الجمعة، 18 سبتمبر 2020

حلقات فيصل القاسم العاهرة التي تتحدث بالشرف العميل المزدوج لأجهزة المخابرات و الأنظمة .. الأولي فضيحة حسابات ومراسلات بأسماء وهمية هدى جنات لتجنيد العرب و التلاعب مع الأنظمة

تقرير ومتابعة هشام بكر
فيصل القاسم   يحمل الجنسية البريطانية من  السويداء بسوريا من يرتبط بالكيان الصهيوني ارتباطا وثيقا و من ضمن جيش دفاعه ، لضرب الديانات و القوميات من الداخل تنفيذيا لسياسة الماسونية الصهيونية العالمية لسيادتها حسب تعاليمها العالمية ،بنود وثيقة المحفل الماسوني بباريس 1934م، بالتفصيل في الحلقات القادمة.
 ثروته ٩.٣ مليون دولار ويمتلك  6 منازل فاخرة في روما والأقصر ولندن ونيوجرسي  رغم انه ينتمي لعائلة فقيرة في سوريا وسجين سابق بها وكان يعمل نادل في المقاهي والكافيتريات .
واحد من الذين دشنوا لثقافة العنف و الإرهاب والخلافات والضرب على الهواء مباشرة علي قناة الجزيرة فى كل أنظمة  الأوطان العربية، كان فيصل القاسم، مذيع قناة الجزيرة الذى يصر فى كل حلقة على استضافة شخصيات مثيرة للجدل، أو إن شئت الدقة قلت "مختلون عقليا"، لينتهى الحوار غالبا بخناقة وضرب، بعد أن يتخلله شتائم ساخنة واتهامات مقززة، حتي انه من ضيوفه من يروجون لداعش والقاعدة و للإلحاد .

ونكشف في حلقات بالصور و الفيديو والأدلة حقيقة القاسم العاهرة التي تتحدث بالشرف العميل المزدوج لأجهزة المخابرات و الأنظمة  مابين سوريا وبريطانيا وتونس وقطر طبقا لديانته وطائفيته دروز السويداء ،وعلي نفس مباديء الجزيرة القناة العميلة القطرية الوجه و الوجه الآخر في حكايات شذوذ جنسي ونخاسة علي زوجته وعمالة لكل الأطراف .

الحلقة الأولي : فضيحة حسابات ومراسلات بأسماء وهمية  هدى جنات لتجنيد العرب و التلاعب مع الأنظمة
فضيحة مدوية نكشفها علي شاكلة فضيحة كشف هوية المغردة "عفراء عبد الله" التي تعمدت الإساءة للإمارات منذ سنوات عدة متخفية عبر موقع التواصل الاجتماعي " تويتر" بحساب يحمل اسم أحرار الإمارات، وتمكن النشطاء من اختراق حساب المدعوة "عفراء" والوصول إلى رسائلها التي أظهرت أنها في الحقيقة، رئيس الديوان الأميري السابق في قطر خالد بن شاهين الغانم، الذي لم ينكر ذلك فور افتضاح هويته الحقيقية، معلنًا الولاء لنظام تميم.

 يتداول علي صفحات موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" حساب باسم  د. هدى جنات ينشر تدوينات و يتابعها عدد كبير من الشخصيات العربية ومنهم البارز والقواد في بلادهم ووسائل الإعلام وينشرون عنها الأخبار ونعترف بأن الجريدة كانت احدي هذه الضحايا حتى كشف أمرها ،وقد كتب علي الحساب ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏الدكتورة هدى جنات إعلامية سابقة في صحيفة الغارديان البريطانية حسابي الجديد على التويتر بعد حظر حسابي القديم هنا الخبر خالي من مشتقات النفط و الغاز، ولنفس الشخصية حساب آخر علي موقع التواصل "فيس بوك"

 

الجمعة، 21 أغسطس 2020

أغرقت سفينتا أم بعد!!-د. هزار الأحمر*

 يتساءل معظمنا ما هو عمل الآثاريين؟ ماهي مهمة العاملين في الشأن الثقافي؟ يتندر الكثيرون منّا حول أسئلة الناس عن عملنا وبماذا نقضي الساعات الطوال من أيامنا. فمن منّا لم يلتقِ بصديق جديد أو بقريب وتهرّب من الجواب على سؤاله: لماذا ندرس الآثار وبمَ يعود علينا هذا العمل الصعب المغبّر؟ قد يعتقد الكثيرون أنه سؤال رجعي ينّم عن جهل، أما خجلنا وتهرّبنا والصعوبة التي نجدها في الإجابة ببساطة فيدل على أنه سؤال في الصميم. يسأل العقل الجمعي وبداهة الإنسان ووعيه أسئلة جوهرية تضعنا وجهاً لوجه أمام ماهيتنا وسبب وجودنا وشغفنا بالحياة.

غالباً ما ينتهي اللقاء بعودة الاثنين إلى حياتهما دون تغيير ما كانت عليه صورة كل منهما في ذهن الآخر قبل اللقاء. لقد التقيا ولكنهما لم يتواصلا أو يتفاعلا مع بعضهما البعض. لم تتغير صورة كل منهما في ذهن الآخر، الأولى صورة من يعمل في مجال الثقافة، أشعث الشعر، المنفصل عن الواقع والمتوحد في كتبه وأسئلته الوجودية. والثانية صورة الانسان البعيد عن الأجواء (الثقافية!) صورة سلبية غير حداثية وغير مثقفة. ليذكّرنا هذا الموقف بتعاليم الرواقية التي تقول، “لا شيء حسن يمكن أن يخرج من أجزاء غير مترابطة متقطعة.”

متى حدث هذا الانفصال وغياب المفاهيم والوضوح في المجتمع السوري؟ أوَ لسنا نحن من كان فلاسفتنا الرواقيين أول من عملوا وأسسوا لنظام فلسفي مترابط، ترتبط فيها علوم المنطق والأخلاق والفيزياء وفق نظام عضوي متبادل الأدوار ومتساوي الدرجات. تتآلف فيه وتترابط أقل التفاصيل مع العقائد الرئيسية بسلسلة متواصلة وغير قابلة للانفكاك.

ما الحل؟ وكيف لكل من هاتين الشخصيتين التكامل مع بعضهما البعض. كيف يمكن لمن درس وحدّد عناصر الشخصية السورية المبدعة عبر التاريخ أن يعود لواقعه ويتواصل ويتكامل مع من يمتلك حالياً في حياته وأرضه وأغانيه ورقصاته وجيناته آثاراً واضحة غير قابلة للجدال من الشخصية السورية المبدعة؟ كيف لنا أن ننهي هذا الإنفصال وتقطيع أشلاء الجسد الواحد!

