الاثنين، 28 أكتوبر 2019

LBCI تعترف بتلقّي التمويل مع «الجديد» و«mtv»

LBCI تعترف بتلقّي التمويل مع «الجديد» و«mtv»
«القوات» تقطع الطرقات وصراعات على «المستقبل»
رئيس مجلس إدارة «أل بي سي آي»، بيار الضاهر، اعترف قبل أيام للرئيس سعد الحريري، كيف تلقّى أموالاً من السعودية والإمارات، مع زميليه تحسين الخيّاط وميشال المرّ، في جلسة عوّض بها الحريري انقطاعه عن لقاء السفيرين السعودي والإماراتي، على عكس باقي الدول الأخرى، لا سيما الأوروبية منها. السعوديون والإماراتيون أيضاً موّلوا رئيس حزب القوات سمير جعجع، لكي يعود ويذكّر اللبنانيين بميليشياته وحواجزه «السلمية». أما القطريون، فدخلوا مؤخّراً إلى سوق التحريض اللبناني، بطلب من الأتراك، الذين يركّزون على طرابلس وعكار، بهدف توسيع نفوذهم المتزايد منذ العام الماضي عبر الجمعيات التركية، وإحلال التوازن مع المال الإماراتي الذي يوزّعه يحيى مولود مندوب تحسين الخياط في طرابلس، والوزير السابق أشرف ريفي، قائد «حرّاس المدينة». ولا يغيب المال القطري عن النشاط البارز لحزب التحرير والجماعة الإسلامية، التي وإن لم تكن تشارك بأعداد كبيرة من المتظاهرين، إلا أنها تقدّم مجموعات منظّمة وتدير قطع الطرقات في عدد من المناطق. ولم يظهر بعد من يدعم حركة الوزير السابق نهاد المشنوق، الذي يحرّك بعض مسؤولي تيار المستقبل ليؤثروا في الشارع في بيروت والبقاع الأوسط وصولاً إلى مجدل عنجر. لكنّ الأكيد، أن الرئيس الحريري طلب من وزيرة الداخلية والبلديات عدم استعمال قوى الأمن الداخلي خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين في أكثر من منطقة، لعلمه بأن مناصرين للمستقبل يقطعون الطرقات ويتظاهرون.
أمّا الأميركيون، فهم حتى الآن، كما في كلّ مكان من هذا العالم، يطمئنون الحاكم ويُعدّون لإسقاط الدولة. فهم يربتون على كتف الحريري لعدم تقديم استقالته، لكنّهم يطلقون العنان لأدواتهم لتمويل الأحزاب وبعض الجمعيات التي تدير التحركّات للضغط عليه ومطالبته بالاستقالة. يطلبون من الحريري تنفيذ الإصلاحات، ويمنعون الجيش اللبناني من فتح الطرقات التي تشلّ البلد، لا سيّما طريق الجنوب على الخطّ الساحلي وطريق الشمال، ويشدّون على يد جعجع لاستمراره في تقطيع أوصال البلاد من جلّ الديب والزوق إلى الكورة.
واليوم، يبدو سيناريو قطع الطرقات الذي بدأ ليل أمس عبر ركن السيارات وتجميعها على الطرقات، استباقاً لتنفيذ الجيش أي خطوة وعد رئيس الجمهورية ميشال عون بتنفيذها، في وقت قدّم الجيش للسلطة «نموذجاً» عن محاولة فتح الطرقات بالقوّة في منطقة البداوي أول من أمس. وبات ارتباك الجيش يشكّل قلقاً لدى القوى السياسية، لأن غياب المؤسسة العسكرية سيدفع حتماً إلى المواجهة في الشارع بين قاطعي الطرق وباقي اللبنانيين، الذين يدفعون فاتورة الخراب مرّتين، مرة على يد السلطة، والثانية على أيدي أصحاب الأجندات .
وما ليس مفهوماً، هو قيام وزير التربية أكرم شهيّب بالتزام إقفال المدارس والجامعات من دون مبرّر في عدد من المناطق، في الوقت الذي التزم فيه النائب السابق وليد جنبلاط سقف عدم شلّ البلد والخروج «الرسمي» من الطرقات لمحازبي التقدمي الاشتراكي، إذ إن شهيّب كان بإمكانه ترك التقدير لرؤساء المناطق التربوية لتقدير الأوضاع في مناطقهم، فما الذي يمنع فتح المدارس والجامعات في الجنوب والبقاع والشمال وجبل لبنان الجنوبي سوى قرار الوزير «حتى إشعار آخر»؟
يوم أمس أجرى الرئيس نبيه برّي اتصالاته لفتح المدارس والجامعات حيث أمكن بعد اتفاقه مع حزب الله على الأمر، وبدأ بإصدار بيان أعلنت فيه مدارس حركة أمل فتح أبوابها أمام طلابها اليوم. وكذلك الأمر فعلت الجامعة اللبنانية الأميركية، معلنة فتح أبوابها أمام طلابها في بيروت وجبيل، بعد أن اتفقت الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية على المشاركة في مسار التعطيل، بعد عقود من عدم الاتفاق بين الجامعتين على أي موقف موحّد.

حقائق لم يتطرق لها الاعلام ... الارهابي البغدادي الذي كسر قواعد العلم و المنطق

حقائق لم يتطرق لها الاعلام ... الارهابي البغدادي الذي كسر قواعد العلم و المنطق
من هو أبو بكر البغدادي, زعيم تنظيم داعش الارهابي ؟ سؤال طرحه الاعلام من خلال تقارير عديدة لم تذكر فيها كيف أن البغدادي كسر قواعد العلم و المنطق ,حيث كان الرجل المطلوب الاول لكل دول العالم بدون استثناء و رغم ذلك كان قادر على بيع النفط لآوروبا و كيان الاحتلال الاسرائيلي في حين أن دولة مثل ايران لها علاقات مع غالبية دول العالم تجد صعوبة ببيع النفط و نقله و من هنا يجب التذكير ببعض الحقائق التي تغافل عنها الإعلام عمداً عن البغدادي وتنظيمه :
1- في الدول العربية عشرات الاحزاب السياسية و الدينية تستمد ماليتها من أعضائها و من التبرعات و من الجمهور و فقط البغدادي أسس تنظيماً الاعضاء فيه يستمدون ماليتهم من البغدادي, و بأرقام خيالية تجاوزت دول عربية مما يؤكد أن هذا التنظيم و متزعمه ممول من دول كبرى.
2- أكبر الأحزاب العربية يملك إعلام بلغة واحدة و في أحسن الأحوال بلغتين في حين الدول العربية بوزارات إعلامها و في أحسن الاحوال تترجم بعضاً من أخبارها فقط الى خمس لغات
بينما تنظيم داعش كان يبث الأخبار بعشرات اللغات و يخاطب و يستهدف الجمهور بعشرات اللغات و يتواصل معه ليس فقط عبر المواقع الاخبارية بل اكثر من ذلك عبر الواتساب و الفيسبوك و التويتر و نجح بجمع إرهابيين من أكثر من مئة دولة بما فيهم دول الاتحاد الأوروبي, و يمكن وصف إعلامه بأنه يضاهي إعلام جميع الدول العربية مجتمعة مما يشير الى ان شبكات إعلامية كبرى محترفة و مختصة خلف هذا التنظيم و قادرة على تجنيد مراهقين و مراهقات بما فيهم غير المسلمين باغراءات مجهولة وكذلك اجهزة استخبارات مجتمعة خلف هذا التنظيم و ليس جهاز واحد و لا يوجد مثل هكذا تحالف الا ضمن حلف شمال الاطلسي(الناتو) و كذلك يشير الى امتلاكه جيش إلكتروني جرار لا مثيل له في الدول العربية مجتمعة(و يعتقد ان بعض الجيوش الالكترونية الخليجية كانت في خدمته).
3- لوحظ ان الاعلام الغربي دائماً يتعامل مع خطابات خصومه من مبدأ الاقتطاع و التحريف للخطابات و تجاهل الخطابات و مثال ذلك خطابات المسؤولين الايرانيين و السوريين و قيادة حزب الله و حتى المسؤولين الروس و الفينزويليين و غيرهم حيث يتم التعامل معهم من مبدأ (لاتقربوا الصلاة) في حين لم يقم الاعلام الغربي بتحريف اي خطاب للبغدادي ولا اقتطاعه ولا تجاهله و كان سباقاً بنشر جميع بيانات داعش و قادته لدرجة وصلت ان اعلاميين اوروبيين اتهموا وسائل اعلامهم بانها اعلام داعش.
4-غالبية المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش الارهابي تشبه معارك جيش الاحتلال التركي في عفرين من مبدأ "سلم و استلم" دون قتال و تشير التقارير الى ان من سلم مناطق دون قتال كانوا عبارة عن عملاء لاستخبارات غربية و بالتحديد أمريكية, و بعض المعارك قام الطيران الامريكي بالقيام بتمهيد جوي قبيل تقدم مقاتلي داعش كما حدث قرب مطار دير الزور.
5- بعد ان سيطر داعش على مناطق في العراق و سورية نهب داعش النفط السوري و النفط العراقي لسنوات حيث أن التحالف الدولي الذي يزعم مقاتلة داعش لسنوات لم يقم بوقف تجارة داعش بالنفط و أول من قصف قافلة لداعش محملة بالنفط المسروق كانت القوات الروسية و قد عرضت مشاهد لقافلة ضخمة تقوم بنقل النفط الى شركات يعتقد انها امريكية في تركيا و بعد هذا الاستهداف قصفت القوات الامريكية موقعاً للقوات السورية.
6- ذكرت وزارة الدفاع الروسية انها استهدفت اجتماع لقيادات داعش بينهم الارهابي ابو بكر البغدادي في الجزيرة السورية و اكدت نبأ مقتله او اصابته اصابة بليغة وبعد النبأ اختفى البغدادي عن الاعلام لأكثر من عام, و للمفارقة فإن التحالف الامريكي المزعوم ضد داعش خلال هذا العام حاول مراراً اثبات ان البغدادي على قيد الحياة عبر انباء مثل رصد مكان وجود البغدادي و هو ما يشير الى ان التحالف كان يريد ان يرفع من معنويات مقاتلي داعش الارهابي بعد نبأ مقتله.
7-بعد غياب البغدادي اثر الغارة الروسية السورية في الرقة عاد البغدادي بتسجيلات نقلها الاعلام الغربي لا يمكن التحقق منها او اثبات انها فعلاً للبغدادي و ذلك قبيل الاعلان مؤخراً عن تصفيته بأشهر قليلة, ولايزال من المرجح ان البغدادي قتل بالغارة الروسية او كانت اصابته بليغة و قتل مؤخراً و من المستبعد ان يكون قد قتل بعملية امريكية.
8- لم يثبت تنظيم داعش الارهابي بانه نفذ اي هجوم ضد هدف امريكي او هدف للتحالف الامريكي رغم ان قواعدهم شرق سورية كانت متقاربة و بل و اكثر من ذلك التحالف الامريكي هدد الجيش السوري في حال طارد الفارين من ارهابيي داعش من البوكمال شرق سورية و قام بتأمين الحماية الجوية لهم.
9-تبنى تنظيم داعش الارهابي الكثير من العمليات التي لم ينفذها و منها عملية سرقة سطو مسلح لمدمن مخدرات في الفلبين حيث تبنى العملية قبل ان تتكشف تفاصيل العملية.
10- يمكن للاعلام الاسرائيلي و الامريكي و الخليجي كتابة انباء عن السيد حسن نصر الله على موقع الفيسبوك دون اي مشكلة و لكن اي سوري او لبناني او فلسطيني يكتب اس السيد حسن نصر الله على فيسبوك يتم انذاره ولاحقاً يتم حذف صفحته في حين كان و ما زال فيسبوك مكان لتجنيد المقاتلين لتنظيم داعش و نشر دعايته حاله كحال كل وسائل التواصل الإجتماعي .
11- حصل داعش على سيارات تويوتا من السعودية و قطر و الامارات و الاردن باعتراف شركة تويوتا و لم يتم التحقيق الدولي في كيفية وصول هذه السيارات للتنظيم الارهابي علماً بأن جميع هذه السيارات دخلت عبر الاردن و تركيا (حيث يوجد قوات امريكية) و تجاهل الاعلام الغربي هذه الحقيقة و حقيقة نشر مشاهد فيديو تظهر طائرات امريكية تقوم بحماية قوافل داعش.
12- توقع باراك اوباما ان القضاء على داعش يحتاج الى سنوات طويلة و كانت خطته للقضاء على داعش دعم ما يسمى الجيش الحر ليقوم باسقاط الدولة السورية ثم يتم دعمه لمحاربة داعش و القضاء عليه فكان الرد الروسي على الاقتراح الامريكي بان داعش و النصرة و الحر و غيرهم غير قادرين على اسقاط سورية هم و من خلفهم فكيف للحر ان يسقط الدولة السورية ثم يحارب داعش.
بالفيديو: آثار الغارة الجوية التي استهدفت زعيم داعش ابو بكر البغدادي في إدلب

