الاثنين، 31 ديسمبر 2018

هــذه ســـوريه وهــذا وطنــنا




بهذه المتغيّرات يمكن التأريخ لانتهاء حقبة الربيع العربي وما نتج عنها بشكل رسمي هي التي شهدت عدة نهايات في الفترة السابقة، بحسب ما يفهمه كل شخص من مصطلح الأمه العربيه وآخرها الربيع العربي
انتهى كذبه العروبه و الربيع العربي بما حمله من توق إلى دول مدنية حديثة وديمقراطية منذ عام 2013 وفي نفس العام انتهى ما يمكن تسميته بـ ربيع على يد الأمه السوريه الإخوان أي حلمهم بحكم الأمه السوريه وانتهى الربيع العربي بما حمله من توق إلى عدالة اجتماعية منذ سنوات أيضاً، وانتهت أحلام الإسلام المتطرف بالاستفادة من المناخات التي ولّدها مع هزيمة داعش.للتذكير لا أمانه بالنسبه لنا من العرب المجرمون المتعاونين مع اليهود ليس الأن من بدايه كذبه هيكل سليمان

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2018

بيع الاراضي السورية للارهابيين

بيع الاراضي السورية للارهابيين
كثيرا ما يتوقف المراقبون حيارى امام استمرار الترحيب المحلي لسكان بعض المناطق بالارهابيين وتوفير الغطاء والحماية لهم لدرجة ان الامر استدعى ابتداع مصطلح خاص بالامر وهو " البيئة الحاضنة".
والحقيقة، ان بعض الدول اشترت مساحات واسعة من اراضي تلك المناطق وعقاراتها بمبالغ ضخمة واقامت عليها قواعد للارهابيين، ترتبط فيما بينها بشبكة انفاق تحت الارض، وشبكة اخرى بين البيوت التي اشترتها. وكل ذلك جرى تحت انظار الاجهزة الامنية التي كانت مشغواة باعتقال وتعذيب من ينتقدون المسؤولين تحت حجة"المساس بهيبة الدولة"
وعندما دقت ساعة الصفر، جندوا الاصحاب السابقين لتلك البيوت بصفوف المعارضة مقابل رواتب شهرية مغرية ووعود باعادة ملكية تلك البيوت والعقارات اليهم بعد انتهاء الحرب، وهكذا خلقوا قواعد جاهزة.
وقد ثبت ان شركات متعددة الجنسيات قد وقعت عقود شراء ودفعت اموالا بمعدل 50 الف دولار لكل بيت في مناطق التوتر والاضطرابات، وخولت المسلحين بفتح الجدران وازالتها تحت مسميات الترميم، وان اصحاب هذه المنازل قبضوا اموالهم بالكامل.
ولنأخذ مثالا داريا، فقد ثبت ان معظم بيوتها بيعت الى شركة الديار القطرية عبر مجموعة من المكاتب العقارية. وللعلم فقط، داريا فيها 60الف بيت، وعلى ذمة بعض سكان داريا فان شركة الديار القطرية دفعت مبلغ 75 الف دولار ثمن كل بيت. كما قامت نفس الشركة بشراء حمص القديمة لنفس الاهداف. وفيما بعد، دمرت داريا تدميرا تاما وجرى تهجير جميع سكانها.
وقد قام حاكم قطر بشراء معظم حي الخالدية في حمص، وقامت الحكومة السورية بمنحه 150 هكتارا مجانا بين حمص ودمشق في مكان ذو اهمية امنية وذلك بحكم الصداقة والاخوة. كما اشترى مساحات واسعة في تدمر واقام عليها قصرا عظيما يسمى "قصر القطري" وتم منح زوجة امير قطر ارضا واسعة على قمة تل مرتفع على اتستراد بيروت- دمشق، والقصر يطل على مواقع قيادات عسكرية.
كما قامت الشركات القطرية بشراء مئات الدونمات في المنطقة الجنوبية من حاجز سعسع.
ويجب ان لاننسى ان الشريط الساحلي الشمالي في اللاذقية تم بيعه لقطر قبل الازمة وتم تسوير المنطقة.
بيع اراضي صيدنايا
وفي صيدنايا، قام المدعو إيليا نقولا سابا أمين فرقة حزب البعث في صيدنايا بتسجيل عدة قطع من الاراضي الجبلية وأملاك الدولة بإسمه. كما استولى على عدة قطع من الارض التي كانت ملكا للمرحوم نقولا الياس الخوري بتواطئ مع القاضي تامر الزامل الذي صار يمتلك حاليا عدة كازينوهات.
وقام بالاتفاق مع المدعو سمير ابراهيم التلي بشراء اكثر من 2000 دونم من أراضي "وادي الصيادنة" ثم باعها للشيخ خليفة بن زايد رئيس دولة الامارات كل ذلك عام 2000. ليجعلها محمية لصقوره.(على حد ادعائهم).
للامانة اقول: هناك أشخاص رفضوا البيع. على سبيل المثال: عندما رفض العميد ابراهيم نجمة والمهندس نمر خبازة بيع اراضيهم، جماعة الامير من المرتزقة السوريين عمدت الى تهديدهم ومنعهم من الوصول لأراضيهم لإجبارهم على البيع. فوجه العميد ابراهيم نجمة رسالة لوزير الدفاع ورؤساء فروع امنية اخرى يحذر من عمل تجسسي ضد سوريا لان هذه الاراضي تقع بمناطق عالية وهي على الحدود اللبنانية. الا ان كل تحذيراته ذهبت سدى.
وأثناء الأزمة، صح ماتوقعه العميد وتحولت تلك الاراضي الى قاعدة للارهابيين، وتم قصف صيدنايا عدة مرات منها. ونتيجة تكرر القصف توجه الجيش الى تلك المنطقة لمعالجة الموضوع، فنصب الارهابيون كمينا للجيش السوري هناك راح ضحيته العديد من القتلى.
بالنتيجة، اقتحم الجيش تلك المنطقة واعادها الى احضان الدولة.
القانون السوري لايسمح للاجانب باستملاك اكثر من 4 دونمات الا باستثناء من رئيس الوزراء. وقد حصل رجال الامير على كل الاستثناءات اللازمة لامتلاك اكثر من 2000 دونم مما يدل على تورط المسؤولين الكبار بهذه الصفقات لدرجة ان التحذيرات التي قام العميد ابراهيم نجمة الى وزير الدفاع ومدير المخابرات كانت بلا جدوى.
بالاضافة لذلك، هناك قصور اماراتية احتلت مساحات واسعة من الزبداني والصبورة. وقصور يملكها سعوديون في الغوطة وعلى طريق صيدنايا.
كذلك تمت عمليات بيع عقارات في سهل حوران الصنمين والشيخ مسكين ونوى، وسهول تسيل وسحم الجولان. وكل ذلك بمعرفة المسؤولين الكبار.
ايران تشتري اراضي سورية
اما بالنسبة لايران، فقد قامت بشراء معظم الأراضي والابنية المحيطة بمزار السيدة زينب بمبالغ ضخمة مما تسبب بارتفاع اسعر العقارات بتلك المنطقة.
بالاضافة لذلك، اشترت ايران عقارات واسعة تقع في أحياء دمشق القديمة وتحديدا المنطقة الممتدة من خلف الجامع الأموي وحتى منطقة باب توما وهي منطقة يسكنها المسيحيون.
ثم توسعت حملة شراء العقارات لتشمل العاصمة دمشق ذاتها حيث اشترت العديد من الفنادق الفخمة فيها مثل: فندق دمشق الدولي، فندق الايوان، فندق آسيا، فندق البتراء بالاضافة لاسهم في فندق سمير اميس.
بالاضافة لذلك، اشترت ايران مساحات واسعة من الغوطة الشرقية وخاصة منطقة مليحة.
ملاحظة بخصوص بيع اراضي صيدنايا
في تلك الفترة من الزمن، كان الرئيس بشار الاسد ببداية عهده، وكانت كل الامور الامنية بيد اللواء بهجت سليمان. ورئيس الوزراء كان مصطفى ميرو وهو الذي اعطى الاستثناءات للاعراب بامتلاك 2000 دونم. والجدير بالذكر ان بهجت سليمان هو الذي اقترح اسم مصطفى ميرو على الرئيس بشار الاسد لتعيينه رئيسا للوزراء.
ومازال سيادة اللواء، سعادة السفير، الدكتور الموهوب، الوطني الفذ، حكيم الزمان بهجت سليمان "يبيض كل بيضة وطنية اكبر من اختها"
10-12-2018

الاثنين، 26 نوفمبر 2018

الأرهاب صناعه اليهود

الأرهاب صناعه اليهود
القلائل في العالم يعلمون أن إدلب كانت تابعه لأنطاكيا السوريه عاصمة المسيحيه تحتضن 3000 كنيسه ودير وموقع أثري وهي الأهم عالميا في التاريخ والقارات الخمس للآثار المسيحيه وكانت مهد البشاره للقديسين والرسل وأولهما بولس وبطرس،تجمع فيها إرهاب العالم لطمس ما بقي لنا من جذورنا المقدسه

الخميس، 15 نوفمبر 2018

بيان تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي في السادس عشر من تشرين الثاني

