لا أدري كيف صرتُ في وسط المكان, ولا من أيّ بوابة دخَلْتُ, لأن صخب الدّنيا كلَّه كان حاضراً في جموع النّاس والإذاعات الموضعيّة ونوافير الماء والمسارح الصّغيرة وعلى المقاعد بين المروج وفي «الأجنحة» الشّاسعة، تنتمي إلى هذه الدّولة أو تلك! ماذا أفعل بين نصف مليون إنسان جاؤوا موعودين بالفرح، وكلٌّ له في الفرح طريقة؟ أتلبّث قليلاً بين الجموع التي تموج ثمّ تتفرّق إلى حيث تستجيب رغباتها، قبل أن أرى بوّابة لجناح فسيح خفّ فيه الزّحام وتضوّأت على جدرانه شاشاتُ كريستال تتتابع عليها صورُ حرائق, فأجهزة معقّدة في عمق الصّحراء ورجالٌ لطالما أُعْجِبتُ ببزّاتهم الغريبة وخُوَذِهم التي توحي أنّهم من عالمٍ آخر لا يمتُّ إلى الواقع بصِلة! مهندسون، لكن ليسوا في مكاتب أنيقة، مكيّفة، بل في العراء، يعيدون ترتيب حياتنا وهم غير مرئيّين لنا! وتلك الصبيّة التي لمحَت وقفتي على عتبة الجناح تبتسم وتستقبلني بحرارة وفنجان قهوة عربيّة ثمّ تقدمني لسيّدة تجلس في ركنٍ أنيق: -مديرة شركة «أساس», وفي اللّحظة، تستيقظ الأسئلة لمن يعرف إجاباتها الدّقيقة: -أليست صورة الدّمار هذه من حقل الشّاعر يوم اجتاحه الإرهابيّون وخلّفوا وراءهم مئات الشّهداء من العمّال والمهندسين والظَّلام والبرد وخراب الاقتصاد اللامحدود؟ ويفتح السّؤال، بعد مُرِّ الذّكريات، على جولةٍ مع أحد مهندسي شركة «أساس» التي تعمل بخبرات وإمكانات وطنيّة صِرفة في خدمات النّفط والغاز وقد رفضَت الانسحاب من السُّوق المحلّيّة حين سُلِّطَتْ الحربُ الإجراميّة على البلد، فأعادت تأهيل معمل غاز حيّان والمحطّات التّابعة له بعد أن طالتْه يد الإرهاب ودمّرَت ثمانين بالمئة منه، وكذلك فعلت مع محطّة الشّاعر التي دمّرها الإرهابيّون بالكامل، وروى لي، وعيني تتابع مجسّماً لمحطّة الشّاعر وهي معافاة، كيف تعرّض للخطف يوم كان يؤهّل بعض الخطوط التي فجّرها الإرهابيّون في بادية دير الزّور, واستَبَقَ أسئلتي عن نجاته بمعلومة عن وفاء النّاس لوطنهم واحتضانه عبر تدخُّل رجال العشائر على طريقتهم في تحريره، وهم ينتظرون تحرير الوطن كلّه من طاعونهم!
بعيداً، سرَحَ خيالي إلى أيام كنّا نلتمس فيها سويعات تيّار كهربائيّ ونقدّس شهداء مضَوْا على طريق طويل كي نبقى على قيد الضّوء والحياة، ونحن لا نعرف شيئاً عن أولئك الجند المدجَّجين بالشّهادات العليا والإيمان الأعلى بأرضٍ تُفدى بالروح! تركتُه يزوّدني بالمعلومات وقلبي يقول: -مدينون لكم يا مَن كنتم جنداً حقيقيّين حوّلتُم مُرّ الذّكريات إلى واقعٍ يزهو بالإعمار/.جريده تشرين / 25-09-2018
آفاق رأيتِ القمر
نهله سوسوغربتُها اكتملَت رغمَ بقاء الحجارة، جدراناً وسقوفاً وعتَبات، ممّا لا يجعل للبكاء على الأطلال معنى، فهي لم تغادر بل "هُم" من غادروا تباعاً وأخلَوا الأمكنة حولَها، حتى ما عادت تعرفها، متّسعةً وضيّقة، ممتلئةً وفارغة! كأنّها كانت "هُم"! كأنّهم كانوا "هي"! بات الفراغ يتمدّد من غيابهم إلى داخلها، لا تملؤه الرّسائل ولا الأخبار الكذوبة المتباعدة، لذلك عكفت على عَيْش ساعتها خاليةً من الأمل والذّكريات!في مبتدأ المساء تنهض لتفعل ما كانت تفعله في الصّباح أيّام زمان، لأن الزّمن نفسه اختلّ ولم يكفّ عن عبثه منذ ثماني سنوات، بعد أن امتدّت الأيادي المجرمة إلى الأرض الآمنة فزعزعتها، وإلى السّماء الصّافية فملأتها بسحب الدّم، فقد يتوقّف كلُّ شيء، عدا تلك الأعمال المبتذلة، الضّروريّة للبقاء، وعليها أن تغسل ملابس، أو ترتجل طبق طعام، أو تمسح بقعةً من زجاج نافذة، لكنّها تقف مشدوهةً بعد أن تفتح مصراع النّافذة الصّدئة، كأنّها طفلٌ بوغِتَ بشلّالٍ متدفّق أمام ناظريه، قبل أن ينتزعَه عنوةً من مكانه ويطوّح به في دفْقِه ورذاذه الأبيض الصّخّاب! كان القمر أمامها! كان معلّقاً برفق كأنّ يداً دافئة أودَعتْه هناك لتستعيده بعد لحظات، ودار الزّمن بسرعة خرافيّة، يستحضر صوتَه النّاعسَ المنغوم: -رأيتِ القمر؟ أخشى أن أنام فلا أجده في الصّباح! وبعدها بات القمرُ سرّهما الأعظم من الحَبْل السُّرّيّ الذي عوّضاه محبّةً عميقة دامت في حكايات اللّيل وحوارات المطالعة وكشوفات اللّغة العبقرية التي عشقاها والتّنافس في كشف أسرارها وألغازها! لمست حديد النّافذة البارد، لا تقاوم موجات الدّفء المندفعة في قلبها وأطرافها، وقد جاء صوتٌ آخر عبر هواتف متكرِّرة: -عليكِ أن تعرفي الرّيف أكثر ممّا قرأتِ وسمعتِ عنه، لا أحسب أنّ قمَرَ مدينتك يبدو قريباً جداً من السّطوح كما يبدو لي الآن وأنا ساهرٌ مستسلمٌ لأشرعة النّسيم والنجوم في سماء المدينة لا تعدو غباراً لا بريق فيه! ولَكَم باعدت بينها وبينه الخلافات والخصومة انتهت جميعها باتّصال: -رأيتِ القمر؟ فتنهض باحثةً عنه، لتجدَه بَدْراً ومحاقاً وهلالاً يرنو إليها وهي تعلم أنه يراهما معاً من مدارٍ يمحو المسافات على الأرض وقد امّحَت فعلاً دون أن يراوغاه ويخدعاه!
استدارت واجفةَ القلب، متعبة، لكنّها سعيدة لعودة الغائبين، البعيدين، الذين لا يمكن أن يتنكّروا لها بالنّسيان وقد واصل القمرُ سُكْنى منزلَه كما فعلَت هي، وكما تذكّرت أن تقول لهم من فورها: -بلى رأيتُ القمر لتوّي!
جريده تشرين / 18 / 9 / 2018
حسبتُها ممّن لا يُجبَرُ لهم كِسْرٌ حتّى بعدَ جراحة وضمادٍ وجبيرة، لأنّني حين هنّأتُها بالعودة إلى بيتها بعد تهجيرٍ طويل لم تكن بتلك السّعادة التي تخيّلت، فَلَم أبتكرْ كلمات لمواساتها لأنّها قالَت ما تتوقَّع منّي قولَه: -لا أصدّق أنّ بوسعي أن أفتح الشّبابيك من دون خوفٍ من رصاصة قنّاصٍ غادر، وأنّ السّماء عادت إلى قمَرِها ونجومها وأنّ اللّيل عاد يبثُّ أشجان العشّاق والمتعَبين بعدَ أن قضى عليهم جيشُنا وأودعهم في ذاكرة التّاريخ مع قذائفهم عشوائيةِ القتل وأنّ إيقاعات النّهار في الحيّ تزايدَت بسرعة خياليّة، حين عادت الدّكاكين وأولاد كرة القدم ومضخّات الماء المنزليّ وغسيلُ الشُّرفات والأفنية وبائعو العربات الجوّالون! أنتظر أن تفسّرَ لي ذلك الحزنَ الكامن في صوتها كغصَّةٍ مخبوءة في خبرٍ سارّ، لكنّها تضع القهوة على موقدٍ تحطّمَت إحدى عيونه من دون تذمّر، وتدفع السّتارةَ الممزّقة قائلةً إنّها لم تُفاجَأ بوجود رصاصتين نافذتَيْن خلفها، فكلّما رفعت قطعة في البيت وجدت تحتها خراباً ما، وهي لا يهمّها إلا أنّ السّقف والجدران سليمة، سليمة، وكلّ ما بعدَها مجرّدُ تفاصيل وحين تجلس أمامي أتوقّع أن تشكو من هَوْل المبالغ التي سترهقُها حين ستبدأ التّرميمَ والإصلاح فأحضّر مواساتي لها بأنّ حالها أفضل من حال من فقدوا بيوتهم ولم يجدوا منها إلا آثاراً على الأرض، لكنّها تدهشني بقولها: -أحمقُ من لم تبدِّلْ الحربُ أوهامَه وأسلوبَ حياته! سأعتمد على أبسط الضّروريّات لأنّ رفاهيةَ الماضي التي كانت تستدعي تغيير الطّلاء والأثاث و«الدّيكور» ذهبت إلى غير رجعة! أقول لها بعد أن خيَّبَت كلّ ما راودني من أفكار: -ما الذي استعصى عليكِ وجعلَ كلَّ ما ذكرتِ غيرَ كافٍ للرّضى والفرح؟ نظَرت إليّ طويلاً كأنّني تجاوزتُ الحدود ثمّ أجابت بمرارة: -إدلب! –ليس في علمي أنّ لك أقاربَ هناك! -أنا في بيتي الصّغير الذي كان بعيداً عني بضعة كيلومترات، مدّة سبع سنوات، لكنّكِ تعلمين كم مضى على هذا الطّريق من البواسل وكم قضى منهم شهداء كي أستطيع عبورَه آمنةً في كلّ وقت، ولكنّ الرّجال مازالوا ماضين في طريقٍ، ينظّفونه، كي تنبتَ الأشجار على طرفَيْه وتسطعَ المصابيحُ على أرصفته، فكيف تهدأ نفسي وهم لم يعودوا بعدُ من مسيرهم المقدّس الطّويل؟ لن أعرف الفرح حتّى أرى البيت الكبير، بكلِّ ركنٍ فيه، محَرَّراً، مزيّناً بالأعلام والغار، لأنّ بيتي الصغير ليس إلا زاويةً صغيرة على أحد أطرافه تنشد الأمان!
