الثلاثاء، 31 يناير 2017

تحيى سوريه 
من أدرك معنى أنّ الحياة وقفة عزّ قادر على تجسيد ثوابته والتعبير عن قناعاته بأعلى صوته كي يعلنها للقاصي والداني أن الأمّة السوريّة ستظلّ أيقونة النور في وجه قوى الظلام على مر التاريخ.
نهلة سوسو
كل الأحبة غادروا على عجل، أو على وداع قصير، ونحن نوسع لهم في القلب، مكان لهفة وأمانٍ، دون أن يُترك لنا أن نرافقهم إلى مطار أو جبهة قتال أو مثوى أخير نزينه بالآس والزهور..
الزمن يتسارع لحظة الرحيل، ويقصّ من القلب قطعة وراء قطعة، وقد أوقف الدموع منذ حين! الدموع السحرية التي تشيل من الأعماق وضَراً وطيناً أسود وأوشاباً، لتهيئها للأحزان مجدداً، ريثما ينقضي الأجل، جفّت وماعادت تجدد ينابيعها التي تزودنا بالقدرة على رثاء النفس وبقائها! المناديل لم تعد تلزمنا بعد أن تغيّر كل شيء في حياتنا! لا منازلنا باتت صالحة للسكن، ولا زوايا الحارات التي ألفت خطانا في مبتدأ الصباح وموهن الليل باتت تحفل بنا وهي تئن من خرابها، ولا هواتفنا واصلت الرنين، لتسترجع أحاديث الأصدقاء والمعارف، ولا الأصوات التي غيّبها الشتات حفظت أسماء أصحابها في الذاكرة... وتحولت بنا الأرض شيئاً فشيئاً، إلى ضفة عريضة على حافة بحيرة تمتلئ بالمراكب والزوارق، وهي تحمل المسافرين بعيداً عن اليابسة...
 على الشاطئ، أرقب ظلال الراحلين وهي تغيب في البحيرة المصطخبة: الذين سافروا إلى موانئ زُيِّنت لهم أوطان نعيم، أُزيلت منها شوائب الغربة ونصال الحنين وعضُّ التخلي عمّا كان وطناً عظيماً بكل معاني العظمة، والذين ألقَوا بأنفسهم في المياه الغادرة ممسكين بحبل الوعود الخلّبية وغيّبهم الموت كأرخص كائنات حيّة لا صاحب لها ولا راع ولا مطالِبَ بدم!
 والذين أخرجوا من خزائنهم بزّات الاحتفالات، وواروا ضمائرهم في جيوبهم المخفية أو بطانة أحذيتهم، وامتشقوا أقلامهم لمديح القراصنة المترصدين على الشواطئ المقابلة، علهم يجدون مكاناً على موائدهم، وعجّت البحيرة بالنخاسين وتجار السبايا والأيتام والأعضاء البشرية، ونشطت «المنظمات الإنسانية» التي أسهمت في صنع كل هذا الخراب، ثم عادت إليه بياقات بيضاء وممثلي إنقاذ وفتات طعام وقطع ملابس للتصوير لزوم الرحمة والتعاطف..
 تعصف الريح ويشتد البرد ويعلو الموج، فيتكشّف في عمق الماء الداكن، ذلك الجندي المنتصب كآلهة الخير والعدالة، حيث لا مكان لكل من اعتلى البحيرة وعاث فيها فساداً منفلتاً من كل عقاب، كأن قيامة الشر قد قامت بلا نهاية ولا زوال... لكن هذا الجندي أعرفه في واقعه وحياته وهمومه، وهو فوق صورته المشهدية الأخاذة، الممجدة، إنسان خرج من بيوتنا وريفنا وماضيه المسالم وأحلامه بحياة، أقلُّها أن يأكل لقمته في جو العائلة الدافئ، ويقرأ بضع صفحات من كتاب يحبه، قبل النوم، ويصبّ سطح الغرفة المضافة إلى منزل العائلة، فيهتف قلبي بصلاة حارة: أنصفوا هذا الجندي! لا تتركوه وحيداً في لبّ العاصفة والإعصار، يواجه كل هؤلاء الوحوش... احموا ظهره! دججوه بالاحترام! أعطوه حقّه في الراحة والمساحات الإنسانية! اسمعوه إذا أراد أن يتكلم ولا تجوروا عليه بقاعدة: نفّذ ثم اعترض لأنه لم يعد في زمن التدريب، بل في زمن القيامة التي فُرضت عليه قبل أن تُفرض علينا... وإذ أعلم أن لا أحد يبالي بمطلبي، أحتفظ لنفسي بقدسية انتظاره عائداً إلى الشاطئ، متورد الوجه، مكللاً بالغار، محفوظاً بالعناية الإلهية التي جعلته كالشجرة الخضراء على أعلى قمة في جبالنا رغم كل المعاناة التي يلقاها حتى من الأقربين، من فجر النهار حتى بلوغ الانتصار...
آفاق.زمن
نهلة سوسو
 المفتاح يعمل بسلاسة : طقّة .. اثنتان .. أربعة ! وضعَتْ هذا القفل لمزيد من الأمان فوق قفل آخر استطاعتُه طقّتان فحسب ، تمسكان الباب ، تحفظان البيت .. وكلُّ بيوت المدينة تُلحَظ فيها الأمكنة التي تترك سبيلاً للدّخول من غير الباب ، وهي سوّرت الشُّرفة الشّرقيّة الواطئة بحديد مصلّب وكذا شبّاك المطبخ الغربيّ المطلّ على حديقة الجيران رغم أنّها نامت آمنةً لسنوات وأشرعت الشّبابيك والأبواب لنسيم الصّيف وريح الشّتاء ، حتّى بدؤوا بإغلاق باب البناء بمزلاج كهربائيّ !