الأربعاء، 23 أكتوبر 2019

عرض عباس علي مراد شحادة الغاوي الباحث عن الحقيقة


شحادة الغاوي الباحث عن الحقيقة لا يكل ولا يمل ولا يترك حجراً الا ويقلبه او ملف الا ويغوص فيه، يقدم الوثيقة حيث وجدت، ويقارب الموضوع بأسلوب علمي منطقي حتى لا يظلم ولا يُظلم ويقول في:( ص 30 ان رفقاءه طالبوه وهو حرص بأن تكون فيه وثائق وألا تكون استنتاجات دون أساس).

 يحلل بأسلوب ومقاربة علمية مكثفة، ولا يتردد في إبداء رأيه اعتمادأ على أدلة، ويحرص على عدم الإدانة الا اذا كان يملك هذا الدليل ويترك لقارئه ان يطرح الأسئلة. وكتابه ليس كتاباً عادياً لأنه يلقي الأحجار في المياه الساكنة من أجل استعادة الحزب  السوري القومي الإجتماعي لدوره والحفاظ على العقيدة والإلتزام بالقيم القومية الإجتماعية التي وضعها سعادة والتي تقوم على أربع دعائم : الحرية، الواجب، النظام والقوة التي ترمز اليها أربعة أطراف الزوبعة القومية الإجتماعية الممثلة في علم الحزب.

 يدرك الكاتب وهو الحزبي الملتزم  بالعقيدة ان كتابه قد يلقى الترحيب من البعض والإعتراض من البعض الآخر من رفقائه في الحزب، وهذا لم يثنه عن وضع هذا الكتاب عله يشكل لبداية جديدة وإعادة النظر بمحطات تاريخية مرّ بها الحزب منذ التآمر على سعادة واغتياله واستمرار الحملة على الحزب لحرفه عن دوره القومي في محطات تاريخية مهمة من تاريخ الأمة السورية. ولا يتردد الكاتب عن ذكر أسماء حزبية بارزة ودورها سواء الإيجابي او السلبي.

الكتاب الصادر عام 2019 عن دار ابعاد في بيروت يقع في 559 صفحة ويـتألف من خمسة فصول بالإضافة إلى الاهداء وكلمة شكر ومقدمة عامة وقسم مخصص للملاحق وفهرس الإعلام ولائحة المراجع.

حرص الكاتب شحادة الغاوي على انه يكتب في التاريخ ولا يكتب تاريخاً، ففي الفصل الأول يتصدى للبدايات الصعبة من الـتأسيس الإول إلى السجن من (1932 إلى 1938) وينقل عن سعادة ص 42 ( ليس الحزب السوري القومي الإجتماعي، إذاً جمعية أو حلقة، كما قد لا يزال عالقا ً في أذهان بعض الأعضاء،…إن الحزب السوري القومي الإجتماعي لهو أكثر بكثير من جمعية تضم عدداً من الأعضاء أو حلقة وُجدت لفئة من الناس أو من الشباب انه فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها….) إن مبدأ ” سورية للسوريين والسوريون أمة تـامة” أخذ في تحرير نفسيتنا من قيود الخوف وفقدان الثقة بالنفس والتسليم للإرادات الخارجية.(ص45)

في هذا الفصل يعرض الكاتب لمحطات مهمة في حياة سعادة والحزب ودور المنافقين والخونة والسجن الأول والثاني وخذلان المجلس الأعلى لسعادة ومحاولة قتل سعادة في السجن ومعاناة سعادة مع معاونيه.
أما الفصل الثاني فيتحدث عن السجن الطويل سجون وتشرد في الأرجنتين وفي الوطن ( من 1938 إلى 1947) من اوروبا إلى البرازيل وصولاً إلى الأرجنتين، وما واجهه سعادة من عذاب ومعاناة من عدم تعاون وعدم تلبية معاونيه، ومكافحة سعادة للجاسوسية، ولا ينسى الكاتب قصة سعادة وجريدة سورية الجديدة وجريدة الزوبعة، ويعرض الكاتب لموقف سعادة من الحرب العالمية الثانية والتي يجب ان تتماشى مع مصالح الأمة والمطالب السورية بالإستقلال والسيادة أولاً. وعما كان يحصل في الوطن يعرض الكاتب للسياسات الإنحرافية والنفعية لبعض أركان الحزب طلباً للسلامة الشخصية (ص100) وفي الصفحة 104  يتساءل الكاتب عن دور جورج عبد المسيح :أين عبد المسيح وماذا كان يفعل؟ ويبرر الكاتب تساؤلاته وبحثه عن هذا الدور لأن عبد المسيح ومريدوه كانوا يقدمونه على أنه ضمانة عقائدية. ويتحدث الكاتب عن تلك الفترة بالتفصيل  حول قضايا أخرى لا تقل أهمية وكيفية مقاربة سعادة للأمور ويعنون ص115 سعادة يداري نعمة ويستوعبه.

الفصل الثالث  يعرض لتجديد الروح والحصاد الوفير (من آذار 1947 إلى حزيران 1949) يقول الكاتب أن السلطة أرادت إبعاد سعادة عن الحزب ليتسنى لها ترويض هذا الحزب، لكن سعادة عاد عنوة ضد إرادة السلطة التي كانت تعتمد على نعمة ثابت في استيعابه (ص130) ويتحدث عن بعض أوجه المعركة الداخلية ومعاونون لا يعاونون، ويكمل  إلى حسم سعادة الموقف داخل الحزب وكيف ربح سعادة المعركة العقائدية حتى قرار قتل سعادة فيقول: إن من يريد فهم الأسباب الحقيقية والمقدمات التي أدت إلى استشهاد سعادة يجب عليه قبل كل شيئ رصد حركته وأعماله وأقواله سنة على الأقل قبل الأستشهاد….(ص147) ليصل إلى إنقلاب حسني الزعيم في سوريا ورأي سعادة الحقيقي بالإنقلاب وشعار السيادة اللبنانية في وجه الشام فقط  وذروة التحدي في خطاب برج البراجنة ويعنون الكاتب في ص169 عن التحريض المزدوج  من حكومتي دمشق وبيروت لسعادة كي يقوم بإنقلاب مسلح في لبنان.

الفصل الرابع المطاردة والتوريط والإستشهاد (من 9 حزيران إلى تموز1949) في ص 177 وحول نظرية المؤامرة كما تعهد في أول الكتاب بعدم إلقاء التهم جزافا،ً  يقول الكاتب فإنه من الصواب فحص الأمور جيداً  ودرس الإحتمالات والتشدد في اعتماد الحقائق والوقائع في كل أمر وقضية، فإذا وجد دليل على مؤامرة يجب أن نقدم الدليل ونبني عليه، وإذا لم يكن هناك من دليل فيجب البحث عن العوامل وأسباب أخرى في غير نظرية المؤامرة. ويتابع بعنونة سعادة والمؤامرة وكيف تعامل الحزب مع خطة تصفية وقتل زعيمه؟ وعن الدور البريطاني، الأميركي والصهيوني لهذا الفصل أهميته لأنه كما الكتاب غني بالوقائع والتساؤلات والتحليلات المنطقية التي برأي الكاتب تقود إلى معرفة الحقيقة والأدوار التي قامت بها  كافة الأطراف الخارجية والإقليمية والمحلية والحزبية، ويشير الكاتب إلى دلائل أربعة ابتدءاً من ص 203 إلى ص 208 وبعد ذلك يعود لبروز دور عبد المسيح وعدم استجابته لسعادة، ولا يهمل الكاتب ما قاله عبد المسيح نفسه ص214 ونصل إلى ص 242 لنرى كيف حارب سعادة حتى الرمق الأخير ليصل في ص 255 إلى السبب في سرعة المحاكمة وتجاوز أصولها وشروطها القانونية، وفي ص258  يستنتج لا بل يذهب  الكاتب لحد الإتهام لعبد المسيح ويقول: ان سعادة كان ضحية مؤامرة خارجية استندت إلى سلبيات الأوضاع الحزبية الداخلية واستفادت منها. إن من كان يجب أن يلعب دوراً رئيساً في انقاذ سعادة هو جورج عبد المسيح ويعدد 3 أسباب لذلك وبعدها تكر سبحة الاسئلة عن ادوار الحزبيين وغيرهم وعن سبب إخفاء عبد المسيح لرفات سعادة.

