الثلاثاء، 24 أبريل 2018

آفاق.. وَكْفُ سحائب نهلة سوسو


الغناء لا غنى عنه كالأحلام! كم أخذَ من الكلام وهو ليس بكلام! فجأةً تخرج أغنيةٌ كمرآةٍ للرّوح في لحظة حزنٍ لا شفاء له فتحضنها وتواسيها، ولعلّها في ليلٍ طويل تزيد من تباريح عاشقٍ بات خارج مدار الأكوان فأحضرت المعشوقَ من وراء ألف حجاب! وما من فرحٍ يستقيم، ويُسمّى فرحاً، من دون أغانيه! من ابتدع الأغاني ولماذا؟ من هدَى الأمَّ لتهدهد المهدَ بأغانيها المرتجَلة؟ ومن ساق الحصادين والمزارعين إلى مخاطبة الأرض بالغناء مع البذار والمنجل؟ من قال للبحّارة: إنّ الغناء يخفّف من جموح العواصف؟ ومن خطَرَ له أن يغذّي عزيمة المقاتل بأنشودة تجعله أعلى قامة من الجبال الشاهقة وأكثر اصطخاباً من أمواج البحر؟ إنه سرٌّ مكنون ولو تواتر واختلف وذهبَ وراءه ألف باحثٍ ودارسٍ ومهتمّ! الأغنية هي روح الإنسان والشعوب، تأخذ مزيجها مما لا تدركه عدَسَةٌ فاحصة مهما زعمت الدقّة، فمن بوسعه أن يقيس خلجات الرّوح؟ ما يمكن قياسُه هو الأغنية الطُّفيليّة المتسلّقة صناعةً وتجارةً، على الأصول التي بدأت أيضاً في المعابد تقرُّباً إلى الآلهة، وهي أغنية باتت تموت بسبب هشاشتها وعدم ولادتها الطّبيعيّة وما لبث العصر الصّناعيّ أن أدخلها في سلعه كالقاطرات والسّكك الحديديّة وجنّد لها رؤوس أموال وشركات و«نجوماً» وأسواقاً ووظائف إيديولوجيّة، انتهت في ثقافتنا إلى بيادر وركام من كساد كاد يسرق أغنياتنا الحقيقية الجميلة، غيرَ الإعلاميّة، المغنّاة في أفراح وأتراح الشّعب على امتداد أرضه! زمنُ الأغنيات التي تقتحم السَّمْعَ من الأجهزة المنتشرة في المنازل والمحالّ والسّيارات جعلها كالغبار، لا مهربَ منها، رغم أنها مُفرغة من الرّحيق حتى إذا حلّ طاعون الإرهاب في البلاد وضرب في طريقه كلَّ البُنى انقطعْتُ عن الاستماع وقلت لنفسي حين ستسطع الشّمس سنعود إلى ذلك الغناء الذي أحيا رباعيّات الخيّام وجعل اسمَ البحتري يرتبط باسم المغنّية عَلْوة، لكن التهيُّؤات تتلاشى أمام الواقع بل ويجلب هذا الواقع مسرّاتٍ لم تكن تخطر بالبال، فبينماكنت أتلهّف لأخبار الميدان ورجاله وأتابع الأفلام القصيرة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ سمعت منهم أغنياتنا المحمولة على أعذب الأصوات، من الأرياف والبادية والسّاحل وقمم الجبال، يتردّد فيها الحنين والشّجن والفرح والفروسيّة والعشق وأسماء الكواكب والنّجوم وثمار المواسم وخبز الأمّهات والفداء والتضحية بالرّوح! هو ذا الغناء الذي ردّ الرّحيق إلى أغانينا لأن شاعرَه الأرضُ وملحّنَه القلبُ وإذا ما أنشده جنديٌّ يحرّر ويزرع القمح والورد، رأى السّامعُ وكْفَ سحائبَ تهمي عطراً وأرَجاً على روحه ومشاعره!
انقلوا هذا الإبداع إلى إذاعاتنا وشاشاتنا لتتعافى أذواقنا!/ جريده تشرين / 2018-04-24 /

الاثنين، 23 أبريل 2018

بعد تجربة سوريا… غواصة الثقب الأسود الروسية تتربع على “عرش المتوسط

 تعد غواصات “كيلو” الروسية من أخطر الغواصات غير النووية في العالم، لأنها تتميز بهدوء شديد أثناء إبحارها، مقارنة بالغواصات النووية، وكشفت تجربة ضرب سوريا في 14 أبريل/ نيسان، الجاري أن تلك الغواصة تتربع على عرش البحر المتوسط في مواجهة أحدث الغواصات البريطانية

وتطلق الدول الغربية على غواصات “كيلو” الروسية مصطلح “الثقوب السوداء” لقدرتها العالية على التخفي، بحسب مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية، التي أشارت إلى أن أحدث غواصة في الأسطول البريطاني سقطت فريسة في قبضة الغواصات الروسية شرقي البحر المتوسط، خلال الهجوم على سوريا في 14 أبريل/ نيسان الجاري.