بيان تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي
في السادس عشر من تشرين الثاني
إن حياة الأمم والمجتمعات تبنى بتضحيات أبنائها، من يمتلكون إدراكاً لحقيقتهم ووعياً أنهم ليسوا قطعاناً بشرية بل هم التعبير عن فعالية الأمة بما ترمي إليه في الوجود. هؤلاء أصحاب القوة الفاعلة في تقرير مصير بلادهم بإرادتهم المتأتية من نفس سامية بمراميها ومقاصدها. القوميون الاجتماعيون بما يحملونه من مبادئ ومثلٍ وقيم هم هذه القوة النابضة بالحرية والواجب والنظام، المدركة لحقيقتها الخيرة والجميلة، من وضعوا أنفسهم حتى الشهادة في سبيل فلاح أمتهم.
أراد أنطون سعاده، زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أن يكون الحزب هو المعبّر عن مصالح الأمة السورية، وهكذا كان. فالقوميون الاجتماعيون يمثلون اليوم حقيقة أمتهم وسمو غايتها، ويؤكدون عند كل مفصل أن المبادئ المتجذرة في قلوبهم وعقولهم وسواعدهم هي حياة الامة سواء قبلها أصحاب مشاريع التقسيم والإرادات الأجنبية أم لم يقبلوها.الواقع يعترف بالأمة السورية وهي حيّة بعمل القوميين الاجتماعيين وغايتهم بتوحيدها وبعث نهضتها لاستعادة مكانتها في مسار التاريخ.
أيها السوريون القوميون الاجتماعيون،
حزبكم إبتدأ عهد الصراع والبطولة، وبمحاربته في سبيل مبادئه وضعَ حداً للتخبط والبلبلة والدعوات الأجنبية والطائفية وقد تحملتم في سبيل إيمانكم الآلام والصعاب والمشاق من جميع الفئات وأثبتم أنكم حقيقة الامة الموحدة، القادرة على تغيير تاريخٍ أرادَه المستعمرُ تقسيماً وهيمنة وأردتموه وحدةً واستقلالاً وفخراً لرِفعة سورية وعزّها بين الأمم.
إن تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي في 16 تشرين الثاني عام 1932 أتى لينقض مساراً طويلاً من الاحتلال والتخبط الفكري والنفسي والثقافي، هو بدء تاريخ سورية السيدة، سورية الموحدة، سورية الرائدة، والمستقلة. وكل قومي اجتماعي أينما وُجد، يشعرُ بمسؤوليته تجاه بلاده، ومن أجلها يغدو الموت شرفاً ومجداً وحياة.
الحزب السوري القومي الاجتماعي هو إرادة الأمة في تقرير مصيرها وفيه حياتها ولا يمكن أن يَصُدَّ إرادة الحياة شيء في الوجود. ليس الحزب شعارات وتعابير رنانة للتغني بها، هو حقيقةٌ سامية، وعملٌ مضنٍ في سبيل هذه الحقيقة. هو إعلانٌ صريحٌ أن في المجتمع السوري نهضة فكرية وثقافية واجتماعية أصيلة، ولأجلها مستعدون لتقديم أية تضحيات، لأننا قوم ما تعودنا إلا الحياة بالعز ولسنا قطعاناً تساق وراء مشاريع أجنبية تتحكم بمصيرنا ومشيئتنا.
“إن الحرية حملٌ ثقيل” على من يضطلع بها، ونحن قوم عهدنا الحرية، وغايتنا ثابتة وواضحة، والأمة المدركة لغايتها وحريتها هي أمة جديرة بالحياة. حياة خير وحق وجمال. أمةٌ ناهضة بإرادةِ أبنائها وفهمهم لهويتهم وقوميتهم التي آمنوا بها. وبهذه الارادة سنحقق الانتصار.
نحن في الحزب السوري القومي الاجتماعي نفتخرُ بكل تاريخنا، لأنه تاريخُ بطولةٍ لا خنوع. نفتخرُ بشهدائنا وأسرانا ومناضلينا ونسورنا ومثقفينا والمبدعين منا.. نفتخرُ بكلِ رفيق وطالبٍ وشبل ينادي بحياة سورية. نفتخرُ بآلامنا كافتخارنا بانتصاراتنا لذا تمسكنا بالنهجِ الذي اخترناه بملء إرادتنا، رغم إدراكنا أن طريقنا محفوف بالمخاطر. إن تاريخ الحزب هو تاريخ واحد منذ تأسيسه حتى الثامن من تموز وإلى اليوم، هو تاريخُ أنطون سعاده، المؤسس، وتاريخ المؤسسة التي لا يمكن فصل شخصيتها عن شخصية زعيمها والنهج الذي أرساه في حياته واستشهاده.
أيها السوريون القوميون الاجتماعيون،
إن المعركة الآن هي معركة شاملة وواسعة والعدوان يشن على كل الأمة من بحر بيروت إلى العراق وحتى الأردن وإن بدا بعيداً عن النزاعات تبين أنه هشاً عند أول مواجهة. بدأت سياسة التفتيت منذ احتلال العراق وتجزئته، وهو أكبر دولة نفطية في العالم، بينما يعيش شعبه تحت وطأة إنهيار الخدمات والتعليم والسيادة. وبالتالي ضرب ظهر الأمة أي العراق كان الهدف الأول للأعداء.
شكّل ضعف وحدة الأمة وعدم تحصين الشعب والبلاد مدخلاً للعدو حيث كان “الربيع العربي” المدخل الأساسي لتفتيت العالم العربي وإنهاء المسألة الفلسطينية. والحزب السوري القومي الاجتماعي كان واضحاً تجاه ما سميَ “ربيعاً” بأن أية ثورة أو تغيير لا تكون بوصلته فلسطين هو مدخلاً لتمزيق أمتنا وضياع حقوقنا.
وعلى هذا المنوال كان العدوان في الشام، فقد استهدف هيكلية الدولة ووحدة المجتمع لاضعاف سورية الدولة إنما مناعة الشام أدت إلى صمودها وكان الخيار بتعزيز عوامل وجودها والتغييرات التي حدثت طيلة هذه السنوات هي لاستيعاب كافة الكفاءات في موكب عملية الاصلاح. من لم يتعاون في هذه العملية كان ولاؤه لدى القطري والتركي والسعودي والاميركي والغرب بشكل عام.
الحزب القومي ثقافته توحيدية وهذه ميزته في المجتمع، شهداؤنا أكدوا توحّدنا وهم من كل المتحدات والموروثات الدينية وشكّل أهم رسالة عن صورة الوحدة في سورية عموماً والشام خصوصاً. لذلك يجب أن نكون فخورين بتميّز رسالتنا ووحدة مجتمعنا وعلينا واجبات تعزيز الوحدة الوطنية الداخلية في الشام والمساهمة مع مؤسسات الدولة في تطوير فهم المجتمع لهذه الوحدة وليصبح المجتمع قابل لمناقشة اي تطوير للقوانين بهدي وحدته ومنعته. وعلينا العمل مع كل المواطنين لتعزيز عوامل الوحدة لان تداعيات العدوان وآثاره كبيرة. إن إنتصارنا اليوم في الشام هو إنتصار الشعب لأن خياره كان الدولة والوحدة… وهذا كان خيارنا وتوجهنا منذ اللحظات الأولى للعدوان.
انتصرت الشام الدولة المدنية والموحدة الأراضي ورسالة القوميين الاجتماعيين كما دائما هي العمل على تعزيز وحدة الحياة لتعزيز مواجهة القرارات الدولية والتآمرية عليها وعلى لبنان والعراق وفلسطين والانطلاق لبناء أواصر من التعاون بين كل أبناء الامة.
تأتي اليوم سورية الجنوبية – فلسطين، في قلب المشهد السوري العام لتثبّت، كلما حاول المضللين رسم خطوط فرعية للصراع، أن لا خيار لأمتنا بالاستقرار والنهوض إلاً بالمقاومة ببعدها القومي وعمقها الاستراتيجي، مسقطةً مشاريع التسويات بمسمياتها المختلفة ومؤكدةً وحدة المعركة في بلادنا ووحدة مصيرها.
إننا اليوم أمام تحدٍ جديد يتمثل في تحصين وحدة شعبنا وشدّ أواصر التفاعل بين مختلف بنِيه لتثبيت الانتصار الذي حققه الجيش السوري في الشام ونسور الزوبعة ومعهم قوى المقاومة والبدء بعملية إعادة بناء المجتمع والعمران لتعزيز عوامل المواجهة والوحدة… والقوميون الاجتماعيون هم الأقدر والأفعل في تثبيت هذه الوحدة لأنها في صلب عقيدتهم وعملهم ومبادئهم ونضالهم.
أيها السوريون القوميون الاجتماعيون،
لستم فئة قليلة بل أنتم اللحظة الفارقة في هذا الزمن، أنتم الحق في زمن انتحال الصفة الوطنية ومحاولات أخذ الأمة لخارج موقعها في صراع الأمم. بعقيدتكم ونبذكم للتعصب المذهبي والعرقي والهويات الغريبة عن أمتكم تشكلون نهضتها ولو مرّ على أي حزب ما مرّ على الحزب السوري القومي الاجتماعي لما استطاع البقاء، إنما حقيقة مبادئه وصلابة مؤسسته ونزاهة القوميين الاجتماعيين ومِنعتهم وقوتهم وتضحياتهم وإيمانهم بمبادئهم صانت الحزب، وستصونه وتُزهق الباطل مهما كان لبوسه.
أنتم من حررتم إرادة الامة السورية من التبعية، وبنيتم بنضالكم نهج إستقلال فكري وثقافي وسياسي وهوياتي عن كل الطروحات التي كانت سائدة، ومنذ انبثاق الحزب ابتدأنا نهضة حقيقية قائمة على تعريفنا الواضح لمن نحن، تحمل توجهاً ومشروعاً قادراً على اعادة المكانة الطبيعية لسورية الامة الرائدة، القوية، الهادية بين الأمم. عليكم تقع المسؤوليات الجسام فثقوا بأنفسكم وثقوا بقضيتكم وكونوا عصبةً واحدة يكون الغد لكم.
دوموا للحق والجهاد
لتحي سورية وليحي سعاده
عميد الإذاعة
الرفيقة داليدا المولى

