الاثنين، 26 مارس 2018

افاق..غيرُ مرئيّ نهلة سوسو


افاق..غيرُ مرئيّ
نهلة سوسو
كلُّ ما حصل بعد لحظةِ استيقاظها على أزيز طلقةٍ كالفحيح، الذي تعاني فوبيا حتى من ذكره، ونهضت مفزوعةً من نومها القلِق، لم يعد يخضع لأيّ ترتيب زمنيٍّ في ذاكرتها! بعد ذلك اليوم المشؤوم الذي وزّعَ القتل في البلد وتفنّن في جرائمه، تكاثرت الأحداث بعنفٍ لم يقْوَ خيالها يوماً على تصوُّر فظاعته، ومثلَ كومة قصاصاتٍ ورقيّة تركها فنّانٌ مزاجيّ، تراكمت بقايا الأحداث المتسارعة: ترحالٌ طويل مع حقيبة ضروريّات صغيرة، بشرٌ في الحدائق تحت العراء، بشرٌ في مراكز إيواء، مدارس مغلقة، حواجز سدّت شرايين الشوارع، مجيبٌ آليٌّ لا يملُّ من رسالة «هذا الخطّ خارج نطاق التّغطية» لكن كلّما نشَزَ لحنٌ في الجنّاز المديد، استجابت له بكل روحها: -طاعونٌ هذا، ليس إلا طاعوناً أسود سينتهي! سيتلاشى! سيندثر لتنصب الحياةُ ميزانها من جديد، تعيد الأضواء اللّيليّة إلى الشّوارع والأحياء، وتسقي الحدائقَ ماءً وليس دماً، وتعجُّ المدارس بصخب الأطفال لا المُهَجّرين!
استيقَظت صباحاً في المنزل المؤقّت الذي ستغادره بعد أسابيع فرأت على الشّاشة التي تقزّمَت هي الأخرى بحجم هاتفٍ جوّال، سيلاً من البشر يضطرب في معبر ترابيّ وأدركَت أنّ الميزان الذي آمنت بوجوده واتّزانه قد انتصَبَ فوق كلّ الخراب والدّمار! الآتون كانوا كمن حبَسَ أنفاسه طويلاً تحت الماء ثم أطلقها لحظةَ الإحساس بالأمان والإمساك بطوق النجاة: رجالٌ عفّرهم القهر والغضب، نساءٌ أكثر من الرّجال يروين القصص بلا البراعة التي اشتُهرن بها، أطفالٌ كقَفير نحلٍ انفلت من خليَّته يعارك النسيم في خلاء مفتوح! كان المعبر الضيّق المغْبَرّ بحجم وطن كبيرٍ يعيش يوماً طولُهُ قرنٌ من الزّمان ويتسلّل في إدراكها أنّه ليس خطّاً فاصلاً مرسوماً في مكانٍ، على ضفّتيه عالمان شديدا التّناقض، بل هو أيضاً خطٌّ فاصلٌ في الزّمان، خلّف وراءه وباء الطّاعون وجلب الأحياء إلى أرض العافية حيث يستظلُّون برجالٍ أشدّاء كالسّنديان، راحاتهم وابتساماتهم مفتوحة على المدى والأمان! ورأت فيمن رأت عيوناً ترصد وتسجّل لحظات انقلاب الزّمن والكلّ منفعلٌ تعصف به حواسّه الخمس، حتى لاحت واجهة المبنى الرّماديِّ الواجمِ في خلفيّة المشهد، فتذكّرَت أنها تعرفه جيداً في لحظة تحوّلت إلى رعبٍ بسرعة البرق! هناك تاهت سيّارتها في المنحنيات التي قطّعتْها الحواجز، وانبثق أمامها من وراء دشمة، بطوله الفارع وخوذته الجميلة، ووجّهها إلى الطّريق الآمن من القنص وهو يضحك: -احفظي الخريطة ولا تكرّري خطأك المميت! كان يبتسم في أرض الموت ويحميها! وها هو موجود بروحه وظلّه وابتسامته بين هذه الجموع، لكنّه غير مرئيٍّ إلا لعينيها وقلبها!.جريده تشرين / 2018-03 -27 

الأربعاء، 21 مارس 2018

الأب الياس زحلاوي رسالة مفتوحة إلى مجلس الكنائس العالمي من كاهن سوري دمشق في 18/3/2018


أيها السادة،
ليتكم لم تتكلّموا!
أجل، ليتكم احتفظتم بصمتكم الأكثر من مريب، إزاء الحرب الإجرامية، التي شنّتها /140/ دولة – فقط! – بزعامة الولايات المتحدة الأميريكية، على سورية، منذ سبع سنوات.