ولفتت المجلة، في تقرير لها، السبت 21 أبريل/ نيسان، إلى أن الغواصة “أستيوت” هي أحدث غواصة نووية في الأسطول البريطاني، مشيرة إلى أنه غواصة روسية أو اثنين قاما بمطاردتها بعد تحديد موقعها، مشيرة إلى أن هذا الأمر حال دون مشاركتها في الهجوم على سوريا.

ورغم أن الغواصة البريطانية حاولت على مدى أيام، أن تتخذ موقعا متخفيا استعدادا لإطلاق صواريخها، إلا أن الغواصة الروسية “كيلو” استطاعت رصدها وتحديد موقعها، قبل بدء الهجوم، بحسب المجلة، التي أشارت إلى أنه تم منعها من المشاركة في الهجوم بواسطة الغواصات الروسية، التي تشير تقارير إلى تمركزها في شرق البحر المتوسط وفي ميناء طرطوس السوري، مع سفن حربية أخرى.

ولفتت المجلة إلى أن التجربة الأخيرة في شرقي البحر المتوسط، كشفت أن غواصات الحرب الباردة الروسية، التي بدأت العمل في ثمانينيات القرن الماضي، أكثر خطورة من الغواصة النووية البريطانية، التي دخلت الخدمة عام 2001.

وتتميز الغواصة النووية البريطانية “أستيوت” بأنها أسرع وأكثر قدرة على البقاء لفترات طويلة تحت سطح البحر، ويصل وزنها إلى 7400 طن، مقارنة بحجم غواصات الديزل الروسية، التي تمتلك قدرة أقل على البقاء تحت البحر، وحجم أصغر، ولا يتجاوز وزنها 2300 طن