الفصل الخامس  السيطرة على الحزب بعد استشهاد الزعيم كوارث وانشقاقات وصراع على السلطة.

يستهّل الكاتب هذا الفصل ببدء مرحلة استيعاب الحزب والسيطرة عليه وانتقال عبد المسيح إلى دمشق، ويقول (ص 268) لا بد لنا من ملاحظة  أن سعادة قبل اسشهاده لم يعطِ عبد المسيح أية مسؤولية مركزية في الحزب، وذلك بعد استقالته من عمدة الدفاع سنة 47 … ويمضي بمساءلة عبد المسيح عن “الاستشهاد الرائع” حسب تعبير عبد المسيح هل استشهاد سعادة كان رائعاً؟ (ص 278)   ويتساءل ص 269 السؤال الكبير هنا هو كيف كان اي عبد المسيح سيقدم على ما رفضه لسعادة؟ ويبدأ الكاتب بعرض لسلسلة من المواقف والأحداث  والأدوار كالموقف من حسني الزعيم، إلى محاكمة القوميين في لبنان، ويحرص الغاوي على الا يظلم أحداً ويشكك في البعض الأخر حيث يقول ص 282 حتى لا نظلم ابراهيم يموت،  وص 284 يتساءل عن دور غسان التويني المشبوه،  وص 288 يضع عنوان تحصين العملاء، وعدم التزام عبد المسيح بقوانين الحزب عند طرد الحزبيين علما ان سعادة كان كان قد ترك مرسوماً بإنشاء “المحكمة المركزية للحزب السوري القومي الاجتماعي ” ويُذكر بوصية سعادة :” في الحزب شرع يضمن لكل فرد حقه في النظام والعمل والرأي…”ص 290

ويستطرد الكاتب في عرض بروز السوابق الإدارية غير المنطقية، ونشوء الأزمات والتسويات والتدخلات الخارجية وأسماء لشخصيات حزبية لعبت دوراً مهماً في تلك المرحلة  من عصام محايري لعبدالله سعادة، وسامي خوري  وهشام  شرابي على سبيل المثال لا الحصر، ويخصص الكاتب جزءاً من هذا الفصل لمصدر السلطات ومن ينتخب ص309 سواء في حياة سعادة أو بعد استشهاده، وكيف صار الإستثنائي المؤقت دائماً ولاحقاً يتحث عن الخطأ الأفدح في كيفية منح رتبة الأمانة متسائلاً من هوالصادق؟ ص323، ويقارن الكاتب بين الديمقراطية التمثلية التي انتقدها سعادة والديمقراطية التعبيرية الجديدة التي جاء بها سعادة ص319.

ويعود الكاتب إلى الوضع السياسي في سورية  ويطرح السؤال من هو أديب الشيشكلي؟(ص333) الذي يصفه بالطائفي ويحظى بدعم الإسرائليين (ص338)، ليصل بعد ذلك إلى انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم 14 آب 1949، وإلى انقلاب أديب الشيشكلي على الحناوي في 18/12/1949 لينتقل للحديث عن الحزب في ظل الشيشكلي وموقف الحزب الشاذة كما سماه من قضية الإنفصال الجمركي بين سوريا ولبنان، والإتحاد مع العراق (ص348)، وموقف الحزب المؤيد للشيشكلي الذي كان معه “على طول” (ص 357) حيث يقول الكاتب عن ان عبد المسيح في خدمة أديب (ص 356)  ورغم ذلك كيف خذل الشيشكلي الحزب واسقطه في الإنتخابات إلى ان يصل إلى مرحلة ما بعد الشيشكلي، وفي  ص 370 يصف الكاتب  سياسية الحزب سنة 1955 بأنها سياسية حمقاء خرقاء غبية مراوغة متورطة فيما لا يمكن تبريره والدفاع عنه والتي اتبعها عبد المسيح وخصومه في المجلس الأعلى التي وصفها بالخلاف على السلطة لا أكثر ولا أقل وليس لها بعد عقائدي ويضيف (ص372) ان الحزب وبعد نصف قرن يقف نفس الموقف ويقدم نفس التبريرات.

وفي ص 380 ينتقل بنا الكاتب إلى مرحلة مهمة وهي مقتل الضابط عدنان المالكي ودوره وعلاقته بالحزب والإيقاع بين الحزب وأركان الجيش والمالكي، وفي ص 391 يكتب الغاوي عن كيفية بدء التوتر والخلاف مع عبد الناصر، وفي ص 422 يعنون في المصيدة الأميركية  وقول لقد ضرب الأميركان  ضربتهم المزدوجة قتل المالكي وضرب الحزب خلال أسبوع واحد من تلكؤ الحزب في قبول العرض الأميركي عليه لإعتماده ركيزة ووسيلة لهم لتوجيه السياسة الرسمية في الشام…ليخلص إلى أن السذّج وحدهم لا يعرفون طريقة عمل المخابرات الأجنبية وكيفية مباشرتها في تجنيد عملائها. ص 422 يتحدث الكاتب عن حصاد المتآمرين والمستفيدين. وفي الكتاب أجزاء مخصصة للوحدة بين مصر وسوريا وموقف الحزب منها ووصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا وما رافق ذلك من أحداث.

ويعرج على قضية الإنشقاقات الحزبية سنة 1957 وسنة 1974 وسنة 1987 وثم سنة 2012 (ص 437-438)  ويصفها بأنها صفحات سود ليست من تاريخ حزب سعادة، بل من تاريخ من ارتكبوها وقاموا بها وشاركوا فيها وتبعوها ودافعوا عنها وقبلوها، وان حزب سعادة وحركته ونهضته وقضيته هي براء منها وضحية من ضحاياها. ويصف وضع حزب سعادة اليوم بأنه مخطوف ومرهون… ليعود ص 443 ليؤكد على ان الخطأ الكبير القاتل الذي وقع فيه من شقوا الحزب هو خطأ، بل مرض، النزعة الفردية القاتلة وعدم الإقتداء بسعادة في طريقة معالجة الإنحراف العقائدي والسياسي.

وفي ص 477 يفصل بين القوميين الجنود الأوفياء لسعادة ولعقيدته ونظامه ويعنون “الأسئلة الكبيرة والجواب الضائع” ويسأل ما هي الأسباب الحقيقية التي تجعل الوصوليين والفاسدين وأصحاب النزعة الفردية يصلون إلى قيادة الحزب مع أن نظام الحزب يحارب الوصولية والفساد والنزعة الفردية ويكافحها؟

وفي قسم الملاحق لا يتوقف الكاتب عن إعطاء المزيد من المعلومات  واتخاذ المواقف من قضايا عقادية وسياسية،  ويتحدث عن عبد المسيح العقائدي وعصام محايري العروبي وانعام رعد الثوري ويفند مواقفهم من قضايا مهمة وفهمهم للعقيدة كالمدرحية  والإنسان والمجتمع، الجماهيرية والجماهير، عيد العمال- عيد العمل، بين الحياة والعيش، الموقف من اليهود، الإشتراكية العلمية .

ويتحدث ص 514 عن الضعف المثلث الأضلاع حيث يقول الكاتب أن القيادات الحزبية التي أتت بعد سعادة لم تستطع إكمال نهجه الصراعي الهجومي بسبب ضعفها المثلث الأضلاع علمياً وعقائدياً ومعنوياً والتي يشرحها بالتفصيل.

أخيراً، ان ما تقدم وما عُرض من كتاب شحادة الغاوي قد لا يفيه حقه ولا يغني عن قراءة الكتاب، حتى يطلع القارىء على المزيد من التفاصيل والحقائق التي عرضها الكاتب وان كان بعضها ليس على علاقة مباشرة مع الاسباب والعوامل الحزبية الداخلية وهذا ما يشير اليه الكاتب لكنه يرى أهمية عدم إهمالها كل ذلك  من اجل ان يأخذ الحزب السوري القومي الاجتماعي دوره الطليعي كما يرى الغاوي في تقرير مصير الامة حسب المفاهيم والعقيدة التي وضعها سعادة ورسم خريطة طريقها الفكرية والعقائدية والتي توجت بالشهادة.

