آفاق.. عشبة الخلودنهلة سوسو
بقيت حياة الناس كما هي عليه منذ الأزل، تخيفهم القِلَّة ويقلقهم القحط الذي منه الجوع ورَهَق العيش!. مهمومون بطلب الوفرة، باحثون عن الرفاهية، مواظبون على ما تمليه غريزة البقاء! في الأسواق مشترون يساومون الباعة حتى اعتصار القرش وفي البيوت يحسبون الطعام على الموائد بمثقال صائغ الذّهب، وهي ثقافة طارئة أشاعتها حربٌ بشعة أسوأ مفاعيلها شحُّ المواد والتنافس عليها! وفي فضاء التّواصل خرجت كوامن النّفوس بلا ضوابط، ورغم التّشتُّت في المكان والتّباعد في الجغرافيا والتناقض في الوعي، اجتمع المتواصلون في حارة ضيّقة، كلُّ من فيها يحكي على طريقته، وبحكم كلِّ تجمُّع بشريّ ، صارت الحارة أزقّة ولكلّ زقاق عريف صار زعيماً يقود عراضات، أنتجت شعارات وتصارعت مع الأزقّة الأخرى، متّكئةً على تراثٍ من الهجاء، كان في الماضي جميلاً بحِرْفيَّتِه وثقافة الهجّاء ومعرفته بمَهْجُوّه، لكنّه أتى إلى لغة النّكاية والانتصارات الدُّونكيشوتيّة، بينما كان خارج هذا كلّه، موكب آخر يمضي في الأرض التي لم تضيّع اتجاهاتها الأربعة منذ الأزل!.
كان الرّجال في تلك الأرض، أبعدَ ما يكونون عن هموم الحياة للمُقتاتين خبزاً، الخائفين من غدهم المجهول، فإلى المدى الذي لا تدركه عيْنٌ قصيرة، كانت وجهتُهم يريدون تنظيفها حَبّةً، حبّة، صخرةً، صخرة، منزلاً، منزلاً… واستوت من معجزاتهم خرائطُ صغيرة يلمسونها باليد والقلب قبل أن يجتاحوها صدّاً للوباء بدمهم وأرواحهم ! هكذا هي الملحمة ، تقوم مرّةً كلّ عدّة قرون! هكذا تتحوّل كلُّ ألعاب الحياة التي تفرضها غريزة البقاء لجموع البشر الذين يعيشون على التُّراب مثلَ التُّراب، إلى شحنات تتجاوز الأزمنة لتخُطَّ مجرّات ضوئية خالدة.. كتلك التي مازال ماؤها وسيول أنوارها تتدفّق يوم خرج جلجامش لجلب عشبة الخلود من غابة الأرْز وانتزاعها من مخالب الوحش خمبابا، وفي الطّريق أهوالٌ وأيّ أهوال! جحافل غزاة، كانت طلائعُهم الصّدمةَ والرُّعب وجائحتُهم القتلَ الذّريع والانقضاضَ على الآمنين بمذابح جماعيّة، تخلّف وراءها أمّاً تنزف على عتبة دارها ويداها ممدودتان للإمساك بطفلها الممزّق تحت أقدامهم ونثيث نار الحرائق يحجب الضّوء والأمل وقدسيّة الحياة!.
هناك، على الجانب الآخر من عالمنا ذي الهموم الصّغيرة المضَخّمة، كان الرّجال يزيلون من الخرائط، البقع القاتمة بحِذْق الجرّاح البارع، ويوسّعون المساحات الخضراء على خرائطهم، ويدنون من عشبة الخلود شيئاً فشيئاً… كما فعل نصف الإله – نصف البشر منذ دهور بعيدة، ومن عجبٍ أن يُستعار لهم لقبُ النّمور! ومن هو النّمِر؟ حقّاً، هو الجميل، الوسيم، الشُّجاع، الأبيّ، المنساب رشيقاً في الرّيح والبوادي والغابات، الواقف على الذرا يستطلع الوديان والمنحدرات بعين ثاقبة لا أحد يدانيه، لا أحد يعكّر صفو تأمّلاته، لكنّه يتوارى حين يظهرون لأنّهم ليسوا مشَبَّهاً، يُشَبّهون به، ففي مملكة هذا العالم انبثقوا بفرادة لا مثيل لها إلا في لحظة ولادة الملحمة، واستعارة رمز المستحيل «عشبة الخلود»، وقد أتَوْها من فم خمبابا بعد استعصائها على طالبها يوم خرج إليها من أجل صديقٍ حبيب، وما من حبيب يجعل الأسطورة واقعاً، كالوطن حين يُؤسَر وحين يُطعن وحين يُسرق فينهض إلى ندائه رجال يصنعون فَجْرَه ويضعونه في مدار المجرّات ويدَوّنونه ملحمة.جريده تشرين 2017/05/30