لماذا بوتين رفض منازلة ترامب و ترك الأسد في الحلبة


خلال العدوان على مطار الشعيرات إستعمل ترامب صواريخ التوماهوك فقامت روسيا بالتصدي لـ 36 صاروخ و هي الهجمة الأولى من أصل 59 صاروخ أطلقها ترامب, وتوعدت بتعزيز الدفاعات السورية, فتوعد ترامب في العدوان الثاني بصواريخ ذكية و جديدة, و خاطب بوتين لأن يستعد لها و كلام ترامب كان بمثابة التحدي للرئيس الروسي بأن يتمكن من إسقاطها, و كان بإمكان بوتين و يملك الوقت لإرسال سرب او سربين من الطائرات الإعتراضية و إسقاط جميع الصواريخ الأمريكية و لكنه ترك المنازلة للجيش  السوري الذي تكفل بالمهمة, و من هنا يطرح السؤال لماذا بوتين رفض المنازلة..؟
و بحسب مصادر جهينة نيوز فإن هناك الكثير من الأسباب التي دفعت روسيا و بتنسيق مع سورية و إيران لترك مهمة المنازلة للقوات السورية وحدها :
- حين تقوم روسيا برد الهجوم ستظهر سورية بموقع الدولة الضعيفة و بالتالي و لمنع التصادم بين القوى النووية ترسم حدود الناتو روسيا كما يحلم ترامب, و يكرس التقسيم في شمال سورية و رفض روسيا للمنازلة فهذا يعني أن تحرير الأراضي المحتلة من قبل الأمريكي لن تكون سبب لحرب عالمية, و روسيا ستسلح سورية و لن تدافع عنها في الصراع مع الامريكي و ذلك لتذكير ترامب بحرب فيتنام و لكن بنسخة أكثر رعباً بكثير اذا اراد ان يكرس الاحتلال لشمال سورية .
- حين يتم التصدي لأحدث تقنيات الغرب بصواريخ عفا عنها الزمن هي بحد ذاتها تأكيد لمقولة بوتين بأن "روسيا قادرة على شن حرب و بالأسلحة التقليدية و دون الحاجة الى السلاح النووي" لم تكن حرب نفسية في كلام بوتين و بل أكثر من ذلك فإن ما كشف عنه بوتين من أسلحة جزء صغير مما قد تكشفه روسيا و على الغرب أن يأخذ كلام بوتين و أسلحته التي كشف عنها على محمل الجد قبل أن يجد نفسه في ورطة.
- الرسالة الثالثة هي أن روسيا ستعيد النظر بصفقة صواريخ اس-300 هي تذكير للأمريكي بأن سورية ليست قادرة فقط على التصدي لهجوم و بل قادرة على حماية أجوائها و كما تم تعزيز دفاعاتها يمكن تعزيزها مجدداً بصواريخ ابعد مدى, و في حال لم ينسحب الأمريكي طواعية من سورية سيكون عليه تحمل تداعيات تغير موازين القوى في الشرق الأوسط و التي ستنعكس على جبهة الصراع العربي الصهيوني, و أكثر من ذلك حذرت روسيا من أنها قد تبيع اس-300 الى دول أخرى و بالتالي على ترامب و في ملفات فلسطين(صفقة القرن) و الملف النووي الإيراني و الشأن السوري أن يتحمل تداعيات الإخلال ب إلتزاماته الدولية, و التي تداعياتها لن تكون اقل من تداعيات الخروج من اتفاق الدفاع الصاروخي.
- ما حدث يوم 14 نيسان كان حرب بين ثلاث دول عظمى و سورية إنتصرت فيها سورية بدون أي مساعدة, و بدون أن تطلق أي صاروخ باليستي او مجنح و بدون تدخل محور المقاومة و عليه فإن ما حدث هو نموذج مصغر لمعنى كلمة الحرب الشاملة في المنطقة, و على كيان الإحتلال الصهيوني أن يدرك فعالية الدفاعات السورية حين يتم تشغيل الجزء القديم منها و بدون تدخل منظومة اس-350 قصيرة المدى و قبل حصول سورية على منظومة اس-300 بعيدة المدى, و في حال لم تسحب الارهابيين من القنيطرة و اصرت على دعمهم عليها تحمل النتائج.
- إستثمرت روسيا الأزمة بين سورية و الغرب لإظهار الغرب بمظهر من يرفض الحوار و من لا يسمع ولا يناقش و من يتخذ قرارات من طرف واحد, لانها تدرك بأن الغرب قريبا سيتوسل الحوار.
- الرسالة الأهم هي أن ترامب نفسه و بعد أول تهديد عرض على روسيا المساعدة الإقتصادية و طلب وقف سباق التسلح في محاولة لإستثمار العدوان على سورية كورقة ضغط و حين ترد سورية على العدوان دون تدخل روسي فهذا يعني أن على ترامب أن يفهم أن وقف سباق التسلح ليس في سورية بل في شرق آوروبا, و عبر الإلتزام بالإتفاقات الدولية.
- ما حدث في سورية رسالة لآوروبا الشرقية عموماً و لفضاء روسيا الجيوسياسي بعد الحرب العالمية الثانية و عليهم أن يفهموا أن موازين القوى قد تغيرت و بشكل خاص على أوكرانيا أن لا تصدق الأمريكي حين يقول لهم بأنه سيضغط على روسيا في سورية لأجلهم لان الحقيقة عكس ذلك تماماً.
- روسيا مهدت سياسياً لعملية تحرير الجنوب السوري و مهدت له عسكرياً أيضاً من خلال استعراض العضلات الذي حدث في حال رفض الحلول التي طرحها مركز المصالحة الروسي سيكون هناك حلول عسكرية, و كما أن العدوان الامريكي الأول على الشعيرات تحول الى كابوس على الإرهابيين سيكون هذه العدوان كابوس أشد.
- ما حدث بالمجمل سيدعم طروحات ترامب بالخروج من سورية في أسرع وقت حيث أن صقور الإدارة الامريكية و العهد القديم وضعوا أمام امتحان عملي و عليه أن يقرروا اما المواجهة وتحمل تبعاتها أو دعم طروحات ترامب في الإنسحاب من سورية و لهذا أرادت كل من سورية و روسيا و إيران من خلال ترك سورية وحيدة تتصدى لعدوان ثلاث دول توجيه ضربة لما يسمى الحرس القديم في الإدارة الأمريكية, و دعم موقف ترامب في ضرورة الإنسحاب من سورية.
ما حدث في 14 نيسان خلال العدوان الثلاثي على سورية ربما حرب لم تستمر لساعات و لكن نتائج هذه الحرب القصيرة سيكون لها تداعيات لمدى طويل و في كل العالم و ليس فقط في المنطقة و إذا أصر الأمريكي (الحرس القديم) على التعنت فإن تصعيد قادم سيحدث قد يكون اس-300 ولاحقاً اس-400 فروسيا لم تطرح أوراق قوتها و سيصبح الثمن أكبر و يبقى السؤال هل سيبدأ الأمريكي بالتجهيز للإنسحاب من سورية قريباً.؟؟ و هل سيتجرأ الصهيوني على إعتبار إرهابيوا القنيطرة خط دفاع أول..؟ من المبكر الحديث عن ذلك و لكن الأسابيع القادمة ستكشف وجه المنتصر خلال العدوان الثلاثي, في معركة سورية مع ثلاث دول عظمى.
كفاح نصر

