الأحد، 31 ديسمبر 2017

كل عام وأنتم بخير
❤️🌺🌲🌲🌱🌻🌼🌲
يليق بانتصارات سورية وأن تُكلل في هذه السنة و تحمل لغة التفاؤل إيذاناً بالنصر الكبير🌱🌲ولتحيى سوريه

السبت، 30 ديسمبر 2017

عودة عشتار .فلتزهر كل ورود الدنيا
ولنثمل بأساور صُنعت من موج البحر،
عشتار والبعل عادوا،

ها هي ألوانهم في كل حقل ترقص!
فليأتي النور من نارها
ولتبارك مياهها كل طوفان..
جذور السماء تتدلّى اليوم من علىً
تغنّي أريج البخور
الهارب من قلوب الأشجار العتيقة،
تنصر الحبّ على الفناء
وتعلن الحياة هديّة
تضع كل نبضات الكون في قلوبنا الصغيرة،
ترفع للأرض صلاة أزلية،
ترنّم بعشق
“الإنسان أكثر من تراب”،
أكثر من تراب!
حين تعود عشتار، يكتمل العالم…
كل عام وأنتم بخير!انتصار المجدليّة

الجمعة، 29 ديسمبر 2017

ميلاد مجيد و عيد سعيد
خاطرة ادبية اعايدكم من خلالها
اعاده الله عليكم جميعا 
بالخير والسلام.
"عذراء سلام، ومولد شآم"!!
*******
كم تألمتِ .. والأرض سقام
كم تلوَّعتِ .. والدنيا نيام ؟!
قام روح القدس من أرضيَ..
قام !!
هاهو القنديل قد صار قناديلا
.. وينهار الظَّلام !!
**
من شمالٍ .. من جنوبٍ ..
ليدٍ شعَّت سلام ؟؟!!
جيش شعبٍ - علم يخفق..يزأر
وشهيدٌ.. يسكب الفرح الأحمر
ويلفُّ البيت بالبيت ..
كأطواق حمام !!
ومن الصخر تبسَّمتِ ..
ينابيع ابتسام !!
أنت ياسوريتي أمُّ القيام..
يابنة الآلام ؟!
**
ياابنة النور ..وعذراءَ السلام
صلَّيتِ للمولد ..
فتجلّى ميلاد شآم
ها هي الشام تنادي..
سيقوم القدس
روح القدس قام..
حقا قام ؟!!
**
د.سحرأحمدعلي الحاره ِ

الاثنين، 25 ديسمبر 2017

آفاق.. بلا أغصان
نهلة سوسو:
انزلَقَت تلك الشُّجيرة في النّسيان منذ زمنٍ بعيد! شجيرة، صار عمرُها عقوداً من تيهٍ ومَحْلٍ وغربة، كيف لا تنزلق في النّسيان؟ وحين تأتيها الذّاكرةُ المراوغة، تختار بعض ملامحها من دون ترتيب زمنيٍّ آليّ! تتذكّر لحظةَ دخلَتْ البيتَ أثناء عاصفة ثلجيّة وبعضُ ذؤاباتها يتقصّف وهو يُحني رأسها بيديه القاسيتين لتعبر تحت قوس الباب الحديديّ العريض، تنزف رائحةً نفّاذة ويتساقط الثّلج الهشُّ من شَعْرها على العتبة، ليتحوّل فوراً إلى بقعٍ موحلة! وبعد أن زُيِّنَت بالمصابيح والكُرَيّات والشّرائط، عرَفَت أنها انتُزِعَت من جذع أمٍّ هرمة، واقفة وراء سور حديقة، لأنّه قال بصوته العتيق الذي تسرّب إليه دفء عابر، إنّ أمَّها كانت بحاجة إلى تشحيل وتخيّلها لائقة في هذه الزّاوية، حيث تقف مشنشلة بالزّينة!
حين كانت تطفو على سُحُب النّعاس رأت ظلالاً كالأصابع تعلّق على الأغصان الخضراء نجوماً ذهبيّة وفضيّة وأزهار كروشيه بيضاء وورديّة، ظنّت يوماً، أنّ أختها المكتئبة، تعبث بإبرتها الطّويلة لتعقد الخيطان، مجرّد عبث!
ستكبر سنةً بعد سنة… وتعبر بها تلك الشّجيرة المزيّنة بهدوءٍ أو بصخَبٍ، وراء نوافذ البيوت المضاءة، وفي أبهاء الفنادق، ثمّ في السّاحات العامّة، تتناوب أضواؤها على الانطفاء والاشتعال، من دون أن تجاهر بأنّ الشّجرة تموت حين تغادر الغابة وتفقد روحها ولو زُيّنت بجواهر العالم ودُرَرِه! كلُّ هذه الزّينة-الماكياج لن تعوّض الشّجرة بهجةَ المطر والثّلج وضوء الفجر وغسق المساء وزيارات الطّيور! والأقبح أنّ أحمقَ ما… صنع شجرةً من لدائن ميّتة وصبغها بالتّرابي والأخضر ومنعها من النّموّ والتّنفُّس وسريان النَّسْغ، وأتاح للأيدي أن تعبث بها وتحمّلها من الزّينة ما فوق طاقتها! لعلّها، في أعمق أغوار نفسها، لا تحبُّ التّعديلات التي تجري على شيء ألفَتْه في الوجود حتى لو كان من الحجارة الصمّاء! لا تحبُّ الفكّ والتركيب! وتذكّرت… كيف تفهّمت قنوط النّاس الذين يشبهونها، لابدّ أنّهم يشبهونها، حين اجتاح شذّاذ الآفاق تلك القلعة الأزليّة كمجرّات السّماء وانهالوا عليها تخريباً، لكنّ حميماً، ما لبث أن تدفّق من قلبها: لن يتغيّر جسد قلعة هي من عمر الزّمان مهما تهاوت بعضُ حجارتها ورقصت الشّياطين على شرفاتها! لن تزول مدينة عظيمة حتى لو عبر فيها ألف زلزال! بل سيزول اللّصوص، وبما تساقط من حجارة القلعة سيُعاد تشييد المدينة التي خلبت لبّ البشريّة بالعمارة والزّخرفة والشّعر والقدود والغناء ودندنة الأوتار!.
ما ركنَ في نفسها عن ثبات الأشياء واتّساقها، استعادتْه وتشبّثت به، رغم الزّلازل التي قوّضَت ودَفَنت وأخرجت من باطن الأرض والنّفوس، ما أخرجَت، عدا عن أنّها ذُهلَت حين رأت الشّجرة نفسَها على بوّابة القلعة المنتصرة! شجرة، مشيقة، عالية، تبهر العين بأطواق وعقود المصابيح والأنوار المتوهّجة كأنّ كواكب السّماء نزلت وحطّت عليها: هنا الثّريّا… وهنا الميزان… وهنا الجوزاء… وكوكب الزُّهْرة… ودرب التبّانة ينثر على الوجوه الباسمة، نثاره الفضيّ الخفيف مع قرع الأجراس وترانيم الصّلوات! كانت الشّجرة، للعجب، بلا لحاءٍ جفّ ماؤه، وبلا أغصان وبلا أوراق! كأنّها انبثقت من خيال مهندس بارع، رسمها ثمّ نفّذها بالكريستال لتحمل الزّينة والأعلام بعيونها الخضراء الزمرّديّة! وعادت من أعماق ذاكرتها، المترِبة، شجرة العاصفة الثّلجيّة تبثُّ دفئاً متأخّراً، جعلها تتصالح مع جموع الأشجار المزيّنة التي عبرت حياتها! الميلاد هو حدثٌ لا يتوقّف! وها هي تعيشه حقّاً، مغمورةً، بفرح النّاس على بوّابة القلعة وأدراجها، وبتماوج الأنوار مع تراتيل الصلاة، وطلوع المدينة المتأنّي، من الظّلام الذي طوّقها لسنواتٍ، ولم تفقد يقينها يوماً بأنّه ظلام ليل عابر سينجلي عنها لتستقبل بعده شمسَ الأزل والأبد، إلى الأبد /جريده تشرين /2017/12/26