لنستطيع اقتراح حلٍّ لا بد من دراسة الواقعين العلمي والمجتمعي. وفي المقاربة الأولى للموضوع يمكننا القول إن الواقع الثقافي يفتقد للمنهجية العلمية كما يشكل غياب الرؤية الواضحة والخطط والاستراتيجيات اللازمة لتحقيق الأهداف، سماته الرئيسية. فالآثار والتاريخ والأحداث والفعاليات الثقافية تتم وتُدرس وفق أهواء دينية أو سياسية أو شخصية. حتى الواقع العلمي مشرذم ومتعدّدة مدارسه والمنهجيات التي يستخدمها الباحثون (كل بحسب بلد دراساته العليا). فلم يحصل أن تجمع عدد من الباحثين لوضع منهج علمي مشرقي خاص تُدرس من خلاله حقبة زمنية ما. وتبقى المعضلة الرئيسية هي في غياب الجدوى المجتمعية الكاملة من هذه الدراسات نظراً لانفصال الباحثين عن واقعهم ومجتمعهم في غالب الأحيان حتى لا نعمم تعميماً جائراً.

أما من يمتلك عناصر المستقبل من الشخصية السورية، فإنه إما فقد إيمانه بنفسه وأرضه ومستقبله وهويته ومؤسساته، صار مثاله الأعلى غربيا، وحلمه الهجرة. أو يعيش بفطرته السورية حاملاً همومه المعيشية اليومية التي لا تسمح له بالتفكير بشيء آخر، متأثراً بما يعرض عليه من تشويه بصري سمعي ثقافي مدروس وموّجه. بالطبع دراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي هي أيضاً تحتاج إلى مؤسسات ومنهجيات علمية لتحليله واستخلاص العبر. فلا تكفي هذه النظرة السريعة لاستبيان كل تفاصيله.

هذه النظرة السريعة تسمح لنا بتحديد موقعنا أفراداً وجماعات على سلم العلم. فإذا اتبعنا فلسفة الرواقيين التي تقول إن العقل يبدأ كصفحة بيضاء عليها كل المعلومات والمفاهيم التي تؤلف العقل وتدعى هذه المرحلة تكوين العقل الراشد، وعندما تنتقل هذه المفاهيم لتصبح مفاهيم مدركة بوضوح ومطابقة للحقيقة، تنتقل بذلك إلى مرحلة نظام العلم، ندرك أننا أفراداً ومجتمعاً ما زلنا في بداية مرحلة العقل الراشد. وندرك أيضا أننا نحاول امتلاك معلومات ومفاهيم دون روابط حقيقية بينها ودون إدراك واضح للعلاقات فيما بينها وللنتائج التي نريد تحقيقها من خلالها. ومن هنا نفهم الانفصال حتى التنافر أحياناً بين الأفراد والمؤسسات والجهات العامة والمجتمعية المتنوعة.

حالنا هذه لم تتغير بعد حوالي القرن من تحديد الفيلسوف أنطون سعاده لعناصر الشخصية والهوية السورية وتأسيس نموذج مؤسساتي يخرجنا من التخبط والفوضى إلى النظام والوضوح. فهل نبقى مكتوفي الأيدي بانتظار أعجوبة ما؟

أما آن لنا أن نسأل سؤالاً مشتركاً يحملنا إلى غد أفضل: كيف يمكن لنا أن نؤسس لمستقبل أفضل بسبب ما فينا مما أُنتج في الماضي وبقيت آثاره في الشخصية السورية والبيئة والآثار. كيف يأخذ الآثاري والعامل في الشأن الثقافي دوره الفعّال والإيجابي؟ يمكن اقتراح حل على مستويين متوازيين غير منفصلين: الأول توثيق ونشر المعلومة الأثرية والتاريخية بطريقة مبسطة وعلمية متاحة للجميع فنكون حققنا توعيةً على مستوى تكوين العقل الراشد ومفاهيمه. الثاني هو تشكيل نماذج نجاح مصغرة في المتحدات الأصغر من عائلة وقرية وحي. نبدع فيها ونجدد ونفعّل اقتصادياً ومجتمعياً عناصر من الشخصية السورية بطريقة جديدة علمية وبسيطة ومبتكرة. فنكون حققنا عملاً على مستوى تحويل المعلومات لمفاهيم مدركة ومطابقة للحقيقة. يمكننا تعداد نماذج نجاح مصغرة مؤسسة على مبادرات علمية فردية بدأت تأخذ دورها في السنوات الأخيرة.

نقول مع زينون المَنْسي مؤسس الرواقية : (سعادة الملاحة كان غرقي)، في إشارة لكون غرق سفينته التجارية المحملة بالبضائع الحدث الرئيسي الذي تفرغ من بعده أكثر للفلسفة. أو ولم تغرق سفينتا وبتنا بحاجة لتخصيص وقت لفلسفتنا وبناء حياتنا السورية التي نريد.

* هزار الأحمر، دكتوراه في علم الإنسان (Anthropology) من جامعة Nanterre في باريس. تعمل كباحثة في دائرة المعارف السورية لعلم الانسان، كما عملت كأستاذ محاضر في “معهد علوم الانسان. تقول عن الباحث في علم الإنسان ما يلي: “إنه شخص يعرف الماضي ويعمل في الحاضر لرسم المستقبل.”

الخميس، 20 أغسطس 2020

سيناريوات اللاحل في لبنان أحمد اصفهاني

 سيناريوات اللاحل في لبنان

يبدو أنه لن يُقيّض للكيان اللبناني أن يحتفل بالذكرى المئوية لإقدام المستعمر الفرنسي على إعلان “دولة لبنان الكبير”، بعدما ارتكب المندوب السامي الفرنسي هنري غورو جرائمه العسكرية في ميسلون ثم في دمشق. فلبنان اليوم في أزمة، والأصح أنه كان دائماً في أزمة منذ ولادته القيصرية… غير أنها مُندلعة هذه المرّة من دون أمل، حتى ولو بملمح وحيد لحل يلوح في الأفق المدلهّم.

علينا في البداية أن نضع النقاط على الحروف لتبيان الحقائق الدامغة التي يحاول بعض الأطراف اللبنانية تجنب الإقرار بها، إما تهرباً أو جهلاً… والأرجح تواطؤاً:

أولاً ـ لبنان الصيغة، لبنان “الدولة الوظيفة” لم يعد لوجوده مبررات يمكن أن تمد في حياته على المدى المنظور.

ثانياً ـ القوى السياسية اللبنانية عاجزة عن اتخاذ أية خطوة يمكن أن تُخرج اللبنانيين من المستنقع الراكد. بل من المؤكد أن هذه القوى هي سبب الأزمة في الأساس.

ثالثاً ـ دعوات “الحياد” كذبة فاقعة قد تنطلي فقط على المواطنين المخدوعين الذين لم يخرجوا بعد من عقلية “القطيع الطائفي”. لبنان النأي بالنفس أضعف من أن ينأى عن المشاريع التي تستهدفه.

رابعاً ـ التدخل الخارجي كشف عن وجهه الفعلي، وبات يتحرك علناً بذرائع شتى ولغايات شتى.

