نهلة سوسو
صار ذلك الكولونيل ، الذي ليس لديه من يكاتبه ، أحد معارفي المقرَّبين ، على بُعد القارّات التي تفصل بيننا ، لأنّ الألم جامعٌ فذٌّ ، فريد ، لا يعرف ، بل لا يعترف بالمسافات ولا باللّغات المحكيّة ، وهل لجمر النّار ، غيرُ لغةٍ واحدة حين ينثُّ على أرض البشر ؟ لم أبادر إلى كتابة رسالة للكولونيل الذي أمضى خمسة عشر عاماً ينتظر رسالة واحدة تخص معاشه التّقاعديّ الموعود به من جنرالات الحرب بعد أن انطفأ أوارها وأخذت وحيدَه في طريقها وتركت له زوجة مريضة بالرّبو وفقراً مدقعاً ! كان من العبث أن أكاتبه لأنّه لا ينتظر رسالة من أحد لكنّه واظب على الأمل حتّى لا يموت من اليأس والفاقة والمرض !
نسيتُ الكولونيل حين باتت تصاريف الحياة واقعاً تعدّى ذلك الألم الوجوديّ ، الذي حين يمسّ القلب من صفحات كتاب لا يعرف فوارق الزّمان والمكان ، كما كان مع أبي فراس الحمدانيّ ، أسيراً يعاتب الحمامة الطليقة على نواحها ، ثم حرّاً ، ثم شهيداً ، يوصي ابنته أن تبكيه كما يليق بزَيْن الشّباب ، يكون عذباً كوحدة نجم في ليلٍ شجيٍّ طويل ، أما إذا اقتربت السكّين الحادّة من شغاف القلب فإنّه سينزع قميص الشّجن النّبيل ويغدو وحشاً كاسراً يدمّر في طريقه كلّ شيء حيّ!
ما انتبهتُ يوماً أنّ الرّسائل كانت تملأ حياتي وتهمي في صباحاتي وأمسياتي ولياليّ ، حتّى أفقتُ بعد ستّ سنوات ، هي أقلُّ من نصف سنوات انتظار الكولونيل ، لأجد صندوقي فارغاً ، يسكنه الغبار وتعصف فيه الرّيح ! كم من بابٍ أُغلق وراء عزيز وما انفتح بعد غياب ! كم من صوتٍ تلاشى على بُعدٍ كالصّدى ! كم من رسائل عن ميلاد طفل وأغنية وقصيدة ومعزوفة ولوحة وعيد واحتفاء بقدّيسٍ ، أوقفها رصاص الغدر ؟
فقط ، حين عشتُ تجربة الكولونيل رحتُ ألتمس صندوق البريد ، بل فكّرت أن أكاتبه ، لعلّ موظّف البريد في تلك القرية الكولومبيّة النّائية يفاجئه بأنّ أحداً كاتبه ولن يعود فارغ اليدين لأن لا أصدقاء لديه ولا لابنه الراحل ! كان الفجر يلمس شعر دمشق المندّى بالصّقيع حين خاطبته مواسيةً صباح الخير حضرة الكولونيل فإذ بي أتلقّى ،على غير انتظار ، دفقاً من الرّسائل الرّقيقة ! براعم خضراء بدأت تمزّق لحاء الأغصان وتبزغ ! يمامة تهدل من جوارحها وتتنقّل على واقيات مصابيح الشّارع ! نوافذ تُرفع ستائرها ! ملاءاتٌ ووسائد توضع خلف أسوار الشّرفات ! طفل يبكي محتجّاً على برودة الماء يغسل وجهه ! بوابة الحديد يفتحها جارٌ ساعياً إلى عمله المبكّر ! وبخارٌ طفيف خجول يتصاعد من رامة ماء في مدخل الحديقة العامّة ! إنه آذار يلمس بسحر وعوده كلّ كامنٍ و مفجوع ومنسيّ ومحزون ! أيّها الكولونيل العزيز ، لا أستطيع أن أحذو حذوك في المواظبة على الذّهاب إلى مكتب البريد وأنا أعلم علم اليقين أنني سأعود فارغة اليدين ! هذا عبث لا طائل منه وراءه الجنرالات الذين وعدوك وخذلوك ، أما أنا التي أعيش في مَشرقٍ بعيد عنك فقد حظيت بجنديّ قادرٍ على بثّ الرّسائل للمتعبين واليائسين ولمن تخلّى عنهم القريبون طوعاً أو كرهاً ، وأنّ الرّسائل ، إذا كانت تسرُّ فليس لأنّها تُكتبُ بالحبر على ورق فقط ، بل لأنّها توزّع الرّبيع على نوافذ الرّوح وفي البراعم وعلى مدى الضّوء والهواء الطّلق ..جريده تشرين
28-2-2017


