الأحد، 14 أكتوبر 2018

أمة لا مكان لها تحت الشمس....!!!!!!!!! الصهيونية وإمتداداتها بقلم أنطون سعاده

أمة لا مكان لها تحت الشمس....!!!!!!!!!
الصهيونية وإمتداداتها بقلم أنطون سعاده
يحاول الصهيونيون اليوم أن يخالفوا الاعتقادات الشائعة في العالم عن تحديد موت الأمم موتاً أبدياً تبعاً لحالات معينة وسنن طبيعية واضحة قام بشرحها وتحليلها فريق كبير من مشاهير مفكري العالم .
تعتبر الأمة اليهودية اليوم أمة بائدة. وهي بائدة فعلاً رغماً من محاولة الصهيونيين ستر الحقيقة بالقول أن اليهود أمة متفرقة لا ينقصها إلا أن تجتمع في بقعة من الأرض تكون وطناً لها. فتشتت اليهود في جميع أقطار العالم مدى أجيال طويلة يعني القضاء على وجود أمة يهودية، إذ لا يمكن أن يكون اليهود قد احتفظوا كل هذه المدة بعنصرهم خالصاً. وعلى افتراض أن هذا ممكن وواقع، فمما لا شك فيه أنه لا يمكن أن يكونوا قد بقوا تحت تأثير أفكار إسرائيلية بحتة، بل المعقول أنهم تشربوا أفكار الشعوب التي نزلوا بينها.
بيد أن اليهود، وخصوصاً الصهيونيين منهم، يعتقدون كثيراً بالعنصر. وقد قال الزميل الأستاذ "حبيب إبراهيم كاتبه" في مقالة له تحت عنوانها "هل نحن عرب؟" ما يأتي: "قال أحد كبار المفكرين اليهود ما معناه إنني بمشاربي الأدبية ألماني وبأميالي الاجتماعية أميركي. فـ " شلر" و "غويتي" و "كانت" لهم مقام سام في قلبي ولكنني مع كل ذلك يهودي بالعنصر. والحق أنه ألماني أميركي إذ إنه لم يترك للعنصر اليهودي ما يميزه به أي الاسم".
ومن هنا نفهم جيداً مبلغ تعلق اليهود بالعنصر ونعرف لماذا يؤلفون مجاميع مضطهدة وسط أمم شتى. ولولا التشبث بالعنصرية الفارغة لما كنا نسمع اليوم بحركة يهودية صهيونية وبادعاءات صهيونية تضحك الثكلى.
نفتح الآن مسألة الصهيونية بمناسبة قدوم أحد زعماء الحركة الصهيونية لبث الدعوة والتحريض على إيجاد الوطن القومي اليهودي في فلسطين. فقد حضرنا محاضرة هذا الزعيم الصهيوني الذي يدعى "الدكتور موسنسن" في إحدى قاعات ترمينس برفقة صديقنا الحميم وزميلنا السيد توفيق قربان. ورغماً من أن الدكتور المشار إليه تكلم بلغة الجرغون أو "السكناجي" التي هي خليط من اللغة الألمانية والعبرانية فقد تمكنّا بعد الجهد من فهم النقط الأساسية والإيضاحات الجوهرية التي أبداها الخطيب.
نترك الرد على كلام الدكتور موسنسن وادعاءاته من الوجهة التي تهم العالم الخارجي للصديق توفيق قربان الذي أنشأ مقالاً باللغة البرتغالية وسينشره في بعض الصحف الوطنية. ونحن لا نريد الآن إلا أن نأتي على القضية الصهيونية من الوجهة التي يهمّ السوريين خصوصاً الوقوف عليها، أي الوجهة التي تتعلق بالقضية الوطنية السورية.
الباعث على الحركة الصهيونية في الدرجة الأولى أفكار جماعة تريد أن توجد من يهود العالم المختلفي النزعات والمشارب،.. والمتبايني الأخلاق والعوائد، أمة إسرائيلية. ومع أن هذه العملية غير طبيعية، فإن انتشارها بين اليهود المضطهدين جعل لها صفة إمكانية الحدوث. وهذا هو الفصل الأول من رواية الصهيونية التي جاء الدكتور موسنسن من أرض الميعاد ليمثل بعض أدوارها في البرازيل.
لا نعترض على فكرة تأليف أمة إسرائيلية من يهود العالم، لآن اعتراضنا يكون إذ ذاك من قبل المداخلة في شؤون لا تعنينا. وإذا كان في إمكان اليهود أن يؤلفوا أمة واحدة فليفعلوا، ولكننا نرى من باب الشعور مع اليهود أن ننصحهم بالعدول عن هذه المسألة لأنها مسألة ليس من ورائها إلا تعب ووجع رأس، لأن الأمة لا معنى لها إذا لم يكن لها بلاد تمارس فيها معتقداتها وأفكارها. واليهود لا بلاد لهم فضلاً عن أنهم لا يكوّنون اليوم أمة واحدة هم في غنى عن تكوينها، لأنه لا مكان لها تحت الشمس. بيد أن الصهيونيين يريدون أن يكوّنوا الأمة الإسرائيلية مهما كلفهم الأمر، وأن يوجدوا لها مكاناً تحت الشمس، وهو المكان الذي خرج منه الإسرائيليون كما دخلوا - هو فلسطين أرض الميعاد، وهذا أهم فصول رواية الصهيونية الغريبة!!
ولمّا كان لا بد للحركة الصهيونية من مبرر، لجأ الصهيونيون إلى فلسفات غريبة، وقالوا إن اليهود يجب أن يتخلصوا من الاضطهاد على أنفسهم. بيد أننا نعلم، كما يعلم العالم كله، كيف يعيش اليهود جماعات مستقلة وسط شعوب يأخذون من مالها وتهذيبها دون أن يفيدوها في شيء. لقد قام في بلدان كثيرة نوابغ يهود، ولكن قيام نوابغ يهود لا يعني أن هؤلاء أرادوا أن يعطوا الشعوب التي يمتصون دماء قلوبها بدل ما يأخذون. فالهيئة الاجتماعية لا تحكم لمجموع او عليه بمجرد النظر إلى أفراد قلائل منه. ومتى أردنا التحليل سألنا سؤالاً بسيطاً،.. هو: هل غير النوابغ اليهود صفة اليهود؟
لم يقم قط نابغة يهودي تمكن من أن يغرس في قلوب اليهود صفة التقرب من الشعوب التي يعيشون بينها، والتضامن معها في أعمالها الإجتماعية والعمرانية. فظل اليهود بنوابغهم كاليهود بلا نوابغهم يعيشون كالحلميات، آخذين من قلب الهيئة الاجتماعية بلا مقابل. أفبعد هذا يتذمر اليهود من اضطهاد الشعوب الحية لهم؟
يوجد فريق من اليهود الراقين يفهم العلل وأسبابها، ويعرف عقم دعوة الصهيونيين، ويحاربها من أجل اليهود كما من أجل الإنسانية جمعاء. وقد اشتهر من هذا الفريق مورغنثو "سفير الولايات المتحدة السابق في تركية"،.. وله في هذا المجال حملات صادقة أثبت فيها فساد الحركة الصهيونية من وجوه كثيرة. ولكن لا يمكننا أن ننتظر من هذا الفريق أن يشهر حرباً على الصهيونية، فذلك ليس من شأنه.
لا يعضد الحركة الصهيونية من العالم الخارجي إلا وعد بلفور بجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود. وهذا الوعد هو ضد الرأي العام في الشرق والغرب معاً، فلا الشعوب المسيحية ترضى عنه، ولا الشعوب الإسلامية ولا غيرها، لأنه فضلاً عن أن فلسطين أرض سورية لا يجيز الحق الطبيعي والاجتماعي إخراج السوريين منها وإعطاءها لطبقة منحطة من اليهود، تأتي من نواحي بولونية وما جاورها، فهي مبعث المسيحية وقسم من البلاد التي ازدهر فيها الإسلام.
رغماً من كل ما تقدم، ومن أن الحركة الصهيونية غير دائرة على محور طبيعي، تقدمت هذه الحركة تقدماً لا يستهان به. فإجراءاتها سائرة على خطة نظامية دقيقة، وإذا لم تقم في وجهها خطة نظامية أخرى معاكسة لها كان نصيبها النجاح. ولا يكون ذلك غريباً بقدر ما يكون تخاذل السوريين كذلك إذا تركوا الصهيونيين ينفذون مآربهم ويملكون فلسطين.
حتى الآن لم تقم حركة سورية منظمة في شؤون سورية الوطنية ومصير الأمة السورية. لذلك نرى أننا نواجه الآن أعظم الحالات خطراً على وطننا ومجموعنا. فنحن أمام الطامعين والمعتدين في موقف تترتب عليه إحدى نتيجتين أساسيتين هما: الحياة والموت. وأيُّ نتيجة حصلت كنا نحن المسؤولين عن تبعتها.
ولا يسعنا في هذا الموقف الذي نعالج فيه إحدى معضلاتنا الحيوية إلا التصريح بالحقيقة التي تدمي أفئدة الأحرار، وهي أنه رغماً من مشاهدتنا اليهود يجتمعون في كل صقع من أصقاع العالم للتآمر علينا مع المستعمرين وغيرهم، لم تقم فينا حركة تميل إلى الإجراءات الفعالة التي يشير بها الزعماء الذين كادوا يقتلون أنفسهم بانفرادهم في الجهاد. ورغماً من الاحتلالين الفرنسي والإنكليزي ووجوب اتحادنا على التخلص من قيودهما، لم يبلغ آذاننا خبر قيام حركة اتحادية كبرى تقوم بالدفاع عن حقوقنا في وطننا الذي يلقي عليه الغرباء قرعة بينهم.
هذه الحال من الجمود تحمل المرء على الاعتقاد بعدم وجود رجال سوريين أو بندرتهم. وهذا عار لا يمكننا التخلص منه بالجعجعة والوطنية الكاذبة . فلو سألنا سائل كيف تتركون اليهود يشترون بلادكم ويطردونكم منها؟.. لاحترنا بماذا نجيبه. ونحن في هذا الموقف لا نريد أن ننكر العمل الذي قام به سوريو فلسطين، ولكننا نقول أن ذلك العمل لا يكفي، لأنه لا يشمل سورية كلها، وينقصه التضامن الضروري لحياة الأمم التي لا تتجزأ. فما زالت أعمالنا الوطنية مترتبة على فئات قليلة، ولذلك لا يمكننا أن نقف في وجه التيارات الغريبة التي تريد جرفنا من بلادنا.
لقد دعونا أبناء وطننا، ولا نزال ندعوهم، إلى التضامن والوقوف بعضهم إلى بعض كالبناء المرصوص لكي نتمكن من الدفاع عن حقوقنا، وصد هجمات المعتدين علينا وعلى أوطاننا. ويسوؤنا كثيراُ أن نرى كثيرين يقعدون عن تلبية دعوتنا، وهم لا يدركون أنهم يحقرّون بذلك أنفسهم وجنسيتهم تحقيراً يخجل منه كل إنسان يعتبر نفسه إنساناً حراً.
كل سوري، أينما كان وحيثما وجد، مسؤول عن الذل الضارب أطنابه في بلاده، وعن العبودية الواضعة نيرها على عنقه وأعناق مواطنيه. لذلك ، يجب على كل سوري، سواء كان في الوطن، أو في المهجر، أن يعمل لإنقاذ وطنه من الذل والعبودية، منخرطاً في الأحزاب والجمعيات الوطنية التي تمكنه من خدمة وطنه خدمة فعالة تترتب عليها نتائج كبيرة، وفيما سوى ذلك لا يمكن سوري واحد من التخلص من وصمة العار الذي لم يجرب أن يزيله عنه.
كل الأوطان تعتبر أبناءها الهاربين من وجه خدمتها أنذالاً عقوقين. وهذا الاعتبار لا يحتاج إلى كتابة تنص على النذالة والعقوق، فليس أسهل من معرفة النذل العاق من الوطني العامل بإيمان وإخلاص، لأن كل إنسان تشهد عليه أفعاله. ولا يظننّ أحد أن الجعجعة الباطلة تستر الحقيقة، ..كذلك لا يسترها اختلاق الأعذار والتفلسف الفارغ.
يقول فريق إن عمل المهاجرين لا يفيد، ويقول أن المهاجرين هم الذين يجب أن يعملوا. وعذر الفريق الأول هو أن العمل يجب أن يكون في سورية، وعذر الفريق الثاني هو أن المتخلفين مضغوط عليهم كثيراً،.. وبعكسهم المهاجرون. فالحق الحق أقوله لكم: إن مؤلفي الفريقين يرون الواجب منتصباً أمامهم يطلبهم بنصيبه من الإنسانية والرجولة، ويحاولون الهرب من وجهه بقتل الوقت بالتفلسف الفارغ،.. إنهم جبناء. هذه هي الحقيقة التي كنا نبذل الجهد لنبقيها مكتومة إلى أن لم يعد إلى الكتمان من سبيل.
أليس من الجبن والتخاذل أن تجتمع في سان باولو حفنة من اليهود للتآمر على سلب السوريين قسماً كبيراً من بلادهم دون أن يكون لآلاف السوريين الموجودين في سان باولو جمعية منظمة تنظر في مثل هذا التآمر المعيب وتعمل على إحباط المساعي التي يقوم بها الصهيونيون لإخراجنا من بلادنا؟
أليس من العار أن تعتمد الجالية السورية في صد هجمات الصهيونيين ، على أفراد قلائل ليس في أيديهم من الممكنات ما يخوّلهم إتيان شيء فعال؟ أيكفي أن ينشر السيد توفيق قربان احتجاجاً على الصهيونية في الجرائد البرازيلية وأن تفند المجلة إدعاءات الصهيونيين معلنة أن سورية للسوريين؟ ماذا يفيد ذلك كله إذا لم تترتب عليه حركة فعالة تقوم بها جمعية أو حزب يمثل الجالية؟ الصهيونيون آخذون في عملهم . ونحن لا نأتي عملاً إلا الكلام الفارغ وقتل الوقت، وفي حالة كهذه لا نرى كيف يمكننا الدفاع عن حقوقنا دفاعاً ناجحا .
وقال مورغنثو الذي أشرنا إليه آنفاً عن الحركة الصهيونية. إنها أعظم تضليل ظهر في التاريخ. وقال أيضاً إن اليهود وجدوا في البلدان التي يقيمون فيها أوطاناً لهم، فاليهودي الألماني وجد في ألمانية صهيوناً أخرى، واليهودي الإنكليزي وجد في إنكلتره صهيوناً أخرى، ومثلهما اليهودي الفرنسي واليهودي الأميركي الذي يمثله مورغنثو الذي لا يريد أن يترك صهيون أميركة ويتعلق بصهيون كان فيها أجداده منذ نحو ألفي سنة. ولكن ما يصح أن يقوله مورغنثو لليهود لا يصح أن نقوله نحن للسوريين، لأن السوريين لا تزال لهم جنسيتهم وبلادهم. فكل سوري يقول إنه يجد في البلاد التي هو فيها سورية أخرى لا يبرهن إلا عن تخاذل مكروه، وعن محاولة التملص من تبعة المسؤولية التي تضعها عليه بلاده. صحيح أن البلدان التي ننزح إليها كالبرازيل وغيرها تشبه وطناً ثانياُ لنا بما نجده فيها من حسن الضيافة، وهذا يوجب علينا شكر هذه البلدان الحرة، ولكنه في الوقت نفسه يوجب علينا الاهتمام بالبلاد التي رأينا فيها نور الحياة، وعُرفنا فيها بقوميتنا التي يجب أن نحافظ عليها، وأن نقوم بواجباتنا نحوها. والذي لا يعتبر قوميته في سورية لا يعتبرها في بلاد أخرى.
نقف في هذه العجالة عند هذا الحد آملين أن يقع كلامنا على آذان مصغية وقلوب واعية، منتظرين أن نرى كل سوري يلبي نداء وطنه كما يليق بكل سوري شريف، لكي نتمكن من حفظ حقوقنا كأمة حية لها مكانها تحت الشمس، والكيل لعدائنا بالكيل الذي يكيلون لنا به وأكثر.
سان باولو ، 1/2/1925. المجلة ، السنة 11