خامساً ـ الإطار العربي (التضامن العربي من خلال جامعة الدول العربية) انتهى إلى غير رجعة. فغالبية الدول في العالم العربي أصبحت مجرد تابع خانع للإرادات الأجنبية المختلفة.

سادساً ـ أزمة لبنان المستجدة مرتبطة جدلياً بالمخطط الأميركي البعيد المدى لمنطقة “الشرق الأدنى”. وليست “صفقة القرن” سوى أحد المظاهر ذات الدلالات المُقلقة، والتي ستترك تداعيات اجتماعية وديموغرافية جذرية في لبنان على وجه الخصوص.

إذن، كيف يمكن إخراج لبنان من هذه الأزمة الاستثنائية؟ بل هل بالإمكان إخراجه سالماً منها؟

فلنتناول السيناريوات والاحتمالات واحداً واحداً، فنبدأ بالسياسيين المحليين.

القوى اللبنانية، المسؤولة عمّا آلت إليه الأوضاع، تجري الآن “مشاورات” من أجل التوافق على الحد الأدنى من حل داخلي يكفي لضبط الأمور وإيقاف سلسلة الانهيارات المتسارعة. طبعاً توجد تدخلات وضغوطات إقليمية ودولية مكشوفة، وهذا ما يزيد من صعوبة المعضلات المتراكمة. والمؤشرات الأولى للحراك الداخلي لا تبشر بالخير، فالتجاذب المحلي والاستقطابات الحادة ورّطت الجميع. ومع ذلك يمكن تصور احتمالين: الأول، استمرار “المفاوضات” من غير أن يتوصل الأفرقاء إلى نتيجة فتواظب الحكومة المستقيلة على تصريف الأعمال إلى أن يظهر الدخان الأبيض من مكان ما في العالم! والثاني، تشكيل حكومة بالتي هي أحسن بعقلية “التنافق الوطني”… وهذان الاحتمالان يمثلان رغبة بترحيل الأزمة إلى وقت آخر، ريثما تكون الملفات الأخرى قد نضجت لفرض الحل على اللبنانيين.

في حال فشل السيناريو المذكور بالفقرة السابقة، وارتأت القوى الخارجية المؤثرة أنه من الضروري بهذه المرحلة إيجاد تسوية مهما كانت طبيعتها، فهذا يعني الانتقال إلى أسلوب “مساعدة” الطبقة السياسية اللبنانية للتوصل إلى حل. ولن تكون هذ المرّة الأولى التي يقدم الخارج فيها “مساعدة” لترتيب تسوية على المقياس اللبناني: اتفاق مصري ـ أميركي أنهى “صيف الدم 1958”. تفاهم شامي ـ أميركي أدخل “قوات الردع العربية” إلى لبنان لإيقاف الحرب الأهلية سنة 1976… وعندنا أيضاً “اتفاق الطائف”، و”اتفاق الدوحة”… إلخ.

وبما أن الإطار العربي صار في ذمة التاريخ، وحجز لنفسه مكاناً مريحاً في الذاكرة المتحفية… فإن أي مسعى للتسوية هذه المرّة لن يكون إلا بنكهة غير عربية. وما تحركات الرئيس الفرنسي ماكرون سوى خطوة منسّقة في هذا المنحى. وفي المحصّلة النهائية، في حال عُقد اجتماع أو مؤتمر دولي لدرس أزمة لبنان، فإن الحل الذي يتم التوصل إليه سيفرض على اللبنانيين بالإقناع أو بالقوة.

هذا السيناريو يتضمن بذور حرب داخلية. فلنتذكر أن “اتفاق الطائف” لم يحظ بقبول كل اللبنانيين، ما أدى إلى معارك شرسة بين القابلين والرافضين. وقد انتصر مؤيدو الاتفاق بعدما تدخل الجيش الشامي بتغطية إقليمية ودولية. وربما يحدث الشيء نفسه إذا نجح الغرب الأوروبي ـ الأميركي في صياغة تفاهم إحادي الجانب، يكون على حساب المصالح الحيوية لقوى أخرى، إقليمياً ودولياً!

حتى الآن هناك مشاورات واتصالات لفكفكة العقد بالتدريج. الغرب يريد التدخل، لكنه يواجه رفضاً حازماً من قوى لبنانية وازنة. لذلك قد يلجأ إلى توتير الأوضاع الداخلية، فيتخذ أعمال العنف ذريعة للنزول إلى الساحة اللبنانية تحت شعار “المساعدة الإنسانية”. ولا يمكننا استبعاد هذا التصرف، فالجيش الأميركي (ومعه قوات أطلسية) يحتل مناطق شاسعة عند الحدود الشامية ـ العراقية من دون أي مسوغ قانوني. ولن تتردد واشنطن في تنفيذ خطة مماثلة على الأراضي اللبنانية إذا استدعت الحاجة… بدعم أطلسي كالعادة.

الكيان اللبناني اليوم أمام مرحلة تاريخية فاصلة، ويواجه خيارات أحلاها مرّ:

الاستمرار في النهج الحالي، وبالتالي تأجيل الأزمات التي ستعاود الانفجار دورياً.
التدخل الأجنبي السياسي والاقتصادي، ثم الانتقال إلى العمل العسكري المباشر (الاحتلال).
مثل هذا التدخل سيؤدي حكماً إلى صراعات ومواجهات بين اللبنانيين أنفسهم، وبين الرافضين منهم والقوى الأجنبية.
ونظراً إلى الاستقطاب الطائفي الحاد، فإن وجود العنصر الأجنبي قد يفتح شهية البعض للتقسيم من بوابة “الحماية الإنسانية” (ألم يفعل الأميركيون ذلك في شمال العراق، ويفعلونه حالياً في شمال شرق الشام؟)
وبهذا يكون لبنان “الدولة الوظيفة” قد أنجز دوره، وقد حان وقته لتغيير وظيفته، والبدء بدور جديد مرسوم في “صفقة القرن”… وعلى وجه التحديد من ضمن مشاريع التوطين.
هذه هي السيناريوات المحتملة، وهذه هي المخططات. وربما تطرأ تطورات ليست في الحسبان، فتتغير التفاصيل وتتبدل المواقيت. لكن الثابت المؤكد أن الكيان اللبناني الذي عاش مائة سنة قد دخل مرحلة النزع الأخير. واللبنانيون يترقبون بقلق شديد حالة الاحتضار، وفي الوقت ذاته يتطلعون بأمل مشوب بالحذر إلى مخاض الولادة الجديدة!

