الاثنين، 30 مارس 2020

تفضلوا (لترديد الشعار)- آلاء دياب هل الأزمة في الشام هي أزمة نظام سياسي أم أزمة وجود ومشروعية الدولة؟



تفضلوا (لترديد الشعار)-
آلاء دياب
هل الأزمة في الشام هي أزمة نظام سياسي أم أزمة وجود ومشروعية الدولة؟
ليس المقالُ سياسياً يريد أن يكون ثقافياً بل هو مقال مأزومٌ كواقعه، تتدخل فيه ذواتنا بصورةٍ لافتةٍ. ولأننا رومانسيون بأزماتنا، نبرر مشكلاتنا الوجودية بادعاء المؤامرات. لكن مصطلح المؤامرة يصلح للبسطاء، وآن لنا تجاوزه، فالخارج نفذ إلينا من ثقوبنا، وعلينا التعامل مع أحداثنا كواقع له مقدمات ومسار صراعي، يتأرجح بين مقاسمة الإرادات والمصالح.
علينا أولاً حتى نخرج من أزمتنا، أن نعترف بأخطائنا، فهل الطائفية والمذهبية وجدت في الشام بعد الأحداث؟ هذا الزعم هو قفزٌ على المشكلة لا حلٌّ لها. إن وجود هذه الانتماءات العميقة واقعٌ لا يمكن إنكاره، واقعٌ فُرض بسبب التطور التاريخي والاجتماعي لمجتمعنا، لكن لا ضير إذا لم يقترن هذا الولاء العميق بالتعصب وبنظرةٍ دونيةٍ وتكفيريةٍ للآخر.
أمّا الأسباب:
أولاً : التحالفات الداخلية مع التيارات الدينية المتطرفة، ويظهر هذا في مؤشراتٍ عدّةٍ:
إنماء التيار الديني المتطرف بدعم مؤسساته: وفقاً لإحصاءات نشرت على موقع وزارة الأوقاف الشاميّة حتى نهاية عام 2007، كان يوجد 840 معهداً لتحفيظ القرآن، 117 مدرسةً دينيةً، 18 معهداً دينياً، 17192 مسجداً، وأكثر من 600 مسجد قيد الإنشاء. وبقي هذا العدد في تزايدٍ مستمرٍ، حتى وصل إلى 23ألف مسجد، و 143مدرسة شرعية، و60 ألف داعٍ وداعية وفق ما ذكره د. عدنان عويد. كانت هذه المنشآت تستنزف خزينة الدولة، بينما الطوائف المسيحية والأقليات الإسلامية تعتمد في بناء أماكن عبادتها على تبرعات المغتربين وإعانات الأهالي تماشياً مع شعارات الوحدة الوطنية.
حقيقة التيار الديني المتطرف المدعوم حكومياً:
في الثمانينات كنا نخوض صراعًا بين أيديولوجيتين متنافستين: عربية اشتراكية، وإسلامية أصولية متشددة. ثم حدث التحالف، لكن هل غيّر التيار الديني أهدافه أو مبادئه لشرعنة هذا التحالف؟ للتيار الديني ثلاث اتجاهات، هي: الدعوي، والجهادي، والمدخلي، أمّا المدخلي فمن أهم مبادئه القبول بالنظام السياسي والاجتماعي للدولة التي يمارس نشاطه فيها، لكنه يعمل على اختراق هذا النظام، والعمل على إعادة هيكلته والتأثير فيه من خلال المؤسسات الرسمية للدولة نفسها وفقاً للمنظومة الفكرية والقيمية السلفية، وذلك انطلاقاً من رؤيتهم لمفهوم الدولة الإسلامية وفق نصوص الحاكمية. لنورد مثالاً عن أقدم الحلفاء( الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله). إنه يقول في مقال له بعنوان حقائق عن نشأة القومية وفي سياق حديث عن القومية العربية: “وإننا لو رجعنا واستقرأنا تاريخ دعاة القومية في بلادنا، فإننا لن نجد صعوبة في كشف تآمرهم على بلادهم وقومهم، وبروز حقيقتهم سافرة، وهي أنهم عملاء للاستعمار بكل ما في هذه الكلمة من معنى.” كما قال في إحدى حلقاته التي كانت تبث على التلفزيون الشامي:” إن العرب ليس لديهم أخلاق قبل الإسلام، وإن القوميين العرب الذين يقولون بأن العرب كان لديهم أخلاق قبل الإسلام هم كذابون.” أمّا موقفه العدائي من العلمانية فيظهر في كتابه (العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر)، وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق، ويظهر الاتجاه المدخلي بقوة على صفحات مجلة نهج الإسلام الصادرة عن وزارة الأوقاف منذ الثمانينات.
