواعها. فوصل التيار الإسلامي إلى السلطة في عدة دول عربية أبرزها تونس ومصر وليبيا. ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً أين منه فشل الأنظمة التي استبدلتها. كما أن صمود الدولة في الشام، وتورط الغرب بالمطالبة المبكرة برحيل النظام، أدى الى تغاضي كل الأطراف عن الاستعانة بتنظيمات ومجموعات يصنفها الغرب ارهابية، فيما ترعاها تركيا وعدد من الدول العربية، من أجل إسقاط النظام. فأصبحت الحرب السورية هي مغناطيس جاذب لكل المجموعات التكفيرية والارهابية في العالم، مدعومة من مجموعة تفوق 80 دولة. وهذا ما فاقم العنف الطائفي، الذي ترافق مع استماتة النظام في الدفاع عن مواقعه، والاستعانة بحلفائه في ايران وروسيا والدول المحيطة، مما أدى إلى احتقان طائفي وعمليات إجرامية لم يشهدها العالم من قبل.

وقام عدد من مفكري القومية العربية، مثل عزمي بشارة وبعض قادة المعارضة السورية، بتصوير ما حصل بأنه حركات تحرر وطنية، وأعادوا إحياء طروحات الوحدة العربية على قواعد التكامل الاقتصادي والحريات والتنمية والمواطنة والديمقراطية. فجاءت طروحاتهم مشابهة لشعارات عفلق في الوحدة والحرية والاشتراكية. واعتبروا أن الخلل ليس في هذا الشعارات، بل في الممارسات الخاطئة التي مارستها وتمارسها قوى وعناصر سياسية وأيديولوجية باسم القومية العربية، دون احترام الممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

من الواضح أن هذه الطروحات الجديدة تحتاج الى الكثير من المصداقية والجهد كي يعود ويؤمن بها الشباب في الشعوب العربية، بعد كل اخفاقات الأنظمة القديمة التي استظلت القومية العربية ولم تنتج سوى القمع والتخلف والفساد والتبعية والتجزئة والجهل، وبعد كل التناقضات التي حملها واقع حروب ما سمي بالربيع العربي، خاصة في الشام واليمن وليبيا، حيث كانت اليد العليا هي للتنظيمات التكفيرية والارهابية الممولة من الغرب الذي تصنفه هي بأنه شر مطلق، ويصنفها هو بأنها إرهابية. وفي مصر وتونس تم الانقلاب على نتائج “الربيع العربي”، وبنيت مجدداً أنظمة شبيهة بنظامي مبارك وبن علي، مع بعض التحسينات الشكلية.

وترافق ذلك مع تنامي التيار الاسلامي في تركيا، والذي اعتبر أن أميركا خذلته في منتصف طريق “الربيع العربي”، من خلال تبديل الأحصنة، وأن أوروبا خذلته بسبب رفضها لانضمامه الى الاتحاد الاوروبي. فعاد يبحث عن الأحلام العثمانية القديمة في سورية الطبيعية والعالم العربي، والقوقاز ووسط آسيا.

كما أن دول الناتو العربي، أو دول حوض البحر الأحمر، الذين سمّتهم أميركا بالناتو العربي، والذين يهرولون اليوم الى التطبيع مع العدو الاسرائيلي، لمواجهة النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة، تطرح أيضاً كتلة جيوسياسية جديدة، لها منظروها، لتسويق قومية عربية جديدة بوجه المد الفارسي، متصالحة مع العدو اليهودي وسائرة في ركاب الغرب، مع أن طروحات المواطنة والديمقراطية والحريات قد لا تنطبق على الكثير منها. ولكنها تشكل القوة الأساسية المسيطرة على الجامعة العربية، برغم أن تأثيرها يبقى محدوداً على معظم كيانات الهلال الخصيب، حتى إشعار آخر.

تحديات معاصرة

بناء عليه، نتفهم التحديات التي تواجهها الشام في المرحلة المقبلة على عدة مستويات، ولكل منها أتباعها في الداخل:

  • فمن جهة هناك من يقارع نظرتها القومية العربية، ويصفها أنها “قديمة، متخلفة، تسلطية، قميعة، دموية، مذهبية، تابعة لايران او روسيا وبالتالي كافرة أو متناقضة مع الإسلام السني الأكثري”، وبالتالي غير قابلة للحياة.
  • ومن جهة أخرى هناك من يطرح فصل الإسلام عن العروبة، ويدعو الى حكم اسلامي متطور ينسج على المنوال التركي، على قاعدة نظرة دونية الى الشعوب العربية، الى حد مطالبة الكثير من النازحين وسكان بعض المناطق الشمالية، تفضيل الانضمام الى الدولة التركية على العودة الى كنف النظام القائم في الشام.
  • في المقابل، تطرح دول الناتو العربي ومنظروها، القومية العربية كمشروع حضاري معاصر، لكنه خاضع لمقولات الصراع المذهبي السني – الشيعي والصراع القومي العربي – الفارسي، الذي تسوّق له اميركا وحلفائها. وتُتّهم الشام بأنها تتموضع في المعسكر المقابل للمعسكرة القومي العربي.
  • وهناك الطرح السوري القومي الاجتماعي، الذي يعتبر أن ربط العروبة بالإسلام يضعف القدرة على تمتين الوحدة الداخلية للمجتمع المتنوع. وينتقد الرؤية الفضفاضة للعالم العربي برغم الحقائق الجيوسياسية الناشئة التي تضرب الكثير من مسلمات الفكر القومي العربي. ويدعو الى التركيز على كيانات سورية الطبيعية وطرح العروبة الواقعية، عروبة الجبهة العربية، عوض الرهانات الوهمية على وحدة قومية عربية شاملة. وينتقد غياب منظومة قيمية وعقلية أخلاقية جديدة تكون ضامناً ودافعاً للنهوض، عوض ترك هذا الجانب الى الأديان والمذاهب.
  • وهناك العودة الى الطرح الكياني أو ما دون الكياني، مع افكار ليبرالية متنوعة تدعو الى التحرر والتقدم والنمو.
  • كما أن مسائل إعادة ملايين النازحين، وإعادة الإعمار، يربطها الغرب بحل سياسي يضرب الكثير من مكتسبات النظام الحالي.

أمام هذه التحديات، لا بد من صياغة استراتيجية جديدة قادرة على المواجهة والصمود والتقدم. وهذا بحاجة الى إعادة نظر بالكثير من المنطلقات الفكرية، والتقدم نحو نظرة جديدة وطروحات حديثة راسخة، عوض التراجع عن ما كان سائداً، الى طروحات أكثر رجعية، بحجة المواجهة والتقدم وتحصين المجتمع وصوت المعركة مجدداً.