جريدة تشرين الثلاثاء 11-09-2018
آفاق هوامشنهله سوسوتسحب الطفلة الموهوبة بالرّسم، ورقةً بيضاء على عجَل، وترسم خطَّيْن متعاكسَيْن بقلم الحبر الجاف، ثمّ تقف أمامي وعيناها في عينيّ، تسأل: -جميل؟؟ وقبل أن أتفوّه بكلمة تقرأ أساريري المبتهجة فتقول: -كلَّما رسمْتُ شيئاً قلتِ إنّها لوحة بديعة لم ترَيْ لها مثيلاً من قبل! أسقطتني الصّغيرة في اختبارٍ مباغِت، لم أحسب أنّها قادرةٌ على ترتيبه بهذه البراعة وهي لم تتمَّ الخامسة بعد! وبلحظات استردَدْتُ روعي لأقنعها أنّ إعجابي بلمَسَاتها وألوانها وخطوطها السّاحرة هو إعجابٌ حقيقيّ وليس مديحاً ميكانيكيّاً، تشكِّكُ فيه وأرادت أن توقفَني عن تكراره كَذِباً ومجامَلة! أشَرْتُ إلى إحدى لوحاتها المؤطَّرة، المعلّقة على الجدار: -لولا جمال لاعبة الجمباز هذه، كان والدك زيّن بها الجدار ووضعها بين لوحات الفنّانين الكبار؟ مزّقَتْ الورقة وهي تنصرف من أمامي، ولكن ليس من خاطري! لقد لقّنتْني درساً سأعجز عن نقل فحواه العميق إلى وعيها، فما من مبدعٍ مهما بلغَت به العبقريّة قادرٌ على إنتاج قمم بنفسِ السويّة، لا في الشّعر، ولا في الرّواية، ولا في النّحت، ولا في المسرح، ولا في الفنّ التشكيليّ، بل هناك ذروة تخلّده، وعلى سفوحها تطلع أعماله الأخرى متفاوتة الجمال والكمال، وبالتّداعي تذكّرت بعض المبدعين الذين ينضُبون كالبئر الجاف لكنّهم يواصلون المتْحَ من هذا البئر، لأنّهم غالباً لا يجدون من يوقفهم إما احتراماً لأسمائهم الكبيرة وإمّا لانعدام الجرأة ووهْمِ السّير في عكس التيّار! هل ستفهمني الطّفلة، خارقةُ الذكاء، إذا قلتُ لها إنّ لعبةَ المجاملة أذهلتني مع كاتب شهير، نال جوائز عالميّة، وكُتِبَت فيه معلّقات ودراسات وتخصّص فيه إعلاميّون ولازمَهُ مريدون وسجّل أنفاسه ومزاجه وحركاتِه وسكَناتِه محبّون ومتطفّلون، وكنتُ قرأتُه مع ملايين القرّاء، حتّى وصلتني أعمالُه التي كتبها في موْهِن العمر فإذ بها فارغة أكثر من نصٍّ إنشائيّ لكاتبٍ هاوٍ، وما زلتُ أرى كتّاباً وكاتباتٍ يواصلون " نشاطهم" كأنّ أنفاسهم وحروفهم درَرٌ نادرة ينتظرها المتلهّفون كي يحفظوا بريقها في المآقي، وهي لا تعدو الهوامش التي يستخدمها مدوّن وتبقى فارغة من الجدوى حتّى لو مُلِئت بالملاحظات والمفردات!
يبقى الزمان بالمرصاد، مهما ضاعت الحدود بين الإبداع والهوامش، ومهما نام المبدع على وسادة تاريخه الوثيرة، ينخل القمح ويطرح الزُّؤان ففي الإبداع معادن وهي وحدها من ينبئ عن الفلزِّ كريماً أو متواضعاً، وفي كِلا حالتيْه يعجز عن مخادعة الزّمن كما يفعل مع البشر بأهوائهم وشطحاتهم.
جريده تشرين / 4 / 9 / 2018