سبع سنوات، وأنتم صامتون صمتَ القبور!
مع أن ما حدث في سورية طوال هذه السنوات، كان، لشدّة هوله وفظاعته وظلمه، كفيلاً ببعث حتى المومياءات من قبورها!
أجل، ليتكم ظللتم صامتين كالقبور!
تُرى، ما الذي دفعكم إلى كتابة ما كتبتم؟
أيها الجالسون على كراسيكم في جنيف،
لكَم ذكّرتموني بالمحفل اليهودي الأكبر، المسمّى سنهدريم، الذي حاكم يسوع، وطالب بيلاطس بصلبه.
ولكن… هل تُراكم ما تزالون تتذكّرون يسوع بعد، وما يعنيه من حبّ وتقديس للإنسان، كل إنسان، حتى الموت من أجله؟
أم أنّ الكراسي، التي جلستم أو أُجلِستم عليها، من قبل سلطات روما المعاصرة – وأعني بها الولايات المتحدة الأميركية إياها! – قد أنستكم يسوع، وما تدّعون تمثيله باسم يسوع؟
أيها السادة،
حتّامَ ستتجاهلون أن مجلس الأمن، ومثله مجلس حقوق الإنسان، ومثلهما وقبلهما، الهيئة العامة للأمم المتحدة، قد أُفرِغت جميعها، من كل محتوى قانوني وأخلاقي وإنساني، بفضل الإمبراطورية الأميركية المتوحشة؟
كيف لكم أن تجهلوا، أو تتجاهلوا ما أنزلت هذه الإمبراطورية البائسة، بمئات الملايين من البشر، في لبنان، وأفغانستان، والعراق، وسورية، وفلسطين، واليمن، والصومال، والسودان، وفنزويلا، والتشيلي، وقبلهم جميعاً، في كورية وفييتنام، من حقد، وحزن، ويأس، وظلم، ورعب، وقتل، وحرق، وجوع، ودمار، وتشريد؟
رقّت قلوبكم على الغوطة الشرقية، وغاب عنكم كل هذا الهول الأميركي، الذي لفّ ويلفّ الدنيا بأسرها، حتى بات اليوم يهدّد بحرب نووية؟
أيها السادة،
لا يسعني، والعالم على أعتاب أسبوع آلام يسوع، وذكرى قيامته، إلا أن أردّد لكم أيضاً، على وجه الدنيا كلها، بعض ما قاله لقَتَلتِه، قبيل محاكمته بأيام قليلة.
قال، كما جاء في الفصل الثالث والعشرين من إنجيل القديس متى:
1- "أيّها القادة العميان، إنكم تُصفّون الماء من البعوضة، ولكنّكم تبلعون الجَمَل.
"الويل لكم، أيها الكتبة والفريسيّون المراؤون، لأنكم تطهّرون خارج الكأس والإناء، وداخلهما مملوء بما كسبتم بالنهب والطمع…
2- "الويل لكم، أيها الكتبة والفريسيّون المراؤون، لأنكم تشبهون قبوراً مُبيّضة بالكلس، تبدو جميلة من الخارج، ولكنها من الداخل مملوءة بعظام الموتى، وبكل نجاسة"…
أخيراً، بعد هذا القول الفصل، ماذا عساني أضيف؟
فقط هاتين الحقيقتين:
أولاهما، تعرفونها كلكم نظرياً: أنّ يسوع، وهو بالمطلق أعظم أبناء سورية، قد قُتِل فداءً عن البشرية جمعاء…
ثانيتهما، تصرّون على تجاهلها حتى الآن: أنّ سورية التي قدّمت عدداً هائلاً من أبنائها وبناتها، لتفدي البشرية جمعاء، ستقوم هي أيضاً، وستُقيم معها عالماً جديداً…
أفلا تُدركون؟!
سلام لكم من دمشق!