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018

آفاق مُرُّ الذّكريات نهله سوسو


لا أدري كيف صرتُ في وسط المكان, ولا من أيّ بوابة دخَلْتُ, لأن صخب الدّنيا كلَّه كان حاضراً في جموع النّاس والإذاعات الموضعيّة ونوافير الماء والمسارح الصّغيرة وعلى المقاعد بين المروج وفي «الأجنحة» الشّاسعة، تنتمي إلى هذه الدّولة أو تلك! ماذا أفعل بين نصف مليون إنسان جاؤوا موعودين بالفرح، وكلٌّ له في الفرح طريقة؟ أتلبّث قليلاً بين الجموع التي تموج ثمّ تتفرّق إلى حيث تستجيب رغباتها، قبل أن أرى بوّابة لجناح فسيح خفّ فيه الزّحام وتضوّأت على جدرانه شاشاتُ كريستال تتتابع عليها صورُ حرائق, فأجهزة معقّدة في عمق الصّحراء ورجالٌ لطالما أُعْجِبتُ ببزّاتهم الغريبة وخُوَذِهم التي توحي أنّهم من عالمٍ آخر لا يمتُّ إلى الواقع بصِلة! مهندسون، لكن ليسوا في مكاتب أنيقة، مكيّفة، بل في العراء، يعيدون ترتيب حياتنا وهم غير مرئيّين لنا! وتلك الصبيّة التي لمحَت وقفتي على عتبة الجناح تبتسم وتستقبلني بحرارة وفنجان قهوة عربيّة ثمّ تقدمني لسيّدة تجلس في ركنٍ أنيق: -مديرة شركة «أساس», وفي اللّحظة، تستيقظ الأسئلة لمن يعرف إجاباتها الدّقيقة: -أليست صورة الدّمار هذه من حقل الشّاعر يوم اجتاحه الإرهابيّون وخلّفوا وراءهم مئات الشّهداء من العمّال والمهندسين والظَّلام والبرد وخراب الاقتصاد اللامحدود؟ ويفتح السّؤال، بعد مُرِّ الذّكريات، على جولةٍ مع أحد مهندسي شركة «أساس» التي تعمل بخبرات وإمكانات وطنيّة صِرفة في خدمات النّفط والغاز وقد رفضَت الانسحاب من السُّوق المحلّيّة حين سُلِّطَتْ الحربُ الإجراميّة على البلد، فأعادت تأهيل معمل غاز حيّان والمحطّات التّابعة له بعد أن طالتْه يد الإرهاب ودمّرَت ثمانين بالمئة منه، وكذلك فعلت مع محطّة الشّاعر التي دمّرها الإرهابيّون بالكامل، وروى لي، وعيني تتابع مجسّماً لمحطّة الشّاعر وهي معافاة، كيف تعرّض للخطف يوم كان يؤهّل بعض الخطوط التي فجّرها الإرهابيّون في بادية دير الزّور, واستَبَقَ أسئلتي عن نجاته بمعلومة عن وفاء النّاس لوطنهم واحتضانه عبر تدخُّل رجال العشائر على طريقتهم في تحريره، وهم ينتظرون تحرير الوطن كلّه من طاعونهم!
بعيداً، سرَحَ خيالي إلى أيام كنّا نلتمس فيها سويعات تيّار كهربائيّ ونقدّس شهداء مضَوْا على طريق طويل كي نبقى على قيد الضّوء والحياة، ونحن لا نعرف شيئاً عن أولئك الجند المدجَّجين بالشّهادات العليا والإيمان الأعلى بأرضٍ تُفدى بالروح! تركتُه يزوّدني بالمعلومات وقلبي يقول: -مدينون لكم يا مَن كنتم جنداً حقيقيّين حوّلتُم مُرّ الذّكريات إلى واقعٍ يزهو بالإعمار/.جريده تشرين / 25-09-2018

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

آفاق رأيتِ القمر نهله سوسو



آفاق رأيتِ القمر
نهله سوسو
غربتُها اكتملَت رغمَ بقاء الحجارة، جدراناً وسقوفاً وعتَبات، ممّا لا يجعل للبكاء على الأطلال معنى، فهي لم تغادر بل "هُم" من غادروا تباعاً وأخلَوا الأمكنة حولَها، حتى ما عادت تعرفها، متّسعةً وضيّقة، ممتلئةً وفارغة! كأنّها كانت "هُم"! كأنّهم كانوا "هي"! بات الفراغ يتمدّد من غيابهم إلى داخلها، لا تملؤه الرّسائل ولا الأخبار الكذوبة المتباعدة، لذلك عكفت على عَيْش ساعتها خاليةً من الأمل والذّكريات!
في مبتدأ المساء تنهض لتفعل ما كانت تفعله في الصّباح أيّام زمان، لأن الزّمن نفسه اختلّ ولم يكفّ عن عبثه منذ ثماني سنوات، بعد أن امتدّت الأيادي المجرمة إلى الأرض الآمنة فزعزعتها، وإلى السّماء الصّافية فملأتها بسحب الدّم، فقد يتوقّف كلُّ شيء، عدا تلك الأعمال المبتذلة، الضّروريّة للبقاء، وعليها أن تغسل ملابس، أو ترتجل طبق طعام، أو تمسح بقعةً من زجاج نافذة، لكنّها تقف مشدوهةً بعد أن تفتح مصراع النّافذة الصّدئة، كأنّها طفلٌ بوغِتَ بشلّالٍ متدفّق أمام ناظريه، قبل أن ينتزعَه عنوةً من مكانه ويطوّح به في دفْقِه ورذاذه الأبيض الصّخّاب! كان القمر أمامها! كان معلّقاً برفق كأنّ يداً دافئة أودَعتْه هناك لتستعيده بعد لحظات، ودار الزّمن بسرعة خرافيّة، يستحضر صوتَه النّاعسَ المنغوم: -رأيتِ القمر؟ أخشى أن أنام فلا أجده في الصّباح! وبعدها بات القمرُ سرّهما الأعظم من الحَبْل السُّرّيّ الذي عوّضاه محبّةً عميقة دامت في حكايات اللّيل وحوارات المطالعة وكشوفات اللّغة العبقرية التي عشقاها والتّنافس في كشف أسرارها وألغازها! لمست حديد النّافذة البارد، لا تقاوم موجات الدّفء المندفعة في قلبها وأطرافها، وقد جاء صوتٌ آخر عبر هواتف متكرِّرة: -عليكِ أن تعرفي الرّيف أكثر ممّا قرأتِ وسمعتِ عنه، لا أحسب أنّ قمَرَ مدينتك يبدو قريباً جداً من السّطوح كما يبدو لي الآن وأنا ساهرٌ مستسلمٌ لأشرعة النّسيم والنجوم في سماء المدينة لا تعدو غباراً لا بريق فيه! ولَكَم باعدت بينها وبينه الخلافات والخصومة انتهت جميعها باتّصال: -رأيتِ القمر؟ فتنهض باحثةً عنه، لتجدَه بَدْراً ومحاقاً وهلالاً يرنو إليها وهي تعلم أنه يراهما معاً من مدارٍ يمحو المسافات على الأرض وقد امّحَت فعلاً دون أن يراوغاه ويخدعاه!
استدارت واجفةَ القلب، متعبة، لكنّها سعيدة لعودة الغائبين، البعيدين، الذين لا يمكن أن يتنكّروا لها بالنّسيان وقد واصل القمرُ سُكْنى منزلَه كما فعلَت هي، وكما تذكّرت أن تقول لهم من فورها: -بلى رأيتُ القمر لتوّي!
جريده تشرين / 18 / 9 / 2018

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

آفاق.. ليس بَعْد نهلة سوسو:

حسبتُها ممّن لا يُجبَرُ لهم كِسْرٌ حتّى بعدَ جراحة وضمادٍ وجبيرة، لأنّني حين هنّأتُها بالعودة إلى بيتها بعد تهجيرٍ طويل لم تكن بتلك السّعادة التي تخيّلت، فَلَم أبتكرْ كلمات لمواساتها لأنّها قالَت ما تتوقَّع منّي قولَه: -لا أصدّق أنّ بوسعي أن أفتح الشّبابيك من دون خوفٍ من رصاصة قنّاصٍ غادر، وأنّ السّماء عادت إلى قمَرِها ونجومها وأنّ اللّيل عاد يبثُّ أشجان العشّاق والمتعَبين بعدَ أن قضى عليهم جيشُنا وأودعهم في ذاكرة التّاريخ مع قذائفهم عشوائيةِ القتل وأنّ إيقاعات النّهار في الحيّ تزايدَت بسرعة خياليّة، حين عادت الدّكاكين وأولاد كرة القدم ومضخّات الماء المنزليّ وغسيلُ الشُّرفات والأفنية وبائعو العربات الجوّالون! أنتظر أن تفسّرَ لي ذلك الحزنَ الكامن في صوتها كغصَّةٍ مخبوءة في خبرٍ سارّ، لكنّها تضع القهوة على موقدٍ تحطّمَت إحدى عيونه من دون تذمّر، وتدفع السّتارةَ الممزّقة قائلةً إنّها لم تُفاجَأ بوجود رصاصتين نافذتَيْن خلفها، فكلّما رفعت قطعة في البيت وجدت تحتها خراباً ما، وهي لا يهمّها إلا أنّ السّقف والجدران سليمة، سليمة، وكلّ ما بعدَها مجرّدُ تفاصيل وحين تجلس أمامي أتوقّع أن تشكو من هَوْل المبالغ التي سترهقُها حين ستبدأ التّرميمَ والإصلاح فأحضّر مواساتي لها بأنّ حالها أفضل من حال من فقدوا بيوتهم ولم يجدوا منها إلا آثاراً على الأرض، لكنّها تدهشني بقولها: -أحمقُ من لم تبدِّلْ الحربُ أوهامَه وأسلوبَ حياته! سأعتمد على أبسط الضّروريّات لأنّ رفاهيةَ الماضي التي كانت تستدعي تغيير الطّلاء والأثاث و«الدّيكور» ذهبت إلى غير رجعة! أقول لها بعد أن خيَّبَت كلّ ما راودني من أفكار: -ما الذي استعصى عليكِ وجعلَ كلَّ ما ذكرتِ غيرَ كافٍ للرّضى والفرح؟ نظَرت إليّ طويلاً كأنّني تجاوزتُ الحدود ثمّ أجابت بمرارة: -إدلب! –ليس في علمي أنّ لك أقاربَ هناك! -أنا في بيتي الصّغير الذي كان بعيداً عني بضعة كيلومترات، مدّة سبع سنوات، لكنّكِ تعلمين كم مضى على هذا الطّريق من البواسل وكم قضى منهم شهداء كي أستطيع عبورَه آمنةً في كلّ وقت، ولكنّ الرّجال مازالوا ماضين في طريقٍ، ينظّفونه، كي تنبتَ الأشجار على طرفَيْه وتسطعَ المصابيحُ على أرصفته، فكيف تهدأ نفسي وهم لم يعودوا بعدُ من مسيرهم المقدّس الطّويل؟ لن أعرف الفرح حتّى أرى البيت الكبير، بكلِّ ركنٍ فيه، محَرَّراً، مزيّناً بالأعلام والغار، لأنّ بيتي الصغير ليس إلا زاويةً صغيرة على أحد أطرافه تنشد الأمان!
جريدة تشرين الثلاثاء 11-09-2018