الثلاثاء، 19 ديسمبر 2017

آفاق.. طبقات العملاء

نهلة سوسو 
تسألني ببساطتها التي يَعسُر ألا تصلَ إلى محدّثها لأنها لا تعرف المراوغة والجملَ التي تقول نصف معانيها وتترك نصفها الآخر للتأويل: أتعرفين ماذا يستوقفني هذه الأيّام العملاء الذين يُستخدمون حطابين لتغذية الحرب، ثمّ حطباً سيئ الاشتعال أو سريع اللّهب في موقد سرعان ما ترمّدوا فيه وذرَتْهم الرّيح! تماماً كمستعمرة الجراثيم التي تُزْرَع من أجل بحثٍ ودراسة فتنمو وتتكاثر وتتفاعل لحين انتهاء الرّصد واكتمال البحث!.
هذا العالم الهامشيّ الذي يُباد أو يجفُّ بعد انتهاء التّجارب لا يمكن أن يكون متجانساً لأنني رأيت بقدرة خيالي المعتمد على معارفي، فأنا لا أملك مُجْهراً يوضّح لي حجم الجرثومة أو شكلها إن كان متّسقاً أو مشوّهاً أو مكتملاً، أنّ الطّبقات موجودة حتّى في هذه المزارع الجرثوميّة المفتعلة! ولمَ لا تكون؟ الأرض طبقات! الجوّ طبقات! البشر طبقات، حتى لو حاربتها الإيديولوجيا وذمّتها ورفضتها! سأقنعك برأيي إذا أحَلْتُك إلى الثّقافة العربيّة التي حين ارتقت إلى النّقد، ألّفت العديد من كتب «الطّبقات»: «طبقات فحول الشّعراء» «طبقات الصّوفيّة» «طبقات النحويين» «طبقات المحدّثين» «طبقات النّسّابين» «طبقات الحُفّاظ» «طبقات المفسّرين» «طبقات الأصفياء» و «طبقات الأعيان» وهذا يعني أن الفئات في داخلها تمايز لا يمكن تجاهله! – كنتِ تتحدّثين عن مزرعة الجراثيم! – بل كنتُ أتحدّث عن عملاء الحرب علينا بصرف النّظر عن العدوّ… كان على رأسهم أكاديميّون بدؤوا يتناوبون على إدخال مفهوم الوطن في النّظريات التي لُقِّنوها في جامعات أجنبيّة مختلفة اللّغات ويضعون اسمه وصفاته، دائماً، في جمل تبدو رشيقةً ولافتة لكنّها ما تلبث أن تتلاشى كفقاعات الصّابون حين تلامس خيط قماش بسبب بُعْدها عن خِبْراتنا ونشطت بمحاذاتهم طبقة من رجال الدّين، علماً أنّ صفة الدّين لا تصحّ على رجال ونساء لأنّه ليس إضافة لغويّة أو قيميّة لفئاتٍ أو أشخاص بل هو عقيدة روحيّة إنسانيّة بلا مضاف إليه حصريّ! وبادرت طبقة إلى الظهور تحمل السكّين والسّيف لتترجم نظريّات الأكاديميين وفتاوى شيوخ المنابر إلى دمٍ وقطع رقاب ضمن طبقة محيطة، ظلاميّة، واسعة، كان فلاسفة العصور السّحيقة يسمونها «الرّعاع» وسمّيْناها نحن تسمية حداثيّة «البيئة الحاضنة»! زيدي على ذلك حاملات وحاملي أقلام مدقعي المواهب، عظيمي الجوع إلى الموائد، أيّاً كان مقيموها، يتسابقون لكتابة ما يُملى عليهم من هجاء لوطنهم، حتى لو وصل هذا الهجاء إلى الأم والأب لينالوا شريطةً تافهة تعطيهم صفة! مجرّدَ صفة! وحول هذه الطبقة اشتدّ طنين كتبة وممثلين ومغنّين وناعقين! – هل أبقيت أحداً من العملاء خارج هذه التّصنيفات؟ – نعم! وهم من جعلني أعود إلى بداية الحرب، بالطّريق الرّاجع! ولا أعني بالطّبع أولئك المتربّصين الجبناء الذين سمّيناهم «الرّمادييّن» من باب الاستخفاف بشأنهم، وتركهم إلى حين وقتهم، هل تتذكرين هذا النّمط الذي أخفى موقفه المشين، بدعوات تصحّ للجلاد والضّحيّة؟ ما يستوقفني اليوم أولئك الغيارى على الوطن وجراحه وبيدهم محاقن السّمّ! هؤلاء الذين استراحوا وراء وسائل التّواصل الاجتماعيّ، ينداح لهم ميدان واسع بلا حدود، بمعنى الحدود الحرفي والمجازي، فبعضهم في بلاد جليديّة باردة، وبعضهم قريبون، لكن ما إن تقرئي لهم جملة، مهما كانت برّاقة وبليغة حتى تشمّي فيها رائحة اللغة العبريّة الفاسدة، لغة العدوّ الذي شنّ الحرب علينا وهجّرنا ومزّق نسيجنا الرّوحي والإنسانيّ! هُزِم السلاح وتبدّدت النّظريات وغابت الوجوه الكريهة وطلعت الشّمس، لكنّ هذه الطّبقة، طبقة الغيارى على الوطن، مازالت تجدّد نفسها وتواصل الانشطار لعلّها…– لعلّها تنتصر وتأتي إلى ما فشل فيه غيرها؟ – لن تنتصر! وعيُنا سيهزم العدوّ كيفما تجلّى.جريده تشرين 2017/12/19

الثلاثاء، 12 ديسمبر 2017

في الأدب.. في قلَّة الأدب؟!! د. سحر أحمد علي -الحارة ـــــــــ ..في زمن ضعف الخلافة العباسية حيث صار الجهلة وحتى (الدونما) حكاماً، وحيث تخبَّأ الدونما وأعراب الناس والفتن بالإسلام!! انشغل الناس وحتى خيارهم بهذه الفتن عمّا يحيق بهم، ووجدوا أنفسهم ينساقون (أو يُساقون) مع كل ناعق، وخاصة من ذلك ما كان ضد العروبيين آنذاك، من ذوي الثقافة والمواهب ذات الأثر الكبير، بل وجدوا أنفسهم ضد شاعر العروبة والمقاومة آنذاك أحمد بن الحسن الكندي الكوفي المعروف (بالمتنبّي)، ذلك الشاعر الذي حاولوا آنذاك التعتيم عليه وعلى إبداعه وحكمه وأمثاله وعلى ريادته!!؟ وحتى إنهم أهاجوا عليه الآلاف من الشعراء والنقاد سواء في بغداد وفي العواصم، وردد الناس مع الناعقين [يالعنة الله صبي على لحية المتنبي]!؟ ..وهكذا صار اسم (المتنبّي) مضغة في الأفواه، أو صار للتسلية والفكاهة!؟ مما أدى إلى حجب هذا الاسم الكبير حتى عن استحقاقه الاجتماعي السوري فكيفك باستحقاقه العربي؟!! فقد حالوا بين المجتمع السوري وحتى الحلبي الحمداني شاعره ِ المقاوم؟!! ولكن بقي للمتنبّي أن (لايصح إلا الصحيح).. بقي له بعض رجال "الأدب الناقد" الذين عرفوا للمتنبّي سر عروبته عبر قيمه الشعرية الوطنية الاجتماعية الخالدة، وفي مقدمتهم (ابن جنّي) الذي استطاع أن يجسّر لهذا الأدب ما يصير به إلى الآتي من الأجيال إلى أن عبر إلى الفيلسوف الشاعر والإنسان السوري المعروف (بالمعرّي) الذي كتب كتاب (معجز أحمد)! وخاصة في قوله (بتصرف): -أغاية الدين أن تحفوا (اللُّحى عَمَهاً) يا أمةً ضحكت من جهلها

الاثنين، 11 ديسمبر 2017

آفاق   مقلاع
نهله سوسو
تتكسّر الأمواج، تحت قدميه وقدَميّ الصّخرة العالية، بعد أن تأخذ حفنةً من أشعّة الشمس الحامية كاللّهيب، ثمّ تذوب في الرّمال، فيدخل السّرور إلى قلبه كالوجع ويُصلح جلسته على الصّخرة المبلّلة بمَدِّ اللّيلة الفائتة...الفرح يُسْرق، خارج البيت فقط، فهو لم يعرف أباه إلا في أحاديث أمّه ونداء الموظّف ذي الخوذة الزّرقاء حين يسلّمه أكياس المعونات وتلك الأمّ لم يرَ وجهها إلا شاحباً، ساكنَ القَسَمات، التي ازدادت جموداً عندما ذهب أخوه الأكبر ولم يعد، ثمّ صارت أخاديدُه كتلك الأرض المتشقّقة في بيّارة اللّيمون حين ضغطت زرَّ المذياع ليسكت قبل أن تنتهي نشرة الأخبار وتدخل الجارة التي قوّضَت بيتَها جرّافةٌ منذ زمن، فتتعانقان وتبكيان ويعرف أنّ أخاه الثّاني ذهب في طريق أخيه الغائب ولن يعود! ولم يعد يتذكّر متى أصبحت أمّه دائمة الهلع عليه، شديدة الحبّ له، لأنّه صار وحيدها بعد أن اختفى أخوه الثّالث: -لمَ ذهب إلى عسقلان؟ - لم يذهب بخاطره! اعتقلوه مع رفاقه وأخذوه! –لمَ لا تسمحين لي بالذّهاب مع رفاقي كما سمحتِ له؟ - أنتَ لن تذهب إلى أيّ مكان! لكنّه مازال يذهب إلى المدرسة دون أن توبّخه بل ويتلبّث قرب حلقات العجائز على عتبات البيوت والأرصفة الضيّقة الملاصقة لها، يسمع أحاديثهم عن دير ياسين وكفر قاسم والطّنطورة والحرم الإبراهيمي والأقارب في شتات المخيّمات وإذاعة العدوّ التي تكذب وتكذب و تكذب حتّى تجعل من كلّ واحدٍ منهم بندقيّة وقنبلة ولغم تهدّد حياتهم فيهرع العالم لنجدتهم بالسّلاح وحماية وافديهم من كلّ أصقاع الأرض! وما لبث أن وعى من سيل التحذيرات المتدفّق عليه أنّ البحر والنّهر والرّمل والطّرقات والحواكير والبيّارات ليست له وقد يأتي يوم يُحرم فيه من الهواء خاصّة حين حكى المعلّم، وهو حين يحكي عن الحياة يختلف كثيراً عن أمّه حين تحكي، عن القبّة الحديديّة التي نصبها العدوّ ليحمي نفسه بعد عجز الجدار الفاصل عن أداء المهمة! ولَكَم تأمّل السّماء حيثما مشى ليرى تلك القُبّة وتخيّلها كمصيدة الفأر الهائلة التي يمكن أن تُطبق عليه وتحطّم عظامه، لكنّه فهم بعد عناء، وتوضيح من المعلّم برسمها بالطّباشير على السبّورة، أنها موجودة على الأرض أمّا خطوطها في الفضاء فلا يراها أحد إلا العدوّ حين تسير عليها الصّواريخ المدمّرة! 
ضاقت نفسُه بنفسه وهو يشعر يوماً بعد يوم أنّه يعيش كطائر ضائع في فضاء، إن حطّ على غصن ستصطاده رصاصة كما فعلت بأخويه الكبيرين وإن لجأ إلى عتبة نافذة ستنقضُّ عليه يدٌ، تكسر جناحيه وترميه في زنزانة أسوأ من القبر بعتمتها كما يحدس حال أخيه الثّالث، وها هو العصفور المارق فوق رأسه مباشرةً في شمس الظّهيرة، والموج لم يتعب بعد من سرقة الأشعّة وتحطيمها تحت قدميه: -أنتَ أيضاً بلا أب وإخوة ورفاق؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟ أنا جئت لأن معلمي أخذوه ليسألوه عن الخريطة التي رسمها وكتب عليها فلسطين عاصمتها القدس، ولأن بوابة زقاقنا مسدودة بركام منزل مهدوم! هيّا كُفَّ عن الطّيران! سأنزلك بمقلاعي لترى عقاب العصيان! يخرج المقلاع من حقيبته ويلتقط حجراً فيراهم قادمين بأشكالهم التي تثير رعباً في نفسه فيسدِّد مقلاعه على أكثر الوجوه بدانةً وانبساطاً فإذ به يرى الرُّعبَ على وجوههم، هُمْ، من المباغتة والبلبلة التي أحدثها وهو واقف في الأعلى يلتقط حجراً إثْر حجر ويسدّد، وقد شعر أنّه يحلّق عالياً ولن تقوى يد على الوصول إليه!
ما كان يعلم أنّ المقلاع سينبثق من كلّ التّراب الذي سرقوه وأنّ الشّارة التي يرفعها المنتصرون هي شكل هذا المقلاع الجميل المبارك..