الأب الياس زحلاوي

الاثنين، 19 مارس 2018

افاق..هذا المَعْبَر نهلة سوسو

افاق..هذا المَعْبَر
نهلة سوسو
بقي خالياً تصفُر فيه ريحٌ، سبعةَ أيّام!
كنافذةٍ خفيضةٍ، عتبتُها على الأرض، وستائرُها منزوعة، كان «المعبَرُ» في ضحى الصّمت والتّرقُّب والانتظار!.
ماذا يجري هناك وراء تلال التراب والأبنية المهجورة؟ يكاد جهلُها بالتّفاصيل يطمسُ قدرتَها على التفكير ولا يرحم فضولَها، هي التي كانت هناك منذ أربعين عاماً، تدهِشُ مديرةَ المدرسة بأفكارها الطّائشة: -سأصحب الأطفال إلى بستان المشمش في حصّة المطالعة لأنّ القراءة في الهواء الطّلْق أحلى! وهناك سمعَتْ من الصّغيرة ذات النّمَش الذهبيّ، الجملةَ الأجملَ من كلّ القصائد التي قرأتْها على الإطلاق: -انظري يا آنسة، حمْحَمَ الزَّهر! ومن هناك حملَتْ في آذار سبع ورداتٍ شاميّة نضّاحةٍ بالشّذى، طولُ سيقانها يقارب طول الأطفال الذين كانوا يواكبونها ساعاتٍ على الطّريق بانتظار البوسطة، تعيدها إلى العاصمة، في الدّروب الظّليلة أو المثلِّجة حتّى غياب التُّراب والحصى والسّواقي والأسوار والمطبّات… وبعد هذا جرى ماءٌ كثير ولم تستفِقْ على ذكرياتها إلا حين تحوّلت الغوطة بأسمائها المنمنمة من توت وتفّاح وكرز ولوز إلى جحيمٍ أوْغَل في بطن الأرض عدّةَ طبقات، وصار ينفث الحقدَ والسُّمَّ وقذائف الموت العشوائيّ… وما فكّرَتْ يوماً بمصير الأزهار والبراعم إنْ كانت حمْحَمَتْ كالأمهار الرَّشيقة، في الضَّوْء والنّدى، أم وجَمَت هي الأخرى حيثُ حُفِرَت الأنفاق وكُدِّسَت الأسلحة ويبسَت البساتين وتوقّف الحرْثُ والزّرع وصمتت الأطيار بوجود لصوص اللّيل والنّهار، يطلقون اللّحى ويهرطقون باسم اللّه وينصبون المشانق ويصلبون الأحياء ويعَدِّدون السُّجون ويحشرون البشر في أقفاص الحيوانات، تتجوَّل في الشّوارع بمواكبة درّاجات ناريّة، حسِبَ راكبوها أنّهم يصعدون بنشوة دم الفرائس، إلى السّماء!
تتأمّل، لليوم السّابع، المعبر الغريب الطّارئ، الشّبيهَ بالنّافذة بلا إطار، لا يبدو في فراغها إلا السّديم فتُفاجَأ أنّها هي الأخرى تنتظر مع أولئك الرّجال الذين لم يداخلْهم مللٌ ولا كلل! من أدركَ هذه الفكرة ونفَّذها لابدّ أنّه حكيمٌ صبورٌ، وعيُه عابرٌ للزّمن، وها هو ينتظر تجمُّعَ قطرات لتكون غيمة، والغيمة إن تشكّلَت وعدَتْ بالغيث ثمّ الانهمار ثمّ السّقي… وها هو غبار بعض القادمين: وجوه متعَبة وجَمْعٌ من أطفالٍ اعتادوا في زمنٍ ما، على السّيران والشّغَب بين الأزهار البرّيّة في الحقول! وما يلبث المعبر أن يتدفّقَ بالآلاف المؤلّفة من النّساء والرّجال والأطفال، على كلّ زفرةٍ من أنفاسهم وكلّ خيطٍ من ملابسهم وكلّ دمعةٍ من عيونهم تعلق حكايةٌ فريدةٌ لابد أن تكتمل بنهاية سعيدة! كيف لا وقد باتت بعد المعبر، بيد الرّجال المخلوقين من ضوءٍ ونبل ومروءة؟ / جريدة تشرين / 2018-03-20