الثلاثاء، 4 سبتمبر 2018

آفاق هوامش
نهله سوسو
تسحب الطفلة الموهوبة بالرّسم، ورقةً بيضاء على عجَل، وترسم خطَّيْن متعاكسَيْن بقلم الحبر الجاف، ثمّ تقف أمامي وعيناها في عينيّ، تسأل: -جميل؟؟ وقبل أن أتفوّه بكلمة تقرأ أساريري المبتهجة فتقول: -كلَّما رسمْتُ شيئاً قلتِ إنّها لوحة بديعة لم ترَيْ لها مثيلاً من قبل! أسقطتني الصّغيرة في اختبارٍ مباغِت، لم أحسب أنّها قادرةٌ على ترتيبه بهذه البراعة وهي لم تتمَّ الخامسة بعد! وبلحظات استردَدْتُ روعي لأقنعها أنّ إعجابي بلمَسَاتها وألوانها وخطوطها السّاحرة هو إعجابٌ حقيقيّ وليس مديحاً ميكانيكيّاً، تشكِّكُ فيه وأرادت أن توقفَني عن تكراره كَذِباً ومجامَلة! أشَرْتُ إلى إحدى لوحاتها المؤطَّرة، المعلّقة على الجدار: -لولا جمال لاعبة الجمباز هذه، كان والدك زيّن بها الجدار ووضعها بين لوحات الفنّانين الكبار؟ مزّقَتْ الورقة وهي تنصرف من أمامي، ولكن ليس من خاطري! لقد لقّنتْني درساً سأعجز عن نقل فحواه العميق إلى وعيها، فما من مبدعٍ مهما بلغَت به العبقريّة قادرٌ على إنتاج قمم بنفسِ السويّة، لا في الشّعر، ولا في الرّواية، ولا في النّحت، ولا في المسرح، ولا في الفنّ التشكيليّ، بل هناك ذروة تخلّده، وعلى سفوحها تطلع أعماله الأخرى متفاوتة الجمال والكمال، وبالتّداعي تذكّرت بعض المبدعين الذين ينضُبون كالبئر الجاف لكنّهم يواصلون المتْحَ من هذا البئر، لأنّهم غالباً لا يجدون من يوقفهم إما احتراماً لأسمائهم الكبيرة وإمّا لانعدام الجرأة ووهْمِ السّير في عكس التيّار! هل ستفهمني الطّفلة، خارقةُ الذكاء، إذا قلتُ لها إنّ لعبةَ المجاملة أذهلتني مع كاتب شهير، نال جوائز عالميّة، وكُتِبَت فيه معلّقات ودراسات وتخصّص فيه إعلاميّون ولازمَهُ مريدون وسجّل أنفاسه ومزاجه وحركاتِه وسكَناتِه محبّون ومتطفّلون، وكنتُ قرأتُه مع ملايين القرّاء، حتّى وصلتني أعمالُه التي كتبها في موْهِن العمر فإذ بها فارغة أكثر من نصٍّ إنشائيّ لكاتبٍ هاوٍ، وما زلتُ أرى كتّاباً وكاتباتٍ يواصلون " نشاطهم" كأنّ أنفاسهم وحروفهم درَرٌ نادرة ينتظرها المتلهّفون كي يحفظوا بريقها في المآقي، وهي لا تعدو الهوامش التي يستخدمها مدوّن وتبقى فارغة من الجدوى حتّى لو مُلِئت بالملاحظات والمفردات!
يبقى الزمان بالمرصاد، مهما ضاعت الحدود بين الإبداع والهوامش، ومهما نام المبدع على وسادة تاريخه الوثيرة، ينخل القمح ويطرح الزُّؤان ففي الإبداع معادن وهي وحدها من ينبئ عن الفلزِّ كريماً أو متواضعاً، وفي كِلا حالتيْه يعجز عن مخادعة الزّمن كما يفعل مع البشر بأهوائهم وشطحاتهم.
جريده تشرين / 4 / 9 / 2018

الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

آفاق قلمُ أنثى نهله سوسو




آفاق قلمُ أنثى 
نهله سوسو
على غيرِ عجَلٍ في معارجِ الشُّهرة بدأت "كاترين مانسفيلد" النيوزلنديّة تكتب القصّة القصيرة، وكان الزَّمنُ زمنَ "فيرجينيا وولف" و" د.إتش.لورنس"! 
"كاترين" ذات الجذور الفرنسيّة، وُلدَت وترعرعت في مستعمَرة بريطانيّة وغادرَتها وهي في الثّامنة عشرة لتقيمَ في لندن مصطَحِبةً معها مرضَ السُّلّ خارج الرّئة، وتبدأَ قصَّ حكاياتها بأسلوبٍ غير مألوف، وحين تُصدر مجموعتَها الأولى تتلقّاها "فرجينيا وولف" بحفاوة بالغة وتكتب عنها مقالةً ترفع فيه أوّل منسوبٍ للشهرة القادمة التي سترسّمها سيّدةَ الحداثة في القرن العشرين، كما رسّم النُّقّادُ " فرجينيا" كاتبةً لتيّار الوعي الدّاخليّ وواحدةً من أهمّ كاتبات التاريخ! 
طافت "مانسفيلد" عميقاً في أدب "تشيخوف" و"كافكا" لكنّها نسجت قصصها بإبرةٍ ذهبيّة، من خيوط روحها، ولم تطرق باب أحدٍ من النّاشرين أو النقّاد أو المتنفّذين، إذ نشَرَ لها " مودي جون مندلتون " قصصها في مجلته الأدبيّة وهو طالبٌ في جامعة أوكسفورد، فوصلت إلى يد " فرجينيا" ليهتمّ بها فيما بعد كاتب " نساء عاشقات" و"عشيق الليدي تشاترلي"! وكاتبةُ " سعادة" و"الكناري" و "الرّوايات والرّوائيّون" و "في نُزْلٍ ألمانيّ" لم تكن راضيةً عمّا تكتب بل تتوسّل الزّمن لتعيد صياغة ما كتبَت، وحين تتمرّد عليها شجرة "الألويس" التي تنمو في البلاد المداريّة الحارّة ولا تثمر إلا مرّةً واحدة كلَّ مئة عام، كعنوانٍ لإحدى رواياتها، تستبدلها بعنوان آخر هو " المُقدِّمة" ولا ترضى عن السّرد بل تعيده مراراً وتكراراً، تحذف وتضيف وتنقّح وهي لا تغادر محرابَ الإبداع مستجيبةً لمديحٍ نالته من أرفع كتّاب عصرها، ولا تضع رأسها على وسادة حبِّ النّاشر الذي أصبح زوجَها ومن أهمّ نقّاد عصره، ولا تفرض وجودها عبر مرضها القاتل الذي لم يكن دواؤه قد اكتُشف بعد، وقد يهيّئ لها متابعين منافقين يمزجون بين الرّأي الموضوعيّ والإشفاق، بل راحت تكتب بغزارة وعينها على نافذة الموت، تأتيها الحكايات من مخزون طفولة هانئة، وفلسفةٍ عمّقتْها الثّقافة والتّأمّلات، وأخذت بيدها إلى عوالم الإنسانيّة الرّحيبة التي تاقت إليها نفسُها المحكومة بالموت المبكّر، هي القائلة: -الشَّرُّ يكمن في مكان ما... هادئاً، منتظراً، ما علينا إلا تحريك بعض الغبار لينبعث صارخاً، فاعلاً في النّفوس! ومع تيمتها هذه، أمضت أيّامها الأخيرة في إحدى ضواحي باريس تلتمس السّلام لروحها، قبل أن ترحل في الرّابعة والثّلاثين... وفي نفس قارئها أنّ سيرةَ حياتها هي أهمُّ روايةٍ يجب أن تتعلّمَ منها الكاتبات عبر كلّ العصور!
جريدة تشرين / 28 / 8 / 2018

الثلاثاء، 14 أغسطس 2018

آفاق عقوق نهله سوسو

آفاق  عقوق
 نهله سوسو
تعالَ، حدِّثني عن علاقتك بها مذ كنتَ طفلاً!
هل كانت أمُّكَ تروي لكَ الحكايات؟ هل كنتَ تعدُّ نجومَ السّماء وأنت تتساءل لمَ تغيب في النّهار وتطلع في اللّيل؟ هل مدَدْتَ يدك وأنت تنام تحت النّافذة لتسرق القمَرَ وتخبِّئَه تحت الوسادة؟ بأيّ الأوصاف كان أبوك يدعوك وهو يناديك؟ أتتذكّر درسَ القراءة الأوّل؟ بمَ شعرتَ حين رأيتَ الكلمة التي كنتَ تلفظها وقد تحوّلت إلى حروف؟ ألَمْ يدهشْك كيف تحوّل باب دارك العريض العالي إلى ثلاثة حروفٍ منزوية في طرف صفحة بيضاء؟ هل كنتَ فضوليّاً لمعرفة أثر فعل الأمر دون المضارع
على حرّيتِك ومزاجك؟ وعلى سيرة الفضول والمعرفة، هل كانت المدرسة في حياتك عصا وسجّاناً أم بستاناً يغريك بالتسلل من فتحة سُوره لتلتقط الثمار وتكتشف الأزهار والسّواقي والزّيزان والفراشات؟ ومن مباهج البستان تقطف ما طاب من الرحيق والألوان لتشرق ابتسامة معلمك: -مرحى لك، موضوع التعبير الذي كتبتَه ممتاز!
لا أستطيع فهمَ استخفافك باللّغة إلا من هذه البدايات، التي خلَت من المحبّة المتبادَلة واتّسمَتْ بالإخفاق المزمن، خاصّة وأنت تتّهمها بالتجهُّم والعسر والغربة عن الواقع، بل وتجاوزتَ ذلك إلى ما هو أدهى وأمَرُّ حين بدأت تتجاهل تقصيرَك وتهاجمها بحدّ ذاتها، وتصبُّ جامَ غضبك على من يراها جزءاً من وجوده الإنسانيّ والرّوحيّ ويدعوها بالأمّ! وأغرب ما قلتَه إن الكثير من اللّغات أبدعت وهي ليست عربيّة متعثّرة بالمؤنّث والمثنّى والممنوع من الصّرف! ماذا أتقنتَ من اللّغات لتتحدّث عنها بهذه الثّقة المعرفيّة؟ وماذا وصل إليك من ثقافة الأمّة التي تنتمي إليها لتلغيها بهذه الجسارة والبساطة؟ وبأيّ منطق سألتَ أن يتحدّث الإعلاميّون باللّغة التي يسعفهم بها لسانهم لأنّهم إذا فكّروا بالقواعد وهم يتحدّثون، تلعثموا، وتعثّروا، وضاعت منهم الأفكار والمعاني، ولعلمك الفكرة والمعنى هما من صلب اللُّغة قبلَ نطقِها والفكرة العالية تأتي من لغة عالية وما من فضاء ثقافيٍّ أو إعلاميٍّ معاصر، مطلوبٌ أن يكون كلُّ واحدٍ من أهله " سيبويه" المثقل بالمعاجم والمراجع، أما أن يتجرّأ كلُّ متجرّئ على اقتحام عالم الكتابة والتأليف وهو خالي الوفاض من أوّل وسائل " المهنة" فلا شكّ أنّه صيّادٌ بلا صنّارة، وعازفٌ بلا طنبور، وسائسٌ بلا خيول، وخزّافٌ بلا صلصال!
عقوق الأمّ، بعدَه، لا مصداقيّة لأيّ علاقة تربطنا بأحد، وضياعٌ في متاهات التّبرير، ولا تبرير لمن يستخفُّ بأعلى القيم./ جريدة تشرين / 14 / 8 / 2018 