سيدني


الاثنين، 21 أكتوبر 2019

المسيحية الصهيونية كفكر تكفيريالمطران مارون لحّام

المسيحية الصهيونية كفكر تكفيري

الفكر التكفيري في الدين، في أي دين، يقود حتماً إلى العنف. وقد عاشت معظم الديانات هذه الفترة من التفكير المكفّر. والعنف يظهر في أكثر من وجه: أولاً الذبح بالنسبة لبعض الأديان ومنها الهندوسية، ثم فرض الدين على جماعة مختلفة في المعتقد. والتاريخ مليء بأمثال هذا العنف عند أكثر من دين. ثم العصبية الدينية، أعني إدعاء امتلاك الحقيقة المطلقة وإنكار أي شعاع منها لدى الآخرين. أخيراً التعالي على الآخر المختلف دينياً من منطلق أننا “شعب الله المختار”، أو أننا “خير أمة أُخرجت إلى الناس”، أو أننا “ملح الأرض ونور العالم”. هذا عن الأديان.
بيد أن هذا الفكر التكفيري يوجد أيضاً في المجال السياسي والتاريخي والثقافي. فاستعباد البشر في أفريقيا في حقبة الاستعمار فكر تكفيري، والاستعمار نفسُه فكرٌ تكفيري، والقضاء على شعوب بأكملها بتاريخها وثقافتها في الأمريكيتين عند اكتشافهما فكر تكفيري. وفي الوقت الحالي، وليس بعيداً عنا، قطع الرؤوس والتهجير القصري والخيار بين تغيير الدين أو الجزية أو مغادرة أرض الوطن، فكر تكفيري بامتياز.
1 ـ  المسيحية الصهيونية: عرض سريع لنشأتها ولأهم عقائدها
أول ما يتبادر إلى الذهن هو أن المسيحية الصهيونية وليدة الأحداث الأخيرة، لا سيما منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948. لا شك أن عام 1948 أحدث تغييراً نوعياً في مواقف المسيحية الصهيونية وفي نشاطاتها، لا سيما في فلسطين، لكن جذورها تعود إلى أبعد من ذلك بكثير.
المبدأ الديني العام الذي عليه تقوم المسيحية الصهيونية هو ما يلي: “سيعود المسيح مرة ثانية، ولهذه العودة شروط لا بدّ من توافرها. فالمسيح لن يعود إلا إلى مجتمع يهودي، ولن يظهر إلا في صهيون (القدس)، لذلك لا بدّ من تجميع اليهود في فلسطين حتى يظهر المسيح بينهم، وهكذا نعجّل في نهاية العالم”.
هذا المبدأ (عودة المسيح ثانية – مع ما يرافقه – المسيح الدجال، حكم الألف سنة، معركة هرمجدّون النهائية…) كان من الأمور التي شغلت بال المفكّرين المسيحيين منذ القرون الأولى (العقيدة التدبيرية)، وله أيضاً بعض التلميحات في العقيدة الإسلامية (عودة المسيح للدينونة). وإن عدنا إلى جذور المسيحية، نرى أن يسوع المسيح وبولس الرسول كانا يقاومان النزعات الرامية إلى التهويد والتعصّب المتطرّف. كما ساد في القرن الثاني الميلادي جدلٌ في الكنيسة (الهرطقة المونتانية، عام 170- 190) يسير في نفس الخط الانتقائي تحسّباً لمجيء المسيح القريب. وكان ترتيليانوس من المؤمنين بهذا الخط من التفكير، أقلّه في نهاية حياته. لكن معظم أساقفة الكنيسة في القرون الأولى رفضوا هذا التفكير واعتبروه هرطقة، وأدانوه (200م).
عاد نمط التفكير هذا إلى الظهور في القرون الوسطى عند بعض المفكّرين اليهود، ونما بعد طرد اليهود من إسبانيا (1492). وكان بعض هؤلاء المفكّرين قريبين من واضعي التفكير الكتابي زمن الإصلاح، بحيث ساهموا في التشديد على أهمية دراسة العهد القديم من الكتاب المقدس.
ثم أتت حركة الإصلاح، وتبنّت مبدأ الكتاب المقدس كمرجع أساسي ووحيد في الإيمان والعمل المسيحي Sola Scriptura. وفي غمرة هذا الترويج للتفسيرات الكتابية واللامركزية في الكنيسة، دخلت ضلالات وكأنها تعاليم مسيحية مقبولة. كانت بريطانيا من أكثر الداعين إلى التفسير الحرفي للكتاب المقدس، واعتبرت نفسها في فترة ما “إسرائيل الجديدة”. وفي سنة 1615 ناشد أحد أعضاء البرلمان البريطاني الحكومة دعم فكرة اليهود إلى فلسطين. نحن هنا قبل وعد بلفور بثلاثة قرون. وخلال هذه القرون الثلاثة، تطورت الفكرة عند القُسس في بريطانيا، إلى أن صدر الوعد المشهور عام 1917، ويقال أن اللورد بلفور كان مسيحياً صهيونياً.
ساد نفس الخط في أميركا، لا سيما في القرن الثامن عشر وما تبعه. وكان التركيز على أمرين: مجيء السيد المسيح الثاني والاهتداء الشخصي. ونحن نعلم أن هاجس مجيء المسيح الثاني سكن الكثيرين من مسيحيي أميركا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وطالما سمعنا عن مؤمنين باعوا ممتلكاتهم وجلسوا ينتظرون عودة المسيح اعتماداً على حسابات مأخوذة من أرقام وردت في العهد القديم أو سفر الرؤيا.
لم تشكّل المسيحية الصهيونية حركة أو نظاماً لاهوتياً واضح المعالم حتى النصف الثاني من القرن العشرين. بيد أن قيام دولة إسرائيل عام 1948 كان بالنسبة لمعظم الإنجيليين الأصوليين بمثابة تأكيد على صحة نظرية “ما قبل الألفية” وعلى قُرب عودة المسيح الثانية. وكانت حرب 1967 وما تبعها من استيلاء إسرائيل على القدس دليلاً آخر على اقتراب الأزمنة الأخيرة. فقد كتب أحدهم: “لأول مرة منذ أكثر من ألفي عام تصبح أورشليم بأكملها تحت سيطرة اليهود، مما يسبّب لدارس الكتاب المقدس نشوة وإيماناً متجدّداً بدقة وصحة هذا الكتاب”.
ثم تتابعت الأحداث، فترأس الليكود حكومةَ إسرائيل (1977) بناء على برنامج سياسي صهيوني استُغلّت فيه أفكار توراتية. وانتُخب جيمي كارتر (1976) واعتمد في انتخابه على الأصوات الإنجيلية والأصولية. وفي الثمانينات انتُخب رونالد ريغان رئيساً، وكان بعض وزرائه يؤمنون بفكرة ما قبل الألفية.
ثم كان افتتاح “السفارة المسيحية الدولية” في القدس في 30/9/1980، والتي قدّمت نفسها على أنها مؤسّسة مسيحية صهيونية ولها رؤية عالمية فيما يتعلّق بتطور عقيدة ما قبل الألفية. وتعتمد “السفارة المسيحية الدولية” على طريقة مسيحية أصولية لفهم الكتاب المقدس، وترى في إسرائيل تحقيقاً لنبوّة كتابية وعودة شعب الله المختار إلى أرض الميعاد. أما اهتماماتها، فقد حدّدتها السفارة نفسها في النقاط التالية:
ـ الإهتمام بالشعب اليهودي وخاصة بدولة إسرائيل.
ـ حق إسرائيل في العيش بأمن وسلام.
ـ الإهتمام بالقدس من جميع نواحيها لتصبح درّة في عين الدنيا وبشرى بعهد جديد للبشرية جمعاء.
ـ ربط كنيسة المسيح المنتشرة في أنحاء العالم بإسرائيل ربطاً حقيقياً.
ـ الإهتمام بمجيء الرب والإعداد له.
من الواضح أن تعاوناً استراتيجياً تأسّس بين “السفارة” والقيادة السياسية الإسرائيلية لا مجال هنا لذكر معالمه. وفي سنة 1985 نظّمت “السفارة” المؤتمر المسيحي الصهيوني الأول في مدينة بازل في سويسرا، في نفس القاعة التي عقد فيها ثيودور هرتسل المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897. أمّا المؤتمر العالمي الثاني، فقد عُقد في القدس عام 1988 في الذكرى الأربعين لتأسيس دولة إسرائيل. وفي أحد أعياد المظالّ اليهودية، جمعت هذه “السفارة” أكثر من 6000 مسيحي من أكثر من 100 دولة تحقيقاً لنبوءة زكريا (14، 16): “ويكون أن كل الذين أُبقيَ عليهم من جميع الأمم القادمين على أورشليم يصعدون سنة بعد سنة ليسجدوا للملك رب الجنود وليعيّدوا عيد المظالّ”. وقد خطب فيهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي كان قد أُعيد انتخابه قبل فترة. وقد قال مسؤول “السفارة” مشيراً إلى إعادة انتخاب نتنياهو: “إن كان هنالك برهان على وجود الله في السماء فهو نتيجة الانتخابات الأخيرة”. وقد أجاب رئيس الوزراء على هذا الخطاب الترحيبي الحار قائلاً للمجتمعين: “أنتم سفراء الحقيقة”.
بعد هذا السرد التاريخي السريع، في ما يلي سردٌ آخر سريع لأهم ملامح “العقيدة” التي تنادي بها المسيحية الصهيونية. وهنا يجب القول أن عقيدة المسيحية الصهيونية هي أساساً عقيدة دينية، وما الوجه السياسي، ولو أنه قويّ وبارز، لهذه الحركة إلاّ من تبعات العقيدة الدينية المذكورة.
العقيدة الدينية
ـ تؤمن المسيحية الصهيونية بحتمية رجوع المسيح الثاني، وبحكمه الأرض مدة ألف سنة. وهنالك فترة تُدعى ما قبل الألفية، تقوم على تهيئة الجو لمجيء المسيح. وتهيئة الجو تعني إعادة جميع اليهود إلى فلسطين، لأن المسيح سيعود في القدس وسيظهر للشعب اليهودي.
ـ تؤكّد على القراءة الحرفية للكتاب المقدس، وعلى أن ما يقوله الكتاب المقدس يجب أن يطبقه المؤمن حرفياً بالتمام والكمال، مع الإيمان أن ما جاء في الكتاب المقدس هو ما يحدث بجميع تفاصيله في التاريخ، أو ما سيحدث في المستقبل.