الاثنين، 12 مارس 2018

آفاق... لا تَقْتَرِفوه! نهلة سوسو


آفاق... لا تَقْتَرِفوه!
 نهلة سوسو


منذ وقعَتْ بين يديَّ دواوينُ الشِّعْر الثّلاثة وعلى أغلفتِها وَسْمُ جوائزَ نالها الشُّعراء، اتَّخَذْتُ جِلْسةَ من خلا إلى نفسه على ضوء خافت ومشروبٍ دافئ، ليترك للشِّعْر أعِنَّتَهُ التي أترَعَتْ كؤوس "عمرو بن كلثوم" بخمْرِ الأندرين وطوّفَت بالملك الضِّلِّيل " امرئ القيس" وأقلقَت مضجعَ " المتنبّي" كالرِّيح، لا تستَقرُّ تحتَه! لكِنْ سرعان ما ذاب حبرُ الصّفحة الأولى كأنّه لطخة انسكب عليها ماءٌ من يدٍ راجفة! وتقطّعَت الفقراتُ المرصوصة فما اكتَمَل منها معنى ولا تلبّثت صورة! قلتُ: -لعلّي أبلغ في الدّيوان الثّاني عتبةً شعرية ما، لكنّ الشُّحوب كان أشدّ والصّوتَ الدّاخليّ بلغَ حدَّ البُكْم، فكيف بالدّيوان الثّالث الذي ارتطَمَت فيه حصَواتٌ خرساء، استحال على صاحبها أن يرصفَها ولو بطريقة معمارٍ بدائيّ!
نيّةُ الشُّعراء المعلَنة هي " الطُّموحُ إلى تجديدِ الخطاب الشِّعريّ عبْرَ خيالٍ متمرّدٍ على السّائد! " لكن أين الخطاب الشّعري بل أين الشِّعر في هذا الخمول اللغويّ لنلمس التَّجديدَ فيه؟ ... ماذا لو كنتُ غيرَ منصفة وقد مرّت هذه القصائدُ من مصفاةِ شعراءَ بمرتبة مُحَكِّمين؟ في لحظةِ الشّكِّ هذه بزغَ " أرسطو" لأوّل مرّة في أزمنة مطالعاتي قاطبةً، وتذكّرتُ كتابَه " الشّعر" الذي ما احتجتُه لأنني ابنةُ أمّةِ الشِّعْر، ذاك الذي ترك الفلسفة جانباً وأتى إلى هذا الفنّ الرّفيع لأوّل مرّة في تاريخ الفكر الإنسانيّ، وشغل كلّ ثقافات العالم برؤيته له، لابدّ أنّه أرسى قواعد أصيلة لا تضيع بالتَّقادم الزمنيّ، وهو الذي رجَّحَه على التّأريخ ورأى أنّه أكثر نزوعاً فلسفياً لأنَّه يروي الكُلّيَ بينما يروي التّأريخُ، الجزئيّ!
صدقُ الشّعر عند أرسطو أو قيمتُه الرَّفيعة ليس في مطابقة العبارة للواقع بل محاكاة الواقع أو تخييله وفضيلة " هوميروس" أنّه علّم الشّعراء كيف يحتالون كي يوهمونا بصدق العبارة وبأنّ الحدثَ المزعوم قد وقع فعلاً وهذه حيلة تقوم على أنّ العقلَ إذا كان أمام واقِعَتَيْن مترابطَتَيْن عَرَضَاً وصَدَقَت إحداهما، توهّمَ صدقَ الأخرى، وهذا الأمر يفيد الشاعرَ في صَوْغِ الحبكة الدّرامية في شعره!
لم أغمط هذه " الأشعار" حقّها إذن، لأنها لم تأتِ من، أو على، حدَثٍ مزعوم، يلتمس من الخيال مراكبَ وأجنحة ويغرف من محيطات الأعماق مشاعر ولآلئَ معارفَ لغويةٍ وبلاغية ليدهشنا بحبكة درامية وخَطْفٍ إبداعيٍّ، بل اقترافُ ذنبٍ بحقِّ أعلى الفنون مكانةً، وليت ذوي الشّأن لا يباركون هذا الذّنب ويشاركون فيه ويملكون شجاعة القول لمن يقاربونه:- دعوا الشعر للشعراء لأنه ليس ذّنْباً لتقترفوه ثم تطلبون بعده الغفران!
جريده تشرين / 13 / 3 / 2018




