آفاق.زمن
نهلة سوسو
المفتاح يعمل بسلاسة : طقّة .. اثنتان .. أربعة ! وضعَتْ هذا القفل لمزيد من الأمان فوق قفل آخر استطاعتُه طقّتان فحسب ، تمسكان الباب ، تحفظان البيت .. وكلُّ بيوت المدينة تُلحَظ فيها الأمكنة التي تترك سبيلاً للدّخول من غير الباب ، وهي سوّرت الشُّرفة الشّرقيّة الواطئة بحديد مصلّب وكذا شبّاك المطبخ الغربيّ المطلّ على حديقة الجيران رغم أنّها نامت آمنةً لسنوات وأشرعت الشّبابيك والأبواب لنسيم الصّيف وريح الشّتاء ، حتّى بدؤوا بإغلاق باب البناء بمزلاج كهربائيّ !
تخطّت العتَبة فردّتْها رائحةٌ بغيضة كانت تنفّرها من بعض البيوت فتكفُّ عن زيارتها أبداً ! سارعت إلى فتح النّوافذ المتقابلة كما كانت تفعل بعد عودتها من السّفر فالجدران والأثاث والكتب هي الأخرى ، تحتاج إلى تنفُّس عميق بعد سُبات طويل ، ولن تترك فرحتها بالعودة إلى صَدَفَتِها التي كانت تخبّئها وتحميها من الأنواء ، في قبضة قليل من الغبار الباعث على الكآبة .. تريد مزيداً من الضوء ليشرق المكان ، لكنّ النّهار معتكرٌ بغيوم وظلال قاتمة من الأبنية المهجورة التي تهاوت سقوفُها وتحطّمت نوافذها وخفقَت ستائرها موحّدةُ اللّون : رصاصيٌّ-ترابيٌّ ، لم تمتدَّ إليها إلا يدُ الأمطار وعواصف التّراب ، لكنّ ستائرها اللّيمونيّة مازالت سليمة ولو أنّها فقدت تلك اللّمعة التي كانت ترقب تموّجاتها في ضوء الشّموع وشمس الصّباح .. لا تستجيب مصابيح الثّريّا لكبسة الزرّ على الجدار .. لا بأس سيعود التيّار فقد وصلت مع موعد التّقنين .. وبانتظاره تعدُّ القهوة وتتفقّد كتاب " البديري الحلّاق " على أحد الرّفوف لأنّ هاجس فقدانه لم يفارقها منذ أعارته لصديق يحبُّ التّاريخ مكتوباً بلا إيديولوجيا وإحالاتٍ نظريّة .. تُخرِجُ القهوة من الثلّاجة وقد تعلّمت حفظها كلحظة خروجها من المحمصة ، فترى في بابها قارورة التمر الهندي التي حفظتها في الشّتاء ، علاها عفَنٌ راكد لابدّ أن تعالجه فيما بعد ! مذاق القهوة تغيّر! الثلّاجة تحتاج إلى صيانة مادامت محتوياتها قد فسدَت !
قطعة الصّابون تقلّصت وتشقّقت على المغسلة والماء الذي تقيّأه الصّنبور بعد أن ضخّ صوتاً كسعال رجل عجوز مصدور كان بلون الطّين والنَّفْثِ الدّامي ومرطّب اليدين كمصل اللّبن انفصل زيتُه عن مزيجه وبعث رائحةً كالمرض ! وبجواره علبة أقراص دواء لمحت عينها مدّةَ صلاحيته التي فاتت منذ خمس سنوات !
دقّ قلبها كجرس صدئ : مرّ كلُّ هذا الزّمن على الدّنيا وزمنُها واقفٌ لا يتحرّك ؟ سبع سنوات وهي تعيش يومها بانتظار الغد ، وكأنّ الغد آتٍ بعد ساعات ؟ مشت قوافل الأيّام حثيثاً وأسقطت وراءها الأقفال والمفاتيح بَلْهَ الأبواب والجدران والبشر الذين ظنّت أنّهم عائدون كما أيقنتْ بعودتها إلى بيتها ، وحسبت أنّ تنقُّلها من منزل إلى آخر ومن حيّ إلى حيّ هو مجرد رحلة عابرة ستنتهي سريعاً لأنّ كلّ هذا الرّحيل عبثيٌّ لا يستوي مع أيّ منطقٍ خبرتْه وتعلّمته وأيّ عبثيّة أشدُّ من زمنٍ يستفيق على علبة دواء انتهت مدّة صلاحيتها وفتَقَت الرّتق الواهي لغفوة الأيام في أوهام طويلة بلا نهاية ؟ كلّا ! ليست الثلّاجة من يحتاج إلى صيانة ، بل إحساسها بالزّمن الذي ضاع وتشبّثت به كي يدوم رائقاً كما كان أيّام سِلْمٍ ، اللّصوصُ فيه أبعدَ ما يكون عن الخاطر والقفل المزدوج مجرّد زينة للتباهي ، لم يمنع يوماً عبور أغنيات ابن الجيران العاشق إلى سمعها ولا تدفّق عطر النارنج من الحديقة الأرضيّة إلى حواسّها ..[جريده تشرين 31/1/2017