أحمد اصفهاني

الخميس، 13 أغسطس 2020

“الدولة ـ الوظيفة” أحمد اصفهاني

 يعرّف أنطون سعاده، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه، الدولة بأنها “أجدر الشؤون والمظاهر الثقافية تمثيلاً للحياة العقلية التي هي من خصائص الاجتماع الإنساني، حتى ليمكن القول إن الثقافة الإنسانية والدولة صنوان”. (كتاب “نشوء الأمم” في الجزء الثالث من “الأعمال الكاملة”، صفحة 73). والمقصود بذلك أن مفهوم الدولة لا يستقيم إلا إذا حدث تطور تدريجي في ثقافة المجتمع، وصولاً إلى حصول الوعي بالمصالح الحيوية للجماعات. فتتبلور عندئذ إرادة عامة تلتف حول ضرورة الالتزام بترتيبات تدير تلك المصالح وترعاها. وهكذا تقوم الدولة.

وإذا كان مفهوم الدولة الحديثة في أوروبا قد وُلد بعد مخاضات عنيفة من الحروب الأهلية والدينية على مدى عقود، فإن طبيعة الدولة وقوانينها وآلياتها لم تصبح ناجزة وثابتة إلا بعد تجارب مريرة مرّت بها الشعوب الأوروبية، خصوصاً كوارث الحربين العالميتين الأولى والثانية. وغالباً ما ترافق ذلك مع تطورات اجتماعية واقتصادية جذرية، بحيث أن تفاصيل “العقد الاجتماعي” بين الشعب والدولة تغيّرت حسب المستجدات، أو على الأقل حملت قابلية للتغيير عندما تستدعي حاجات المجتمع مثل تلك الخطوات.

أما سورية الطبيعية (والعالم العربي بشكل عام)، فقد أخرجتها الحرب العالمية الأولى من قيود الحكم العثماني البربري المتخلف لترمي بها منهكة دامية بين براثن الاستعمار الأوروبي الوحشي المتحضر. فعلى مدى أربعة قرون من الهيمنة التركية، تم تدمير كل المؤسسات الشعبية بشكل منهجي. ولم تسلم من أيدي العثمانيين سوى بعض الأنماط الدينية أو العائلية التي وصفها سعاده بأنها “المؤسسات اللاقومية” أو “المؤسسات الاجتماعية العتيقة”. إن مجتمعات على هذه الوضعية ستكون عاجزة عن تطوير إرادة واحدة لإنشاء دولة. يُضاف إلى ذلك أن الاستعمار الفرنسي البريطاني لم يترك سلاحاً إلا واستخدمه لتعزيز الانقسامات الداخلية، وإثارة الغرائز الطائفية والعرقية.

في مقالي السابق “دولة بلا إرادة“، أوضحتُ أهمية عامل الإرادة الشعبية في قيام الدولة الحديثة واستمرارها. وذكرت أنه لا حياة لمثل هذه الدولة إلا بالإرادة الموحدة للشعب في المجتمع المعني. ثم قارنت بين نشوء الدول في أوروبا وفق مفاهيم معينة وبين فرض الإرادة الاستعمارية عنوة عندما أقدمت فرنسا وبريطانيا على “خلق” كيانات عدة في الهلال السوري الخصيب. ولأن القوى الاستعمارية تجاهلت تماماً إرادة أبناء البلاد الأصليين، ولأن الحكام المحليين الرجعيين عملوا كل ما في استطاعتهم لعرقلة نمو الشعور بوحدة المجتمع وواجبات المواطنية… فقد بلغت غالبية كيانات الأمة في نهاية المطاف تصنيف “الدولة الفاشلة”.

وثمة سؤال ملح يفرض نفسه علينا في أعقاب تحميل باريس ولندن مغبة ما آلت إليه الأمور في أمتنا والعالم العربي: هل كانت الدولتان الاستعماريتان الكبريان آنذاك تجهلان ما يمكن أن ينجم عن إنشاء “دول” على أساس الانتماءات الدينية والطائفية والعرقية في مجتمع مختلط، فسيفسائي شديد التعقيد، كما هي حال المجتمع السوري الخارج من عصور ظلامية قضى العثمانيون خلالها على أي نشاط تنويري؟ وبالتالي، كيف لهذا المجتمع الغارق في مستنقعات الجمود والانحطاط أن يستوعب متطلبات قيام “الدولة” بوصفها وطناً لكل المواطنين وليست ملكاً مطوباً لهذه الطائفة “المميزة” أو تلك؟

الجواب هو أن فرنسا وبريطانيا كانتا تعلمان بدقة تامة ما تقومان به في الوطن السوري، وتدركان الغاية من تلك الخطوات التقسيمية، وتستشرفان النتائج الكارثية التي سيقع وزرها على أبناء البلاد. فهؤلاء سيجدون أنفسهم في “دولة” لا إرادة لهم فيها، أو أن قسماً منهم فقط هم الذين أرادوها. والنتيجة نشوب مواجهات داخلية، لا تكاد واحدة منها تنتهي حتى تندلع أخرى… وهكذا في دائرة من العنف العبثي الذي لا تبدو في الأفق خاتمة له! إن اتفاقية سايكس ـ بيكو الفرنسية البريطانية لتجزئة سورية، تمهيداً لإنشاء “دويلات” مستقلة، هي جزء محوري من مخطط معد سلفاً له أهداف مرتبطة بالمصالح الاستعمارية البعيدة المدى.

“الدولة” أو “الدول” التي نشأت بإرادات خارجية، ورغماً عن إرادة السكان المحليين، هي هيئة غائية تخدم مشاريع مرتبطة بمصالح الخارج. إنها “الدولة الوظيفة” التي تنشئها الدول الكبرى وترعاها كجزء من استراتيجية السيطرة على مقدرات الشعوب ومصائرها. وهذه الدول متناثرة في أنحاء العالم، حيثما كان للقوى الاستعمارية مصالح حيوية. هونغ كونغ كانت نموذجاً صارخاً، الوظيفة المنوطة بها مركز مالي تجاري وقاعدة استعمارية لمواجهة الصين. إمارة موناكو تُصنّف وظيفياً أيضاً، ملعب الأغنياء وملاذ التهرب الضريبي. حتى سويسرا (إلى حد ما) تلعب هذا الدور بالنسبة إلى أوروبا والعالم، وقد حماها “حيادها” المعلن خلال الحرب العالمية الثانية لأنها توفر “الخدمات المصرفية” التي يحتاجها الأعداء المتحاربون!

وبالعودة إلى هلالنا السوري الخصيب، فإن اتفاقية سايكس ـ بيكو وبعدها وعد بلفور مهدّا الطريق لقيام مجموعة من الدول الوظيفية. فلسطين “وطن قومي لليهود”، من ضمن دويلات دينية وطائفية مختلفة. وتكون في الوقت نفسه قاعدة متقدمة للمصالح الاستعمارية في الشرقين الأدنى والأوسط. إمارة شرق الأردن موقع حيوي عند خليج العقبة يتيح لبريطانيا السيطرة على جزء أساسي من خطوط الملاحة في البحر الأحمر، إضافة إلى قدرة الإمارة على استيعاب المهجّرين من فلسطين. أما لبنان، فقد أراده المستعمر الفرنسي ومعه بعض الإكليروس الماروني “وطناً قومياً للنصارى”. ويُنسب إلى البطريرك أنطوان عريضة (1863 ـ 1955) قوله: “نصارى الشرق يطالبون بأن يكون لهم وطن قومي مسيحي، وهذا الوطن هو لبنان”. (نقلاً عن كتيب صدر سنة 1979 بمناسبة ذكرى وفاة المؤرخ محمد جميل بيهم).

