الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

آفاق قلمُ أنثى نهله سوسو




آفاق قلمُ أنثى 
نهله سوسو
على غيرِ عجَلٍ في معارجِ الشُّهرة بدأت "كاترين مانسفيلد" النيوزلنديّة تكتب القصّة القصيرة، وكان الزَّمنُ زمنَ "فيرجينيا وولف" و" د.إتش.لورنس"! 
"كاترين" ذات الجذور الفرنسيّة، وُلدَت وترعرعت في مستعمَرة بريطانيّة وغادرَتها وهي في الثّامنة عشرة لتقيمَ في لندن مصطَحِبةً معها مرضَ السُّلّ خارج الرّئة، وتبدأَ قصَّ حكاياتها بأسلوبٍ غير مألوف، وحين تُصدر مجموعتَها الأولى تتلقّاها "فرجينيا وولف" بحفاوة بالغة وتكتب عنها مقالةً ترفع فيه أوّل منسوبٍ للشهرة القادمة التي سترسّمها سيّدةَ الحداثة في القرن العشرين، كما رسّم النُّقّادُ " فرجينيا" كاتبةً لتيّار الوعي الدّاخليّ وواحدةً من أهمّ كاتبات التاريخ! 
طافت "مانسفيلد" عميقاً في أدب "تشيخوف" و"كافكا" لكنّها نسجت قصصها بإبرةٍ ذهبيّة، من خيوط روحها، ولم تطرق باب أحدٍ من النّاشرين أو النقّاد أو المتنفّذين، إذ نشَرَ لها " مودي جون مندلتون " قصصها في مجلته الأدبيّة وهو طالبٌ في جامعة أوكسفورد، فوصلت إلى يد " فرجينيا" ليهتمّ بها فيما بعد كاتب " نساء عاشقات" و"عشيق الليدي تشاترلي"! وكاتبةُ " سعادة" و"الكناري" و "الرّوايات والرّوائيّون" و "في نُزْلٍ ألمانيّ" لم تكن راضيةً عمّا تكتب بل تتوسّل الزّمن لتعيد صياغة ما كتبَت، وحين تتمرّد عليها شجرة "الألويس" التي تنمو في البلاد المداريّة الحارّة ولا تثمر إلا مرّةً واحدة كلَّ مئة عام، كعنوانٍ لإحدى رواياتها، تستبدلها بعنوان آخر هو " المُقدِّمة" ولا ترضى عن السّرد بل تعيده مراراً وتكراراً، تحذف وتضيف وتنقّح وهي لا تغادر محرابَ الإبداع مستجيبةً لمديحٍ نالته من أرفع كتّاب عصرها، ولا تضع رأسها على وسادة حبِّ النّاشر الذي أصبح زوجَها ومن أهمّ نقّاد عصره، ولا تفرض وجودها عبر مرضها القاتل الذي لم يكن دواؤه قد اكتُشف بعد، وقد يهيّئ لها متابعين منافقين يمزجون بين الرّأي الموضوعيّ والإشفاق، بل راحت تكتب بغزارة وعينها على نافذة الموت، تأتيها الحكايات من مخزون طفولة هانئة، وفلسفةٍ عمّقتْها الثّقافة والتّأمّلات، وأخذت بيدها إلى عوالم الإنسانيّة الرّحيبة التي تاقت إليها نفسُها المحكومة بالموت المبكّر، هي القائلة: -الشَّرُّ يكمن في مكان ما... هادئاً، منتظراً، ما علينا إلا تحريك بعض الغبار لينبعث صارخاً، فاعلاً في النّفوس! ومع تيمتها هذه، أمضت أيّامها الأخيرة في إحدى ضواحي باريس تلتمس السّلام لروحها، قبل أن ترحل في الرّابعة والثّلاثين... وفي نفس قارئها أنّ سيرةَ حياتها هي أهمُّ روايةٍ يجب أن تتعلّمَ منها الكاتبات عبر كلّ العصور!
جريدة تشرين / 28 / 8 / 2018