جريده تشرين / 12/ 12 / 2017

الجمعة، 8 ديسمبر 2017

"الحب.. وعتاب اوغاريتي"
*******
سلاما يا بني وطني
سلام الصبر في المحن
سأحكي ماحكى الراوي
عن الساعين في الفتنِ
فمنهم من يقول هوى
وعن غاوٍ وعن ..وعنِ
**
شكا إلى وطني..شكا زمني
إلى وطني
إليكِ .."شبعتُ من وطني" ؟!
إليكِ "سئمتُ من عفني " ؟!
نظرتُ إليه إذ نظرَ
رأيتُ بعينه شررا
وأشياء بها أُخرَ !!
ورحتُ إلى ابتهالاتي وإيماني
إلى وطن الحمى.. القاني
أتكتب غيرها الكلمات
أترسم غيرها العبرات
وألف بثينة ماتت..
ولاحتى جميل آت !!
**
فيا انت الذي ما انت
تقول: "شبعت من وطني"؟!
وكيف وصلت ؟
وكيف حضرت؟
وكيف، وكيف.. مات القلب
ضاع الوقت..
ساكسر قلبي البلور..
فلا ضوء ولا موشور..
ولا عنب ولا ناطور..
لعلك قد حسبت النبض
نبض سنابك "الكوبوي"!!
وليت ؟!!!
فلا أولاده بقرُ
ولادر ولا دررُ
بل الادهى، بل الأوهى!!
**
..وإني بنت أوغاريت
وإني مثل أوغاريت
سيحمل حارتي "الفينيق"
بيتا.. بيت
وقد أَمنَ الظبا الأسدا
أليس وتعلم الدنيا..
فؤادي طاهرٌ ..أبدا.
فؤادي "طاااهر" ابداااا؟!
د.سحرأحمدعلي الحاره

الاثنين، 4 ديسمبر 2017

آفاق ...انتظار

نهله سوسو
كَفَّ الانتظار عن إضنائها منذ أدركت أنّها لم تُخلق تحت نجمٍ من نجوم الطّوالع السّعيدة!
يوم قالت لها صديقتُها ذاتُ الطّبع الناريّ: متى ستستلمين بيتَك الموعود وأجابتها بهدوء: الزّمن لن يخذلني! أطلقت عليها سياطاً من لسانها: ستبقين حيث أنت بينما الزّمن يتجاوزك ولا يلتفت إليك! أعرف أن لا شيء في حياتنا يحصل كما نشتهي لكنّ برودك يستفزّني! لمَ لا تغضبين وتحتجّين وتُرغين وتُزبِدين حتّى تحصُلي على حقوقك؟
انداح الماضي وراءها، طريقاً طويلاً بلا نهاية وبدت فيه " انتظاراتُها " هي الأخرى بلا نهاية: تقديم طلب وظيفة كانت تستحقُّها بالشّهادة العالية والاختبارات التحريريّة والشّفوية... حافلة نقلٍ على طريق دوليّة، انقطعت فيها ورحل المسافرون، واحداً إثْرَ الآخر في السيّارات العابرة وكلّما غاب واحدٌ منهم قاربت الشّمس غيابَها وهي واقفةٌ لا أحد يقدِّمها على نفسه في الرُّكوب...غائبٌ عزيز تتابعت الشُّهور على غيابه وبقيت ترصد الزّمن لوصول رسالة منه ظنّتها بديهيّة وناجزة... بذورٌ أودعَتْها التّرابَ الهشَّ كي تُطلعَ براعم تزيّن بها عتبة النّافذة القاحلة! هكذا باتت حياتُها محطّاتِ انتظارٍ متراصفة، متواصلة، وكادت تقول لصديقتها إنّ الانتظار يشبه المكان الآمن من العواصف بل اعتادت أن تدخل فيه كما تفعل الخادرة في الشّرنقة لتحمي نفسها حيث يكون الأمل أقوى من الخيبة واليأس، لكنّها لم تقل شيئاً لأنّه من الصّعب أن يهدّئ منطقها جموح شخصيّة قلقة وناريّة!
لو أنّها تلقاها اليوم، هي التي غادرَت منذ انصباب جحيم الحرب الإجراميّة على البشر والحجَر، لقالت لها ما عاد في الحياة شيء صغيرٌ وعابرٌ يستحقُّ الانتظار! لا بيتَ الإسكان ولا الوظيفة المرغوبة ولا رسالة الغائب ولا نبات الأصيص بل انتظارٌ واحدٌ، وحيد، ثبّتَها في محطّة ما عادت تستطيع مغادرة عتَبَتِها بعد رحيل أوّل شهيد تعقله ذاكرتُها وفي تلك اللّحظة سال دمُها مع دمه وهو واقفٌ بقامته الطّويلة، ممسوكٌ بأيدي الوحوش الضّارية، يمزّقونه بالسّيوف ويصخبون ويهلّلون ويكبّرون ويصوّرون، وبعده صارت تُشيح ببصرها عن ثمار الفريز وتلتقط أطراف دمها كي لا تسيل على الطّريق والرّصيف والدّرج القاسي الذي ترتقيه لتلوذ ببيتها المؤقّت الكئيب وتنتظر الشّهيد التّالي! من شهيدُ اليوم؟ ثمّ من شهيدُ السّاعة؟ ثمّ من شهيد الدّقيقة؟ ثم صار الشّهيد لا يمضي وحيداً بل يرتقي معه أجمل الرّجال وأطيبُ النّساء وأبهى الأطفال، وراعها أن تكون لها كلُّ هذه العائلة، الواسعة، الممتدّة، الغالية، التي عاشت بعيدةً عنها مشغولةً بتوافه الحياة، حين صارت تعرف الأسماء والبيوت والوجوه والشّواهد وباقات الزهور والآس وأغنيات الوداع وأمكنة الرّقاد الأبدي على السّفوح التي كانت للزّيتون والغار وأغاني القطاف والحصاد قبل أن تحضن أصحابها إلى يوم النّشور! 
صارت الملاحم التي قرأتها في اللّيالي البعيدة ورقاً باهتَ الحروف، وتباعدَت جدران البيت الواسع الفارغ الذي تسكنه لتُطلَّ على الفجر والسكون والنّجوم المرتجفة وعيناها تتأمّلان المدى المفتوح وسَمْعُها يتهجّس نأمة خَطْو شهيد جديد! وفي ظلّ شجرة خضراء هائلة زرعها الله في وسط أرضه، جذعُها ثابتٌ ورأسها في السّماء، ترى نفسَها، وقرب روحها، قربَ قلبها، قربَ دمها تسمع هسيس ورقة تسقط! تمدُّ يدها لتلمس يخضورها فإذ بالشّمس تعلو بسطوع كانبثاق ينبوع، وتهبُّ في ضلوع الشّجرة وأغصانها وذؤاباتها آلاف بل ملايين الأزهار الوضيئة، يتشظّى معها القلب، ويرتَجُّ السّمْعُ ويهتزّ الكون بأناشيد لم تسمعها يوماً بهذه القوّة وهذا الكمال: قد تذهبون جميعاً لكنّ الشّجرة الباقية! ولتعلمي أنّ من تنتظرينهم لتبكيهم هم سرُّ بقائها واخضرارها وإزهارها وإِثْمارها فلتكفّي عن الانتظار إلا انتظار ربيعها واندحار القتلة حول سياجها /جريده تشرين /2017/12/5