ونشهد منذ سنوات محاولات لإنتاج دويلات وظيفية، بعضها نجح وبعضها لا يزال تحت المجهر. نذكر منها كوسوفو في جمهورية الصرب، و”غزة ـ أريحا” في فلسطين، وكردستان العراق… وغيرها، حيثما تلتقي المصالح الخارجية مع النزعات التفتيتية المحلية. لكن القاعدة العامة التي تخضع لها “الدولة الوظيفة” هي أن مصيرها معلق بالغاية التي لأجلها أنشأت في الأساس. فعندما تنتفي الحاجة الوظيفية تنتفي تلقائياً مبررات الاستمرار. ولعل الأزمات المصيرية التي تعصف ببعض كياناتنا السورية مردها إلى تغيّر في الأدوار المرسومة. والحل في هذه الحالة، إما غاية وظيفية جديدة أو الإحالة إلى التقاعد… والمخاض في العادة سيكون عسيراً جداً.

 

الخميس، 6 أغسطس 2020

“كوشيم” السومري – أقدم إسم مكتوب في التاريخ

“كوشيم” السومري – أقدم إسم مكتوب في التاريخ

 حققت “دار بلومزبري للمزادات” في لندن رقماً قياسياً بلغ 140 ألف جنيه إسترليني ثمناً للوح طيني سومري عُرض للبيع في الثامن من تموز الماضي. ولم يكن اللوح المربع الشكل، طول ضلعه سبعة سنتيمترات، من تلك اللقى المعتادة التي يتم الكشف عنها بالمئات وبالألوف خلال التنقيبات الأثرية في العراق والشام… إنما هو يمتاز عنها كلها بخصائص جعلته يُحقق ذلك الرقم القياسي، علماً بأن تقديرات الدار توقعت سعراً يتراوح بين 70 و90 ألف جنيه.

رقيم كوشيم

رقيم كوشيم

إذن ما هي ميزة هذا اللوح الذي عُثر عليه بتاريخ غير محدد بين أطلال مدينة أوروك السومرية (حالياً الوركاء في جنوب العراق)، ويعود إلى العام 3100 قبل الميلاد؟

القراءة الأولية للنقش المسماري على اللوح تشير إلى أنه عبارة عن تسجيل لعملية إنتاج البيرة والاتجار بها في مدينة أوروك وضواحيها. لكن هناك ألوف الألواح الطينية التي تسجّل عمليات إنتاجية وتجارية مشابهة في مختلف المدن السومرية الواقعة إلى الجنوب من وادي الرافدين. إلا أن هذا اللوح بالذات يمتاز بأنه يحمل اسم الكاتب السومري الذي سجّل النص: “كوشيم”… أي أننا أمام أقدم اسم علم معروف ومكتوب في التاريخ البشري حتى الآن!

قبل خمسة آلاف سنة تقريباً، كانت أوروك أكبر مدينة ـ دولة في العالم، ويتراوح عدد سكانها ما بين 50 و80 ألف نسمة. ونظراً إلى التطور الاجتماعي والاقتصادي المرتبط بالحياة المدينية، إستنبط السومريون نظاماً كتابياً (تصويرياً ومقطعياً في المرحلة الأولى) من أجل تنظيم السجلات الرسمية للدولة وحفظها في المعبد المخصص للربة إينانا.

يحمل اللوح نقوشاً تصويرية مقطعية تمثل الشعير، ومخمرة الانتاج، وجرة ترمز إلى الخزن والتوزيع. أما النقاط الغائرة فتعطي أرقام الكميات المُنتجة والفترات الزمنية لتسليمها. وفي الجهة العليا من اليسار قرأ علماء السومريات المقطعين: “كو” و”شيم”. وهم يعتقدون بأنه اسم الناسخ الذي “كتب” المعلومات المذكورة على اللوح، وبالتالي يكون أول توقيع لاسم شخص معروف في التاريخ. وقد تبيّن أيضاً أن هناك 77 لوحاً عُثر عليها في معبد إينانا، كلها بخط “كوشيم”. وهي موزعة في عدد من المتاحف والمؤسسات الجامعية… باستثناء هذا اللوح الذي كان ملكية خاصة قبل بيعه بالمزاد العلني.

مدينة أوروك – العراق

 وحسب معلومات “دار بلومزبري للمزادات”، فإن اللوح كان ضمن مقتنيات جامع التحف السويسري هانس أرلنماير وزوجته ماري لويز بمدينة بازل. وآخر مرّة عُرض للبيع سنة 1988 في “دار كريستي” وحقق مبلغ 24300 جنيه إسترليني. وحينها لم يكن خبراء النقوش السومرية قد فكوا معنى الرموز “المكتوبة”. وفي العام 1993 إشترى رجل الأعمال النرويجي مارتن شويان اللوح من تاجر عاديات في لندن، وهو الذي طرحه للبيع مع مخطوطات أخرى تحت عنوان “تاريخ الخطوط الغربية: مختارات من مجموعة شويان”.

 لكن اللوح ليس غربياً… اللهم إلا إذا كان المقصود القول بأن الخطوط المستعملة في الغرب تعود في أصولها إلى تلك الألواح الطينية المنقوشة بالحرف المسماري، ومنها تفرعت كل الخطوط في حضارات العالم القديم.

 

الثلاثاء، 4 أغسطس 2020

زينون الرواقي الفينيقي


الذي يعرف بالمنطق الرمزي أو منطق الرياضيات
نبدأ بشهادة الفيلسوف الأميركي المعاصر ألان دوناغان الذي أكّد بالحرف الواحد "أن الرواقيين، وليس أرسطو ولا أفلاطون، كان لهم الفضل بوضع أول تعريف واضح ومعقول للأخلاق بمبدأهم العالمي
فمن هو زينون الرواقي الفينيقي وما هو المبدأ العالمي الذي وضعه وحمله تلاميذه اللاحقون فيما بعد
وهل كان الفيلسوف الألماني الكبير كانط أحدهم في القرن الثامن عشر
زينون الرواقي الفينيقي فيلسوف عاش في القرن الرابع والقرن الثالث قبل الميلاد (335 - 264 ق.م.)، بعد فلاسفة اليونان المعروفين: سقراط وأفلاطون و أرسطوطاليس. وهو من كتيوم في قبرص وأصل عائلته من فينيقيا، من صور من لبنان القديم. بعد أن استقرت عائلته في قبرص، ذهب إلى أثينا ليعلّم شبانها حكمته الجديدة. وقد عرفت تلك الحكمة، في تاريخ الفلسفة، بالفلسفة الرواقية ذلك لأنه كان يعلمها لتلاميذه في رواق . والرواق، كان عبارة عن ممرّ مسقوف ومحاط بصفين متوازيين من الأعمدة
كان زينون قد رفض لقب المواطن الأثيني آي من سكان أثينا و أصر على لقبه الفينيقي فاحترم الأثينيون إرادته بعد موته وكرموه بقبر وتاج من ذهب