تجذير الفكر السلفي: من خلال التحالف مع رجال الدين لمحاربة الفكر التقدمي وبواعثه الاجتماعية داخل البعث وخارجه. فراحت المؤسسة الدينية، بتغطية بعثية وبنفوذٍ واسعٍ، تعمل على تجذير الفكر السلفي بصيغته الأشعرية والوهابية، والصوفية الطرقية، عبر إعطاء الدروس الدينية في آلاف المساجد من قبل آلاف الداعيات والدعاة، مع الدعم اللامحدود، حتى فقد البعث قدرته على ضبط توازنه التنظيمي والفكري من جهة، والتوازن العقائدي والاجتماعي للدولة والمجتمع من جهة ثانية.
نقل النشاط الدعوي السّري إلى النور، ودعم رموزه: سأورد مثالاً عن:
جماعة زيد: قام الرئيس بشار الأسد بزيارة خاصة للشيخ أسامة الرفاعي وهو حدثٌ غير مسبوق يرمز إلى الرغبة في توسيع إطار الحلفاء الدينين التقليدين، (عائلة كفتارو وسعيد رمضان البوطي) كما خففت عنهم القيود. لكن التحالف ظل فاتراً، فخطباء المساجد التابعة للجماعة، لا يطلبون من المصلين في خطبة الجمعة الدعاء للرئيس بشار الأسد بل يستخدمون تعبير (لأرباب الحقوق علينا)، وفي الوقت الذي نظمت أكاديمية كفتارو احتفالاً كبيراً بمناسبة إعادة انتخاب الرئيس بـ 2007، اكتفت جماعة زيد بلوحة بجوار مساجدها، كُتب عليها (نعم للداعم الأول للعمل الخيري).
القبيسيات: سنة 2006 سُمح لهن بنقل نشاطهنّ الدعوي السري إلى المساجد علناً، وقاموا بتأسيس معاهد تعليمية خاصة في دمشق، وهيمنوا على دار الحديث النورية. وتُظهر الإحصائيات أن القبيسيات يمتلكن أكثر من 50% من المدارس الخاصة في دمشق، كما تولت سلمى عياش منصب معاون وزير الأوقاف في 2014، في خطوة تمثّل مكافأةً من القيادة للجماعة على مواقفها من جهة واستخدامها سياسياً من جهة أخرى، كما لابدّ من الإشارة إلى حدوث انشقاق سياسي معارض تحت اسم “حرائر القبيسيات” في نهاية 2011.
تأطير الطوائف بزعامات جديدة: وصل حزب البعث إلى السلطة، وضاعت شعاراته مع امتيازات السلطة، ولم يعد وفياً لمبادئه إلا على مستوى التنظير فقط. أما على صعيد الواقع، فقد كان مناقضاً لكل ما يقوله، حتى سقطت مصداقيته. فقد تحالفت السلطة السياسية مع كبار التجار، وبدأ العمل بمنطق التكتلات، حتّى تولد شعور أن الوطن لهم وأنّ المواطنة هي واجبات المواطن وحده. ولكن متى سُلب الحق سقط الواجب اللازم عنه. ثم مع سقوط قناع العلمانية، تواطأت السلطة السياسية مع السلطة الاقتصادية، وصنعوا سلطةً دينيةً، غيّرت العائلات المتوارثة، انطلاقاً من المبدأ القديم (الملك بالدين يبقى، والدين بالملك يقوى). لقد أرادت القيادة ضرب مركزية أكبر مذهبين في الشام، من خلال استبدال قياداتها التقليدية بزعاماتٍ صنعتها، وتدين بالولاء لها، ونجحت في ذلك. زعامات لا تملك ماضياً تخاف عليه، ولا تملك مستقبلاً تحرص عليه بعيداً عن التوسل على أبواب السلطة، فكأنّ البعث يسير على نهج معاوية حين قال:(نحن الدهر، من رفعناه ارتفع، ومن خفضناه انخفض).