الثلاثاء، 14 أغسطس 2018

آفاق عقوق نهله سوسو

آفاق  عقوق
 نهله سوسو
تعالَ، حدِّثني عن علاقتك بها مذ كنتَ طفلاً!
هل كانت أمُّكَ تروي لكَ الحكايات؟ هل كنتَ تعدُّ نجومَ السّماء وأنت تتساءل لمَ تغيب في النّهار وتطلع في اللّيل؟ هل مدَدْتَ يدك وأنت تنام تحت النّافذة لتسرق القمَرَ وتخبِّئَه تحت الوسادة؟ بأيّ الأوصاف كان أبوك يدعوك وهو يناديك؟ أتتذكّر درسَ القراءة الأوّل؟ بمَ شعرتَ حين رأيتَ الكلمة التي كنتَ تلفظها وقد تحوّلت إلى حروف؟ ألَمْ يدهشْك كيف تحوّل باب دارك العريض العالي إلى ثلاثة حروفٍ منزوية في طرف صفحة بيضاء؟ هل كنتَ فضوليّاً لمعرفة أثر فعل الأمر دون المضارع
على حرّيتِك ومزاجك؟ وعلى سيرة الفضول والمعرفة، هل كانت المدرسة في حياتك عصا وسجّاناً أم بستاناً يغريك بالتسلل من فتحة سُوره لتلتقط الثمار وتكتشف الأزهار والسّواقي والزّيزان والفراشات؟ ومن مباهج البستان تقطف ما طاب من الرحيق والألوان لتشرق ابتسامة معلمك: -مرحى لك، موضوع التعبير الذي كتبتَه ممتاز!
لا أستطيع فهمَ استخفافك باللّغة إلا من هذه البدايات، التي خلَت من المحبّة المتبادَلة واتّسمَتْ بالإخفاق المزمن، خاصّة وأنت تتّهمها بالتجهُّم والعسر والغربة عن الواقع، بل وتجاوزتَ ذلك إلى ما هو أدهى وأمَرُّ حين بدأت تتجاهل تقصيرَك وتهاجمها بحدّ ذاتها، وتصبُّ جامَ غضبك على من يراها جزءاً من وجوده الإنسانيّ والرّوحيّ ويدعوها بالأمّ! وأغرب ما قلتَه إن الكثير من اللّغات أبدعت وهي ليست عربيّة متعثّرة بالمؤنّث والمثنّى والممنوع من الصّرف! ماذا أتقنتَ من اللّغات لتتحدّث عنها بهذه الثّقة المعرفيّة؟ وماذا وصل إليك من ثقافة الأمّة التي تنتمي إليها لتلغيها بهذه الجسارة والبساطة؟ وبأيّ منطق سألتَ أن يتحدّث الإعلاميّون باللّغة التي يسعفهم بها لسانهم لأنّهم إذا فكّروا بالقواعد وهم يتحدّثون، تلعثموا، وتعثّروا، وضاعت منهم الأفكار والمعاني، ولعلمك الفكرة والمعنى هما من صلب اللُّغة قبلَ نطقِها والفكرة العالية تأتي من لغة عالية وما من فضاء ثقافيٍّ أو إعلاميٍّ معاصر، مطلوبٌ أن يكون كلُّ واحدٍ من أهله " سيبويه" المثقل بالمعاجم والمراجع، أما أن يتجرّأ كلُّ متجرّئ على اقتحام عالم الكتابة والتأليف وهو خالي الوفاض من أوّل وسائل " المهنة" فلا شكّ أنّه صيّادٌ بلا صنّارة، وعازفٌ بلا طنبور، وسائسٌ بلا خيول، وخزّافٌ بلا صلصال!
عقوق الأمّ، بعدَه، لا مصداقيّة لأيّ علاقة تربطنا بأحد، وضياعٌ في متاهات التّبرير، ولا تبرير لمن يستخفُّ بأعلى القيم./ جريدة تشرين / 14 / 8 / 2018 