الجمعة، 31 يوليو 2020

قبيلة الكناغرة- وفوضى المفاهيم أحمد اصفهاني

هل سبق لك أيها القارئ العزيز أن تابعت كيف ينتقل حيوان الكنغارو الأسترالي من النقطة (أ) حيث يقف إلى النقطة (ب) حيث يوجد طعامه؟
بدلاً من أن تسرع إلى “غوغل” بحثاً عن جواب لهذا السؤال الفضولي، دعني أوفّر عليك الوقت والجهد. إنه ينط نطاً ولا يسير سيراً. لا يلتزم الخط المستقيم المؤدي إلى هدفه، إنما ينط من النقطة (أ) إلى النقطة (ج) ثم إلى النقطة (ر)، وبعدها يرجع إلى النقطة (أ). وأخيراً بعد لف ودوران ونطنطة عشوائية، يصل في نهاية الأمر إلى غايته المنشودة عند النقطة (ب).
ليس هذا التصرف مستهجناً عند الكنغارو، فذلك جزء من غريزته الحيوانية. لكن الغريب والمستغرب أن نقرأ لكتّاب يزحمون وسائل التواصل الاجتماعي بنطنطات فكرية لا نعرف أين تبتدئ وأين تنتهي، وما هو المقصود منها! وقد أطلقتُ على هؤلاء لقب “قبيلة الكناغرة” (على وزن مفاعلة، وهو تصريف لغوي صحيح).
أحد أبناء القبيلة الميامين كتب قبل مدة، والأصح نطنط بطريقة حرّكت مشاعري وأثارت حماستي للتعليق، لعل وعسى يحصل الإدراك بأن أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم.
نحن نؤمن بالفكر القومي الاجتماعي، ولذلك نستخدم مفردات خاصة بنا عندما نريد أن نعبّر عن مفاهيمنا المحددة. ولا نفعل ذلك لأننا نرغب في مخالفة الآخرين أو التمايز عنهم… أو حتى الأستذة عليهم. أبداً قطعاً بتاتاً. للمفردات في قاموسنا القومي قيمة معرفية دقيقة، لأننا نعتقد بأن التعيين شرط الوضوح. كما أن المفردة بحد ذاتها تحمل مضموناً يتجاوز المعنى اللغوي الحرفي. فما كانت القبائل النازحة من شبه الجزيرة العربية، على سبيل المثال، لتجد عبارة أدق من “الهلال الخصيب” لوصف الطبيعة المعطاء مقارنة بالصحارى الجرداء التي نزحوا منها. فالكلمتان البسيطتان تستوعبان أبعاداً جغرافية واقتصادية واجتماعية تمثل هوية قاطني “الهلال” وهوية المتطلعين للنزوح إليه.
وفي معظم الأحيان، تكتنه المفردات قيماً اجتماعية تاريخية، وسياسية طبعاً. الضفة الغربية أم يهوذا والسامرة؟ الخليج العربي أم الخليج الفارسي؟ لواء الإسكندرون أم محافظة هاتاي؟ ولسنا وحيدين في هذا المركب الخشن: أيرلندا الشمالية أم مقاطعة آلستر؟ جزر المالفيناس أم جزر الفوكلاند؟ إقليم الباسك الفرنسي أم إيبارالد؟ وغيرها كثير. ولكل مفردة منها تاريخ موغل في القدم ومعمّد بالدم، تاركاً بصمات غائرة في وجدان كل اللاعبين فوق تلك المساحة الجغرافية.
فلسطين بالنسبة إلينا هي جنوب سورية، وننادي الجمهورية السورية باسم الشام. أما لبنان فهو “الكيان” الذي خلقه الحنرال غورو الاستعماري قبل مئة سنة بالتمام والكمال، وألبسه حلة دستورية طائفية فضفاضة. ولم تستطع كل عمليات الترقيع اللاحقة على مدى قرن من الزمن أن تخفي حقيقة أن “لبنان غورو” دولة فاشلة منذ لحظة ولادته.
نقول “الكيان” لأن لبنان خُلق بطريقة التلقيح الاصطناعي، وولد قيصرياً بصراع فرنسي ـ إنكليزي. وأريد له أن يكون ملاذاً طائفياً يبرر الملاذات الطائفية الأخرى. هل نسينا الخطط الفرنسية لدويلات الدروز والعلويين والسنة… ناهيك عن الملاذ اليهودي في فلسطين؟
قولنا “الكيان اللبناني” لا يُقصد به الإساءة إلى “الكيان” أو “الدولة”. كان سعاده واضحاً إلى أبعد الحدود عندما أعلن في خطاب عودته إلى الوطن سنة 1947 “إن الكيان اللبناني هو وقف على إرادة الشعب اللبناني. وقد أثبت الحزب في جميع مواقفه أنه يضع إرادة الشعب فوق كل اعتبار في هذا الصدد”. ونحن جزء أصيل من هذا الشعب.
مفردة “الكيان” تعبّر لنا عن مفهوم سياسي نشأ مع إعلان دولة “لبنان الكبير”، ولا علاقة لها بشعور المواطنية والانتماء الوطني الحقيقي الذي يخفق في صدور القوميين تجاه كل كيانات الأمة. أردنا أن يكون لبنان “دائرة ضمان لينطلق الفكر منها يعمّم الإخاء في الأمة”. في حين أن الذين انتفخت أوداجهم وهم يرددون شعارات رنانة عن لبنان الأبدي السرمدي الأزلي، هم أنفسهم الذين انتفخت جيوبهم وحساباتهم على حساب تعب المواطن وعرقه ودمه.
الذين أعمتهم العصبية الطائفية هم أعداء لبنان. القادة السياسيون يوغلون في إثارة الحزازات والنعرات، لإشغال الناس بها، بينما هم منهمكون في نهب ثروات البلد وتحويل “الكيان” إلى دولة فاشلة. إن سقوط الدولة والمجتمع في لبنان لا علاقة له باستخدام مفردات بعينها. فهذه المزاعم هي حرف للأنظار عن الأسباب الحقيقة. إن شعبنا، ونخص المثقفين بالتحديد، يتحمل مسؤولية كبيرة عن هذا الفشل وهذا السقوط.
تمعنّوا في هذه العبارة التي كتبها سعاده في تشرين الثاني سنة 1937: “وقد اعتاد الشعب هذه المحاكاة وهذا الميعان، حتى فقد كل ثقة بنفسه، وفقد كل فكر مستقل وكل حرية في التصرف. وهذا هو السبب في قبول الناس الأكاذيب التي ولدّها المغرضون ليطعنوا بها الحزب السوري القومي. فقبلت كرامتهم القومية هذه التهمة الباطلة قبولها الشيء العادي المؤيد بالعرف. ولم يجدوا في الأمر ما يستدعي أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث فيه ودرس أسسه التي نشأ عليها والعوامل القومية التي استمد منها حيويته ونظامه”.
ترى لو أعطي المواطن اللبناني الخيار بين واقع الدولة الفاسدة الفاشلة وبين “كيان” يكون نطاق ضمان للفكر الحر، فماذا يكون الخيار؟
أنا متأكد من شيء وحيد حتى الآن: قبيلة الكناغرة التي لا تدري ما هو الخط المستقيم، ستظل تنطنط على غير هدى إلى ما شاء ا