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

آفاق على بابِه نهله سوسو




آفاق على بابِه
نهله سوسو
سبع سنواتِ فراق وهو مودَعٌ في حمّالة مفاتيح!
تعدَّدَت بعده المفاتيح، لكنّها في حمّالات أخرى جُمعت، ومن عجب أنّني بدّلتُ البيوت، لكنّ أصحابها لم يستردّوا مفاتيحها كأنّ مفتاح البيت حين ينتقل إلى غير صاحبه يفقد الثّقة ويغدو قطعة خردة أو طريقَ لصٍّ إلى مأمن! ومن عجَبٍ أيضاً أنّ حمّالة المفاتيح تلك بقيت في حقيبة يدي سبع سنواتٍ طويتُها دون عدٍّ لأنّها كانت قابلةً للتحوّل من زمنٍ مديدٍ في فِقْد الأحباب وتتالي الخراب، إلى برهةٍ ومشوار قصير أعود بعده إلى العتبة الظّليلة أتلمّس رائحة الطّعام الذي طهوتُه في الصّباح، وأعِدُ نفسي بالرّاحة بعد عملٍ مرهِق وتعبٍ يتجدّد لكنّه يزول! يبدو أنّ التخلّي عن حمّالة المفاتيح كان مستحيلاً، رغم أنّ البيت صار أبعدَ من كواكب السّماء، وكيف لا يكون أبعَدَ، بعد أن قطع طريقَه إرهابٌ وأحقادٌ وبهائمُ قتْلٍ لا تعي ولا ترعوي؟ ربّما كان ذلك المفتاح هو يقينَ العودة لذلك لم أشْرِكْ معه مفتاحاً آخر! ربّما كان البيتَ بذاته محمولاً في القلب أو على الظّهر لا يريد أن يفارقني ولا أريد أن أفارقَه!
وقفتُ ببابه أدير المفتاح الذي انزلق بسلاسة كأنّه أُغلِقَ منذ سبع دقائق، لكنّ الرّائحة التي تدفّقَت من جوفه صرَخَت في سمْعي: -هنا سهر رجالٌ لم يعرفوا النّوم حتّى لا تطَأَ أقدامُ اللّصوص العتبةَ! وحينَ خطوتُ فوق شظايا الزّجاج المتراكمة على المقاعد والمساند، حاذرتُ من رفع بصري إلى رفوف المكتبة، و يا ويحَ قلبي الذي خفق: -ستحزنين على الشعراء والرِّوائيّين وهم من ورق وتنسين الشّهداء الذين عرَفْتِهم في الحيّ يومَ أخرجوكِ آمنةً: -نخاف عليكِ من إصابةٍ لا نستطيع معها إسعافَكِ تحت سيل قذائفهم الغادرة! ومغمَضةَ العينين والمشاعر أمضي لتفقُّدِ الحجرات وشرفة المطبخ فأرى دموعاً من صدأٍ وصديد قد سالت على الجدران! سبع سنوات هطلت أمطارُ شتاءاتها مع رصاصهم الغادر، ومرّت أصيافُ جفافها مع قنْص البشَر وأنابيب المياه العارية، فكيف لا تبكي الجدرانُ صدأً وصديداً، وكيف لا تصبح الشُّرفة مطلّةً على حديقةٍ أرضيّةٍ، بلا سواتر؟ أقف مستذكرة فصول الرّبيع التي تسابقَت إلى توزيع التيجان الخضراء على النخيل والزنزلخت والكينا وعرائش الياسمين الأصفر فلا يفاجئني أنهم جعلوها مِكَبّ خراب بقي فيه رأس النخلة أخضرَ عالياً، وعلى جذعه أزهرت وجوه الشّهداء الذين كان مفتاحي معهم وليس في حقيبتي./ جريده تشرين 7 / 8 / 2018


الثلاثاء، 31 يوليو 2018

آفاق تُطعِم قلبَها.. نهله سوسو



آفاق تُطعِم قلبَها..
نهله سوسو
نهلة سوسو:
لافتٌ أن المخرجين، حتّى البارعين منهم، خرجوا عن الهارموني العالي في تصوير أحداث أفلامهم ومسلسلاتهم، حين عبرت جزئية الحرب على سوريّة ضمن تلك الأحداث، فما استطاع أحدٌ منهم مضاهاةَ مشهد واحدٍ صوَّره الإعلامُ الحربيُّ في الميادين المتناثرة على امتداد الوطن! فشل الخيال الإبداعيُّ، وفشلت إدارةُ المخرج الحاذق للتّفاصيل الإنسانيّة والمكانيّة والصوتيّة والموسيقيّة في خلْق مشهد مقنعٍ، مؤثّرٍ، تأثيرَ الملاحم التي شوهدَت في الجبهات وصُوِّرت حيّةً، باهيةً، من دون خلفيّاتٍ أكاديمية، وإعاداتٍ بمقتضى خطأٍ هنا وهناك! وما عادت مقولةُ إنّ الدراما هي إعادةُ خلق الواقع، مُزالٌ منه العوالق وفائضُ التَّفاصيل، مستساغةً، لأن الواقع كان أغنى من «إعادة» خلقِه! كنت أغالب مطاردةَ هذا الانطباع لخاطري وأحاول إيجادَ الذّرائع للدراما، حتّى رأيت الجدَّةَ السبعينيّة الجريحة على سرير المشفى تروي للطّبيب حكاية جراحها: -كان اللّيل في آخره حين أفقتُ مفزوعةً على صراخٍ ظننتُه كابوساً ثقيلاً، ولم يخطر في بالي إلا أحفادي الأربعة النّائمون في الحجرة الدّاخلية، كانوا ضيوفَ الصَّيفِ وعطلتِه المدرسيّة، وأنا وحدي معهم! راعني صوتٌ غريب بلهجةٍ لم تكن يوماً بيني وبين جيراني: -افتحوا الأبواب! لا تقاوموا! عندها استيقظ جسدي وعقلي وأخذتني يدٌ مجهولة إلى غرفة المؤونة حيث بندقيّةُ الصّيد معلّقة، أخذتُها ووقفتُ وراء الباب الدّاخليّ، بيوتُنا ببابين يا حكيم! بابٌ للحوش الخارجي تدخل منه إلى حديقةٍ صغيرة، وبابٌ تدخل منه إلى غُرف البيت! وقفت هناك وأطلقت النّار على الشّبح الواقف خارجاً، وحين تقدّم منه شبحٌ ثانٍ عاودتُ إطلاقَ النّار وحين تجمّعوا كالكلاب الجائعة حول جيفة، أتذكّر أنني أرديْتُ أربعة قبل أن يتفرّقوا ويبدؤوا بقذف حوش الدّار بقذائف لهب ليحرقونا ونحن أحياء وكنت قد أُصبتُ برصاصة حين تقدّمت خطوة على العتبة!–حمداً لله على سلامتك يا أمي! –حين وصل رجال الجيش شعرتُ بأمان الغريق يمتدُّ إليه طوْقُ النّجاة وقلت لذلك الجنديّ الذي أغلق جرحي بيده: -أحفادي هناك، دعْهم يروْن وجهَك ليطمئنِّوا! وكان غيرُه يحتضنهم واحداً، واحداً ويقدِّم لهم الماء، بينما أودعني هو على نقّالة وطلب من السّائق إيصالي إلى أقرب مشفى بأقصى سرعة! كانت الجدّة ذات الوجه الصّبوح كتلك البجعة التي حين يجوع أبناؤها ويعزُّ الطّعام، تُتْلع جيدَها للرّيح وتشقُّ صدرها، ليأكل صغارُها قلبَها الخافق فتموت ويعيشون، فهل هناك دراما ترقى إلى هذه التضحية والنبالة؟ جريده تشرين 31-07-2018

الثلاثاء، 24 يوليو 2018

آفاق عودة الغائبين نهله سوسو






آفاق عودة الغائبين نهله سوسو



هي تعلم أنه كان في صحراء! وكيف تعلم غيرَ ما يقولونه لها؟ وحين انقطعت اتصالاتُه أفادوها أنه في مكان دُمّرَت فيه أبراجُ الهواتف وعليها أن تنتظر! وما كان انتظارها كانتظارهم، لأنه لم يكن بعيداً عنها كما يتخيّلون وبقيت تسوّي وسادته كما كانت تفعل خلال خمسة وعشرين عاماً وتنهض كلّ صباح وهي تفكّر لحظة يقظتها ماذا ستختار من خضار الموسم لتطبخ له، وتنظر إلى الساعة الجدارية تشير إلى الرّابعة بعد الظّهر ومعها صرير الباب يُفتح وتهفو رائحةٌ لا اسم لها..
حين صارت عقاربُ السّاعة تراوح مكانها لم تطلب من أحدٍ تزويدها بمدَّخِرة تصوّب مسارها، لأنَّ أشياء كثيرة تغيّرت وما عاد من حولها هم أنفسَهم، صار الأبناء أكثرَ نزَقاً أو لامبالاة وأبوهم ينحُل وينحني وإيقاع الأيّام يدخل في فوضى لا أحدَ يتذمّر منها أو يفكّر بإيقافها حتى إذا توقّفت السّاعة نهائيّاً عن الحياة دخل في وعيها أنّها لن تراه! –حوصر مع رفاقه ولم يبق منهم أحدٌ على قيد الحياة! وفي الأخبار صار وصفُه شهيداً! وهي طوال عمرها لا تحفل إلا بما يقوله قلبها، وما تنقله حواسُّها، ومادامت لم تره بعينها ولم تلمس شَعرَه وأصابعَ يديه فإنّه موجود وسيعود... لا أحدَ عزيز على قلبها اختفى كموجة بخار أو موجة ظلّ على جدار، فكيف يتلاشى أكثرُ من أحبّت بشغاف قلبها كأنّه مجرّد صوتٍ أو صدى؟ 
كادت تغادر لتنفرد بنفسها بعيداً عن السّاهرين الواجمين حين شخصت العيون إلى التّلفزيون تتابع مقبرة جماعية! تتابع الأجسادَ الخارجة من بطن الأرض فتشعر بقشعريرة، لأن من أُخرِجوا كانوا بملابسهم العسكريّة ولم يكن رقادُهم مريحاً، وكيف يكون كذلك وهم مازالوا بأحذيتهم؟ كيف يكون كذلك ومازالت السُّتَر مزرّرة حتّى الأعناق؟ -توقفوا! لا تغطّوه! أريد أن أملأ عيني منه! هذه ساعته بإطارها الذّهبيّ المربّع وهذه قلادتُه، ألا تتذكّرون " ما شاء الله " المكتوبة بالمينا الزّرقاء، لا تخطئ عيني ساعتَه وقلادته ولو أُهيل عليهما كلُّ تراب الأرض... يرين صمتٌ ثقيل ويبدِّل الأب جلستَه كأن نصلاً دخل خاصرته، وهي تواصل: -كانوا معاً ولم يفترقوا. لم يبق وحيداً في وحشة الصّحراء ولم يداهمه الخوف وهو بلا نصير! انكفأت تبكي أخيراً: -الآن عاد الغائبون...افتحوا الأبواب لعودتهم! جريدة تشرين 
24 / 7 / 2081

الثلاثاء، 17 يوليو 2018

آفاق تهافت الذرائع نهله سوسو

آفاق تهافت الذرائع

نهله سوسو
يتأبط شاعرٌ لقبه، وينصرف عن كتابة القصيدة إلى هجاءٍ مرٍّ للمؤسّسة التي تُعنى بالتقييم والنّشر! لا يشكو الشّاعر من رفض مخطوطاته من قِبَل المؤسسة التي ينتمي إليها، ولا ينعى الإبداعَ فيما تدفع من مطبوعاتٍ إلى القرّاء، ولا يقدّم نقداً لديوانٍ أو روايةٍ صدرَت برعايتها، لتنجلي غيمةٌ كالتي كانت بين أناتول فرانس وجماعة أراغون، بل تبدو المسألة كالحبّ من طرفٍ واحد، تشتدُّ عصفاً، حين يتواصل هجومه دون ردّ.. ودون إمتاعٍ ثنائيّ على طريقة الفرزدق وجرير!
كان الكاتب السّوريُّ الشّهير حسيب كيّالي يسخر من كتّاب غير موهوبين ولو بلغوا من الانتشار ما بلغه فيكتور هيغو، لكنّه ارتفع بموهبته واتّساع معرفته، إلى مكانةٍ تحرّك سكون الجوّ الثّقافيّ وتثير فضول القرّاء وتفعّل معارفهم قبل أن يصطفّوا معه أو ضدّه، هو الذي بقي في نقده العالي غيوراً على الثّقافة كما كان يراها، ولم يوجّه نصالاً مسمومة إلى شخصٍ بشخصه، ولأنّه كذلك لم يغادر خاطري، وأنا أطالع غزوات الشاعر على ما جعلَه " مضارب" أدبيّة، ثقافيّة، فكريّة، يجبُ أن تُحرّر من "شيخها" لينداح الإبداعُ وتتدفّق مؤلّفات الأدباء، بعد أن انزلق من هجاء المؤسسة إلى شخص يديرها، دون أن يلامس كتاباً من كتبه العديدة في النّقد أو القصّة، وهو الشّأن الجامع بينهما، والمسوّغُ المنطقيّ الأوّل لما درَجَت عليه التّسمية الأدبيّة للجدل الفكريّ ب" المعارك" الأدبيّة، التي أنتجت في ثقافات كلّ الشّعوب حراكاً جميلاً ومؤثّراً مهما كانت شدّتُه، لأنّ من شأن هذه المعارك أن تجلو قيمة كلّ مبدعٍ وتكرّس مكانته كما يليق به!
لا ينتظر شاعرٌ أيّةَ مؤسّسة في العالم ليصوغ قصيدته، حتّى لو كانت الوحيدة المخوّلة بالنّشر فكيف إذا كانت دور النّشر متوفّرة وجاهزة لإصدار الكتب في كلّ وقت؟ ولا يحتاج الشّاعر الحقُّ لشهادة رسميّة في كلّ موسم تسقيه الإلهام، فكيف إذا كان منتسباً للمؤسسة ويُدعى إلى فعالياتها ولم يُغلق في وجهه باب؟ وحين تسقط هذه الذّرائع المنطقية رغم عدم منطقيّتها، تتهافت كلُّ الذّرائع وتخسر الثّقافة بشعرها ونقدها ورموزها، بانزلاقها إلى مهاوٍ هي ليست منها ولها، لأنها سوى الضّغينة، لا تعطينا أدباً ولا تغني إبداعاً ولو على طريقة ابن الرومي والحطيئة وأبي الشّمقمق وحسيب كيّالي..