السبت، 21 أبريل 2018

سورية والحرب الحاضرة نداء الزعيم سعاده إلى الشعب السوري 1/6/1940




سورية والحرب الحاضرة نداء الزعيم سعاده إلى الشعب السوري 1/6/1940
أيها الشعب السوري العظيم،
في هذه الظروف العصيبة، التي يجتازها العالم وتقف فيها أمتنا بين النهوض والسقوط، أعود إلى توجيه خطابي إليك لتكون على بيّنة من أمرك فيما يختص بالظروف الحاضرة وما ستجرّه عليك، كما جرّت وتجرّ على غيرك من الشعوب، كل شعب وما استحقه تاريخه وموقفه!
أيها الشعب السوري العظيم،
إني أخاطبك أنت نفسك، أي إني لا أوجه كلامي إلى طبقة واحدة من طبقاتك، ولا إلى جماعة واحدة من جماعاتك، وأخص من هذه الجماعات جماعة صناعة الكلام من عهد الانحطاط، الذين لا يعنون بشيء غير الكلام ولا يقيمون لقيمة من قيم الحياة وزناً غير الكلام. فالكلام عندهم هو الفن وهو الحياة. فنّهم فن كلام، وحياتهم حياة كلام، وكلامهم ثرثرة مضجة من الأول إلى الآخر. هذه الجماعة أستثنيها من مجموع الشعب، الذي أخاطبه، لأنها ليست منه في حياتها وشعورها.
إني أخاطبك أنت، أيها الشعب السوري العظيم، المؤلف من الفلاح المنتج بعرق جبينه، والتاجر الساهر على خطط النجاح الاقتصادي، والعامل الدائب على العمل الصناعي المولد الثروة العامة، والجندي الواقف على سلاحه للدفاع عن حق الأمة، والعالِم المكبّ على درس طبائع الأشياء ليستخرج منها معظم الفوائد لخير المجتمع وفلاحه، والصناعي الذي يفتح للأمة موارد جديدة للثروة ــــ من جميع المنصرفين عن الكلام إلى العمل المنتج، الذي به رفاه الشعب وخير الأمة ــــ من جميع هؤلاء الذين عددتهم ويؤلفون الشعب في حقيقته أيها الشعب السوري،
«الآن يترتب عليك أن تقرر لنفسك أحد المصيرين: مصير النعرات الدينية والتقاطع والسقوط، أو مصير النهضة السورية القومية ووحدة الإرادة والقوة والنصر!».
ولكنك بدلاً من أن تصغي إلى صوت النهضة السورية القومية وتلبي نداءها وتسير في طريق وحدة الإرادة والقوة والنصر، بقيت مستسلماً لخزعبلات الشركات السياسية وشعوذة النفعيين والمنافقين. وبينما الحزب السوري القومي يستعد ويتأهب ليقوم بعمله التحريري العظيم، إذا برجال الشركات السياسية الجبناء يطلبون سلامتهم بالعمل على قتل إرادتك، ويحولون بينك وبين قيادة الحركة السورية القومية القائمة بالجهاد لإنقاذك، كما حالوا بينك وبين هذه القيادة حين حاولت القيام بحملة لإنقاذ لواء الإسكندرونة والاحتفاظ بسلامة الحدود الشمالية.أيها الشعب السوري،
إنّ أساليب الحرب الحاضرة وسيرها، والوضع الحاضر في الوطن، وخيانة الدولة التي طلبت مفاوضة الحزب السوري القومي، قد أجّلت القيام بالعمل الذي كنت قد رسمت خطته.
وإنّ هذه الحرب، التي أنبأتك تكراراً بقرب قوعها، وعملت كل ما في مقدوري لاغتنام فرصتها قد دخلت في طورها الفاصل. وبهذه المناسبة أريد أن أحذرك من الاستسلام لأوهام المشعوذين وخزعبلات الدجالين!
أريد أن أحذرك من خطر الاستسلام للوهم. إنّ انسحاق الدولتين اللتين خانتا عهودهما لنا، وعملتا على تجزئة وطننا وتقطيع أوصال شعبنا، وحده، سينيلنا غايتنا القومية ويرد إلينا سيادتنا المسلوبة.
احذر الدجالين الذين يتلاعبون بشعورك لقاء مال مدفوع لهم، فيصور لك بعضهم نجاح قضيتك بانتصار هذا الفريق على ذاك الفريق، ويصور لك بعضهم نجاحها بانتصار ذاك الفريق على هذا الفريق.
إني أقول لك صراحة، كما قلت لك صراحة في الماضي: إنّ انتصار قضيتك القومية ليس معلقاً على انكسار أعدائك الحاضرين وحده، بل على الالتفاف حول الحركة القومية التي تمثل مصالحك وإرادتك وأهدافك، على الالتفاف حول الحزب السوري القومي. أيها الشعب السوري،