ثانياً: الخلل البعثي وتأثيره في الفكر الجمعي:
الخلل البنيوي: حزب البعث وخلله العقائدي، وضعفه الفكري، ظهر أيما ظهور في مساراته. فلم ينقسم الحزب على نفسه من منطلق مذهبي فقط، بل انهار عند أول اختبار فعلي. لنتذكر أسماء المنشقين سنجدهم من القيادات المركزية في الحزب، وليس هذا إلا نتيجة لأسلوب الترهيب والترغيب المتبع للانتساب الحزبي.
الخلل الفكري: مشكلة البعث في فكره العبثي. فقد كانت طروحاته النظرية بعيدة عن الواقع، وحين اصطدم بالواقع الذي نفى تصوراته، أنكر هذا الواقع، واتهمه ورأى العلة فيه، لا في نمط تفكيره كحزب قائد للدولة والمجتمع. لقد أُخذ بسحر القضايا الكبرى، فتحدث عن المشاريع القومية العربية الخلابة، وتعامل معها تعاملاً لاهوتياً، فأهمل الجزئي والتفصيلي واليومي، ونسي أن الفكر المجتمعي يتغذّى ويتجدّد بما أهمله، فلم يعدّ قادراً على تحقيق مفهوم المواطنة بمعناها المؤسساتي، وضاعت الهوية بين ركام القومية العربية وجاذبية الطروحات الإسلامية. لكن بعيداً عن أحاديثهم المنزّلة، بعيداً عن نبوءاتهم، كان لدينا واقع أفظع من دمار الشام، ومن مقتل الآلاف، ومن هجرة الملايين، ومن البؤس والفقر، هو تحلل المجتمع إلى عوامله الأولية، فلن تفعل المصالحات الوطنية شيء؛ لأنها لم تقم على وعيٍ بها، والدليل هو سقوط اتفاقيات المصالحة في مناطق عديدة، والعودة للتربص بالجيش.
الخلل الداخلي:
كان للصراعات الدائرة داخل صفوف البعث وللانقسامات وللتحزبات أثرها، فلم يستطع البعث تحقيق التوازن في البنيتين الاجتماعية والفكرية داخل الحزب، وغدا البعث بقياداته وبشبكة علاقاته المتشعبة في مؤسسات الدولة أكبر داعم للتكتلات المذهبية، تلك التكتلات التي أصبحت بؤرًا للفساد، لا يمكن اجتثاثها، فهي كحجارة الدومينو.