جريده تشرين / 17/ 7 / 2018 م

الثلاثاء، 10 يوليو 2018

آفاق تبخيس نهله سوسو





في قاعة العرض لوحاتٌ كثيرة غزَت الجدران، لا حجمَ موحّدٌ ينظُم هذه اللّوحات ولا أدوات رسمٍ وتلوين فهي مربّعة، مستطيلة، دائريّة وبألوانٍ مائيّة وشمعية وخشبية وقلم رصاص، ولعلّها لامست كل المدارس الفنّيّة من سرياليّة وانطباعيّة وكلاسيكيّة، لكن بأسلوب طفوليٍّ بحت، عزّز حقيقتَه شرحٌ قاله الشّاب الواقفُ في الاستقبال: -هذه اللّوحات لأطفالٍ يتَّمَتْهم الحرب!
كانت تسير بجواري وانتقاداتها تتصاعد: -معقول؟ لم يجدوا ورق "كانسون" يوزّعونه على الأطفال حتى يرسموا على كرتون سيِّء؟ هذا شكل حصان؟ هكذا تُلوَّن الغيمة بالأزرق وتُترَك السّماء بيضاء؟ أسوأ مدارس الدّنيا في مادّة الفنون هي مدارسنا، والدّليل هذه الرُّسوم التي اعتبروها لوحاتٍ وأقاموا لها معرضاً وهي لا تستحقّ إلا حاوية قمامة! أليس خسارة ثمن هذا الورق والألوان؟ قلت: -أرى غير ما تَرَيْن! أرى فرحة أطفال حاصرتْهم الأقدار باليتم والحزن وأتاح لهم الورق والألوان دفقاً من فرح بريء وتحرّراً من الوحشة والقيود، فما بالك تجنحين بالقدْح والذَّمّ حتى تبلغي التعليم ومناهجه؟ الفن هو نوع من العلاج...انظري كم من طفل رسم العلَم والغيوم والعصافير والحواجز والجنود والحدائق والحقول... كانت قد غادرَت قاعة العرض ووقفت إلى نضُدٍ واطئ في المدخل، وراحت تقلّب ديوان شعر يتغزّل بالرّيف: -هذا الشّاعر المزعوم، هو بالأصل مدرّس لغة عربيّة متقاعد، باغتَه الشّعر حين بلغ أرذل العمر، فخطر له منافسة المتنبّي، أليس جديراً به أن ينصرف إلى تعليم أحفاده قواعد النّحو والصّرف؟ سألتها: -ما تواريخ القصائد؟ لعلّه كتبها وتركها حتى فرَغَ لطبْعها.. رمت الدّيوان بلامبالاة: -لا أدري! لم أقرأ منه كلمة واحدة!
تذكّرتُ أنها هي نفسها التي تتصدّى لمنشورات على وسائل التّواصل الاجتماعيّ كلّما حرّر الجيش منطقةً عصيّة بالإرهاب، وخرج أهلوها بعد شعورهم بالأمان لتحيّة طلائع الجيش، قائلةً: -نفاق الجبناء الذين صمتوا سبع سنوات! وإذا قُبض على مجرم وثّقَت صور إجرامه بالصّوت والصّورة، صدَحت كغراب أُطلق سراحُه للتوّ: سيعود إلى حضن الوطن بعد أن يستقبله وزيرُ المصالحة! وإذا ارتقى شهيدٌ وشيّعته أقلامُ وقلوبُ محبّيه، تنهّدت ووزّعَت دُرَرَها الثّمينة على الصّفحات: -عسى ألا يكون دمُه رخيصاً فهم يدلّلون أبناء الإرهابيين بالعصير والبسكويت والشّوكولا، وينسون أبناءه!
ثقافة التّبخيس نمطٌ يحوزه صاحبه، كما أحسب، من ألف عقدة نقص وانعدام ثقة بالنفس، وتجارب مريرة ومتكررة من عدم إنجاز أي شيء ذي قيمة في حياة المُبَخِّس! / جريده تشرين / 10 / 7 / 2018 /

الثلاثاء، 3 يوليو 2018

عودة المعجزات نهلة سوسو:



عودة المعجزات
نهلة سوسو:
الفتى النَّهم للقراءة، مضى من الشّعر إلى الفلَك إلى أعماق البحار وغرائب الطّبيعة إلى الموسيقا فعلم النّفس، كأنّه يجوس كلّ العالم ليلمسه بيديه وكلّ حواسّه، ويشرد قليلاً كلما سمع عن اكتشاف كوكب جديد، أو خبر عن ثوران بركان خامد، أو وسيلةٍ للتواصل عبر القارّات خلال ثوانٍ، ثمّ يدوّن جملةً: كان العلماء المنتشرون في بقاع الأرض، صبورين أكثر من الصّبر، لا يعنيهم الوقت كما يعني النّاس، ومن مات منهم قبل أن يكتمل اكتشافُه، تركه ناقصاً ليُتِمّه عالمٌ أخر! ومنذ أقلقت الحربُ حياته ونقلَتْه من مكان إلى مكان وعبَرَ الأحياء المهدّمة قبل أن يصل إلى بيتٍ مؤقّت، كان يحسبه في خياله سفينة نجاة، ستعيده في النّهاية إلى مينائه الأول حيث مكتبة العائلة، كان يمنّي النّفس، بالعودة إلى سلسلة: ماذا تعرف عن! وكلُّ شيءٍ عن! لكنّ البيت احترق، فأنقذ كتبَه في خياله..
المعرفة صارت عنده من هاتف جوّال، سُمح له باستخدامه وهو لا يعرف أنّ عمره تسارع سبع سنوات اكتظّت بمشاهداتٍ ضاع منها علمُ الفلك وأعماق البحار، وحضرت أسماء مدن وقرى وأحياء في وطنٍ كان يعرف اسمه الكبير في نشيد وطنيٍّ يردّده في المدرسة كلّ صباح! وها هو يكتشف أن للوطن أجزاءً شاسعة لا حدود لها، ويعرف أنّ للمدينة نفسِها، أيِّ مدينة، أجزاءً شاسعة هي الأخرى، يمزّقها مجرمون ولصوصٌ لم يعرف لهم شكلاً في كل حكايات الشّعوب التي قرأها، لكنّ ما يسرق انتباهه هو الجيش المقاتل! تنحبس أنفاسه وهو يرى جنوداً يقاتلون في غاباتٍ كثيفة، عتيقة الأشجار، غامضة المسالك، ثمّ في صحراء مترامية وقد غطّى الغبار ملابسهم وقسمات وجوههم وأشفار عيونهم كأنّهم تماثيل صلبة نهضت من غبار وغضار البادية، وينتقل بلمسة زرّ، إلى فيلم يصوّر معركة في حيٍّ لا يستغرب اسمه حجراً أسود لكثرة ما تراكبَت حيطانُه وتداخلت أزقّتُه واختلطت شبابيكُه، فيرى نفس الرّجال يقاتلون بثقة وقوة، ولا يطول الوقت حتى يراهم في بحر هائل الموج، هم يتحرّكون والموج العاتي واقف متجمّد، يحرّك جهازه خشية عطلٍ طارئ، لكنّ الجند يتحرّكون كالرّيح في أرضٍ خلاء، حتّى تقع عيناه على كلمة «اللّجاة» فيتذكر أنها أرضٌ بركانيّة خامدة، ولم يُشْعِلْها بعد آلاف السّنين إلا هذا الجيش العظيم!
يكتب الفتى: جيش يختصر كلّ الأزمنة ويقاتل في كل الأمكنة، هو معجزة وفوق كلّ المعجزات! جريده تشرين الثلاثاء 03-07-2018







الثلاثاء، 26 يونيو 2018

آفاق رحيل الضِّياء نهلة السوسو


آفاق رحيل الضِّياء
نهلة السوسو
لمَ احتفظتُ بصورتكِ وأودعتُها بين أغلى الصُّور كأنّها سرٌّ مكنون؟ لمَ أرْجأتُ أبداً حديثي إليكِ كأنّكِ باقية كالأبد؟ لمَ اكتفيتُ بإلقاء التحيّة عليكِ كلّما طالعتُ وجهكِ البدريَّ، على عجل، في زحمة الصّور، وأنتِ لا تنتظرين مني موعداً ولا تحيّة ولا حديثاً ولا لقاءً؟ بل كان الموعد مرجأً بيني وبين نفسي، أريد أن نكون اثنتين وحيدتين، كي لا يبتَلَّ صوتُك الذي أسمعه، حتى بهديل اليمام الذي أعشق! ولكم تهيّبتُ ذلك اللّقاء، كأنّني ذاهبةٌ إلى محفلٍ سيضعني تحت أنوارٍ، ساطعةٍ، كاشفة، ترقبني فيه العيون، وأقول لنفسي سأطرق بابك ذات يومٍ تكونين فيه أنجزتِ ريّ أصص الحبق، واطمأننتِ على الأحفاد الستّةَ والعشرين، وجلستِ إلى قهوتك وذكرياتك! سأسألك عن حكاية كلِّ اسمٍ من أسماء أبنائك لأننا، نحن الأمّهات، لا نملُّ من سرد قصص فلذات أكبادنا، حتى قبل أن يتخلّقوا أجنّة، فنستمتع بإعادة الأحلام التي بشّرتْنا بهم قبل التكوين، ثم نسترجع ما تزامن مع لحظات إبصارهم للنّور: كانت ساعةً تقارب الفجر، والبرق يشقُّ السّماء، والثّلج يسدُّ الطّرقات، أو أنّ الصّيف أنضجَ فاكهته وكوّمها في السّلال، ونتذكّر الصّرخةَ الأولى، ثمّ الجدَلَ العائليَّ حول الاسم! احكي لي كلَّ حكايةٍ على حدة: " فوز". " نمر". "ضيغم". " محمّد". "رحيم". أليس لافتاً أن الأسماءَ، منكِ وحولكِ فيها شيء من النبوءة؟ فأنتِ "ضياء" وكلُّ أبنائك من ذوي الأسماء الحاملة لمعاني وصِفات الشّجاعة والجسارة والمروءة والنُّبْل والإيثار والكرَم، كأنّكِ أعدَدْتِهم ليومِ وثبةٍ يجابهون فيه عدوّاً متربّصاً ليمنعوه من أن يجوسَ التّلال ويستبيحَ الغلال، وقد سمعتكِ تقولين بصوتٍ طريٍّ ثابتٍ كمناجاة الله، وقلبي يكاد يتوقّف عن الوجيب: -كنت أتقدّم من جسد ولدي المسجّى وأتحسّس مكان رصاصة العدوّ لأطمئنّ أنّها ليست في الظّهر، وأنّه قاتل ذلك العدوَّ وجهاً لوجه، ولم يفكّر للحظة أن يهرب من مواجهته، وبعد أن أطمئنّ أنّه قاتل بشرفٍ كما أعرفه، أقول: -الآن شيِّعوه وودّعوه بالورود والزّغاريد كما يليق بالشّهيد!
طويلاً، أنظر في وجهك المجلّل بالوشاح الأبيض، وعينيك السّاطعتين وراء زجاج النظّارة وتلك النظرة العذبة المتسلّقة على حبال النّور، فيها الرّضى الذي يستعصي إلا على القدّيسين، حيث لا مادّةَ محسوسة يمكن أن تحجبَه، فيبكي شيء في روحي لأنك رحلتِ ولم أودّعكِ! طافت حولك ملائكة الله يا "ضياء" وأنتِ تطلّين من العلياء..جريده تشرين 26 / 6 / 2018 م