ـ تطلب من المسيحيين الذين يحبّون الكتاب المقدس أن ينظروا إلى العهد القديم على أنه التاريخ الوحيد الصحيح لمنطقة الشرق الأوسط.
ـ لا يمكن القضاء على اللآسامية في العالم إلا بإقامة دولة لليهود، ولليهود فقط، في فلسطين. ومن هذا المنطلق، أن يكون الإنسان مسيحياً يعني حتماً دعم وجود دولة إسرائيل ودعم سياستها. وهذا الدعم المطلوب له سببان: الأول ـ الأمانة لمخطط الله ولإرادته كما وردت في الكتب المقدسة. يقول جيري فارويل “كلّ من يؤمن حقاً بالكتاب المقدس يرى أن الإيمان المسيحي ودولة إسرائيل أمران لا ينفصلان”. ثانياً ـ دعم إسرائيل من شأنه أن يعجّل مجيء المسيح الثاني.
أساس العقيدة المسيحية الصهيونية مبنيٌّ إذاً على عودة المسيح. وما التركيز على مركزية الشعب اليهودي والاهتمام بعودته إلى فلسطين، إلا وسيلة ضرورية للوصول إلى هدف عودة المسيح وحكمه الألفيّ. وبعد ذلك لا يبقى لليهود إلاّ خيارين: الإيمان بالمسيح أو الموت.
لهذه العقيدة المتشدّدة والحرفية تبعات سياسية تخص الأرض والشعب والعلاقة بين الشعب والأرض. وهذه التبعات هي التي تظهر على السطح الآن وتشكّل الوجه الخارجي للمسيحية الصهيونية. من هذه التبعات:
ـ تؤمن المسيحية الصهيونية أن الله دعاها “لدعم ومساندة إسرائيل دون قيد أو شرط”. إن كلّ مَن يؤمن إيماناً حقيقياً بالكتاب المقدس يستطيع أن يرى الارتباط الذي لا يمكن فصمُ عراه بين المسيحية ودولة إسرائيل الحديثة. كما أن إعادة تكوين دولة إسرائيل عام 1948 هي بالنسبة لكل مسيحي مؤمن بالكتاب المقدس “تحقيقٌ لنبوءة وردت في كل من العهدين القديم والجديد”.
ـ تناشد الشعوب والدول بإنشاء سفاراتها في القدس، للتأكيد على الرابطة القديمة بين الشعب اليهودي الخالد وبين مدينته التي منحه الله إياها، واعتبار منطقتي يهوذا والسامرة جزءاً من أرض إسرائيل.
ـ تؤمن أن الله أحبّ شعبه وأنه أناط به مسؤولية وحق امتلاك أرض الميعاد وإعمارها، بل وحكم سكانها بموجب كلمته الإلهية.
وفي ختام الكلام عن التبعات السياسية لهذه العقيدة، وتغلغلها في السياسة الأميركية في المنطقة، يكفي أن نذكر بعض التعابير المشتركة بين المسيحية الصهيونية وخطابات الرؤساء الأميركان في نهاية القرن العشرين. من هذه التعابير: محور الشر (في العقيدة المسيحية الصهيونية محور الشر هو كل من هم ضد إسرائيل)، والعدالة المطلقة (في العقيدة المسيحية الصهيونية العدالة المطلقة ستتحقق فقط بعودة المسيح الثانية). يقول محمّد السمّاك إن مسؤولاً من المسيحية الصهيونية كان يحضر اجتماعات مجلس الأمن القومي الأميركي حتى يضمن أن القرارات التي تصدر متوافقة مع معتقدات المسيحية الصهيونية.
2 ـ موقف الكنائس المسيحية العام من المسيحية الصهيونية
لا تستطيع الكنائس المسيحية أن لا تأخذ موقفاً واضحاً من المسيحية الصهيونية. فالأمر يختص بعقائد مسيحية تتّفق عليها جميع الكنائس المسيحية الرسمية، بغض النظر عن التبعات السياسية التي تكلمنا عنها. فجميع الكنائس المسيحية (أي العائلات الثلاث الكبيرة: الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية) لها مواقف واحدة من مبدأ عودة المسيح الثانية في نهاية الأزمنة، ومن التفسير الحرفي للكتاب المقدس ومن العلاقة الجوهرية التي تجمع بين العهد القديم والجديد، وإن وُجدت بعض التفاصيل الُمختلف عليها في النقطة الأخيرة.
من هنا أتت مواقف جميع الكنائس متّفقة فيما بينها على رفض العقيدة المسيحية الصهيونية، وعلى عدم الاعتراف بهذه الجماعة ككنيسة أو حتى كتجمع كنسي. وفي ما يلي بعض المواقف الرسمية:
ـ يقول مجلس كنائس الشرق الأوسط (عام 1985): “إننا ندين استغلال التوراة واستثمار المشاعر الدينيّة في محاولة لإضفاء صبغة قدسية على إنشاء إسرائيل ولدمغ سياستها بدمغة شرعية. إن المسيحيين الصهاينة لا يعترفون لكنائس الشرق الأوسط بتاريخها وبشهادتها وبرسالتها الخاصة، ويحاولون زرع رؤية لاهوتية غريبة عن ثقافتنا”.
ـ “نحن لا نوافق على ما تقوم به هذه الجماعة. نحن نقول إن هنالك دعماً مسيحياً لهذه الصهيونية، المبنية على هذا الأساس اللاهوتي. ونحن طبعاً ضد هذه المعتقدات، خاصة وأنها تقسم التاريخ إلى سبع حقبات تاريخية، وتفترض أن هنالك فصلاً بين إسرائيل التي تعتبره الشعب اليهودي وبين الكنيسة التي هي شعب الله في السماء، وتسعى إلى تفسير الكتاب المقدس تفسيراً حرفياً. هذه الجماعة تؤمن أن الأرض ملك الشعب اليهودي إلى الأبد، وأن النبوءات المتعلّقة برجوع اليهود من الشتات الآن قد تحقّقت ثانيةً. لذلك تريد أن تأتي إلى معركة هرمجدون… من هذا المنطلق نحن نسعى… إلى مواجهة هذه المجموعات”. (د. رياض جرجوعي، الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط).
ـ إن مجلس الكنائس الوطني الأميركي ومجلس الكنائس المسيحي في أميركا في نيويورك، مع مجلس الكنائس العالمي في جنيف ندّدت بتصريحات جيري فولويل وبات روبرتسون، وهما من أشهر ممثلي المسيحية الصهيونية. ثم أن الكنائس الكاثوليكية والكنائس الأرثوذكسية والكنائس الإنجيلية الموجودة في الولايات المتحدة لا تتعامل مع المسيحية الصهيونية وتقاطِعُها.
ـ “الكنيسة المشيخية في أميركا (والتي هي من الكنائس الإنجيلية التي انسلخت المسيحية الصهيونية عن أحد فروعها) ترفض تفكير المسيحية الصهيونية رفضاً كاملاً في قيادتها وفي شعبها. وقد خاطبنا هذه الكنائس التي تستمع إلى جيري فولويل وإلى أمثاله، وقلنا لهم إننا لا نستقبل قياداتهم أو زوّارهم إن أتوا إلى بلادنا… ليس هذا الفكر منا، بل هو دخيل علينا”.
3 ـ موقف الكنيسة الفلسطينية من المسيحية الصهيونية
هنا بيت القصيد. فالكنيسة الفلسطينية لها كلمتها ككنيسة لأن الأمر يختص بالعقيدة، وكفلسطينية لأن معظم التبعات السياسية تهمّ أرض فلسطين ولها انعكاسات دينية ووطنية وسياسية على الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
الموقف الأكبر والشامل هو البيان الذي أصدره رؤساء الكنائس المسيحية في القدس: “إن الهيئة التي تدعو نفسها “السفارة المسيحية الدولية” لا تمثّل كنائسنا في هذه البلاد، كما أنها لا تستطيع أن تمثّل غالبية المؤمنين في العالم. إننا لا نعترف بهذه السفارة ولا بنشاطاتها ولا بمؤتمراتها. وبما أن تعاليم السيد المسيح وهدى الإنجيل ونوره انطلقت من هذه الديار نفسها حيث نمثّل نحن ديانتنا المقدسة وحيث نجتهد في تكريم المقدّسات والمحافظة عليها، فإننا لسنا بحاجة إلى أناس يأتوننا من الخارج ليتحدّثوا أو يتصرّفوا باسمنا، خصوصاً وأنهم غير واعين لواقعنا. كما نرفض رفضاً باتاً أيّ تفسير سياسي للكتب المقدّسة”.
كما عبّر الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط عن موقف مماثل في رسالة وجّهها إلى الكنائس بتاريخ 7/3/1988. جاء في الرسالة: “في الشرق الأوسط حيث يلعب الدين دوراً هاماً ومتنامياً في تحديد العلاقات المستقبلية بين الشعوب والدول، لا يوجد أي مجال لأيديولوجيات مسيحية صهيونية متحيّزة وتشكّل تشويها خطيراً للإيمان المسيحي، بل يتوجّب على المسيحيين في جميع أنحاء العالم رفض كافة أفكار التفوّق لشعب معّين على غيره من الشعوب ضمن خليقة الله”.
وفي مقابلة قناة الجزيرة “بلا حدود” في كانون أول 2002، قال المطران عطا الله حنا فيما يمكن اعتباره موقفًا مسيحيًا محليًا عامًا: “نحن في كنيستنا الأرثوذكسية وبشكل عام في الكنيسة المشرقية، لا نعترف بشيء اسمه الكنيسة المسيحية الصهيونية، ذلك لأن هنالك تناقضًا كبيرًا بين ما تعلّمنا إيّاه المسيحية من قيم روحية وإنسانية، وما تقوله الصهيونية من احتلال وممارسات على الأرض. نحن نعتقد أن هذه الجماعات أدوات مسخّرة في خدمة المشروع الصهيوني لاختراق المسيحية ولإبرازها وكأنها حليف للصهيونية… ونحن نؤكد أن ما تدّعيه هذه الجماعات من تبريرات ومن دعم للصهيونية لا علاقة له بالمسيحية ولا بالإنجيل ولا بالكتاب المقدس. لم تنجح المسيحية الصهيونية في اختراق الكنيسة في فلسطين لأن هنالك موقف واضح من الكنائس الأرثوذكسية ومن الكنائس الكاثوليكية ومن الكنائس العربية”.