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

آفاق على بابِه نهله سوسو




آفاق على بابِه
نهله سوسو
سبع سنواتِ فراق وهو مودَعٌ في حمّالة مفاتيح!
تعدَّدَت بعده المفاتيح، لكنّها في حمّالات أخرى جُمعت، ومن عجب أنّني بدّلتُ البيوت، لكنّ أصحابها لم يستردّوا مفاتيحها كأنّ مفتاح البيت حين ينتقل إلى غير صاحبه يفقد الثّقة ويغدو قطعة خردة أو طريقَ لصٍّ إلى مأمن! ومن عجَبٍ أيضاً أنّ حمّالة المفاتيح تلك بقيت في حقيبة يدي سبع سنواتٍ طويتُها دون عدٍّ لأنّها كانت قابلةً للتحوّل من زمنٍ مديدٍ في فِقْد الأحباب وتتالي الخراب، إلى برهةٍ ومشوار قصير أعود بعده إلى العتبة الظّليلة أتلمّس رائحة الطّعام الذي طهوتُه في الصّباح، وأعِدُ نفسي بالرّاحة بعد عملٍ مرهِق وتعبٍ يتجدّد لكنّه يزول! يبدو أنّ التخلّي عن حمّالة المفاتيح كان مستحيلاً، رغم أنّ البيت صار أبعدَ من كواكب السّماء، وكيف لا يكون أبعَدَ، بعد أن قطع طريقَه إرهابٌ وأحقادٌ وبهائمُ قتْلٍ لا تعي ولا ترعوي؟ ربّما كان ذلك المفتاح هو يقينَ العودة لذلك لم أشْرِكْ معه مفتاحاً آخر! ربّما كان البيتَ بذاته محمولاً في القلب أو على الظّهر لا يريد أن يفارقني ولا أريد أن أفارقَه!
وقفتُ ببابه أدير المفتاح الذي انزلق بسلاسة كأنّه أُغلِقَ منذ سبع دقائق، لكنّ الرّائحة التي تدفّقَت من جوفه صرَخَت في سمْعي: -هنا سهر رجالٌ لم يعرفوا النّوم حتّى لا تطَأَ أقدامُ اللّصوص العتبةَ! وحينَ خطوتُ فوق شظايا الزّجاج المتراكمة على المقاعد والمساند، حاذرتُ من رفع بصري إلى رفوف المكتبة، و يا ويحَ قلبي الذي خفق: -ستحزنين على الشعراء والرِّوائيّين وهم من ورق وتنسين الشّهداء الذين عرَفْتِهم في الحيّ يومَ أخرجوكِ آمنةً: -نخاف عليكِ من إصابةٍ لا نستطيع معها إسعافَكِ تحت سيل قذائفهم الغادرة! ومغمَضةَ العينين والمشاعر أمضي لتفقُّدِ الحجرات وشرفة المطبخ فأرى دموعاً من صدأٍ وصديد قد سالت على الجدران! سبع سنوات هطلت أمطارُ شتاءاتها مع رصاصهم الغادر، ومرّت أصيافُ جفافها مع قنْص البشَر وأنابيب المياه العارية، فكيف لا تبكي الجدرانُ صدأً وصديداً، وكيف لا تصبح الشُّرفة مطلّةً على حديقةٍ أرضيّةٍ، بلا سواتر؟ أقف مستذكرة فصول الرّبيع التي تسابقَت إلى توزيع التيجان الخضراء على النخيل والزنزلخت والكينا وعرائش الياسمين الأصفر فلا يفاجئني أنهم جعلوها مِكَبّ خراب بقي فيه رأس النخلة أخضرَ عالياً، وعلى جذعه أزهرت وجوه الشّهداء الذين كان مفتاحي معهم وليس في حقيبتي./ جريده تشرين 7 / 8 / 2018