إنّ الذين يريدون أن يبنوا زعامات نفعية مستعجلة يجدون في الظروف الحاضرة أفضل فرصة لتأسيس هذه الزعامات المستندة إلى المرتّبات التي يدفعها هذا الأجنبي أو ذاك، لقاء العمل ضمن الشعب السوري لبلوغ مآربه ونصرة قضيته. فيقوم النفر المأجور لهذا الفريق المحارب يدعو بكسر الفريق الآخر ونصر الفريق العامل هو له. فإذا انتصر هذا الفريق وانكسر الفريق الآخر قال هذا النفر المأجور: «الزعامة لنا فقد انتصرنا!» ويقوم النفر المأجور للفريق المعاكس بالدعوة لنصرة فريقه ضد الفريق الأول. فإذا خرج فريقه من الحرب ظافراً صاح: «نحن أرباب السياسة. النصر لنا!».
هكذا بُنيت الزعامات الماضية النفعية التي قادتك، أيها الشعب النبيل، إلى الخراب والانحطاط. وهكذا يتوخى طالبو الزعامة المخربة تأسيس زعامتهم في هذا الدور الجديد.
أيها الشعب السوري،
إنك قد خبرت هذ النوع من القيادة، ودفعت ثمن اختباراتها في استغلالك من ثروتك وتجارتك وزراعتك وصناعتك ومن دماء بنيك.
لقد كان فاحشاً الثمن الذي دفعته حتى الآن لتلكؤك عن الالتفاف حول حركتك القومية، التي وقف رجالها يذودون عن شرفك وكرامتك وحقك في الحياة بنفوسهم. وهم الوحيدون الذين ثبتوا في أماكنهم في هذه الشدة، ومثلوا أمام المحكمة العسكرية من أجل شرفك وحقك. فهل تريد أن تدفع ثمناً آخر لتعيد اختبارك السابق؟أيها الشعب السوري،
إنّ الحركة السورية القومية ليست حركة انتصار لفريق محارب ضد فريق آخر محارب، بل حركة تحرير الفكر السوري من إيحاءات الإرادات الأجنبية وإنشاء الدولة السورية القومية المستقلة. أما سياستنا الإنترناسيونية فلم تتغير عما أعلنته في خطابي في أول يونيو/حزيران 1935 (انظر ج 2 ص 2)، وإني أثبته هنا دفعاً لكل التباس:
«إننا نعترف بأن هنالك مصالح تدعوإلى إنشاء علاقات ودية بين سورية والدول الأجنبية وخصوصاً الأوروبية. ولكننا لا نعترف بمبدأ الدعاوة الأجنبية. يجب أن يبقى الفكر السوري حراً، مستقلاً، أما المصالح المتبادلة فنحن مستعدون للاعتراف بها ولمصافحة الأيدي التي تمتد إلينا بنيَّةٍ حسنة في موقف التفاهم والاتفاق.
«يجب على الدول الأجنبية، التي ترغب في إيجاد علاقات ودية ثابتة معنا أن تعترف، في الدرجة الأولى، بحقنا في الحياة وأن تكون مستعدة لاحترام هذا الحق. وإلا فالإرادة السورية الجديدة لا تسكت عن المناورات السياسية، التي يقصد منها استدراج أمتنا إلى تكرار الأغلاط السياسية التي ارتكبت وكانت وبالاً عليها».
موقفنا من الوضع الإنترناسيوني لا يزال مؤسساً على هذه القاعدة. وهي تعني أننا نعمل لتحرير أمتنا من كل سيادة أجنبية وتحرير الفكر السوري من تأثيرات الإرادات والمناورات الخارجية، وأنّنا نرفض أن ننعزل عن العالم ومجرى الشؤون الإنترناسيونية، ولكننا نشترط أن تكون كل علاقة لنا مع أية دولة أجنبية قائمة على أساس الاعتراف بسيادتنا القومية. وإذا كنا قد حاربنا ونحارب سيادة فرنسة وبريطانية على أمتنا ووطننا فهذا لا يعني بوجه من الوجوه أننا نقبل سيادة أية دولة أجنبية أخرى.
إنّ الذين قبلوا ويقبلون سيادة فرنسة وبريطانية على أمتنا ووطننا، هم أنفسهم يقبلون كل سيادة أجنبية أخرى، وهم المسؤولون عن كل نكبة جديدة تحل بأمتنا ووطننا.
أيها السوريون، استفيقوا فالفرصة لما تفت!
واذكروا أنّ سقوط أعدائنا لا يعني نهوضنا، نحن نكون قد التففنا حول نهضتنا القومية وقمنا قومة واحدة!
أحذركم من الاتكال على فكرة انتصار هذا الفريق وانكسار ذاك الفريق، فالقضية السورية لا يحققها غير جهاد السوريين.
إلى هذا الجهاد أدعوكم! وما أغنت النيات عن الأعمال، ولا قامت التمنيّات مقام الأفعال. فاختاروا لأنفسكم أحد المصيرين: مصير الاستسلام والانحلال، أو مصير الثقة بالنفس والجهاد في الحركة القومية، حتى يتم النصر ويقوم حق الأمة السورية!