الجمعة، 24 يوليو 2020

إخراج جورج عبد المسيح من الشام: روايات روايات… فأين الحقيقة؟

تعتمد كتابة التاريخ المعاصر على مصدرين أساسيين: الوثائق المرتبطة بالحدث والتي يتم الكشف عنها بشكل أو بآخر، ومرويات شهود العيان الذين عايشوا المرحلة وساهموا في صنع مجرياتها. والثاني من هذين المصدرين هو الأهم لأنه يأتي من أصحاب الشأن. لكن يجب التعامل معه بدقة وحذر نظراً إلى تأثره بعوامل النسيان والغرضية وما شابه ذلك من نزعات إنسانية معروفة.
الرئيس الراحل جورج عبد المسيح
فالتأريخ ليس مجرد سرد عشوائي لكل المرويات كما ترد على ألسنة المعنيين. ذلك أن من أبرز مهمات الكتابة التاريخية إخضاع السرديات للنظر النقدي، ومقارنتها بعضها إلى بعض، ثم إجراء التقاطعات بين تفاصيلها التي قد تبدو متناقضة، وصولاً إلى صيغة دقيقة مدعومة بالوثائق وبشهادات اللاعبين الأساسيين. ولا تختلف عملية تسجيل تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي كثيراً عن هذا المنهج.  بل هو بحاجة ماسة إلى المقارنة وإجراء التقاطعات لأن الشهود العيان الأحياء ما زالوا قادرين على تأكيد أو نقض المرويات المشكوك في تفاصيلها.
مناسبة هذا الكلام مادة قرأتها قبل أيام، وزعتها إلكترونياً “لجنة تاريخ الحزب“، وتتضمن رواية جديدة عن عملية إخراج رئيس الحزب الأسبق جورج عبد المسيح من الأراضي الشامية إلى لبنان في أعقاب الكارثة التي حلت بالحزب بذريعة وقوع جريمة اغتيال العقيد بالجيش الشامي عدنان المالكي في نيسان سنة 1955. وقد كتب هذه الرسالة الرفيق يوسف عبد الحق، ناقلاً معلومات والد زوجته الرفيق الراحل جبر أشتي الذي تولى إمرة المجموعة المسؤولة عن إخراج عبد المسيح إلى لبنان، ومن عناصرها أيضاً الرفيق كمال سيف الدين خال الرفيق عبد الحق. وقد سجّل هذا الأخير ما رواه له الرفيقان المشاركان في تنفيذ المهمة.
ليست رواية الرفيقين جبر أشتي وكمال سيف الدين، كما نقلها الرفيق يوسف عبد الحق، الأولى حول مسألة انتقال عبد المسيح إلى لبنان بعد حادثة المالكي. فقد نشرت “لجنة تاريخ الحزب” نبذات عدة عنها في 7 أيلول و27 أيلول وأول تشرين الثاني سنة 2017. وهي تغطي جوانب جزئية تلقي بعض الضوء على مهمة الإنقاذ تلك، لكنها تغفل كثيراً من التفاصيل الأخرى الدقيقة. ومن حسن حظنا كمؤرخين معنيين بتاريخ الحزب أننا بتنا نملك الآن مذكرات رفقاء شاركوا في عملية الانتقال بقسميها: مغادرة دمشق باتجاه الزبداني كمرحلة أولى، ثم لقاء مجموعة الرفقاء التي تولت مرافقة عبد المسيح إلى الأراضي اللبنانية.
الرفيق كمال سيف الدين
الأمين سليم سعدو سالم يروي تفاصيل المرحلة الأولى في كتابه “حان الوقت: مذكرات شاهد” الصادر في بيروت سنة 2017. لقد شارك في نقل عبد المسيح من منزل الرفيقة خالدة صالح (سعيد) بدمشق إلى الزبداني بمشاركة الرفقاء يوسف دعيبس وعبد الهادي حماد وفضل العقاد. ويذكر في الصفحة 135 أن عبد المسيح قال لهم بعد الوصول إلى تلك المنطقة “عليكم الرجوع إلى دمشق، لكن اتركوا عبد الهادي حماد معي”. والذي يهمنا في موضوعنا هذا ما حصل في تلك الليلة بعد أن عاد بقية الرفقاء إلى دمشق، إذ يضيف سالم في الصفحة 136 أن العم (وهو لقب عبد المسيح) قال لعبد الهادي “إنه يريد أن يقضي حاجة وراء تلك الصخور، وإنه سيعود بعد قليل: انتظرني ولا تتحرك من هنا حتى لا نبعد عن بعضنا”. وحسب مذكرات سالم، يبدو أن عبد المسيح انتقل إلى مكان آخر محدّد سلفاً للقاء المجموعة التي ستعبر به الحدود.
إذن أصبح عبد المسيح وحيداً في الموقع المعيّن، بينما الرفيق عبد الهادي ينتظر في مكان آخر. ونحن نعرف من مصادر عدة أن المجلس الأعلى في بيروت كان قد وضع خطة لنقل رئيس الحزب إلى لبنان، وأنه تم الاتفاق على تفاصيلها معه بطريقة سرية. وهنا نجد بين أيدينا روايتين: الأولى أوردها الأمين الراحل ديب كردية في مذكراته “قسمي… وصيتي” الصادر عن دار كتب في بيروت سنة 2007. والثانية جاءت في رسالة الرفيق يوسف عبد الحق حاملة ما ذكره الرفيق الراحل جبر أشتي. ولا بد لي من الإشارة إلى أنني أشرفت على تحرير مذكرات الأمين كردية، وسبق لي أن سمعت منه مباشرة الكثير عن نضالاته الحزبية الواردة في الكتاب.
لنقرأ ما كتبه الأمين كردية (صفحة 36): “قطعنا الكيلومترات المحددة حتى وصلنا إلى المفرق ونزلنا بعد 600 متر، بينما عادت السيارة أدراجها. كانت كلمة السر أن نضرب بعضنا بالحجارة. وصلنا التلة وكانت الريح جنوبية باردة. ضربنا الحجارة مرات عدة، وصعدنا ونزلنا مرات عدة أيضاً… فلم يجبنا أحد. فرحت أتساءل إن كان الرئيس غادر المكان بسبب شدة البرد، واقترحت أن ننزل إلى الجهة الغربية حيث فعلنا الشيء نفسه هناك، فأجابنا عبد المسيح بدق الحجر ثم اقترب منا. ناديت “تحيا سوريا”، فميز صوتي على رغم الظلمة وقال : أهلاً كردية”.