عمل حزب البعث على خلق نوع من التسويات الرضائية بين المذاهب سواء على مستوى القيادات الحزبية أم على مستوى القيادات الإدارية، ويظهر هذا جلياً في تشكيلات الفروع الحزبية التي صدرت منذ أسبوعين بعد إقرار آلية الانتخابات، إذ تمّ تجاهل نتائج الانتخابات، والالتزام، عوضا عنها، بالتوازنات المذهبية. سأورد مثالاً عن فرع حماه، لكن الأمر يسري على الفروع جميعها:
ثالثاً: النظام البطريركي للحكم في الشام:
لماذا يسعون دائماً إلى توحيد مفاهيم (الشعب والوطن والسلطة والدولة والقيادة والحزب والرئيس) على الرغم من أنها مفاهيم مختلفة جداً. كل هذه المفاهيم انصهرت في شخص الرئيس، فكأننا أمام لويس الرابع عشر حين كان يقول: (أنا الدولة). لم يقف الأمر هنا بل استقر في أذهان الناس أنّ أي انتقاد لأيّ ممّا ذكر سالفاً هو انتقاد للوطن، وطعنٌ به وبرموزه المبجلّة. ولأننا في دولة التفويض الإلهي للحزب، تقوم لدينا تراتبية هرمية، يختار حزبها الوزراء ليكونوا حاشيته، ويعيّن مجلس شعبها ليكون حارسه وخادمه، فتنجب هذه التراتبية ذريةً من الشعب مسلوب الإرادة، وتحل النزعة الفردية محل المصلحة الجمعية، وتبرز الانتهازية والنفاق ويعشش الخوف في النفوس، ويشعر المثقفون بالإحباط واللاجدوى، فينصرفون عن التفكير في شؤون السياسة… لقد تسببت هذه السياسات في هزيمة الناس أمام أنفسها، فتحول الشعب من فاعل اجتماعي خلّاق إلى أداةٍ بيد البعث يحركها كيف يشاء. لكن لم يعدّ هناك وسط، ولم يعدّ البعث يقوى على المسير، فإما قفزة جريئة تضعنا على طريق جديد، وإما سقوط نهائي سريعاً كان أم بطيئاً، فقد قال مدير شركة نوكيا في أثناء تسليمه الشركة مُباعة إلى مايكروسوفت: “إننا لم نرتكب خطأً، لكننا لم نستطع أن ندرك حجم وسرعة المتغيرات، فانتهينا”.
أخيراً، كل ما سبق يندرج تحت إجراءات جعل دمشق مركزاً للإسلام المعتدل، بما فيها إحداث قناة نور الشام الفضائية في 2011 محاولةً لاستمالة الشارع الديني في الشام، وأملاً في إلغاء مرجعية مسلمي دمشق إلى السعودية الوهابية أو الأزهر، لكنَّ هذا السعي أخطأ الأدوات والوسائل، عدا أنّ الدين موضوع أخطر بكثير من أن يتم التلاعب به سياسياً.
والسؤال:
هل الإشكالية في علاقة الحاكم بالمحكوم؟
هل الدولة في الشام هي دولة الأمة العربية كما عند العروبيين أو دولة الخلافة الإسلامية كما عند الإسلاميين، أو أنها ليست دولة؛ لأنها تفتقد للمواطنة الكاملة كما عند الليبراليين ؟
أمّا إجابة السؤال الأول، فالإشكالية أكبر من علاقة حاكم بمحكوم، بل هي علاقة الدولة بالمجتمع عندما تسعى الدولة لتسييس الانتماءات الفرعية، وتحوّلها إلى تيارات مغلقة، لا تلبث أن تنقض على المجتمع عندما تضعف الدولة، ولم يتم التنبّه إلى خطورة الظاهرة إلا بعد استفحال أثرها بسبب ضجيج الشعارات والانتصارات الخطابية حتى حسبنا أنّ ما كتبناه قد فعلناه، وأنه لم يبق شيء عظيم لم نفعله لكي نفعله.
وإجابة السؤال الثاني: الدولة في الشام هي نموذج ظاهري لدولة حداثية بشكلها الليبرالي البيروقراطي، لكنه احتوى في باطنه النموذج الإسلامي السلطاني المحدث. وجاء عدم الاستقرار من استحالة تطويع النموذج الحداثي إسلامياً، وتبين بعد فوات الأوان أنه لا يمكن الجمع قسرياً بين (الدولة العروبية) ومفهوم (الأمة الإسلامية)، وأنّ التغيير الحداثي يتطلب رفع ثقافة المجتمع وثقافة النخبة وتكييفها مع مفاهيم الحداثة، لا إحياء الهويات الأقدم التي تكرّس الهشاشة الداخلية.