آفاق رحيل الضِّياء نهلة السوسو



آفاق رحيل الضِّياء
نهلة السوسو
لمَ احتفظتُ بصورتكِ وأودعتُها بين أغلى الصُّور كأنّها سرٌّ مكنون؟ لمَ أرْجأتُ أبداً حديثي إليكِ كأنّكِ باقية كالأبد؟ لمَ اكتفيتُ بإلقاء التحيّة عليكِ كلّما طالعتُ وجهكِ البدريَّ، على عجل، في زحمة الصّور، وأنتِ لا تنتظرين مني موعداً ولا تحيّة ولا حديثاً ولا لقاءً؟ بل كان الموعد مرجأً بيني وبين نفسي، أريد أن نكون اثنتين وحيدتين، كي لا يبتَلَّ صوتُك الذي أسمعه، حتى بهديل اليمام الذي أعشق! ولكم تهيّبتُ ذلك اللّقاء، كأنّني ذاهبةٌ إلى محفلٍ سيضعني تحت أنوارٍ، ساطعةٍ، كاشفة، ترقبني فيه العيون، وأقول لنفسي سأطرق بابك ذات يومٍ تكونين فيه أنجزتِ ريّ أصص الحبق، واطمأننتِ على الأحفاد الستّةَ والعشرين، وجلستِ إلى قهوتك وذكرياتك! سأسألك عن حكاية كلِّ اسمٍ من أسماء أبنائك لأننا، نحن الأمّهات، لا نملُّ من سرد قصص فلذات أكبادنا، حتى قبل أن يتخلّقوا أجنّة، فنستمتع بإعادة الأحلام التي بشّرتْنا بهم قبل التكوين، ثم نسترجع ما تزامن مع لحظات إبصارهم للنّور: كانت ساعةً تقارب الفجر، والبرق يشقُّ السّماء، والثّلج يسدُّ الطّرقات، أو أنّ الصّيف أنضجَ فاكهته وكوّمها في السّلال، ونتذكّر الصّرخةَ الأولى، ثمّ الجدَلَ العائليَّ حول الاسم! احكي لي كلَّ حكايةٍ على حدة: " فوز". " نمر". "ضيغم". " محمّد". "رحيم". أليس لافتاً أن الأسماءَ، منكِ وحولكِ فيها شيء من النبوءة؟ فأنتِ "ضياء" وكلُّ أبنائك من ذوي الأسماء الحاملة لمعاني وصِفات الشّجاعة والجسارة والمروءة والنُّبْل والإيثار والكرَم، كأنّكِ أعدَدْتِهم ليومِ وثبةٍ يجابهون فيه عدوّاً متربّصاً ليمنعوه من أن يجوسَ التّلال ويستبيحَ الغلال، وقد سمعتكِ تقولين بصوتٍ طريٍّ ثابتٍ كمناجاة الله، وقلبي يكاد يتوقّف عن الوجيب: -كنت أتقدّم من جسد ولدي المسجّى وأتحسّس مكان رصاصة العدوّ لأطمئنّ أنّها ليست في الظّهر، وأنّه قاتل ذلك العدوَّ وجهاً لوجه، ولم يفكّر للحظة أن يهرب من مواجهته، وبعد أن أطمئنّ أنّه قاتل بشرفٍ كما أعرفه، أقول: -الآن شيِّعوه وودّعوه بالورود والزّغاريد كما يليق بالشّهيد!
طويلاً، أنظر في وجهك المجلّل بالوشاح الأبيض، وعينيك السّاطعتين وراء زجاج النظّارة وتلك النظرة العذبة المتسلّقة على حبال النّور، فيها الرّضى الذي يستعصي إلا على القدّيسين، حيث لا مادّةَ محسوسة يمكن أن تحجبَه، فيبكي شيء في روحي لأنك رحلتِ ولم أودّعكِ! طافت حولك ملائكة الله يا "ضياء" وأنتِ تطلّين من العلياء..جريده تشرين 26 / 6 / 2018 م

الثلاثاء، 19 يونيو 2018

آفاق.. جائزة شرف نهلة سوسو





آفاق.. جائزة شرف
نهلة سوسو

قالت، وهي واجمة: أخاف من الاعتراف، حتّى أمام نفسي، أنّني أفتقد هدير الطّيران الحربيّ الذي ألفتُه كرسائل حبيبٍ باعدت بيني وبينه المسافات، يتركها لي كلّما اهتزّت نافذة في الهزيع الأخير من اللّيل، ويوافيني بجميل حروفها وأنا أعدُّ قهوة الفجر مع أناشيد الدّوري، نشوى بتحليقه الجَسور في السّماء، والأرضُ تنهض تحته موعودةً بتراب وماء نظيفين من اللُّصوص وشذّاذ الآفاق! لا تظنّي أنني أدمنتُ الحرب، أتفرّج على أهوالها، وأبكي شهداءها، بل أخاف أن ننسى، والنّسيان طبعٌ أليمٌ في الإنسان! أخاف أن تغدو الملاحم التي عشناها مجرّد صورٍ هشّةٍ نستحضرها في المناسبات، أو بالمصادفات، حين تأخذنا أُلهِياتُ الحياة وما أكثرَها وأشدَّ استبدادها! -سأريكِ صوراً ليسَت مجازيّة كالتي تتخوّفين منها، لعلّك تكفّين عن الشُّعور بالذّنب من حنينك إلى صوت الطّيران الحربيّ، ما دمتِ لم تطمئنّي بعد على توثيق ملاحمنا المشرّفة كما يليق بها! – «حكايات الألم والصّمود»؟ -نعم! وكذلك «أيدٍ بريئة وإطارات»! انسالت الصّور، تروي يوميّات حلب، وتقول ما لا يعرف اللّسان نطقَه، ولا البيانُ صياغتَه، وبلونيْنِ لا ثالثَ لهما: الأبيض والأسود! –إنّها بعضٌ من أربعة عشر ألف صورة طافت على التّتابع عواصم العالم، وحين حضرَتْ في الأمم المتحدة، مع البعثة السّوريّة الدّائمة هناك، كانت تحت عنوان «موطني»… وأيّامَ مرّت في باريس، استوقفت المشاهدين والمنظّمين ونال صاحبها جائزة من بين عشرات المصوِّرين العالميّين، وهي في طوكيو اليوم، حصادُها تسعُ جوائز عالميّة، ويتَوَّجُ صاحبها، مجَدَّداً بجائزة الشّرف! آغوب وانيسيان، حين يحكي وهو أمام صوره الناطقة، يقول إنه بدأ حياته صائغ فضّة وحين انقضّت الحرب الإجراميّة على الوطن، وبدأت تذيب معالم الجمال، في مدينةٍ، قلعتُها جَمال، وأسواقها جَمال، وأنغامها وقدودها وآلات موسيقاها وفستقُها وأطباق طعامها جمال، ترك مهنته وامتشق آلة تصويره ومضى مع المقاتلين، يتوغّل في شرايين المدينة طوال عامين قبل أن يغادرها، حاملاً في حقيبته الوجوه التي أحبّها، يرنو إلى نور حدقاتِ من ارتَقَوا فداءً لها، ويتذكّر «عند التقاط الصّورة أنعزل كلّيّاً وأتجاهل ما وراء الكاميرا وأركّز على الصّورة لتكون بزاويتها الصّحيحة».. وحين يبحث عن قِبْلَتِه يجد الوطن والشهداء بلا مُرتَسمٍ آخر ولا هوامشَ أخرى!
جريده تشرين 2018-06-19

الثلاثاء، 12 يونيو 2018


آفاق.. عن الرِّقابة
نهلة سوسو
يهاجم الكاتب الشَّهيرُ الرِّقابةَ، هجوماً ضارياً ويُطالبُ بإلغائها ليتفتّح الإبداعُ بلا شروطٍ ووصاية، لا تعرف إلا قتلَ البذور، قبل البراعم! ويتقبَّض وجهه حين تقول له بهدوءِ: -هذا هو خبز الشعير، المأكول، المذموم! حين تُنشر روايةٌ تطبق شهرتُها الصحف ووسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة ثم تتحوّل إلى فيلم سينمائيّ، يوصف بأنّه علامة عصره على حدَثٍ وطنيٍّ فريد، قبل أن يشير ناقد محترف إلى أنها مسروقة من رواية عالميّة، لم تُتَرْجم ولم تُتَداول بين القرّاء، تسمع أسئلة الاستنكار: أين كانت الرقابة حين مرّت الرّواية إلى النَّشر ثمّ الانتشار ثم التّصوير؟ وحين تُعرض مسرحيّةٌ يتلقاها الملايين بالضحك والصّخب، ثمّ تُصَوّر وتُعرض على شاشات التلفزيون، ليتضاعف عدد المشاهدين بلا حساب، وتعبُر أجيالاً، ويقرأ خبراءُ تأثيرَها السّلبيّ على سلوك هذه الأجيال بتحطيم القيم وتضييعها، بعيداً عن براعة الكاتب في معالجة نصٍّ مكتوبٍ لمجتمع آخر، بأسلوبٍ خبيث، كأن يحقن الوعيَ به ويسهم في مشروع التطبيع، سيأتيكَ الاستنكارُ بسؤال تلقائيٍّ: أين كانت الرّقابة من هذا كلّه؟ وستدرك أنها ليست سيفاً مسلطاً على رقبة الإبداع بل هي تقييمٌ عميقٌ واسعٌ ومسؤول! –تقصدين الوصاية على العقول؟ سهلٌ علينا تمييعُ المصطلحات وتركُ حَبْلِها على غاربه! العقول، هي ما تسمِّيه أدبيّاتُ العصر بالجمهور المستهدَف أو الرّأي العام، أي التربة التي تتسابق إليها الأقلام، وهي لم تعد مجرد أقلام، بل مؤسسات، تبذر ما تشاء، لتحصد نتائج تزيح الخصوم وغالباً ما تسوق العقولَ التي تعوّل عليها أنت، إلى كوارثَ ووعيٍ زائف! تخيّل أن تخلو دور النشر والصحف والمنازل من الرّقيب! ألن تختلط المعايير برأيك؟ ألن يتجرّأ الطّالح على الصّالح ويصبح الوحل بقيمة الذّهب؟ -ألا يستقيم العالم برأيكِ إلا بالعصا؟ رقيبٌ غبيٌّ منع أهمَّ رواياتي، ليس لأنه مثقّف وعارف بل لأنّه يملك الصّفةَ والسُّلطة وعسيرٌ عليه أن يلتفت إلى تاريخِ مبدعين قدّمهم إلى قاعاتِ المحاكم ومُنعَت أعمالهم وسُجنوا، لكنّ إبداعهم تخطّى الزّمان وأثبت جدارته وألقَه بعد أن خلّفه وراءه مجرّد موظّفٍ بالتّكليف! –كنتُ وافقتُكَ لو أنّ كلّ مهنة في الوجود اتّصفَت بالكمال كوعاءٍ خزفيٍّ مصمَت، تخيّل أن تُغلقَ المدارس إن أخطأ معلّم! أليس الأجدى أن يُفصَل المعلّم وتبقى المؤسسة قائمة؟ -هل قرأتِ «المكتوبجي» لسليم سركيس؟ -ذاك الكتاب الرائع السّاخر من الرقيب العثماني، الذي كان يلاحق الصّحافة الوطنيّة بأسلوب، أقلُّ ما يُقال فيه، الغباء والذعر من اليقظة القوميّة العربيّة، بلى! لكنّه الكتاب الذي يعزّز رأيي بقيمة الرّقابة وضرورتها!
جريده تشرين 2018-06-12