الجمعة، 20 أبريل 2018

قصة صحيفة صهيونية في سوريا... سمح بها الملك الهاشمي اللقيط فيصل الأول


سعت التنظيمات الصهيونية في عشرينيات القرن الماضي إلى التسلل داخل العمق السوري عبر أدوات التعليم والإعلام، وحددت برامج أسست على خلفيتها مدرستين عبريتين في دمشق إحداهما للبنين والأخرى للبنات، وحشدت لهما عدداً كبيراً من اليهود، معلمين ومعلمات ومختصين ومختصات في رياض الأطفال.
وقال تقرير نشره موقع المكتبة الوطنية الإسرائيلية تحت عنوان بزوغ وأفول صحيفة الشرق الصهيونية في دمشق"، إن التنظيمات الصهيونية أدركت أهمية الصحف في صياغة وتشكيل الرأي العام السوري، فقررت العمل بالإعلام إلى جانب التعليم، وأسست لصدور صحيفة باللغتين العربية والعبرية، أطلقت عليها اسم الشرق.استمد الصهيونيون التشجيع على تلك الخطوة من الملك الهاشمي فيصل الأول، لكن الصحيفة لم تر النور إلا في ثلاثة أعداد فقط.فرغم تبنيها توجهاً معتدلاً وهادئاً، وسعيها، وفقاً للتقرير، إلى خلق جسر بين العرب واليهود ودعوتها يهود سوريا إلى المساهمة في صندوق "القرض الوطني السوري"، لاقت رفضاً قاطعاً من مجلس النواب السوري، ومن معظم الصحف العربية، فأصدر وزير الحربية يوسف العظمة قراراً بتجميدها.
وبحسب التقرير استبشر الصهيونيون خيراً بالغزو الفرنسي لسوريا، وظنوا أن "النظام الغربي المستنير سيسمح بإعادة إصدار الصحيفة، لكن الأمل تبدد، حينما رفض الفرنسيون الفكرة، الأمر الذي اعتبروه معاداة لليهود إلى نص التقرير:
"غرس اليهود الذين هاجروا من أوروبا إلى دمشق خلال الحرب العالمية الأولى نواة الأفكار الصهيونية في عقول يهود العاصمة السورية. إلا أنهم وبعد أن تركوا المدينة (كان من بينهم ديفيد ليفين، وهو مدرس وباحث في اللغة العبرية، ومن كبار مؤسسي الاستيطان في إسرائيل) واستوطنوا الأراضي الفلسطينية (قبل إعلان قيام إسرائيل)، سعوا إلى الحفاظ على التعليم والثقافة الصهيونيين اللذين لقّنوهما لأقرب الطوائف اليهودية جغرافياً إلى إسرائيل.
دأب هؤلاء اليهود على محاولة التأثير من خلال التعليم في الطائفة اليهودية بدمشق، والتعاطي معها على أنها تنتمي بشكل كامل إلى دولة إسرائيل المستقبلية.ومن هذا المنطلق، استقبلت تلك الطائفة الأديب اليهودي الحائز لاحقاً جائزة إسرائيل في الآداب يهودا بورلا لإدارة أول مدرسة عبرية للبنين في دمشق. وبعد بورلا وصل إلى العاصمة السورية يوسيف يوئيل ريبلين (والد الرئيس الإسرائيلي الحالي راؤوفين ريبلين) لإدارة أول مدرسة عبرية للفتيات.

وانضم إلى هاتين الشخصيتين عدد ليس بالقليل من يهود ويهوديات الأراضي الفلسطينية، معلمين ومعلمات وطواقم من المتخصصين والمتخصصات في رياض الأطفال، وساعدهم في عملهم عدد آخر من الشباب والفتيات اليهود كان مهمة الملك الهاشمي اللقيط فيطل الأول خلق جسر بين العرب واليهود