هذا على مستوى المواقف والتصريحات. بيد أن الموقف الأهم هو الموقف الفكري الذي يعالج الشرّ من أصله، أي الموقف الذي يفنّد الزعم بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس والحق السياسي على الأرض باسم الدين.  وهنا يجب تثبيت المبدأ النظري أوّلا قبل الوصول الى التطبيق.
يقول المبدأ النظري في تحديد أية عقيدة او موقف لاهوتي بالمعنى الصحيح أن التفكير اللاهوتي يجب أن يدور، من ألفه الى يائه، في فلك حرّ بحرية الروح القدس. هذا يعني أن أي موقف لاهوتي مرفوض مبدئياً، إن كان هذا المبدأ متأثراً في تكوينه برواسب نفسيّة أو تاريخية أو سياسية أو أيديولوجية أو شخصية، ماضية كانت أم حاضرة أم مستقبلية. وبما أن حركة المسيحية الصهيونية وُلدت في الغرب، فالخلل القاتل هو أن هذا التفكير سجين عقل باطني متأثر بأحداث معينة في الماضي البعيد والقريب.
ومن مكونات هذا العقل الباطني الغربي هو أن اسرائيل دولة خاصة لشعب خاص في تاريخ خاص وعلى أرض خاصة. واللاهوت المؤسَّس على هذه المسلّمات يصل حتما الى القول ان دولة اسرائيل تنبأت بها كلمة الله في الكتاب المقدس، وأن هذه الدولة هي تعبير عن إرادة الله، وما على غير اليهود المتواجدين في الأرض سوى القبول بالأمر الواقع أو والنزوح. من هنا نقول أنه عندما يبرّر أيُّ لاهوت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مشروعاً سياسياً أو أيديولوجية سياسية، يمكن ان ننتظر الكوارث.
ونأتي الى التطبيق، وهو واضحٌ وضوح الشمس. أستلهمُ هذه الفقرة من مداخلتي من رسالة البطريرك ميشيل الصباح “قراءة الكتاب المقدس اليوم في أرض الكتاب المقدس” (تشرين ثاني 1993). فيما يلي أهم نقاط الرسالة التي تتناول عقيدة المسيحية الصهيونية حول تفسير الكتاب المقدس والحق في امتلاك الأرض والعلاقة بين العقيدة الدينية والحق السياسي.
تفسير كلمة الله
ـ من أراد أن يكون أميناً لإيمانه ولكلمة الله، يجب أن يحرّر نفسه من جميع الضغوط الواعية واللاواعية الناجمة عن الانتماءات الحضارية وعن المواقف السياسية الراهنة.
ـ كلمة الله يجب ان تكون النورَ والدليل ولا يجوز أن تكون أداة صراع مع أو على أي من الطرفين.
ـ لا يجوز أن تكون كلمة الله أداة صراع إلاّ في سبيل الحقيقة.
ـ لا يجوز إخضاع الكتاب المقدس للاستغلال السياسي وإهمال جوهر رسالته الدينية.
ـ لا يمكن تبرير أي صراع بالكتاب المقدس (رقم 46).
الأرض
ـ الأرض مُلك الله (الأحبار 25،23) وإسرائيل هو نزيل الله في الأرض. وعلى الشعب أن يكون أميناً على الأرض والاّ فإن الأرض “تلفظ ساكنيها” (أحبار 18،25). وبالإضافة إلى ذلك، فتملّك الأرض ليس أمراً منطقياً، والدليل على ذلك هو أننا نجد في التوراة نظاماً خاصاً يحدّد الملكية على الأرض. فكل خمسين سنة يعاد توزيع الأرض ويُحرّر العبيد، وذلك للإقرار أن الله هو سيّد الجميع والمالك الحقيقي للأرض (أحبار 25 ، 1و13).
ـ مع كل عهد ومع كل مرحلة جديدة من تاريخ الشعب اليهودي كان المعنى الروحي والشمولي للعهد والمواعيد، بما فيها الأرض، يّتضح أكثر فأكثر. فالأبرار يرثون الأرض (مزمور 37 ،29). ونفس الأمر كرّره المسيح في التطويبات “طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض” (متى 5 ،4). وهكذا فإن سيطرة الودعاء على الأرض تكتمل بصورة أورشليم السماوية (رؤيا 3، 12 و21، 2). وبذلك تصبح أورشليم الأرضية الصورة والرمز لأرض الميعاد التي هي وطننا السماوي عند الله. وهكذا لا تُعد أورشليم بعد أرضاً أو تُراثاً أرضياً فحسب، بل هي أيضاً، وبصورة خاصة، تراث روحي للإنسانية الساعية إلى الخلاص.
مختصر القول: تطوّرَ مفهوم الأرض في مختلف مراحل الوحي، ابتداءً بالمعنى المادي والجغرافي والسياسي وانتهاءً بالمعنى الروحي والرمزي، ولم تعُد عبادة الله مقيّدة بأرض. ليس هناك أرض محدّدة للعبادة وليست الأرض القيمة الأولى والمُطلقة. انما الأول هو الله تعالى وعبادته (يوحنا 4).
الحق السياسي والعقيدة الدينية
ـ لا شك أن للدين اليهودي علاقة تربطه بأرض فلسطين. كما لا شك أن نفس الأمر يقال عن الدين المسيحي وعن الإسلام. فإذا ما ادّعت إحدى الديانات الثلاث حقاً لها سياسياً على الأرض باسم الدين نفسه، حقّ للديانتين الأخريين أن تدّعيا الادعاء نفسه وللسبب نفسه.
ـ حق الديانات الثلاث على أرض فلسطين مشروع للجميع، ويقوم على العيش على هذه الأرض أو التوجه إليها لأداء واجب العبادة فيها. وأما الحق السياسي فيها لأي دين من الأديان الثلاثة أو لأي مؤمن من مؤمنيها، فهو متوقف على العمل السياسي، وهذا العمل يحكمه القانون الدولي لا الكتب السماوية. (22)
ـ إن كانت السلطة السياسية تريد أن تجعل من الله ومن كتابه مرجعاً لها فيما يختص بهبة الأرض، فهذا يعني أنه يجب أن تهتدي في الصراع الجاري بالمبادئ الأخلاقية التي يتضمنها الكتاب المقدس، وهي المبادئ المستوحاة من عدل الله وصلاحه تجاه الجميع، وهو الذي لا يرضى أن يعبّر عن حبّه لشعب ما بظُلم شعب آخر (نفسه).
تبقى بعض النقاط العملية والحياتية التي يجب على مسيحيي الأرض المقدسة أن يعيشوها كي يقفوا سداً منيعاً أمام خطر المسيحية الصهيونية. وقد عرض الأب دافيد نويهاوس في محاضرة له عن المسيحية الصهيونية بعض هذه النقاط:
وحدة المسيحيين: على جميع المسيحيين أن يتّحدوا في الهوية العربية المسيحية من منطلق تجذرهم في الأرض، والحياة المسيحية بحسب القيم الإنجيلية وشهادة الحياة من خلال قيم العدل والسلام والمغفرة والمصالحة. وحدة المسيحيين تفضح الوجه المظلم للمسيحية الصهيونية.
التعمق في قراءة الكتاب المقدس والتأمل فيه. يجب على جميع مسيحيي الأرض المقدسة قراءة الكتاب المقدس بأكمله والوقوف على العلاقة الجوهرية بين العهد القديم والعهد الجديد، بالرغم من بعض التحفظات عند البعض من منطلق غير منطلق الإيمان. هذه الدراسة العلمية من المفروض أن تُضفي إلى الوقوف على مخطط الله الخلاصي الذي بدأه في كتب العهد القديم وأكلمه في العهد الجديد.
الحوار مع المسلمين: الحوار مع المسلمين في الأرض المقدّسة قديم قِدَم التاريخ، ويجب أن يتم انطلاقاً من معرفة المسلم لنفسه لا من منطلق ما يقوله آباء الكنيسة أو الآباء المدافعون عنه. يجب تجنب مواقف المسيحية الصهيونية التي تنطلق من مبدأ ساذج هو منطق الأبيض والأسود في موقفها من الإسلام ومن المسلمين.
الحوار مع اليهود: هنا أيضاً، يجب التعالي على بعض الحساسيات السياسية والعمل على حوار إيجابي ومتفهّم مع الديانة اليهودية. ومن النتائج المرجوّة من هذا الحوار العمل معاً على إحلال العدل والسلام والمصالحة بين الأطراف المتنازعة منذ عشرات السنين. وهذا الحوار من شأنه أن يفضح، مرة أخرى، موقف المسيحية الصهيونية التي تحكم على المسيحي والمسلم واليهودي في الأرض المقدسة بالعنف والظلمة والموت.
إعلان الملكوت: وهو واجب كل مسيحي في الأرض المقدسة. إعلان ملكوت الله كما عبّر عنه السيد المسيح في العظة على الجبل وأتمّه على الصليب، “فإذا اتحدنا به في موته فسنتحد به أيضاً في قيامته” (روما، 6،5).
خاتمة
موقف الكنيسة الفلسطينية الرافض للمسيحية الصهيونية ليس مبنيّاً على العاطفة أو على مواقف سياسية من الصراع الدائر في المنطقة، بل هو قبل أي اعتبار آخر موقف إيماني ولاهوتي محض. إيماني لأن عقيدة المسيحية الصهيونية تحرّف عقائد إيمانية لا يحق التلاعب بها (نهاية العالم، مجيء المسيح الثاني، صلاح الله ومحبته للجميع…) ولاهوتي (شمولية تاريخ الخلاص، دور يسوع المسيح في تاريخ الخلاص، العلاقة بين العقيدة والأرض، تطوّر فكرة الشعب المختار…).
إن كان لا يجوز التلاعب بعقول البشر في الأمور الأرضية، احتراماً لقدسية الحقيقة ولكرامة البشر، فبالأحرى لا يمكن التلاعب بمشاعر البشر الإيمانية، احتراماً لقدسية الإيمان ولأهميته في حياة المؤمن، واحتراماً لله نفسه الذي هجم الحاجز بين البشر بتجسد ابنه (أفسس 2، 14). بحيث لم يعُد هناك “يهودي أو يونانيّ، عبدٌ أو حر، ذكر أو انثى، لأنكم جميعكم في المسيح يسوع” (غلاطية 3، 27).