الاثنين، 27 نوفمبر 2017



آفاق.. فكرة إذاعية
نهله سوسو
مع فنجان قهوة لا يعرف حميميّته إلا من عمل في ذلك المبنى على طرف ساحة الأمويّين، وكان يعبر إليه، ذات يوم، على جسر صغير يتدفّق تحته بردى، ويدخل من بوّابته في ساعات الفجر الأولى أو يخرج والفجر لمّا يوقظ دمشق بعد! ذلك الفنجان الذي يأتي بعد فترة إخباريّة طويلة أو ساعة تواصل مع المستمعين، كان بمذاقٍ طيّبٍ مهما كان البنُّ رديئاً، لأنّه يستحضر بهجة البيوت المتروكة لساعات ويشرّد الأشعّة السّلبيّة التي ترافق توتُّرَ المهنة، وقد قالت لي وهي تضع الفنجان أمامي: – لديّ فكرة إذاعيّة، أريد أن نحقّقها معاً! وأمام كلمة فكرة يصبح الانتباه في ذروته لأنّ هذه الفكرة تقطع طريقاً طويلاً قبل أن تخرج على الهواء! فهي تحتاج إلى قالب ينفّذه المخرج، أهي سردٌ أم حوارٌ أم تمثيل؟ تابَعَت وهي تعرف التّداعيات التي مرّت في خاطري: -أريد أن نتناول دواعش الدّاخل! حسناً، هذه الكلمة دخلت قاموس لغتنا اليوميّة مشحونةً بكلّ شرور العالم لأنّها، بحقّ، ارتهنَت لصورة الشّيطان، منذ وعى الإنسان مفهومَيْ الشرّ والخير! ولطالما بدّلت المفردات مدلولاتها مع مرور الزّمن وخلعَت بعض خصائصها الأصليّة، لذلك سألتُها: -هل هناك سلبيّات محدّدة نتناولها؟ قالت بحماسة: -ابني الأصغر يعاني صعوبات في تعلّم اللّغة الفرنسيّة، لذلك لجأت إلى الحلّ الذي تشكو منه كلُّ العائلات لكنّها تضع رقبتها تحت سيفه! اتّصلتُ بأستاذ المادّة وطلبت منه مواعيد للدّروس الخصوصيّة، على أن يصارحني بثمن الدّرس الواحد كي أبرمج ميزانيّتي! وكم كانت دهشتي كبيرة حين طلب منّي بعد أن استمع بهدوء وصبر أن أسأل ابني عن الأسلوب الذي يستخدمه في شرح الدّروس وتنشيط المحادثات وتكليف الوظائف وأوافيه بالجواب، فإن كان مقصّراً فسيعمد إلى تعديل طريقته، ثمّ تودّد قائلاً: -نقودك فائضة وتفتّشين عن وسيلةٍ لصرفها؟ حرامٌ أن يذهب أبناؤنا إلى الدّروس الخصوصيّة بموازاة مدارس مكلّفة ببذل العلم من دون إرهاق الأهل وتشتيت الطّالب وتوسيع دائرة الاتّكال على حلول أراها بدعة لا أخلاقيّة …
هذا المعلّم فتح لي، ربّما من دون أن يدري، نافذة من أمل ونسيم نقيّ، في زمن تبرير كلّ تجاوز: احتكار السّلعة، غشّ المواد، التهرّب من أداء واجب العمل، الكسب غير المشروع بذريعة: خذ ما تصل إليه يدُك، بأيّ وسيلة لأنّه قد لا يتوفّر غداً أو إذا لم تأخذه سيأخذه غيرُك، استغلال حاجة النّاس للسّكن والتّضييق عليهم بالأجور ولو على حساب لقمة وعافية أطفالهم، الهدْر اللامحدود لما توفّره الدّولة من خبز وماء وكهرباء ووقود وهي تنوء بالمسؤوليّات الجسام، كأنّها وكالة بلا بوّاب، المطالبة بالحقوق من دون الالتزام بأدنى الواجبات، بثُّ الشّائعات حين التقاط أيّ شرارة تخدمها لإبراز مواهب التلفيق من دون مراعاة كرامات النّاس، السّرقة المادّيّة والأدبيّة التي باتت فنوناً تواكبها المواعظ في الأمانة والاستقامة وصحوة الضّمير… رنّ هاتفها فالتقطت السّمّاعة وهي تطرح سؤالاً على عجل: -ما رأيك في أن نقدّم في كلّ حلقة أنموذجاً من هؤلاء ضمن فترة منوّعات هادفة ثمّ نسمع ردود فعل المتابِعين عبر الاتّصالات؟.
كان فنجان القهوة قد فرغ ورُفع، لا شعوريّاً لأكثر من مرّة، للشّرب منه، والشّجون قد استيقظت: نحن في زمن حرب إجراميّة، كان هدفها اجتثاث جذور وجودنا ولا بدّ أنّها خلخلت ما قُدِّرَ لها أن تفعل، لكنّ الالتفات إلى من سمّيْتِهم دواعش الدّاخل وتعريتهم هو من صلب المهنة التي اخترناها وعشنا نمنحها أعصابنا واهتمامنا وأعمارنا! دعيني أفكّر بأسلوب رشيق خالٍ من الوعظ والمباشرة قبل أن نلتقي على قهوة ثانية!ما زلتُ أرى «هم» حولي في كلّ مكان وأفكّر، وربّما سأبقى أفكّر..جريده تشرين 2017/11/28

الجمعة، 24 نوفمبر 2017

جمعة مباركة لجميع الأصدقاء..
"موسوعة السلام" ؟!!
*******
كم قلتُ ياقلبي وفيك شقاءُ
وسكبتُ ياقلبي وفيك شفاء
سوريتي موسوعة السلام من
أطوارها العذراء والزهراء
لاتستطيع الأبجدية وصفها
أَلِفُ القصيدة دونها والياء
مفتاح كلُّ مدينة لي نوتةٌ
تموسقت وفواصلٌ سمراء
منها ومن مدّ الفضاء لجزره
تنبثُّ من أمواجها الأنباء
**
لكأنَّ كل مدينة لي"بابلٌ"
ومن الدماء حدائقٌ حمراء
أرجاؤنا اتّحدت بحبّ واحدٍ
تزدان رغم عدوّها الأرجاء
تاريخ جيش الشام سرُّ
خلودها
كم خطَّه من شعبيَ الشهداء
أسماؤها كثرت ولكن مثلها
كثرت بروضة حبها الأسماء
د.سحرأحمدعلي الحاره

الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017

آفاق.. حين يكتبـون
نهلة السوسو 
أشعارهم وقصائدهم وقصصهم ومقالاتهم بين يديّ – مسابقة الأطفال الأدبيّة المعلنة من وزارة الثّقافة! لا يغيب عنها إلا المسرح، ربّما لأنّه الفنُّ الأصعب الشّبيه بالتشييد الهندسيّ، بينما ينقاد الشِّعْرُ والقصّة والمقال بالمشاعر والدَّفْق الذّاتيّ المتفلّت من العلوم ذات القواعد الصّارمة!.
آخذُ الورقةَ الأولى، مغفَلَةَ التّوقيع لضرورة موضوعيّة التّحكيم، وفي تداعياتي «رامبو» الذي ستترك فيه جملةُ أبيه وهو يغادر البيتَ العائليّ، إلى الأبد: بعض النّساء يا «آرثر»، لا يفعلن شيئاً في حياتك إلا جرَّكَ إلى العَتَمة والطّين والوحل، أثراً عميقاً يدمَغُ حياتَه حتّى نهاياتها بالقلق والتّرحال وتجارة الرّقيق والشِّعْر ومغالبة الأمّ المتسلّطة، التي سحب منها الأب برحيله إلى جبهات القتال طبّاخاً، كلَّ رغبة في التّقرُّب منها والتماس الأمان، بينما غذَّ «جيرار دي نيرفال» طريقَ ترحاله في اتّجاهٍ آخر يفتّش عن أمّه ليعطيها أقراطها وأساورها المهجورة على نضد مرآتها حتّى يصلَ إلى ضفاف النّيل و«يرى» «إيزيس» المغيَّبة قد تركت هي الأخرى، حليَّها في اللّوتس والفيضان والطّمي أمّاً لا يمكن إعادتُها إلى أزقّة باريس الباردة حيث أنهى حياته!
ألمُ الوجود، صانعُ الإبداع، منابعُه واحدة، لكنَّ تجلِّياتِه مختلفة، يخالطُها المكان واللّغة، التي هي ليست مجرّد مفردات بل تجارب حسّيّة، بكلّ ما للحواس الخمس من قدرة على التّوصيل، وعواصفُ وأنواءٌ شعوريّة، إن لم تَهْتَجْ لن تترك شيئاً يُعَوَّل عليه في الإبداع! وبالتّأكيد لن أعثر في هذه الأكوام من ورق الكُتّاب الصّغار، مختلفةِ الأحجام والخطوط، على« رامبو» و «دي نيرفال» لكنّني سأرى ظلال الحرب القاتمة في كلماتٍ جامعة: شهيد. جريح. مخطوف. مهاجر. مفقود. مأوى. مهجَّر. بيت مهدّم. حيٌّ جديد غريب. وعَلَمٌ وصديقٌ وفيٌّ ويتيم جائعٌ، مشرّد، وعجوزٌ مقرورٌ على رصيف، وعصافيرُ ضربتها العواصف فلجأت إلى نوافذ هؤلاء الكُتّاب لتجد الدفء والقُوت ودعوة متعجّلة للإقامة في قفص ذي خدمات سخيّة، فرفضٌ سريعٌ وحاسم للقضبان وتوقٌ للحرّيّة التي من أجلها خُلِقَت الأجنحة…
عشرات الأوراق تتلاقى، إلى درجة التّوَحُّد، في مقاربة موضوعات القصص والقصائد والمقالات وتشي للباحث في عوالم أطفالنا بنوع الثّقافة التي يتلَقَّوْنَها من محيطهم التّعليمي والعائلي والإعلامي، منتِجَةً حالةً من التّقَبُّل واختلاس النّظر إلى الكبار إن كانوا سعداء بطاعتهم، هم الذين يعيشون في ظلّهم ورعايتهم! وأيّ رعاية! معظمهم لا يميّز بين طائر وعصفور ففي معارف أطفالنا يسطو العصفور بلا خجل على أسماء وطبائع السّنونو والغراب واليمام والببغاء، على طريقة ثقافة الكبار العائمة على العموميّات والخلط، والجرأة على استخدامها من دون غضاضة!.
أسعد إلى درجة تبديل جلستي إلى الطّاولة حين يشرق نصٌّ فيه إبداع يتجاوز المألوف المشغول كموضوع تعبيرٍ مدرسيّ، وأنقّب وراء السّطور عن عينيّ طفل خالصَتَيّ الصّفاء تريان العالم بشكله، ما قبلَ التّلقين، ويلتقط نثار إشعاعاته ليصوغها على الورق وأتمنّى لو تتحوّل كل هذه النصوص إلى أشخاصها الواقعيين لنتحاور من دون حواجز وأذكِّرَهم بما غاب عن الكبار المنفصلين عن طفولتهم، المشغولين بشؤون الدّنيا: -اكتبوا مذكّراتكم في عُمرٍ مبكّر، لأنكم حين تختلون بالقلم ستُحضرون العالم من حولكم لترسموه وتسمعوا أنفاسه وتغوصوا في الفرح لتمسكوا كائناته الزّلقة من بين طحالب الحزن، وترسموا وجوه أصدقائكم، وتفكّوا الطّلاسم عن سبب زجر الأب أو المعلّم، وخيانة قرين مقعد الصّفّ أو القطّ الذي أكل ثم تنكّر، وسحابة الألم المُرّ التي عبرت من سخرية أحدٍ لم تعجبه قبّعة على رأسكم، أو شكل حذاء لم تختاروه! هكذا يتدرّب الإبداع على التكوّن لأنّه يبحث عن الكلمات والصّياغات ويوسّع العالم بأضوائه وظلاله بلا حدود، وهناك جمره لابثٌ فلا تهملوه! جريده تشرين 2017/11/21