الجمعة، 27 مارس 2020

مذكرات بيان الاستاذ خليل كلاس أردناها وحده وأرادها مزرعه (1)



مذكرات
بيان الاستاذ خليل كلاس أردناها وحده وأرادها مزرعه
(1)
مصر تتمنع عن وفاء ديونها لسوريا ... وتحاول فرض أتاوات على مصرف سوريا المركزي
الصناعة السورية تغزو الأسواق المصرية ... وعبد الناصر يرد بإرسال لجنة لمعاقبتها
كيف تحولت وزارة الصناعة قبل الوحدة إلى وزارة الحرب على الصناعة بعد الوحدة
كان الحكام يهدفون في سياساتهم الاقتصادية بشكل عام إلى اعتبار سورية مجالاً حيوياً لهم ... وقد أثبتت التجربة القاسية التي عانيناها خلال ثلاث سنوات ونيف أن الاقتصاد السوري قد أريد له أن يكون في خدمة الاقتصاد المصري وقد أدت هذه الخطة إلى إضعاف الاقتصاد السوري والتمهيد لخرابه ويمكن تلخيص الأساليب التي اتبعت لبلوغ الغايات المذكورة في نوعين:
النوع الأول- كان ناجماً عن نية مبيتة وخطة مرسومة.
والنوع الثاني- كان من جهل بالواقع السوري أو تجاهل له ... مبعنه الاستبداد في الرأي وعدم الاستماع إلى نصيحة كبار المختصيين السوريين.
وقد كانت خطة حكام مصر عدم تمكين سورية من إقامة صناعة قوية يمكن أن تزاحم الصناعة المصرية وكان همهم ينصرف إلى قصر نشاط سورية على الفعالية الزراعية في الدرجة الأولى وتأسيس بعض الصناعات الزراعية أو التمويلية الخفيفة.
ومن الأمثلة الفاضحة على جهلهم بالواقع السوري محاولتهم أن يطبقوا في سورية ما اعتادوا على تطبيقه من سياسة تجارية ونقدية واقتصادية في مصر، مع إن واقع الاقتصاد السوري وتاريخه الطويل وموقع سوريا الجغرافي ومفاهيم الشعب السوري لاتتحمل تطبيق النظم والأساليب المطبقة في مصر.
ومن الأمثلة أيضاً على العراقيل التي وضعها الحكام في مصر بوجه التجارة الخارجية السورية هي أنهم عمدوا إلى عقد الاتفاقيات مع كثير من البلدان الأجنبية والعربية دون أن تمثل سورية هذه الاتفاقيات ودون أن تراعي مصالحها والقصد من ذلك إلا أن يزاحم الإنتاج السوري والإنتاج المصري سواء في أسواق السودان أو السعودية أو الأردن ولما فشلت محاولاتهم في القضاء على النشاط التجاري السوري عمدوا في أواخر أيامهم إلى فرض نظام مراقبة النقد.
ويروي الأستاذ خليل كلاس وزير الاقتصاد في عهد الوحدة مهازل أخرى جرت في عهد الوحدة فيقول:
في أوائل عام 1959 أوفد الرئيس جمال عبد الناصر لجنة ثلاثية برئاسة عبد اللطيف البغدادي وعضوية أكرم الحوراني وزكريا محيي الدين ....
وكانت مهمة اللجنة كما جاء في خطاب الرئيس جمال عبد الناصر نفسه دفع عجلة التقدم وتنفيذ المشاريع الإنمائية والإنشائية في سوريا.
وبعد وصول اللجنة الثلاثية إلى دمشق 26/01/1959 عقدت اللجنة اجتماعاً بحضور الدكتور القيسوني وزير الاقتصاد المركزي ومعه كبار الموظفين من البنك الأهلي المصري وعلى رأسهم السيد أبو شادي ...
دعتني اللجنة إلى هذا الاجتماع فاصطحبت إليه الدكتور عزت الطرابلسي حاكم مصرف سوريا المركزي وكبار موظفي وزارة الاقتصاد والمصارف اذكر منهم السادة نصوح الدقاق ويسار البيطار وكرم توما وعدنان الفرا ....