الاثنين، 16 أبريل 2018

آفاق ..نيسان نهلة سوسو





آفاق ..نيسان نهلة سوسو

ذاك الفيلسوف الذي قال إنكَ لا تعبر النهر ذاته مرتين، كان بحق يبذر في النّفس بعض الشكّ والقلق، كلّما تكرَّر فعلٌ في الحياة، بمقتضى الضّرورة! 
فلو رسمَ الخيالُ الطُّرقات التي قطعتُها منذ غادرت البيت الأول لبَدَت خيوطاً تشابكت على نبتة شوك عاصية على منحدر جبليّ، لا بداية لها ولا نهاية! ولا يجمّل الطريق إلا الهدفُ الذي ينتهي إليه أمّا القول بأن الطريق هو الهدف فليس إلا مواساةً لمن طال به المسير وأتعبه وعثاء السّفر، ولطالما كانت الأسفار في وسائط متواضعة تمخر الحرّ والقرّ وتفتقر لأبسط قواعد الرّاحة، ما أشبهها بالحياة، سائرةً ومتوقّفة، بحيث يحسب المرء أنّه يكرّر نفس الطُّرق ونفس المُشاهدَات ونفس المعالم، حتى إذا حدثت طفرةٌ، انطوت الأمكنة الرماديّة وفرغَت كلُّ الحقائب الثقيلة، وهدأ الغبار وانبعثت مسرّات كانت طيَّ تعب المسير!
قالت لي ذات صباح: -سأمرّ بك لترافقيني في سفر قصير، لا يحتاج إلى حقيبة ولا زوّادة ولا جواز سفر! وخطْفاً كنّا معاً في سيّارة " جيب" تتقلقل على طرقات غير ممهّدة، والطّقس مرتبك بين شمس ساطعة وريح ناشطة، ولا شيء في إدراكي إلا أننا نيمّم شطر الجنوب الذي لم يسبق لي أن عبرت طريقه وأنّها تتفحّص جهاز تسجيلها وهدير محرِّك السيّارة يتداخل مع الدّورة الدّموية ويكاد يربك طبيعتها! –انظري وراء تلك التّلال! هناك العدوّ! ما كنت أراه في تلك اللحظة هو غابات السّنديان التي طرّزت الأرض بخضرة داكنة وجذوعٍ هندَستْها عناية إلهية فكادت تبدو في الضّوء، متشرّبة بفضّةٍ قد تكون بَقايا ينابيع مستَسرّة إلى أجَلٍ غير معلوم، أو سَفْحَ مطرٍ لا يعرف مواعيدَ منتظَمة، واشتدّ ضوْعٌ أخضر نفَذَ من الشّباك المجاور لمقعدي، ليحملني على بساط الرّيح السّحري، هابطاً المنحدرات، طالعاً إلى ذرى الضّوء، وكلُّ السّفر الذي كان، بدا محطّات تلاشت كحكايات الوسَن! –ترجّلي! نحن في "عين التّينة"! قمّةٌ شاهقة تلك العين، ينحدر تحتها وادٍ يعجُّ بالأزهار البرّيّة مثلَ سلّة قصب هائلة تختبئ في مخمل ألوانها الصّاخبة، شقائق نعمان قانية، تنتظر شاعراً يفكُّ رموزها، هناك في الأعماق، حيث لا زائر ولا مُزارِع ولا راعي أغنام! وما لبث السّحاب أن أقبل وجثَمَ فوقنا ووقفت الشَمس مقابلنا كأنها مرآة ترصد ولادة الكون: -انظري! تلك "مجدل شمس" التي سيخرج فرسانها للاحتفاء بالسابع عشر من نيسان، رغم أنف عدوِّنا الوجوديّ!
كنتُ في ملتقى الفصول الأربعة، على قمّة العالم، ومسار الشّمس، ويقظة الأكوان، والسّفر الذي يضاهي رحلة الحياة المقدّسة التي صنعها نيسان! جريده تشرين / 17 / 4 / 2018 /



الثلاثاء، 10 أبريل 2018

افاق..البلاءُ العظيـم نهلة سوسو




افاق..البلاءُ العظيـم
نهلة سوسو
بمَ أفادها تشخيصُه «الدقيق» المقروء من صورة شعاعية، لطالما أصابتها بموجة من اكتئابٍ عميق لأنها لا تشبه الصُّور بشيء؟ حقّاً بمَ أفادها والألم يسطع من مكان لن تستطيع كلّ أجهزته المعقّدة أن تقيسه أو تحدِّد مسراه ومراوغاته وتسلُّله إلى حيث لا تسعفها معارفُها عن الأعصاب و«الأعضاء التي إن اشتكى منها عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسّهر»؟.
– كسرٌ مزدوج، آلامه مبرِّحة إلى مدى غير منظور، لكنّ الدّواء الذي سأكتبه لك في الوصفة سيجعله محتَمَلاً! ما لم تحتملْه، المشهد الذي باتت فيه رثَّةً، مبعثرةَ الشَّعْر، متّسخةَ الملابس،داميةَ الجروح، تحت أضواء باردة، مع صوتٍ يعاجلها بالقول: – نتجاوز البلاء بالصّبر والدواء! أرجو أن يكون احتمالكِ للألم عالياً! –ماذا تعرف عن ألمي إلا ما تكرّر في عيادتك النّظيفة الهادئة التي لا تنافِس بياض ثوبكَ النّاصع ونظّارتك الصّافية؟ اليومَ خبرتُ ألماً جديداً سمَّيتَه أنت البلاء لكنّني لا أراه كذلك مادامت سيرتُه تُروى في عيادة، الألم الذي لا يسكن البدَن بل تتوهُ فيه كسمكة في الماء أو كائن دقيق مجنّح في فضاء موبوء هو البلاء، ولعلك نجحتَ في هذا التّشخيص أكثر من تشخيصك للصّورة الشّعاعيّة! منذ سبع سنوات والألم يدهمني في مقتل! منذ طلعت عليّ شمس كنت أحبّها رمزاً للنّور والضّوء واللّهيب المطهِّر للعفونة، كلِّ عفونة، ورأيتُ لها وجهاً لم أكن أعرفه بهذه البشاعة الدَّمويّة والكُلوح، وأنا أعوم في ماء الآلام، بل تضربني تلك الآلام لأنني لم أعد من ذوات الدّم البارد كالسّمكة بل من ذوات الأجنحة الواهنة غير القابلة للموت! هل تتذكّر أوّل جريمة قتل علنيّ اجتمع لها ذئابٌ، أنيابُهم تقطر دماً، ومخالبُهم تقطر دماً، وحول المغدور والقتلة سارت جموعٌ منتشية، كأنّها غادرت أوكارها في غابٍ معتم وخرجت لتغتسل بماء السّماء المجاني؟ هل تتذكّر كم من صرخةِ ثكلى هزَّت هزيع اللّيالي وقضّت المضاجع التي أزالوا أبوابها وحميميّتها؟ هل تتذكّر كيف اختفت الحدائقُ في الأحياء الجانبيّة وشُنِقت أشجار نخيلها وتحوّلت إلى مقابر؟ هل تتذكّر الطّرق السّريعة، شرايينَ الحياة في الذهاب والإياب، حين تقطّعت ونزفت ثم صمتت لتنعق الغربان على خرائبها؟ ذلك هو البلاء الأعظم الذي توهّمتُ أن لا شفاء له وأنا أضرب في الأرض من منزلٍ إلى مأوى أحاول تذكّرَ مرثيّات شعراء كل العصور، حتى رأيته فارساً مشيقاً، زينتُه النجوم وتاجُه الشمس، يعدّل ما ألحقوه بالأرض من فوضى ودمار، فلتطمئنّ إلى درجة تحمّلي للألم، مادام ألمي وحدي هذه المرّة!.
جريده تشرين / 2018-04-10 /