الاثنين، 13 نوفمبر 2017


آفاق.. اغتيال مكتبة

نهلة سوسو 
«… وحين اعتذر إليه، كانت المكتبة قد تفرّقت وضاعت وهي تحتوي على أندر المخطوطات التي قام برحلات كثيرة وطويلة، على مدى سنين يجمعها من الجزيرة الفراتيّة والشّام وفلسطين ومصر وبلاد الرّوم!». بعض ما نقرأ، يرسم مشهداً بصريّاً سريع التجلّي، واضح الحنايا والثّنايا! ومن المفارقات أن يكون صاحب المكتبة التي ضاعت وتفرّقت ورسَمَت هذه الصّورة المرئيّة من أبرع أطبّاء العيون عبر التّاريخ، وكاشفَ سرّ تحليلها للألوان، وعضلاتها التّسع التي تحرّكها لترى جمال الكون الأخّاذ، بقريبه وبعيده، وكلُّ هذا لم يشفع له عند الخليفة «المتوكّل» الذي وقف «البحتري» على بُرْكَته الأسطوريّة، يبثُّها شعراً رقيقاً يضاهي سقسقة مائها الذي أُجبر على أن يكون واهناً وصقيلاً لتتمرّى فيه أزهار ضفافها ونجوم السّماء في القبّة التي ترنو إليها!
لم يكن «حُنَيْن بنُ اسحق» شاعر لغة وقصيد، بل عالِماً لم يوهِنْ عزيمتَه طردُ معلّم الطّب «يوحنّا بن ماسويه» له، من مجلسه في بغداد، حين التحق بدرسه الأوّل فقد غادرها من فوره إلى بلاد الرّوم ليعود منها بعد عامين، بلغة هوميروس وملحمَتي «الإلياذة» و«الأوديسة» ويسحر أهل زمانه بترجماته السّلسة التي طوّعت أربع لغات: اليونانيّة، الفارسيّة، السُّريانيّة، العربيّة، وجعلتها سهلة المزج، دقيقةَ التّعبير، صافية الملامح، كما تفعل العينُ في تأمُّلاتها للضّوء والألوان! وما اعتمد الطّبيب، المترجم، عيادةً يعالج فيها مرضاه، بل كانت عيادته في «بيت الحكمة» يخلو فيه إلى «جالينوس» و«إيبوقراط» و«أرسطو» ويرنو إليه «المأمون» فلا يجد مكافأة تليق بجهده إلا الذّهب، يزن به كلَّ كتاب يخرج من لغته الأصليّة إلى اللّغة العربيّة، حتى إذا ما تخطّى الزّمن عهد «المعتصم» وجاء «المتوكّل»، لم يَرَ في «حُنَيْن» إلا صانع سُمٍّ لأحد خصومه، لكنّ الرّجل رفض: – أنا طبيبٌ من أجل الحياة ولستُ قاتلاً! وزُجّ به في السّجن مدّة عام، خرج بعدها في لحظة ندمٍ من مزاج «المتوكّل» المتقلّب، بل المضطرب، وفي القصور كائناتٌ خفيّة وأهواءٌ عاصفة تصنع المصائر الفاجعة غيرَ عابئة بالنّبالة والبراءة والسّموّ، فـ«بَخْتَيْشوع» طبيب الخليفة يشعر أنّ مكانه مهدّد من ذاك المشعّ بالمواهب، بل مكانة عائلته كلّها، وقد توارثت تطبيب الخلفاء، يعمد إلى وضع جمرة تحت قفطان الخليفة: – «حُنَيْن» هذا لا يحترم الأيقونات المقدّسة رغم أنّه مسيحيّ، فكيف بدينٍ آخر؟ وما لامسَت الجمرة بدن الخليفة إلا قد لذعت فيه مكمن الزّندقة التي أطاحت بكبار المفكّرين والعلماء ولطّخت تاريخ الشّعوب منذ عهد سقراط بعار وَأْد العقول التي حوّلت مسار البشريّة! أعيد الرّجل إلى السّجن وأُغرق بيته بالماء، وقُذِف بكتبه في كلّ درب! وحين خرج من محبسه بعد عامين كان معتلّاً ومريضاً يتلقّى اعتذار سجّانه وظالمه، ويحاول توظيف ذاكرته المتعبة في تلك الأسفار التي جنى فيها ثروته الحقيقيّة، ويرثي معجمين لغويين ألّفهما للطّلبة والباحثين، يونانيّاً وسُريانيّاً، ضاعا إلى الأبد! وربّما شعر بالأسى حين قضى «المتوكّل» اغتيالاً مازال مشهده الموصوف يثير الرّعدة في الأوصال… قبل أن يغادر، هو الآخر، هذا العالم العبثيَّ بأهله، وكيف لا يكون عبثيّاً حين يستوي في الموت من جاب العالم ليقرّب العقول ويفتح القلوب لأزمنةٍ تتجاوز زمنه، ومن ظنّ نفسه رحيماً لم يأمر بقتل رجلٍ مذنب بل خفّف الحُكْم إلى السّجن، لكنّه اغتال بلا رحمة، ما هو أبقى! اغتال مكتبة..
/جريده تشرين 2017/11/14

الخميس، 9 نوفمبر 2017


قصة حب جمعت بين الإله الراعي تموز
بالأمس عندما كنت
أنا الملكة.. أزهو متألقة
بالأمس عندما كنت
أنا ملكة السماء.. أزهر متألقة
عندما كنت أزهو متألقة..
عندما كنت أرقص لوحدي
وأغني مع ظهور الشفق..
آنذاك التقى بي.. آنذاك التقى بي
سيدي..
سيدي دموزي تموز.. أمسك بيدي
التقى بي.. عانقني..
حاولت الإفلات منه
ما هذا يا ثور الوحش؟
خل سبيلي.. أريد أن أعود إلى البيت
لا بد أن أرجع إلى البيت
بأي عذرٍ سأتذرع إلى أمي ننكال؟
ثم يقول لها دموزي:
يا عشتار.. يا أمكر النساء سأعلمك
نعم سأعلمك ما تقولين
قولي لها:
اصطحبتني احدى صديقاتي إلى ميدان المدينة
فلهونا بالموسيقى والرقص
وغنت لي أغنية عذبة
ففاتني الوقت في غمرة الفرح
عادت عشتار إلى بيتها ومعها عذر مقبول لفقه لها تموزي حبيبها المنشود.. وكانت تشعر بالفرح والحبور لأن تموز حبيبها سيأتي لزيارتها عما قريب ويتقدم لخطبتها..
جئت إلى أمي وأنا أمشي بسرور
لأن دموزي سيقول كلمته لأمي
ويرش الأرض بزيت شجرة السرو من أجلي
نعم.. سيقول كلمته لأمي
ويرش الأرض بزيت السرو من أجلي
إنه من يفوح مقامه شذا
ومن تجلب كلمته السرور
مولاي ذو القد الطاهر الوسيم
مولاي طاب فيضك
وطاب نباتك وعشبك في السهل
وعلى ما يظهر من نصوص القصيدة الأسطورة أن عشتار كانت ميالة في ذات الوقت إلى حب رجل آخر هو الفلاح أنكي - أمدو وهذا وحسب الأساطير القديمة أمر مألوف فإن آلهات الحب والجنس والحرب لهن عشاق كثيرون و أنهن لن، ولم يخلصن لأي واحد منهم في يوم من الأيام.
وفي هذا السياق تقول عشتار:
أنا! لا لن أتزوج من الراعي دموزي
ولن أقبل بصوفه الخشن
أنا العذراء سأتزوج من الفلاح
الفلاح الذي ينبت من الزرع أنواعاً
الفلاح الذي ينبت من الحب أنواعاً
وهنا انبرى دموزي مخاطباً عشتار:
ما عنده أكثر مني؟
ماذا عند الفلاح أكثر مني؟
فإن هو يقدم الدقيق الأسود
فإني أقدم الدقيق الأبيض
وإن هو يقدم نعجة سوداء
فإني أقدم نعجة بيضاء
وإن هو أسقاكِ صفوة جعته
فإني سأسقيكِ لبني الدسم
وفي نهاية المطاف وأغلب قصص الحب والغرام تنتهي بنهاية سعيدة تسر السامع، والآن المشاهد فإن قصيدة تموز وعشتار تنتهي بقبول الزوج من الراعي دموزي.

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017

سلام واحترام اصدقائي 
*******
..بل هي الجمعة السعيدة..
انها الجمعة المباركة التي جمعت 
بين تحرير دير الزور بشكل كامل
وشامل مركز البادية السورية
وبين تحرير بلدة القائم العراقية
المتاخمة لمحافظة دير الزور شرقا ..
وإلى تحرير كامل التراب العربي السوري
المروي بدماء الشهداء فانبت صبراااا
ونصرا وخلودا وعبقا ينسكب
من اقدام الجيش العربي السوري
الاسطورة المعجزة ..
فإلى عبق ينسكب من جنة الله سبحانه
إلى الارض ..وسطى الارض ..
مبارك لنا جميعا ..
"وتحيا سوريا" بلد الحب وبلد النور
د.سحرأحمدعلي الحار