تخطّت العتَبة فردّتْها رائحةٌ بغيضة كانت تنفّرها من بعض البيوت فتكفُّ عن زيارتها أبداً ! سارعت إلى  فتح النّوافذ المتقابلة كما كانت تفعل بعد عودتها من السّفر فالجدران والأثاث والكتب هي الأخرى ، تحتاج إلى تنفُّس عميق بعد سُبات طويل ، ولن تترك فرحتها بالعودة إلى صَدَفَتِها التي كانت تخبّئها وتحميها من الأنواء ، في قبضة قليل من الغبار الباعث على الكآبة .. تريد مزيداً من الضوء ليشرق المكان ، لكنّ النّهار معتكرٌ بغيوم وظلال قاتمة من الأبنية المهجورة التي تهاوت سقوفُها وتحطّمت نوافذها وخفقَت ستائرها موحّدةُ اللّون : رصاصيٌّ-ترابيٌّ ، لم تمتدَّ إليها إلا يدُ الأمطار وعواصف التّراب ، لكنّ ستائرها اللّيمونيّة مازالت سليمة ولو أنّها فقدت تلك اللّمعة التي كانت ترقب تموّجاتها في ضوء الشّموع وشمس الصّباح .. لا تستجيب مصابيح الثّريّا لكبسة الزرّ على الجدار .. لا بأس سيعود التيّار فقد وصلت مع موعد التّقنين .. وبانتظاره تعدُّ القهوة وتتفقّد كتاب " البديري الحلّاق " على أحد الرّفوف لأنّ هاجس فقدانه لم يفارقها منذ أعارته لصديق يحبُّ التّاريخ مكتوباً بلا إيديولوجيا وإحالاتٍ نظريّة .. تُخرِجُ القهوة من الثلّاجة وقد تعلّمت حفظها كلحظة خروجها من المحمصة ، فترى في بابها قارورة التمر الهندي التي حفظتها في الشّتاء ، علاها عفَنٌ راكد لابدّ أن تعالجه فيما بعد ! مذاق القهوة تغيّر! الثلّاجة تحتاج إلى صيانة مادامت محتوياتها قد فسدَت !
 قطعة الصّابون تقلّصت وتشقّقت على المغسلة والماء الذي تقيّأه الصّنبور بعد أن ضخّ صوتاً كسعال رجل عجوز مصدور كان بلون الطّين والنَّفْثِ الدّامي ومرطّب اليدين كمصل اللّبن انفصل زيتُه عن مزيجه وبعث رائحةً كالمرض ! وبجواره علبة أقراص دواء لمحت عينها مدّةَ صلاحيته التي فاتت منذ خمس سنوات !
 دقّ قلبها كجرس صدئ : مرّ كلُّ هذا الزّمن على الدّنيا وزمنُها واقفٌ لا يتحرّك ؟ سبع سنوات وهي تعيش يومها بانتظار الغد ، وكأنّ الغد آتٍ بعد ساعات ؟ مشت قوافل الأيّام حثيثاً وأسقطت وراءها الأقفال والمفاتيح بَلْهَ الأبواب والجدران والبشر الذين ظنّت أنّهم عائدون كما أيقنتْ بعودتها إلى بيتها ، وحسبت أنّ تنقُّلها من منزل إلى آخر ومن حيّ إلى حيّ هو مجرد رحلة عابرة ستنتهي سريعاً لأنّ كلّ هذا الرّحيل عبثيٌّ لا يستوي مع أيّ منطقٍ خبرتْه وتعلّمته وأيّ عبثيّة أشدُّ من زمنٍ يستفيق على علبة دواء انتهت مدّة صلاحيتها وفتَقَت الرّتق الواهي لغفوة الأيام في أوهام طويلة بلا نهاية ؟ كلّا ! ليست الثلّاجة من يحتاج إلى صيانة ، بل إحساسها بالزّمن الذي ضاع وتشبّثت به كي يدوم رائقاً كما كان أيّام سِلْمٍ ، اللّصوصُ فيه أبعدَ ما يكون عن الخاطر والقفل المزدوج مجرّد زينة للتباهي ، لم يمنع يوماً عبور أغنيات ابن الجيران العاشق إلى سمعها ولا تدفّق عطر النارنج من الحديقة الأرضيّة إلى حواسّها ..[جريده تشرين 31/1/2017
أنطون سعاده
لم يعرف التاريخ رجالاً ينذرون حياتهم بكل تفاصيلها من أجل قضية آمنوا بها كأنطون سعاده. هذا الرجل الذي لم يؤسس فقط فكرة وحركة تتناولان حياة الامة السورية بأسرها وحسب، بل تعدّى ذلك إلى تأسيس نظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن، تمثّلت ببناء الانسان الجديد، الانسان المجتمع. ليس غريباً أن يُغتال انطون سعاده، وهو أول من حذّر من الخطر الصهيوني، فهو لم يكن إلا في بدايات شبابه. ليس غريباً على أنطون سعاده أن يكون مشعاّ بالحضور، على الرغم من غيابه، هذا الحضور المتمثِّل بالأجيال الجديدة التي آمن بها. هو أنطون سعاده
تحياسوريا والخلود لسعاده