الجمعة، 18 أكتوبر 2019

كلام لا بد منه – ليس كل الحق على الأكراد وحدهم

كلام لا بد منه – ليس كل الحق على الأكراد وحدهم
نعم، إن القيادات الكردية متورطة بعلاقات تحالف وتآمر وخيانة لسورية مع الاميركيين ومع عدو وجودنا القومي كله، أعني دولة العدو الاسرائيلي. والقيادات الكردية لعبت دوراً سيئاً جداً في الحرب الحالية وإعتدت على الجيش السوري وغدرت به عدة مرات خاصةً في مدينة الحسكة والقامشلي. والقيادات الكردية وميليشياته الاميركية التسليح والإمرة سيطرت وأغتصبت أكبر وأهم آبار البترول السورية شرق الفرات أي أهم موارد الدولة السورية والشعب السوري الذي كان بأمس الحاجة لهذه الموارد في الحرب التي تشَن عليه والحصار الاقتصادي الذي يتعرض له. والقيادات الكردية تهدد بتقسيم سورية وإقتطاع منطقة الجزيرة السورية العليا وتأسيس إسرائيل ثانية هناك…ألخ.
ومع ذلك فليس كل الحق على الأكراد.
إن الأكراد هم سوريون والمناطق الموجودون فيها هي مناطق سوريّة. لقد وُلِدوا في سورية وليس لهم وطن آخر ينتمون إليه غير سورية. وإذا كان أجداد الاكراد الأقدمون وفدوا الى سورية من خارجها فالكثير من السوريين غيرهم قد وفد الى سورية من خارجها، وهذا لا يقلل من سوريتهم أبداً. والأكراد يعدّون ملايين من السوريين الذين بقيت الدولة السورية تنظر إليهم نظرة “أجانب” (أجانب الحسكة) وتعاملهم كغرباء عن القومية العربية وتعترف لهم بقومية مختلفة خاصة بهم. فعندما تقول الدولة لهم أنتم من قومية غير قوميتنا فكأنها تقول لهم: أنتم لستم منّا. الدولة السورية تميّز ضدهم، تقول لهم أنتم مواطنون سوريون وبنفس الوقت لا تعطيهم حقوق المواطنية الكاملة. نعم إن السوريين الأكراد كانوا محرومين من الجنسية السورية واحتاج الأمر لقرار من أعلى مرجع في الدولة لمنحهم الجنسية السورية (صدر عن رئيس الجمهورية سنة 2011). الدولة تاريخياً ميّزت ضدهم لوقت طويل ثم تطالبهم الآن بأن يكونوا مخلصين طائعين صاغرين، فكيف ذلك!!
إن القومية العربية التي يحمل لواءها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يحكم سورية منذ أكثر من ستين سنة، هي التي أخرجت الأكراد منها وميزتهم وميزت ضدهم ودفعتهم دفعاً للتفتيش عن هوية أخرى وكيان آخر وللحلم بدولة يتمتعون فيها بحقوق ثقافية وسياسية كاملة مثل جميع شعوب الأرض. إن كلامنا هذا ليس كلاماً ملقى على عواهنه بل يستند الى وقائع وحقائق تاريخية يمكن رؤيتها بسهولة. مثلاً على ذلك أنظروا ماذا يقول أحد أبرز مؤسسي ومفكري حزب البعث المرحوم ميشال عفلق عن الأكراد سنة 1982 : “هل يضيرنا ان يكون هناك شعب كردي مؤلف من عشرة ملايين أو اكثر وأن يكون بمثابة الاخ والشقيق للامة العربية وان يكون هناك تعاون وتفاعل؟ نحن كعرب نساعد على تحريرهم نساعد اخواننا الاكراد على متابعة تحرير اجزاء وطنهم وشعبهم وتوحيده…” (من أحاديث الخامس من حزيران لميشال عفلق).
إن الأعتراف المستجد للدولة السورية بالأكراد كمواطنين سوريين اليوم يقابله تاريخياً إعتبارهم من وطن آخر، والاستاذ المرحوم ميشال عفلق يريد أن يساعد “إخواننا الأكراد على تحرير أجزاء وطنهم وشعبهم!
أما المرحوم زكي الارسوزي الملقب “أبو البعث” والذي شيد له حزب البعث تمثالاً في أكبر المدن السورية، فيعتبر اليهود أقرب للعرب من الأكراد ويقول في جريدة “فتى العرب” تاريخ 26- 1- 1938 ما يلي:
“…اما من جهة اليهود ان رأيي انه يجب ان يتفاهم العرب واليهود في العالم ويتعاونوا لاعادة مجد العرب وتحقيق العبقرية السامية وهي العبقرية العربية – اليهودية… اليهود شعب درج من اصل عربي وتطور وفقا لظروف احاطت به في الماضي فأبعد عن الاصل بعض الابتعاد في مظاهر حياته الا انه لا يزال محتفظا بعبقريته التي هي العبقرية العربية وما اندماجه مع العرب الا عودته الى اصله الحقيقي…“.
ولم يشفع بالأكراد أنهم مسلمون ويتكلمون اللغة العربية، بالإضافة الى اللغة الكردية طبعاً، بأن يكونوا عرباً بنظر البعث، فرغم أن أحد أبرز مفكري ومنظري البعث المرحوم ساطع الحصري يقول أن كل متحدث بالعربية هو عربي أكان يعي ذلك أم لا يعيه، (العرب نسبة الى لغتهم العربية وليست اللغة العربية هي النسبة الى العرب، كل متحدث بالعربية عربي اكان يعي ذلك ام لا يعيه، أو كان يريد ذلك أو لا يريد – ساطع الحصري- القومية العربية صفحة 65).
فقد بقي حزب البعث يضع الأكراد خارج القومية العربية وبقي الأكراد يعانون من التمييز ضدهم في ظل الحكم البعثي لسورية لعشرات السنين، بعد أن كانوا تاريخياً بدأوا يندمجون في المجتمع السوري حتى وصلوا الى أعلى المراتب والمواقع في الدولة قبل تولي البعث للحكم منذ أكثر من ستين سنة.
البعث مع عفلق يريد أن يتخلى عن جزء من الوطن السوري ليصير وطناً منفصلاً ومستقلاً للأكراد، في وقت يحلم هو “بوطن عربي” وهمي لا إسم له يشمل جيبوتي والصومال، فكيف ذلك!!
والبعث مع الأرسوزي يعتبر اليهود من أصل عربي ويريد إعادة دمجهم بالعرب في وقت يضع الأكراد خارج القومية العربية، فكيف ذلك!!
هذا كان في الماضي غير البعيد، أما اليوم فالبعث يقول للأكراد أنتم مواطنون سوريون ووطنيتكم هي سوريّة ولكنه بنفس الوقت يحرمهم من حقوق المواطنة الكاملة، فكيف ذلك!!
إن هذه الصورة القاتمة التي هي عليها علاقة القيادات الكردية مع الدولة السورية في ظل البعث يقابلها تاريخياً صورة أكثر إنصافاً وإشراقاً وعدالة، فإذا إستثنينا القيادات الكردية الحالية التي تورطت بالمحظور الذي وصل لدرجة الخيانة الموصوفة، فإن الأكراد عموماً هم شعب طيب أثبت في الماضي ويمكنه أن يثبت اليوم سوريته وإخلاصه لسورية الوطن والأمة والدولة إذا استطعنا تحريره من قياداته الحالية. وإن السوريين كونهم تاريخياً مزيج متجانس من أصول عرقية وسلالية متعددة تفاعلت وإختلطت وإشتركت في دورة حياة أجتماعية اقتصادية واحدة على أرض وطنها الواحد سورية، فقد قبلوا في الماضي ويقبلون اليوم العنصر الكردي كمكِّون أصيل مثل المكوِّنات السورية الأخرى التي شكلت الأمة السورية عبر التاريخ الطويل الذي يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.
ففي مقابل نظرة القومية العربية التي تقول للأكراد أنتم لستم منا، هناك القومية الاجتماعية التي تنظر الى الأمة كمجتمع واحد وحّدته الحياة بجميع مصالحها وعلاقاتها الاجتماعية الاقتصادية في الوطن الواحد، بغض النظر عن تعدد الاصول العرقية والسلالية، فالوطن هو العامل الاساسي الأول في تكوين الأمة وإكسابها شخصيتها.
أما آن الأوان بعد ليعيد البعثيون السوريون النظر في منطلقاتهم العقائدية التي فشلت في صيانة وحدة الشعب السوري في سورية وتتطلّع بدل ذلك لوحدة خيالية مستحيلة مع سائر شعوب العالم العربي!
نحن نعرف أن كثيراً من المثقفين الواعين المخلصين يؤمنون بالقومية العربية على ظن وإعتبار أنها توحيدية تشمل جميع فئات الشعب وتساويهم في الحقوق، وأنها رد على النزعات الفئوية الجزئية التقسيمية الانعزالية، ولكن ألم يحن الوقت لنحاسب أنفسنا ونسأل كم كانت القومية العربية ناجحة أو فاشلة في سورية في توحيد كافة فئات وأصول الشعب السوري؟ وبالنسبة للمسالة الكردية بشكل خاص هل كانت القومية العربية عامل توحيد أم عامل تفريق وتقسيم؟ ألم يحن الوقت لنتطلع حولنا ونعيد النظر بالأفكار والمقولات التي إعتمدناها ونرى كم كانت صالحة أم غير صالحة لصيانة وحدة حياة شعبنا ووحدة مصالحه ومصيره في وطنه؟
هل أن مقولة “وطنية سورية وقومية عربية” كانت صالحة ونافعة ومقنعة؟ هل يجوز الكلام عن وطن كبير ضمنه أوطان صغرى وبالتالي على قومية ضمنها عدة وطنيات؟ وهل يجوز الكلام على وطنية تتسع لعدة قوميات؟؟ هل يجوز أن نقول الواحد منّا للأخر، “أنت إبن وطني ولكنك من قومية غير قوميتي؟” هل يجوز علمياً الدمج بين معنى الاثنيات والقوميات؟ هل درسنا عالم الاجتماع السوري أنطون سعاده الذي أوضح الف باء معنى الوطن بيئة طبيعية واحدة، والمجتمع دورة حياة إجتماعية إقتصادية عمرانية واحدة في وطن واحد، والأمة مجتمع واحد بغض النظر عن الاصول العرقية لمكوناته، والقومية وعي الأمة لوحدة حياتها ويقظتها وتنبهها لوحدة مصالحها ومصيرها؟ وهلّا أعدنا النظر بمضامين عروبتنا الدينية اللغوية العرقية التي أفلست في الشمال السوري اليوم كما أفلست في فلسطين قبل اليوم؟ هلّا أخذنا بعروبة سعادة الواقعية الحقيقية العملية الممكنة بديلاً عن العروبة الدينية اللغوية العرقية الوهمية والمستحيلة؟
إن ما يجري الآن في الشمال السوري صحيح أنه يضعف النزوع الكردي للإنفصال عن الدولة السورية، ويجبر القيادات الكردية لإعادة النظر في خياراتها الخطيرة، ولكنه يقوي ويزيد من التمدد التركي والسيطرة التركية والنفوذ التركي الأخطر. إن الإتكال على الروس والايرانيين للجم الأتراك وإخراجهم مستقبلاً من الشمال السوري، بالإضافة أنه وبكل تأكيد لا يضمن رد العدوانية التركية ومطامعها التاريخية في سورية، فإنه لن يحلّ المشكلة الكردية. ستظل المشكلة الكردية قائمة وتنذر بمخاطر مستقبلية طالما لا زلنا نعتبر “قوميتنا مختلفة عن قوميتهم” وطالما لم نأخذ بالقومية الاجتماعية التي تعتبر الأمة مجتمعا واحدا في وطن واحد بغض النظر عن الاصول العرقية والسلالية. لن يحل المسألة الكردية إلا القومية السورية الاجتماعية التي تشمل الجميع وتساوي الجميع في الحقوق المدنية والسياسية بشكل كامل. وعندئذ فقط تشعر الأجيال الجديدة الكردية الأصول بالإنتماء الحقيقي الكامل الى وطنها السوري ودولتها السورية ويصير ولاؤها لوطنها ودولتها تلقائياً وطبيعياً.
إن العديد من المحللين السياسيين يقولون لنا أن ما يجري الأن هو جزء من الترتيبات والتفاهمات التي جرت بين الاميركيين والروس والإيرانيين والاتراك، بموافقة الحكومة السورية، لإنهاء الحرب السورية. ويقولون إن النجاح في تسمية أعضاء اللجنة الدستورية التي ستضع دستور سورية الجديد ما هو إلا مؤشر على صحة ذلك التحليل. لكننا لسنا من هذا الرأي ولسنا متفائلين أبداً به إذا كان صحيحاً، لأن دساتير الأمم صاحبة السيادة الحقيقية لا توضع نتيجة تفاهمات وتدخلات خارجية، بل توضع بإرادة قومية داخلية موحدة وسيدة وحرّة. كما أن إستثناء الأكراد من تلك اللجنة، وأصرار الحكومة السورية على إشهار العروبة بوجه الأكراد وعدم الإكتفاء بالهوية السورية هوية جامعة لا تستثني أحداً، فإنه يؤشر الى تضمين الدستور العتيد “مشكلة كردية مستمرة” وقنبلة موقوته صالحة للتحكم بها من بعيد.
الملف الشامي / سورية / وراء الحدث شحادة الغاوي مجلة الفيينيق