الاثنين، 6 نوفمبر 2017

آفاق.. حمامٌ زاجل
نهلة سوسو 
قصّتْ عليها، واللّيلُ في موْهِنه، كيف أوصلَت حمامةٌ، رسالةً، إلى الأمّ المؤرَّقة، من وراء البحار! كانت الأمُّ مهدودةً من الحزن، والحزن يا صغيرتي ثقيلٌ لا يعرف صاحبه أين يتراكم! في شغاف القلب؟ في مآقي العينين؟ على الكتفين؟ في الذِّراعيْن؟ في أصابع اليدين؟ والحزن غامضٌ يا صغيرتي لا يعرف صاحبُه من أين يتجمّع ويغيم ثم يهطل… ويهطل، بلا نهاية: من الغائب البعيد الذي قد لا يعود، أم من النفس التي أمحَلَت من الفرح؟
– الحمامة، يا جدّتي… كيف أوصلت الرّسالة من وراء البحار؟ كيف عرفت منزل المسافر؟ أليس الطريق طويلاً؟ أليست البحار مالحةً ومضطربة بالأنواء؟ أليس البرّ ُموحشاً وبارداً في اللّيل؟
– بلى! لكنّ هذه الحمامة تعرف دائماً طريقها إلى الوطن وتمضي فيه حتى لو أغمضوا عينيها، لا يعوقها إلا الضّباب، وهي حين تعود إلى موطنها تصبح الأرض كلُّها بستاناً صغيراً، ترفرف فوقه باحثةً عن بُرْجها الدّافئ لتحطَّ فيه وتستريح! نعود إلى الأمِّ الحزينة…
أيّة أمّ؟ الحمامة هي التي سافرت وعبرت الأنواء وبقيت في ذاكرتها، من تفاصيل الحكاية برمّتها! سينمو جناحاها الأسطوريّان وترفرف مع كلّ سربٍ شاهدَتْه يقلع ويحطُّ حتّى بلَغَتْ معرفةَ الحمام الزّاجل بذاته، لا برسائله بين قادة الحروب والتُّجّار والمنفيين والعشّاق! وستنبلج الصّورة بنقاءٍ مدهش، كقمر صافٍ تلبَّث فوق الجبال بلا ظلال حين ستقرأ رواية «أبو صابر حمد ذياب»، ومن عجَبٍ أنّ الرِّوايات إدمانٌ بشريٌّ يجدّد سحرَه بلا هوادة ومازال قوتَ فجر الطُّفولة كما كان قُوتَ فجر البشريّة وغذاءَ التّاريخ! «حَمَد» هذا صار جنديّاً في جيش الاحتلال الفرنسيّ لوطنه، كي يلبس بزّة ويتقاضى معاشاً، لكنَّه ما يلبث أن يقاتل بسلاحه، من سلّحه، حين يتلقّى منه أمراً بإطلاق النّار على أهله وإخوته! يُلْقى القبض عليه ويُزَجُّ في السّجن خمسة عشر عاماً، لكنّ القضبان تعجز عن حَجْب أغانيه وإثارة نفوس السّجناء، فيُنفى إلى «غِيانا» في أمريكا اللّاتينيّة، وفي أدغالها يعرف الجوع والعطش والبرد والعري مدّة عشرين عاماً، تشرق شمسُها كلَّ صباحٍ فيمدُّ أصابعه يَنسُلُ منها خيوطاً، لابد أشرقت، قبل أن تصل إليه، على جبل الريّان البعيد، ويلمس جذوع الشّجر الغريب فيسمع طقطقة لحاء السّنديان المتشبّث بصخر «القنوات»، ويقشّر ثمرة صنوبر وفي فمه تفّاح السّويداء ومشمش الغوطة! لا يريد أن يكون «روبنسون كروزو »بل ينتظر أن يصقل مجذافين يمخران المحيطات! لا يريد أن يكون «حيّ بن يقظان» بل ينتظر أن تنبت له جناحان توائمان نسائمه الصّبور… وقد عاد قبل غروب شمس حياته!هكذا سرد «سلامة عبيد» روايةً واقعيّة، ببطلها الإنسان، الواقعيّ، خياليّةً في جُزَيئاتها وأجوائها ويوميّاتها! تقرأ الصّفحات بتأمّلٍ وتسرُّعِ نبضاتِ قلب وصوت الجدّة الواهن في سَمْعها فلا ترى إلا جناحيْ حمامةٍ زاجلة تمخر عباب الفضاء ميمِّمةً شطر الوطن لا تعوقها البحار ولا البراري ولا تتوقّف في الموانئ ولا تختم جواز سفر على حدود لأنّ العشق العميق ختم على قلبها وَشْماً أبديّاً لا يطلب من المعشوق مكافأة إلا رغيف خبز من تنّور على مفترق طريق ونسمةً تهبُّ على أنفاسه من بساتين الجبال والذّكريات وقد وصل بعد عشرين ساعة، بل عشرين سنة… إلى البيت والرّغيف و… قلوبنا، حيث اكتملت الملحمة!

معلومة: رواية الكاتب الفذ «سلامة عبيد»، «أبو صابر.. حمد ذياب» نالت جائزة الرّواية من وزارة الثقافة في سوريّة عام 1970.

الاثنين، 30 أكتوبر 2017

آفاق.. من ماءٍ فرات

نهلة سوسو 
دقّات قلبه أعلى من وجيب الماء الذي يسمعه من دون أن يراه، فالظّلام المطبق على المكان جعل حتّى الشّجر حوله أكواماً مبهمة، يشعر بها هي الأخرى من حفيفها الخافت، ولا شعوريّاً يضمُّ قبضتيه اللّتين نسيتا استخدام المفكّ والقطّاعة والأسلاك الباردة التي كان يمدّدها، ببراعة، في الجدران، لتضيء المصابيح وتعمل الأجهزة ويتناوب التيّار، فمنذ انقضّوا على البلاد صارت «مهنته» أشدَّ وطأة وأعظم حين دمّروا الأبراج بتوتُّرها العالي والمتوسّط والمنخفض… ولم يُتَح له يوماً منذ لبس البزّة العسكريّة أن يفكّر كيف قطع الطّريق من أقصى الجنوب إلى حيث هو الآن في الشّمال الشّرقي، عُدَّتُه السّلاح، وفي الطّريق غادره الرّفاق واحداً إثْرَ آخر، وعلى كلّ منعطف كان يجتاز دماراً تمحوه فظاعةُ ما بعدَه! وها هو آخر من يعبر الجسر الذي ارتجلوه وقت الأصيل وتقدّموا على أرض الجزيرة الصّغيرة وقد تذكّر من حجرة ما، في ذهنه المُجهَد، مثلّث برمودا الذي كان يحبس أنفاسَه كلّما أتى ذكره! مثلّث الموت الشّرِه الذي يبتلع الأحياء كأنهم حفنة طين تذوب في بحر ولا تترك أثراً! فهنا قضى رفاقُه كأنّ فخاخاً جاهزة كانت بانتظارهم! خطا نحو رطوبة النّهر، لعلّه ينسى أن قائده الذي رآه عن قرب، مرّة واحدة وذهل من موكب الإشعاع الذي يرافقه بل وحسبه خالداً، أبديّاً، لا يمكن أن يزول، قد استُشهد هنا ضحى الأمس وغاص قلبُه في برودة أشدّ من الموت خوف جوع قادم، فذاك القائد أطعمهم واطمأنّ على خبزهم في أبشع أيّام الحصار التي امتدّت كأنّها قرون!
خاض في الطّين الرّخْص فأدرك أنّ الشّاطئ بات على بعد خطوات ولم يتراجع أو يتوقّف وهو يسمع أصواتهم الفرِحة تتنادى لمشاهدة أكوام الأسلحة والذّخائر الهائلة التي تركها القتلة الطارئون على البلاد، بل دسّ قدميه في خطّ الماء الصّريح وبدأ بانتزاع الأفكار التي هاجمَتْه كحُزَم الأعشاب والطّحالب: وجه أمّه الشّاحب، تلوب باحثةً عن اسمه في شريط الأخبار، تأخُّر إمدادات الطّعام إلى مدى غير معلوم والنّفس التي عافت تناول ما تيسّر من أعشاب الأرض حتّى تصل الخضر من الحقول البعيدة وتُرمى من الطّائرات، ومَوْهِن اللّيل القادم الذي سيضُمّهم متعَبين، يكسرون البرد بالمزاح والغناء على أرض «الحويجة» الطّافحة بالخراب! انحنى ليرفع قضيباً معدنيّاً عن حذائه فلمعَت تحت ناظريه، تنفض الماء عن جسدها الرّشيق ثمّ تغطس مجدّداً وتدور في سرير من فقاعات فضّية مبهجة، وسريعاً، كخَطْف البرق، تذكّر تفاسير جدّته لسمكة الأحلام! السّمكة في المنام رزق وفير، وفي الحكايات لؤلؤة تختفي في جوفها ولا يعثر عليها إلا المحظوظ الذي أضناه التّرحال وأتعبته الموانئ! تَخْبُط السّمكةُ الماءَ بزعانفها فيدرك أنّها ليست حلماً بل هي وعدٌ للبحّار الذي أضنته بحق رحلة السّنوات السّبع! يسحب القضيب الحديديّ المعقوف بقدرة الأقدار ويقرّبه منها: تعالي، أيّتها الغالية أكثر من صندوق لؤلؤ…
في السّديم الأسود الثّقيل كماء الأعماق، توهّج الجمر وتلوّى الدّخان جميلاً، مشبعاً بشذى الشّواء وهم يصخبون، ويقتسمون أرغفة الخبز التي عثروا عليها في صناديق المؤونة بعد فرار الغرباء: أنت ساحر؟ كيف عثرت على السّمك والبحر بعيد عنا، بُعْدَ السّماء؟ بأيّ صنّارة جلبتَ هذا الكنز؟ – أمّا البحر فهو هنا! فراتٌ عذبٌ، جدّد ماءه برغم كلّ سمومهم وخبّأ كنوزه لأصحابها, وليس لمن جاء سفّاحاً وقاتلاً وطامعاً…
انداح اللّيل الفراتيّ وأنشدت الأرض لنجومه حكاية أسطورة جديدة سترويها الجدّات في ليالي لن تنتهي، كما روت تفاسير الأحلام عن السّمكة رمز الخير والرزق حتّى لو ضنّ جوفُها بلؤلؤة ثمينة
 جريده تشرين 