الثلاثاء، 6 مارس 2018

افاق..صـدمة نهلة سوسو


كلُّ حاضرٍ ستتلاعب فيه الذّاكرة حين يعبر ويصبح رهينَ الماضي!
لا تُؤتَمن الذَّاكرةُ على ودائعها لأنّها تمحو وتطمس وقد تعيد صياغة التّفاصيل بغَيْر ترتيبها، لكنّها تعجز عن الاطمئنان إلى دفْنِ أحيائها الدّقيقة ومنعها من الانبعاث على غير انتظار!
ذات يوم، في منتصف سبعينيّات القرن الماضي، قرأتُ، للحاجة المهنيّة، قصّةَ أطفال للكاتب «عبد الله عبد» بعنوان «الباشق والعصفور» وشعرتُ بأنني أقف على قمّة جبلٍ حيث لا شاهدَ على الباشق، مطلقِ القوّة، إلاي، وقد افترقْنا على رائحة صنوبر وسماء زرقاء صافية! ومرّت أربعة عقود من الزّمان، طمسَتْ فيما جدّدَتْ من قراءات، كلَّ كلمات ذلك اللّقاء، عدا الانطباع العميق والمذهل الذي تركه الكاتب الحاذق، المنقضّ على الوصف، من موقعِ عالِمِ طبيعةٍ يعرف صراعَ البقاء بين مخلوقاتها، وعالِمِ نفْسٍ يأخذ بيد طفلٍ إلى حقائق الحياة القاسية والعنف الذي يتعرّض له أحبّتُه، ومنهم العصفور، الجميلُ، الوديعُ، المغرّدُ، الذي لا يعتدي على كائن حيّ، إلا إذا عدّ الكبارُ نَقْرَه لبقايا قمح البيادر جَوْراً على الطّبيعة الأمّ!.. تقودني المصادفةُ مجدّداً، إلى القصّة، طيَّ أعمال الكاتب الكاملة، فأشعر بأنني فتحتُ البابَ بعد دقّةٍ خفيفة لأجد عزيزاً غائباً قد عاد! أتفحّص على ملامحه آثارَ الزّمن، وأضيف عليها من غَرْفِ القلب والمودّة عطراً وندى، وأمزج عشرات الصّور القادمة من ماضٍ وراهن! أقرأ السّطورَ الأولى من القصّة برجفةِ لمْسِ حَجَرِ عقيق ضاع ثمّ عاد، وأرى الباشقَ حيث تركتُه يحوّم في العُلا، قويّاً، مشيقاً، لكنّه اكتسب بطشاً واستعلاءً، ثمّ وحشيّة تقارب السّاديّة! يقول العصفور، وقد بدا صوتُه منكسراً: -أيُّها الباشق، أنت طائرٌ ظالم! قد تستطيع أن تضربني حتّى تنزفَ كلُّ دمائي، لكنّك لا تستطيع أن تجبرني على العيش كما تريد! أنا أحبُّ الطَّيران في السّماء والتّحليقَ فوقَ البحر. رفع الباشق مخلبه وضرب العصفور الشّجاع مرّات ومرّات، لكنّ العصفور لم يخضع له لأنّه كان يحبُّ الحرّيّة ولأنّه كان في تلك اللّحظة يطير بخياله فوق بحرٍ أزرق لا تحدُّه حدود!
ليست الذّاكرةُ، وحدَها، من يتواطأ على الحدَث لسبب أو لآخر، بل قد نساعدها على ذلك كي لا يتهشّم ما أحببنا غفوتَه وراء ظهورنا، لأنَّه إذا ما استيقظ زعزَعنا بصدمة وطوّح بغفَواتنا، وما أشدّ صدمتي حين رأيت حقيقة الباشق بعين العصفور.. وأخفق جمالُه ورشاقتُه وسطوتُه في التّغاضي عن شراسته وتعاليه ودموّيته، رغم الطّبع الذي خُلق فيه، فما أشقّ الحياة بمعرفة ومن دون معرفة!. / جريده تشرين 2018-03-06