الجمعة، 6 أبريل 2018

افاق..تشويش نهلة سوسو

كم لبث من الأيّام تحت الأرض من دون ضوء؟ يستحيل أن يتذكّر مهما غاص عقله في سديمه! ثبتت في وعيه لحظة واحدة مديدة كأنّها دهرٌ، حين سيق، عصرَ يوم غائم عمّته الفوضى منذ الفجر، وعينُه على أمّه تُنخَس ببندقيّة رجلٍ ملْتَحٍ، وهي لا تقوى على المشي، ثمّ على أبيه يمسك بيد أخيه الأكبر وهو يطأطئ رأسه، يواكبهم عجاجٌ وزعيق بشر لم يألف أشكالهم حتى في الكوابيس!
جلس بجوار أخيه، قواه فاترة من الجوع وراح ينتظر أباه! –أبوك لن يأتي لأنّه صار خارج هذا الجحيم! سقط قلبه في جبٍّ عميق: -أبي مات؟ بعد ذاك بات وحيداً بين غرباء بُكْمٍ كالظّلال، لا يبادلونه حتّى النّظر، ولن يعرف أبداً كيف تغذّى وعيه بموت أخيه لانعدام الدّواء وعودة أبيه إلى وظيفته في العاصمة واحتجاز أمّه في «سجن النّساء»! ربّما من مزاح الجلادين حين طلبوا منه أن يخرج مع المخطوفين للحَفْر فلم يَقْوَ على رفع يده وضُرب حتّى فقَدَ الوعي وغفا في سريرٍ ترابيٍّ يشبه القبر وسمع وهو غارقٌ في دواره المتناوب: -زيدوا مئتي الغرام ليستطيع أن يعمل! فلم يفهم إن كانت الزيادة في ملعقة اللّبن الوحيدة التي يتناولها أم في ملعقة المربّى، حين قال صوتٌ بارد: -لن نزيد طعاماً لأحد، بل سنبدّل مهمّته! بعدها ربطوه بسلسلة حديديّة وأخرجوه من طاقة في جدار: -ازحف إلى جثّة المجاهد واسحبها إلى هنا، ربطناك بجنزير حتى لا تهرب مثل أبيك… صار ناقلَ جثث مثبّتاً بجنزير ككلب الحراسة حتّى أصابته طلقات تأخّرت كثيراً، ورأى أمعاءه الخاوية أمام عينيه فردّها إلى جوفه وأطبق عليها بذراعه! إنّها الحياة مادامت لم تتقطّع، لكنّهم قطعوها وخاطوا البطن وتركوه! شفي الجرح على تشوُّه، ولسرٍّ غامض بقيت ساقه ممدودة معوجّة ثابتة كلحظة شقّت الطّلقات طريقها إليه!
أراد أن يرفع أصابعه ليلمس وجه أبيه ويتأكّد أنّه لا يحلم في ظلمة النّفق البارد فعجز أن يفعل! حضن الأب رأسه وقال بحنان كمطر تفجّر من غيمة عفيّة: -احكِ يا ولدي، ارفع صوتك، أنت مُحرَّر والجلادون ليسوا هنا… كانت رائحة حساء شذيّة تنتشر في الغرفة الدّافئة والهاتف يرنّ وصوتُ أبيه حقيقيّاً: -سنغذّيه يا دكتور كما طلبت حتى يتحمّل الجراحة… أعرف أن الأمر قد يستغرق ثلاثة شهور! مرّة أخرى يستخدمون الزّمن في أحاديثهم، والزّمن أفلت خيوطه من وعيه وذاكرته، لكن ها هو يفلح في رؤية قسمات أبيه ويشعر بنعومة الوسادة وينام! / جريده تشرين / 2018- 04 - 3 /