الخميس، 26 أكتوبر 2017



دمشق وبابل الماثلتان في عيون اليهود سبعة آلاف عام واليهود لا يغفو لهم جفن حتى يمتلكوا هاتين الحاضرتين 
وينتقموا منهما .ماذا يقول اليهود عن دمشق هل وصفوا دمشق بلسانهم ؟ كلا . بل وضعوا لها وصفا على السان الله الرب إله إسرائيل لنقرأ وصف دمشق في التوراة لكي نعرف مصيرها فيما بعد على يد هذه الشرذمة الفاسدة .نفثة مسمومة تفيض شوقا إلى خيرات دمشق نهم عجيب لسلب هذه المدينة الجميلة من أيدي اصحابها سفر حزقيال 27: 18: (( دمشق تاجرتك بكثرة صنائعك وكثرة كل غنى، بخمر حلبون والصوف الأبيض. ودان وياوان قدموا غزلا في أسواقك. حديد مشغول وسليخة وقصب الذريرة كانت في سوقك. تاجرتك بطنافس للركوب. العرب وكل رؤساء قيدار هم تُجار بيدك بالخرفان والكباش والأعتدة كانوا تجّارك. تجار شبا ورغمة هم تُجّارك. بأفخر كل أنواع الطيب وبكل حجر كريم والذهب أقاموا أسواقك. حران وكنه وعدن تجار شبا وآشور وكلمد تُجّارك. هؤلاء تجارك بنفائس بأردية اسمانجونية ومطرزة وأصونة مبرم معكومة بالحبال مصنوعة من الأرض بين بضائعك. سُفن ترشيس قوافلك لتجارتك ، فامتلأت وتمجدت جدا في قلب البحار. ملاحوك قد أتو بك إلى مياه كثيرة. ثروتك وأسواقك وبضاعتك وملاحوك وبابينك وقلافوك والمتاجرون بمتجرك وجميعُ رجال حربك الذين فيك، وكل جَمعِكِ الذي في وسطك يسقطون في قلب البحار في يوم سقوطك)) 
بعد أن يضع اليهود هذا النص المتغزل بدمشق الجميلة عروس العروبة ، وهم يتألمون لفقدها لأنها مُلك داود، يكتبون نبوءة مصيرها المتفجع الأسود على يديهم فيقولون في سفر حزقيال 27: 18 ((من صوت صُراخ ربابينك تتزلزل المسارح. ويسمعون صوتهم عليك، ويصرخون بمرارة، ويُذرون ترابا فوق رؤوسهم ويتمرغون في الرماد. ويبكون عليك بمرارة نفس نحيبا مرا. كل سكان الجزائر يتحيرون عليك، وملوكهم يقشعرون اقشعرارا يضطربون في الوجوه. التجار بين الشعوب يصفرون عليك فتكونين أهوالا، ولا تكونين بعدٌ إلى الأبد))
وهكذا يرسم اليهود مصير دمشق الحبيبة الطيبة يتغزلون بها على لسان الرب ويحوكون لها مصيرا اسودا لا تقوم له دمشق بعدها أبدا ولكن زوالها ليس على يديهم بل على يد (( التجار الذين يصفرون عليها فتكون هولا يرسلون جيشا من أولاد البغايا )).
السر في هذه اللوعة على دمشق هو أنها دولة ((داود)) أحد ملوك اليهود نزل فيها نص مقدس لا بل (( صكا مقدسا)) من الرب بأنها لإسرائيل كما قال في سفر الملوك الثاني 14: 28 ((وَكَيْفَ اسْتَرْجَعَ إِلَى إِسْرَائِيلَ دِمَشْقَ وَحَمَاةَ الَّتِي لِيَهُوذَا، أَمَاهِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ؟)) نعم هم يؤمنون بأن الرب كتبها صكا ابديا لملوك إسرائيل على يد داود الذي جعل فيها محافظين كما في سفر صموئيل الثاني 8:6 ((وَجَعَلَ دَاوُدُ مُحَافِظِينَ فِي دِمَشْقَ، وَصَارَ الأَرَامِيُّونَ لِدَاوُدَ عَبِيدًا يُقَدِّمُونَ هَدَايَا)) يجب أن يرجع السوريون وحاضرتها دمشق عبيدا لليهود يقدمون الهدايا لهم. 
دمشق أم الانهار والمياه حلم إسرائيل الكبرى انظر كيف يصف سفر الملوك الثاني مياهها بأنها فقط هي من يطهر اجسادهم كما في 5 : 12 (( أَلَيْسَ أَبَانَةُ ــ نهر تورا ــ وَفَرْفَر ــ نهر برداُ ـــ نَهْرَا دِمَشْقَ أَحْسَنَ مِنْ جَمِيعِ مِيَاهِ إِسْرَائِيلَ؟ أَمَا كُنْتُ أَغْتَسِلُ بِهِمَا فَأَطْهُرَ؟)) . 
حقدهم المتراكم طيلة سبعة آلاف عام اضمر لدمشق وشبابها اسوأ المصائر ، دمشق التي قال عنها ((شارون)) الجزار المرعب : (( لقد أخطأنا لأننا لم نُسقط دمشق، لأنها قلب العروبة النابض ومصدر عزهم دمشق التي هزمت التتار وكسرت شوكتهم. وكسرت الصليب على رؤوس الصليبيين اخشى ان تنهض فتكون سبب نكبتنا كما عودتنا في سالف الازمان)). 
أي مصير أسود رسموا لدمشق أفٍ وتف للعراعير الذين سيكونوا جزءا من نكبتها فقد انبأ اشعياء في سفره عن هذا المصير الأسود فقال في 17 : 1 ((على يد عرعور متروكة. تكون للقطعان، فتربص وليس من يُخيف)).(1)
(( وحيٌ من جهة دمشق ، هوذا دمشق تُزالُ من بين المدن وتكون رجمة ردم ويزول الملك من دمشق . خزيت حماة وأرفاد. قد ذابوا لأنهم قد سمعوا خبرا رديئا. في البحر اضطراب لا يستطيع الهدوء . ارتخت دمشق والتفتت للهرب. امسكتها الرعدة، وأخذها الضيق والأوجاع كمخاض ، كيف لم تترك المدينة قرية فرحي؟ لذلك تسقط شُبانها في شوارعها، وتهلك كل رجال الحرب في ذلك اليوم، يقول رب الجنود. وأشعل نارا في سور دمشق)) . (2)
هل رأيتم كيف أن أعدائكم لهم هذا الصبر العجيب في عدم نيسان آلامهم فهم يُخططون منذ سبعة آلاف عام ، ولا يزالون وقد آن الأوان لقطف ثمار ذلك الحقد المتراكم على دمشق طيلة آلاف السنين. والويل لبابل بعد دمشق حيث يدفع اليهود بالتجار ــ قطر ، السعودية ، تركيا ، الأردن مع العراعير يدفعون بهم للنيل من بابل حلم الشعوب ومصدر عزها وقوتها حيث سيكون مصيرها كالحا كدمشق. فماذا اعد اليهود لبابل ــ العراق ــ لقد وضعوا رؤيا من الله الرب في توراتهم تصور لنا مصير بابل المشؤوم فيقول في سفر إشعياء 13: 1 ((وحيٌ من جهة بابل رآه إشعياء بن آموص: ولولوا لأن يوم الرب قريب، قادمٌ كخراب من القادر على كل شيء. هوذا يوم الرب قادمٌ، قاسيا بسخط وحمُو غضب، ليجعل الأرض خرابا . فإن نجوم السماوات لا تبرز نورها. تُظلم الشمسُ عند طلوعها، والقمرُ لا يلمع بضوئه ـــ من غبار الصواريخ النووية ــ. وتُحطمُ أطفالهم أمام عيونهم، وتنهبُ بيوتهم وتُفضحُ نساؤهم. ولا يرحمون ثمرة البطن. لا تشفق عُيونهم على الأولاد. وتصير بابل بهاءُ الممالك وزينة فخر الفخر كتقليب سدُوم وعمورة. لا تُعمر إلى الأبد، ولا تُسكن إلى دور فدور، ولا يُخيّم هُناك أعرابي، ولا يُربض هناك رُعاة، بل تربض هناك وحوش القفر ويملأ البوم بيوتهم، وتصيح بنات آوى في قصورهم، والذئاب في هياكل التنعم، ووقتها قريب المجئ وأيامُها لا تطول)) كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين.
انظر لهم بماذا يصفون ((بابل)) كيف يقطر وصفهم سما وخزيا : (( بابل الزانية العظيمة التي زنى معها ملوك الأرض وسكر سُكان الأرض من خمر زناها يدها مملوّةٌ رجاسات ونجاسات زناها، وعلى جبهتها اسم مكتوب سر بابل أم الزواني ورجاسات الأرض سقطت سقطت بابل وصارت مسكنا للشياطين ومحرسا لكل روح نجس ولكل طائر نجس وممقوت . هكذا ستُرمى بابل ، ولن تُوجد في مابعد)). (3)
هذا ما رسمه لكم عدوكم منذ آلاف السنين ساعيا نحو تحقيقه على اشفار العيون . فماذا اعددتم له ؟ هو جبان لا يقاتلكم ولكنه يُحرّض كلابه وخنازيره عليكم : ليحصد الحنطة من أرض بابل ويلقيها في صهيون ، فيُفرغون سلاحكم قتالا فيما بينكم حيث يفتحون الحصون عن اولاد البغايا والزناة والخطاة الناصبون لذرية الأنبياء العداء والمحاربون لشيعة الناصري وإيليا الابرار السعداء خزّنوا اسلحتهم وجمعوا لكم جموعهم لأن اليوم المزمع أن يأتي لا يعثر فيه السعيد على سلاح لحمى الأطفال : ((عندما كلّت حدود السكك والمناجل والمُثلثات الأسنان والفؤوس ولترويس المناسيس ، وكان في يوم الحرب أنهُ لم يوجد سيف ولا رمح بيد جميع الشعب)). (4) عندها ستنزل قباب النور من بين السحاب في ظهر كوثي وتزهر السماء بطلعة ابن الانسان البهية قادما في بهاء الرب بمجدٍ وقوةٍ ليسود على الامم)). 
هذه هي دمشق وبابل في مخيلة العقول المريضة التي عاشت سبعة آلاف سنة في دائرة الأحلام المسيّانية الآسنة.وهم الآن يُنفذون أحلام سبعة آلاف سنة.
إيزابيل بنيامين ماما اشوري

الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017

طفل سوري يحصل على افضل جائزة اختراع في استراليا
حصل الطفل السوري باسل نضال اليوسف على المرتبة الأولى كأفضل اختراع لتقديمه ابتكار ليد صناعية متحركة بجميع الاتجاهات في مدينة فيكتوريا الاسترالية.
باسل ابن الـ 14 ربيعا صمم يدا تتحرك 360 درجة موصولة بدارات الكترونية تدار عن طريق جهاز تحكم قادر على تحريكها في جميع الاتجاهات ليشارك بها في مسابقة تقام على مستوى المدارس الإعدادية في الولاية محرزا المركز الأول كأفضل ابتكار مقدم.
وحول سبب اختيار الفكرة يقول باسل إنه رغم صغر سنه وبعده عن الوطن الأم سورية إلا أنه لا يستطيع أن يكون بعيدا عن آلامها وجراحها مضيفا “اخترت هذا الابتكار وكان مقصدي أبعد من المسابقة وهو أن أساهم بخدمة الوطن وأهله
وتمنى باسل أن تتعافى سورية وأن تبقى بلد المحبة والسلام معربا عن أمله في أن يكون جزءا من المنظومة العلمية الفاعلة والمبتكرة في الوطن.
وعن شخصية واهتمامات باسل يتحدث والده نضال قائلا: منذ صغره كان مولعا بالالكترونيات وطريقة عملها فقد كان يقضي وقته بالبحث والقراءة عن كل ما يخص علم الفيزياء وهذه المرة لم تكن لديه أي صعوبات وذلك بسبب إلمامه وتمكنه من فهم الية العمل، مشيرا إلى أن باسل لاعب جمباز على مستوى استراليا وبطل ولاية فيكتوريا ولديه تجارب أخرى يطمح في تحقيقها وتنفيذها.