ذهبنا إلى الاجتماع ونحن نعتقد أن مهمة اللجنة هي دفع عجلة التقدم والتطور والازدهار الاقتصادي كما أعلن الرئيس ... إلا أننا فوجئنا بالسيد البغدادي رئيس اللجنة يقول إن الغايات من هذه الاجتماعات من بحث المواضيع التالية:
1- تحويل خمسين مليون ليرة سورية إلى بنك مصر.
2- توحيد مؤسستي الإصدار في الجمهورية أي المصرف المركزي السوري والبنك الأهلي المصري مع العلم أن المصرف المركزي السوري مؤسسة حكومية في حين أن البنك الأهلي المصري كان آنذاك شركة خاصة أجنبية مصرية يسهم فيه البريطانيون والفرنسيون والطليان وسواهم ... شركة لم يتعرب ولم تؤمم بعد.
3- موضوع أنظمة النقد وتوحيده في الاقليمين ... كذلك أعلن السيد البغدادي أن نواب الرئيس والوزراء سكيتفون باجتماعهم الأول هذا بالاستماع إلى آراء الخبراء ثم قال لنبدأ الآن بالموضوع الأول " تحويل خمسين مليون ليرة سورية إلى بنك مصر " وأبدى استغرابه لاقتران هذا الطلب بالرفض حتى الآن ....
بدأ الدكتور طرابلسي كلامه الذي استغرق حوالي الساعة ومما قال ...
حكاية الخمسين مليون ليرة سورية واضحة وبنك مصر يرمي من ورائها إلى وفاء ديونه في لبنان وذلك أنه حين انفصل بنك مصر في سورية عن فرعه في لبنان أخذ الفرع في سورية على نفسه الديون الهائلة في حين استوقى بنك مصر في لبنان الأموال الجاهزة، يضاف إلى ذلك أن بنك مصر يسعى إلى تأمين رأسماله في الإقليم السوري وتحقيق أرباح فاحشة مستفيداً من الفرق بين سعر التحويل الرسمي للجنيه وسعره في السوق الحرة.
وأضاف الدكتور طرابلسي يقول:
أما بالنسبة إلينا فهذه العملية تعني أن يقوم المصرف المركزي في سورية بإصدار نقد لصالح بنك مصر قيمته خمسون مليون ليرة سورية بدون تغطية ... سوى تسجيل دين على الإقليم الجنوبي بالمبلغ المذكور ونحن واثقون أن الإقليم الجنوبي لن يدفع أو لن يستطيع أن يدفع لنا شيء من هذا المبلغ ... وهو الذي لم يدفع لنا حتى الآن شيئاً من ديوننا المتراكمة عليه من العام 1956 وإنني أخشى الآثار السيئة على الاقتصاد السوري من جراء اللجوء إلى مثل هذه الأساليب لاسيما أن المواسم كانت سيئة في العام الماضي وقد تكون أشد سوءاً هذا العام ...
ونحن كنا نتشدد دائماً في إقراض الدولة إلا في حال تمويل المشاريع الإنمائية وضمن حدود،
خشية النتائج الخطيرة التي قد تنتج عن ذلك فكيف يمكننا موافقة على إعطاء بنك مصر خمسين مليون ليرة سورية ... ليحقق بها أهدافاً وغايات غير مشروعة ...
ووقف بقية الموظفين والخبراء السوريين الموقف ذاته معارضين بقوة وحزم إجابة طلب بنك مصر.
وبعد أن يصور الأستاذ كلاس موقف سورية من مطالب مصر ينتهي إلى القول:
وأخيراً عادت اللجنة الثلاثية إلى القاهرة ولم تستطع أن تنفذ شيئاً من الأغراض التي لاتتفق وصالح الاقتصاد السوري بفضل معارضة الأستاذ الحوراني والجانب السوري ...