وفي رسالة الرفيق عبد الحق نقلاً عن الرفيق جبر أشتي نقرأ التالي: “عند منتصف الجبل، وقف الرفيق جبر، أنتظر قليلاً ليسمع إن كان هناك من إنذار عن أمر يقلق! حدّ نظره في كل اتجاه فوجد أن المنطقة
الرفيق سالم سعدو
بكاملها في هدوء وسكينة، وابتدأ بتنفيذ ما أوكل إليه واتخذه على  عاتقه  فأخذ حجراً وابتدأ بنقر كلمة السر على صخرة ظللتها شجرة سنديان،                    (أ– ن– ط– و– ن). توقف ثوان وتابع (س –ع– ا- د – ه). وقف ينتظر الرد وكله آذان متيقظة تسمع كل شيء في محيطه. لفحة نسيم الجبل لطيفة الملمس ولها صوت ناعم، حفيف شجر الملول وقرقعة أغصان السنديان العنيدة، وأصوات الصراصير وطيور الليل. وبعد دقيقة انتظار كأنها ساعات، يسمع نقر حجر على الصخر  (أ– ن– ط – و- ن).  توقف ثوان (س– ع – ا – د – ه). فارتاح لسماع الإشارة لكنه لم يستطع تحديد مصدر الصوت تماماً. فعاد هو أيضاً وقام مرة أخرى بنقر التشفيرة ذاتها، وانتظر الجواب، فإذ بالرد يأتي بنفس الصدى الذي سمعه منذ دقائق. ولكن هذه المرة استطاع أن يحدد مكان مصدره. واستأنف المسيرة بكل حذر وانتباه وإصغاء لما قد يرسله الرفقاء من تحذير… وقبل وصوله بأمتار استطاع أن يميّز أشكالاً تتحرك عند الصخور على مسافة أصبحت قريبة. وأخذ يتقدم بخطى أسرع ولكن بشعور لم يستطع أن يصفه حتى في آخر أيام حياته! كنت كأنني أمشي في الهواء، لا أشعر بأي شيء إلا أنني على وشك اللقاء مع حضرة الرئيس! وجهاً لوجه مع حضرة الرئيس جورج عبد المسيح ورفقاء ثلاثة كانوا بالقرب منه، فاسرعوا قادمين إلى نقطة اللقاء ومع كل واحد منهم قطعة سلاح”.
للوهلة الأولى ربما يلاحظ القارئ وجود تناقض بين الروايتين، خصوصاً في ما يتعلق بقيادة العملية. لكن هناك الكثير من نقاط التشابه: الرفيق جبر أعد مجموعة تضم الرفقاء كمال سيف الدين ونايف العنيسي ونايف الشوفي، بينما استنفر الأمين ديب الرفقاء أحمد مهدي نزهة وحسن خليل علي نزهة وحسن جراد وعلي طي وأحمد علي حسن. يقول الرفيق جبر أن الرفيق سعيد تقي الدين استدعاه إلى شتورا، في حين أن الأمين الراحل مصطفى عز الدين هو الذي طلب من مجموعة الأمين ديب التوجه إلى شتورا للقاء الرفيق تقي الدين. ويذكر الرفيق جبر والأمين ديب أنهما طلبا من عبد المسيح إطفاء سيجارته حتى لا تفضح مسيرتهم. كما أن المجموعتين إلتقتا على انفراد الرفيق تقي الدين وآخرين من القياديين المركزيين. وكذلك يوجد تطابق كامل في التعليمات التي تلقاها الطرفان في ما يتعلق بمكان اللقاء وآليات التعارف وطريق العودة… إلخ.
غير أن التناقض الذي يلاحظه القارئ يكمن في أن كلاً من الرفيق جبر والأمين ديب لم يذكر الطرف الآخر بالإسم، خصوصاً وأنهما يؤكدان إمرتهما لعملية نقل رئيس الحزب سالماً إلى الأراضي اللبنانية. أما بعض الاختلافات الجزئية، مثل عدد الرفقاء المشاركين وأي من المسؤولين كان موجوداً، فتعود إلى انقضاء الفترة الزمنية وضعف الذاكرة عند كل منهما. ونحن نرجح أن الخطة كانت تقتضي أن لا يتم
الرفيق ديب كردية
الكشف عن هويات الرفقاء المشاركين في المجموعتين اللتين أنيطت بكل منهما مهمة معينة. فقد كنا تركنا عبد المسيح وحيداً في نقطة متفق عليها بعد أن طلب من رفقاء دمشق العودة إلى المدينة، وترك عبد الهادي منتظراً. لذلك نحن نعتقد بأن مجموعة الأمين ديب هي التي كانت مع عبد المسيح عندما التقاه الرفيق جبر “ومعه ثلاثة رفقاء”، حسب ما ورد في مروياته! هذا يعني أن الجزء الأول من العملية وقع على عاتق الأمين ديب ومجموعته، ثم تولى الرفيق جبر ومجموعته الجزء الثاني لأنهم أبناء المنطقة وأكثر معرفة بمسالكها. وهذا ما قصده الأمين ديب بعبارته “رفيقنا الذي كان على دراية تامة بأرض المنطقة”… وقد جاء في نبذة عن الرفيق فضل العقاد، الذي قاد السيارة من دمشق إلى الزبداني ، نشرتها “لجنة تاريخ الحزب” بتاريخ أول تشرين الثاني 2017 أنه “كان هناك فريقان من القوميين المدربين”.
إن الاعتماد فقط على مرويات بعينها، من دون مقارنتها بمرويات أخرى تتناول الحدث ذاته، قد يؤدي إلى إطلاق أحكام متسرعة تمسّ مصداقية ما يسجله الرفقاء. وأعترف أنني شعرت بالقلق عندما قرأت محتويات رسالة الرفيق يوسف عبد الحق، مسترجعاً في ذاكرتي ما كنت قد عرفته عن دور الأمين كردية في عملية “تهريب” عبد المسيح وغيرها من الأعمال البطولية خلال تاريخه الحزبي العريق. فهل يُعقل أن تكون ذاكرة أحدهما قد خانته في لحظة ما؟ أبداً. إن العودة إلى مصادر عدة باتت متوافرة لدينا مع بذل بعض الجهد، وهي كفيلة بأن تكشح كل الظنون والشكوك المؤقتة التي تعتبر من طبيعة الكتابة التاريخية، لتحل مكانها نصاعة الانجازات التي حققها القوميون الاجتماعيون على مدى تاريخهم الحزبي المميز.

أحمد أصفهاني