آفاق.. الضّوء المسافر
نهلة سوسو
المرسَم، ضوءه شحيح والألوان ثلاثة، لا أكثر، تتحفّز للخلط والمَزْج لتعطي أطيافاً بلا عدد.. والذّهن متَّقد لتثبيت «بورتريه» للملامح الواضحة كمُنْسَرَحٍ جبليّ تتدفّق منه الينابيع وتشتبك عليه أغصانٌ خضراء.. خضراء كالزّمرّد الصّافي، تتموّج في ظلِّها شقائق النّعمان والنّفل والأقحوان! تتصلّب أصابعه وهي تغطُّ الفرشاة بالأحمر قبل المرور على الأبيض المُؤطَّر بخشب غير مشذّب! تدهم الخيال صورةُ الفارس بقامته الفارعة التي فَصَّلت الزيَّ المموّه بألوان جذوع السّنديان على تفاصيلها فكاد لا يتمايز عن غابة جبليّة غسلها النّدى حتّى النّقاء: يضع ساعته الذّهبيّة على معصمه ويلمس العلم الفضّيّ على صدره، ثمّ يعقد الشّال الزّيتونيّ على رأسه قبل أن ينفتح الباب وينهمر ضوء الفجر على محيّاه: – سيّدي نحن جاهزون!تختفي الصّورة قبل أن يضع خطّاً واحداً على بياض اللّوحة… يبدو الفارس في ردهة مشفى خالية، معتمة، خفيفَ الخطا، رشيق الانسياب، ينهض الجريح عن وسادته فيعاجله بوضع ذراعه وسادةً دافئة:
– جرحك غائر؟– لا يا سيّدي، سأكون معك بعد أيّام!
تتلاشى الصّورة قبل أن تلتقط ألوان الملاءة التي غُطّي بها الجريح، وقبل أن تستجيب الفرشاة لوضع نقطة على بياض اللّوحة ينفسح ميدانٌ مُحْصِب والفارسُ على جواد أدهم، يُسْلس قياده لصاحبه… هل كان يعلم أنّ أبطال الملاحم لهم طُلْعَتُه، كأنّ الأرض تمحو تضاريسَها، كلَّ تضاريسها حين يجولون على خطّ أفقها الأعلى؟ يشرد الرّسّام حين يسمع سقسقة ضحكات عذبة: الفارس يجلس على رصيف في ظلّ ياسمينة هرمة والأطفال يتحلَّلون من التهيُّب حين يبتسم! يمدّون راحاتهم الصّغيرة، تتدفّأ بكَفِّه المنبسطة، وواحداً إثْرَ آخر يلوذون بحضنه، يسمعون دقّات قلبه وذراعه تُدْخلهم إلى سويدائه! لن يرسم هذا المشهد إذا قادته اللوحة إلى رسمه مع آخرين! سيرسمه مع جُنده في الميدان وهم يقتحمون ويوصيهم بألا يتخلَّوْا عن «النّقطة» إذا غدرَتْه رصاصة! بل الأفضل أن يرسمه لحظة داس بقدمه على خطّ الفصْل والحصار وعانق رفاقه القادمين من الصحراء في مواكب الغبار والأذرُع المفتوحة وكان وجهه مضيئاً تلاشت جسارته في فيض من حنان وأشواق وهو يلوّح للّصوص الهاربين:– أرضاً جئتموها أحياء، ستخرجون منها أشلاء!
وتذكّر وهو يضع الفرشاة جانباً، يوم خاطبته صبيّة في مضافة شيخ جليل: أنت أكبر ممّن نُودي وا «معتصماه» فهبّ منقذاً وحامياً فيا «عصاماه» احْمِ ماء وتراب وسماء الوطن الوديعة وانصر قائدَنا الأمين…
ترك باب المرسم موارباً وخرج! ضوء نوافذه المُعَمَّر لم يعد كافياً! الضّوء كان في مكان آخر، لا يمكن أن يغادره ليتَشَتَّت في غير مواضعه! كان قد غذّ الخطا نحو الجنوب لملاقاة الموكب المهيب الذي يقوده الفارس وقد احتشدت فيه أكاليل الورد الأبيض عابرةً شحوب الخريف ويُبْسَه، وومضت السّيوف الذّهبية وأهازيج الحناجر التي طالما سمعها في أعراسهم ونزهاتهم وحفلات سمرهم، وكاد قلبه يتوقّف وهو يسمع صوت الفارس يغنّي ويعلو فوق كلّ صوت: أيّها الفرات، نزعْتُ من سرير جريانك كلّ حرابهم فاجْرِ حتّى تبلغ الحقول، أقصى الحقول، ليطلع القمح وينضج الرّغيف وتترسّخ الجسور القويّة! أودعتك رفاقاً أحبّة فامنحهم قُراح مائك حين يجوسون ضفافك، واسْقِهِم عذب نميرك لأنهم حرسوك بدمائهم وأرواحهم وجراحهم وأشواقهم لأهلهم وأعزّائهم…على دوّامات الضّوء راح خياله يرسم بلا توقُّف، لوحة وسيعة، انسابت ألوانها كدفق الحبّ في قلبٍ غير حذر، يفيض في أمكنة الجفاف ويشتعل في الحواف الصامتة غير مبال بحريقها، ويتمدّد… ثمّ يتمدّد حتى تكتمل اللّوحة، لوحات، ويبدو الفارس مبتسماً وعاقداً ذراعيه على صدره وقد غطّاه الورد الأبيض واقتربت السّماء من الأرض تلهب الألوان أطيافاً، يعجز عنها أيُّ رسّام في العالم..جريده تشرين 2017/10/24

الخميس، 17 أغسطس 2017

نهله سوسو

آفاق ذكريات
نهله سوسو


هي التي ليس لها من قوانين المنطق نصيب ! متمرّدة بلا حدود ، تنبثق في برهة غيرِ محضّرة لاستقبالها لأنّها تخرج من مكامنها رافضةً مدافنَها التي نظنُّها آمنةً ، مقفلةً بآلاف الأختام ، هي القادرة على إزاحة الحاضر بقوّتِه وسطوعه وتفاصيله الحيّة لتأخذنا إلى زمنٍ آخر ، مختلط ، لكنّه آسرٌ ومستحوِذ !على رصيف بردى ، خلفي السّيف الدّمشقي الباهي بجواهره في طرف ساحة الأمويّين ، بعد دار الأوبّرا ، التي خُيّل إليّ أن كاميرا بطيئة تغيّبها من جواري وتسحبها خلفي ، سرتُ باتجاه قلب دمشق مع قضبان السّور الرّتيبة كلحنٍ متعَب يذكّر المشاة ببردى المستلقي عميقاً بلا حسّ ، بينما تواصل السيّارات الأقرب من قريبة تدفُّقَها مع اتّجاهه بأغزَر من مائه بكثير ... يعبر شابٌّ طويلُ الشّعر ، مجموعُه على قُذال نحيل ، يعانق الكمان عناقاً يشي بخوفه عليه فيهمس قلبي : هذا عازف سيتخطّى بوّابة المعهد العالي للفنون المسرحيّة ومن باحته سيأخذ طريقه إلى رفاقه في الفرقة السيمفونيّة ! لابدّ لديهم تدريبات ، والعازفون ، حياتُهم الأوتار ، يعشقونها مع تردُّد الأنفاس .. وما يلبث الرّصيف أن يخلو لي وحدي .. متمهّلةَ الخطا ، عائدةً بالطّريق الرّاجع ، مصحّحة إحداثيّات المكان اللابث أمامي ، حيث المبنى العالي بمنظوره الدّائريّ وأعمدته التي تحيّرني ككلّ أعمدة الأبنية في الدّنيا : جمال التّصميم . حذق المهندسين . صبر العمّال . الوقوف في وجه الزّمن العاتي بعواصفه وزلازله والتّخريب الذي يناله ولو بالإهمال والنّسيان ! المبنى الذي أوقفت الحرب " مساره " ، اختفى من ساحة بصري بإسمنته ومحيطه المليء بالرّمل والحصى ، وشعّت مكانه استراحات ، كانت فضّيّة الألوان ، ترفرف فوقها غابات من الأعلام ، هنا كانت تجري احتفاليّة سنويّة مبهرة ، تجذب النّاس من الجهات الأربع فتنوء الأرصفة بالقادمين المبتهجين بحفلات المساء كأنّها من صنع الخيال ! يصدح صوت فيروز في احتفاليّات باتت خالدة كأنّها " الشّامات " منقوشة على وجه وأصابع دمشق الجميلة ! بلى .. هنا شاهدت مسرحيّة " المحطّة " ، ولا تسعفني الذّاكرة إلا بالشّعاع المنبعث من وجه فيروز وذلك القطار الذي استحضرتْه المسرحيّة بشاشة سينمائيّة ! لا أتذكّر الزّمن ولا الرّفقة التي كنت معها ولا التّفاصيل التي لابدّ كان فيها زحام وصخب وانطباعات ! وهنا لزمْتُ استديو إذاعة دمشق الموسميّ ، يبثّ شجو فيروز ويستضيف الزّائرين ! هنا كان معرض دمشق الدّوليّ ... وكان .. وكان .. ثماني وخمسين مرّةً ! ثمانيةً وخمسين ربيعاً ، التقى فيها العشّاق خلسة في الصّباح والمساء ، خبّؤوا قلقهم من الغد في زيارة الأجنحة ، وتناول الذّرة المسلوقة من الباعة المعَمّدين ببخار الحلل المكشوفة وبهجة الليالي الدّمشقية وتقمّصوا فرحة الأطفال يتقاسمون " غزل البنات " ، ووعود أن يصمد الحبّ مهما واجه من المصاعب ! تُرى ، كم من الزوّار رأى في المعرض صناعات وشركات واهتمّ بالتّصدير والاستيراد ؟ لكن لاشكّ أنهم جميعاً انتظروه عيداً و منعطفاً لأحداث هامة في حياتهم ! وقفت سيّدة حيث أقف ، ولعلّها ككلّ السّوريين تقرأ المعاني بروحها وتختصر المقدّمات : - سقى الله يوم كان المعرض هنا ! نزهةً كان لكلّ مشتاق لأنس الليالي ! لن أنسى النّوافير والغناء الصدّاح يقول إن الشّام لا تحبُّ النّوم إلا على فرح وأغاني حبّ .. وبنتي التي تزوّجت في المعرض الرابع والأربعين ستذهب مع حفيدتي لزيارته ولو في قصر على القمر ..جريده تشرين١٨/٨/٢٠١٧