ومثل آخر يضربه الأستاذ كلاس في جملة مذكراته عندما كان وزيراً للاقتصاد في عهد الوحدة فيقول:
عند قيام الوحدة كانت مصر مدينة لسورية بما يتراوح بين خمسة وستة ملايين جنيه إسترليني ثمناً للقمح والمنتجات المصدرة إليها من سورية عامي 1956 و1957 وكنا قبل الوحدة لانلح بالطلب لعلمنا بالصعوبات التي تعانيها الشقيقة مصر بالنسبة للقطع النادر من جراء العدوان الثلاثي وتجميد أموالها في أميركا وفرنسا وبريطانيا
وبعد قيام الوحدة والمواسم السيئة التي عرفتها وخاصة بعد إفراج عن الأرصدة المجمدة أخذ المصرف المركزي السوري يلح علي بضرورة تسديد هذا الحسا وأنا بدوري أخذت ألح على القاهرة بذلك ...
وكان إلحاحي يزداد ويشتد كلما ازدادت قيمة هذا الحساب وسألت أوساط المصرف المركزي عن السبب في ازدياد الحساب بالرغم من أن القاهرة كانت قد حولت لنا بعض المبالغ فأجابوا أن من بين الأسباب:
أولاً- ورود تحويلات بمبالغ ضخمة باسم بعض الأشخاص منهم السادة (جهاز السفارة المصرية – الملحق الثقافي أبو درة – عدلي حشاد – حسني عبد المجيد – عبد الحميد السراج – وكالة أنباء الشرق الأوسط – عبد المحسن أبو النور ) وتقدر المبالغ التي حولت باسم هؤلاء بدءاً من قيام الوحدة وخلال سنة واحدة تقريباً بعشرين مليون ليرة ...
ويذهب الأستاذ خليل كلاس في مذكراته الخطيرة إلى رواية كثير من الأمثلة المشابهة ...
فيروي قصص احتيال المصريين وإثرائهم على حساب أنظمة تحويل اللجنة ....
واتفاقية المدفوعات مع العراق التي كان من نتيجتها تحويل ديون العراق على القاهرة وتسجيلها لذمة سورية ...
وقصة العلاقات الاقتصادية مع لبنان ... وقصة إغلاق الحدود مع الأردن .. وقصة قانون النقل البحري ... وقصة الحديد الأجنبي التي كانت تستورده مصر وتبيعه لسوريا على إنه حديد وطني ... وقصص النحاس والسكر والبترول.
ولننتقل إلى الوسط التجاري لنعرف رأي الغرف الاقتصادية في مذكرتها التي أعلنتها عقب الثامن والعشرين من أيلول وقالت فيها:
" أن الهيئات الاقتصادية بينت أكثر من مرة أن الوحدة الاقتصادية بين سورية ومصر عملية شاقة تحتاج إلى دراسات عميقة من قبل لجان تمثل الجانبين يكون من اخصاصها وضع مراحل زمنية وعملية للتوحيد حتى تصل في نهاية المدة إلى وحدة اقتصادية حقيقية تحافظ على حقوق كل من البلدين ولا تكون غنماً لأحدهما وغرماً للآخر ...
وتستعرض المذكرة الصعوبات التي لقيها الاقتصاد السوري خلال سنوات الوحدة فتقول:
في عام 1958 وضعت خطة للتصنيع الخمسية الأولى من المشاريع التي بدأ بها الأفراد أو التي كانوا قد أنهوا دراستها ... ومضى عام واحد استنفذ فيه القطاع الخاص في سنة واحدة كل ماخصص له بخمس سنوات ... وبدأت الصناعة السورية الناشئة تغزو أسواق مصر فهال هذا الأمر المسئولين في وزارة الصناعة في القاهرة فأرسلوا إلينا اميناً عاماً لوزارة الصناعة وبعض الموظفين ليراقبوا العملية عن كثب وليقفوا عقبة كأداء أمام موجة التصنيع العارمة ...
وقام هؤلاء بدورهم التخريبي بشدة وحزم متجاهلين وزير الصناعة بل جميع أعضاء المجلس التنفيذي.
ومنذ ذلك الحين توقف نشاط التصنيع وأصبحت وزارة الصناعة وزارة الحرب على الصناعة رغم احتجاج ومحاولات وزيرها ورغم الجهود الطيبة التي بذلها الموظفون السوريون ...
بل أصبح هم المصريين في وزارة الصناعة منع المنتجات السورية من دخول مصر بشتى الوسائل والتدابير المانعة ...
وتعالج المذكرة قصة النقد السوري فتقول:
أما النقد السوري فقد كان قبل عشر سنوات قبل عام 1958 نقداً متيناً قوياً يمكن إبداله في أي مكان وزمان بأية عملة من عملات العالم بالسعر المحدد له دون زيادة أو نقصان وقد هال المسئولين المصريين الوضع القوي للنقد السوري في الوقت الذي كان فيه النقد المصري متدهوراً تقل قيمته السوقية عن قيمته الرسمية أكثر من أربعين بالمائة ...
فبدأوا يضعون الخطط لإضعافه وتحطيم قوته ... وقد احتاج ذلك منهم ثلاث سنوات وساعدهم جفاف الأمطار وسوء المواسم الزراعية إلى أن حانت لهم الفرصة فأصدروا قرار تنظيم عمليات النقد الأجنبي الذي يعتبر مقبرة للنقد السوري وسداً منيعاً أمام تنمية اقتصاد البلاد ورفع مستوى معيشة السكان.
كما خسرت البلاد حوالي 200 مليون ليرة من الاعتمادات الأجنبية إذ زالت الثقة بنقدنا ومشاريعنا ... وأصبحت عمليات التصدير معقدة وعمليات الاستيراد غالية تزيد الأسعار على المستهلكين واصبح النقد السوري نقداً يرفض قبوله في أية مكان ... بل أصبحت الشكات التي يسحبها المصرف المركزي لاتقبل في الخارج إلا بعد وصول قيمتها كاملة.
وخلال هذه السنوات العصيبة تفنن الحاكمون في وضع كافة العقبات أمام تجارتنا الخارجية لإضعاف صلتنا في العالم ... ذلك لأن الاقتصاد مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأسواق العالمية يصدر إليها ويستورد منها أكثر من ألف ومئتي مليون ليرة سورية ...
وكان من نتيجة العراقيل التي وضعوها أن ضعفت الثقة بالسوريين وقطعت عنهم كافة الاعتمادات والتسهيلات ... ومن جهة أخرى بدأنا نخسر أسواق التصدير واحداً بعد آخر بسبب محاربتهم لمنتجاتنا بالأسواق العربية لمنع المساعدات من منتجاتنا ومنح منتجاتهم المساعدات التي تبلغ 40% إلى جانب احتكارهم للاتفاقيات التجارية واتفاقيات الازدواج الضريبي والملحقين التجاريين وتقييد تعينهم من المصريين ... مما أدى جميعه إلى خنق الأسواق السورية والتضيق على صغار الباعة والمستهلكين ...
هذه نماذج من آثار التدمير الذي أحدثه حكام مصر في بنيان الاقتصاد السوري أيام تجربة الوحدة الفاشلة جاءت أمثلة صادقة على ألسنة كبار المسئولين والخبراء المطلعين على أسرار العهد البائد.
كما قال الأستاذ خليل الكلاس في خاتمة مذكراته:
لقد أردناها وحدة تستهوي قلوب العرب جميعاً ... وأرادوها تسلطاً وتحكماً حيث أصبح الإقليم السوري مداً حيوياً ومزرعة خصبة ... ولذا كان اصطدام الارادتين وفصل وحدة الاقليمين أمراً محتوماً.
(يتبع)

الأحد، 22 مارس 2020

(من نداء الزعيم إلى الشعب السوري 1 حزيران 1940)-(سعاده)

إن الحركة السورية القومية ليست حركة انتصار لفريق محارب ضد فريق آخر محارب بل حركة تحرير الفكر السوري من إيحاءات الإرادات الأجنبية وإنشاء الدولة السورية القومية المستقلة.
أيها السوريون! استفيقوا فالفرصة لم تفت. واذكروا أن سقوط أعدائنا لا يعني نهوضنا نحن، إلا أن نكون قد التففنا حول نهضتنا القومية وقمنا قومة واحدة. (من نداء الزعيم إلى الشعب السوري 1 حزيران 1940)-(سعاده)