الأربعاء، 9 أكتوبر 2019

الزعيم أنطون سعادة ... قاهر الإمبريالية

لقد كان الفيلسوف والسياسي أنطون سعادة الذي توفي عام 1949، ذو بصيرة نافذة. لكن قبل رحيله تنبأ بأنواع الصراعات والحروب التي تشهدها سورية والشرق الأوسط في أيامنا هذه.الزعيم أنطون سعادة ... قاهر الإمبريالية
حقق سعادة شهرة واسعة من خلال تأسيسه للحزب السوري القومي الاجتماعيي في عام 1932، السبب الذي كان وراء اعتقاله بعد ثلاث سنوات من ذلك.
اعتقاله الأول كان عام 1935 ليتم احتجازه بعد ذلك لفترات متقطعة حتى عام1937، لكن سجنه لم يمنعه من التوسع في الآيديولوجية التي أسسها مع الحزب السوري القومي الإجتماعي حيث ألف ثلاثة كتب هي ( "نشوء الأمم" ، "شرح المبادئ"، و"نشوء الأمة السورية") ،وذلك أثناء وجوده في السجن، وكانت السلطات الفرنسية قد ألقت القبض على مخطوطة كتابه الثالث وهو الآن رهينة اللوفر مقفل عليه، يشبه إلى حد كبير سعادة نفسه وهو في السجن.
لقد كانت العلمانية حجر الزاوية لآيديولوجيته، حيث دعا إلى فصل الدين عن السياسة كشرط أساسي لتحقيق الوحدة الوطنية. وأعرب عن تقديره للتنوع، قائلاً "كل أمة مكونة من جماعات عرقية متنوعة، أياً منها لم تكن نتاج عرق واحد أو قبيلة بعينها".في السنوات التي أعقبت رحيله، بات مسقط رأسه لبنان أمة ومجتمعاً طائفياً للغاية،
في المشهد السياسي: تفككت الأمة وقُسمت إلى شراذم دينية وطائفية ،فالرئيس يجب أن يكون كاثوليكياً مارونياً، بينما رئيس الوزراء يجب أن يكون مسلماً سنياً ،ورئيس البرلمان من الدروز. مع العلم أن الإنسان ليس له حرية في اختيار مذهبه، وإنما يُفرض عليه عند الولادة.
على أمل خلق الفوضى في الشرق الأوسط، استخدمت القوى الغربية منذ فترة طويلة تكتيك إشعال الفتنة الطائفية في البلدان التي ترغب في استهدافها، وذلك من خلال تأليب بعض السكان على بعضهم الآخر من خلال استراتيجية "فرق تسد" وقد استخدمت الولايات المتحدة والناتو هذا التكتيك على نطاق واسع في العراق وسورية ولبنان.
الشعار الرسمي للحزب السوري القومي الإجتماعي "الزوبعة" مأخوذ من فن بلاد الرافدين. ويُقال أن رمز الزوبعة الأحمر يرمز لدم شهداء الحزب الذين سقطوا على مدى تاريخه، بينما ترمز الدائرة السوداء إلى العصور المظلمة للطائفية والاضطهاد الاستعماري.
محافظاً على عقيدته، عارض سعادة الاستعمار الذي اجتاح سورية الكبرى. حيث تشير عقيدته إلى "سورية الطبيعية" بما في ذلك الهلال الخصيب الذي يضم سورية الوطن الأم التي تمتد حدودها من جبال طوروس إلى جبال زاغروس، إلى قناة السويس والبحر الأحمر، عبر سيناء وخليج العقبة وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك جزيرة قبرص، وصولاً إلى الصحراء العربية والخليج الفارسي
في الحقيقة أعاد سعادة التاريخ السوري إلى الفينيقيين القدماء، الكنعانيين، الآشوريين والبابليين، معتبرا أن السوريين تجاوزوا الفوارق الدينية،بالنسبة له الجغرافية هي السمة المميزة للأمة –وليس الدين أو العرق- شعور كان ينتاب سعادة أن سورية تاريخياً وثقافياً وجغرافياً متميزة عن بقية العالم العربي.
شهد سعادة نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، تلك الحقبة التي شهدت التقسيم العنيف والمريع لسورية إلى دول أصغر، مع إعطاء جزءاً من الأراضي السورية للحكومة التركية الجديدة. واقتطع لبنان من سورية وأعلن دولة مستقلة في عام 1920. بعد ذلك تحملت سورية ويلات الاحتلال العسكري الوحشي الفرنسي منذ عام 1920 وحتى عام 1946.
هذا التقسيم لُعب بالكامل مرة ثانية في العصر الحديث، كما ورد في مقال المراجعة التنفيذية للاستخبارات:
وفقاً لرئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال جوزيف دانفورد، فإن تقسيم سورية كان في صلب مخططاتهم.
بينما يدعم االتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الجهود المحلية للاستيلاء على الرقة، قال دانفورد، هناك جهود أخرى بقيادة وزارة الخارجية الأميركية لإنشاء هيئة حكم تتولى السيطرة على الرقة. هذا الحكم سيعزز زعامة العرب الذين هم من الرقة، أيضاً سيعمل هؤلاء على تشكيل قوة أمنية مكونة من موظفين محليين من أجل تحقيق الاستقرار الذي سيتبع الاستيلاء على الرقة".
مؤامرة تقسيم سورية- في الماضي والحاضر
لم يكن سعادة صديقاً لتركيا، حيث كان يرى فيها قوة قمعية عازمة على السيطرة على سورية ،وأخذها كما كتب عام 1937 في صحيفة النهضة:
"لقد أخذ الأتراك إسكندرونة، ومن الآن يقولون أنها تركية، وهم سينشرون آيديولوجيتهم فيها، ويطلقون عليها اسماً تركياً، وهم لن يتوقفوا عند هذا الحد، إنهم يريدون السيطرة على حلب والجزيرة".
وبعد عام واحد فقط كتب سعادة في الصحيفة نفسها:
"تركيا هي الأقرب، البلد الأقوى والأكثر خطورة التي تنظر إلينا بعيون جشعة. هم ينتظرون اللحظة المناسبة لتحقيق ميزة سياسية من سورية وهي في أزمة. بعد ذلك ما هو واجبنا عندما نعرف جشع عدونا؟ علينا أن نكون أقوياء لأن الضعف سيسمح للعدو أن يأكلنا ونحن أحياء. خصوصاً، أن مجتمعنا فقد الوحدة التي كانت موجودة بيننا، وهذا السبب في كسر سورية بسهولة، وما يزال مستمر حتى الآن. هم يرون في وحدتنا خطراً على خططهم".
تجدر الإشارة إلى أن سعادة شهد استيلاء تركيا على الأراضي في شمال غرب سورية عام 1920.الآن، في عام 2017 نحن نشهد التاريخ يعيد نفسه إلى حد كبير كما كان يتوقع سعادة. على سبيل المثال، في خطاب سعادة في حلب عام 1948، قال:
"هناك خطر ثان ماثل أمام أعيننا‘ إنه خطر كردستان وإنشاء دولة كردية. الدول الأجنبية تدعم هذه الخطة، بهدف خلق الفوضى في الشرق الأوسط. من خلال إنشاء دولة تدعى كردستان، هذه الدول الأجنبية ستقاتل ضد تركيا، لا تعتقدوا أن الخطر في فلسطين الخطر يحيق بجميع أنحاء أمتنا".
في الحقيقة، أدت الصراعات في العراق، سورية، وتركيا إلى خلق تشابك المنظمات السياسية والعسكرية بين الأكراد. مع تقديرات بوجود ما بين 25 إلى 35 مليون كردياً منتشرين في جميع أنحاء تركيا، العراق، وسورية وإيران في صميم العديد من الصراعات التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط. على سبيل المثال، قام حزب العمال الكردستاني (PKK) عى مدى ما يقرب من أربعة عقود بحرب مسلحة ضد الدولة التركية، ما أسفر عن مقتل حوالي 40 ألف شخص.
في سورية الأكراد هم مواطنون سوريون يتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها السوريون الآخرون بموجب القانون المدني العلماني، وتتكون سورية من العديد من الجماعات الدينية والعرقية، وجميعهم مواطنون كاملون، بما في ذلك الجالية اليهودية الصغيرة. مع ذلك، رأى بعض الأكراد السوريين في الفوضى الناجمة عن التهديدات الخارجية لسورية، على أنها فرصة للاستفادة من معاناة جيرانهم ".
هم لم يستفدوا مالياً فقط من القتال كجنود مأجورين في ظل الحكومة الأميركية، لكنهم حققوا فائدة على المدى الطويل من خلال إعلان وطنهم من الأرض التي سرقوها من السوريين الآخرين. الأكراد يقاتلون حالياً إلى جانب الولايات المتحدة لالتزامها بالتطهير العرقي على نطاق واسع للمدنيين من غير الأكراد.
سعادة يحذر من صعود الصهيونية
خلال حياته، رأى سعادة المهاجرين اليهود الأوربيين يأتون إلى فلسطين بخطة صهيونية لإعلان الدولة اليهودية في نهاية المطاف، أُعلنت دولة إسرائيل اليهودية في عام 1948، ليس قبل وقت طويل من إعدام سعادة الذي حذر من صعود إسرائيل، في عام 1938 قال سعادة : إن مخاطر الصهاينة لن تتوقف عند حدود فلسطين، لكن في لبنان، سورية والعراق، هم يريدون التوسع خارج حدود المنطقة.
في 2 آذار 1947 قال سعادة "إن هدف الحزب القومي الاجتماعي السوري هو إنقاذ فلسطين من جشع الصهاينة وإنقاذ فلسطين يجب أن يكون هدفاً لبنانياً، ليس فقط هدفاً فلسطينياً. الصهيونية تشكل خطراً على المنطقة برمتها".
ما أشبه اليوم بالأمس أيها الزعيم، في الصراع الحالي، إسرائيل تدعم الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين المصابين وتعالجهم داخل المستشفيات الإسرائيلية.
مع هزيمة العثمانيين عام 1918، رأى العرب أراضيهم مقسمة إلى مناطق فرنسية وبريطانية وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو عام 1916 . أصبح لبنان تحت الانتداب الفرنسي في أيلول 1920، وأُقيمت حدود لبنان التي نراها
في يومنا هذا. حلال ذلك الوقت كان سعادة قد أتم تعليمه وغادر لبنان إلى الولايات المتحدة، وبعد عام من ذلك في 1921، سافر إلى البرازيل.
في 1 أيار عام 1924 نشرت مجلة سان باولو مقالاً لسعادة بعنوان "سقوط الولايات المتحدة من عالم الإنسانية" جاء فيه : "يبدو أن بريق الدولار قد أصاب الأميركيين بالعمى، يهاجمون دولاً أخرى، والدم يُراق بدم بارد، ضد حرية الدول الأخرى، التي ربما كانت موالية للولايات المتحدة، وكانوا حلفاء سابقاً، لقد فشل الغرب، وأفلس تماماً.
الولايات المتحدة صفعت الدول الأخرى في وجهها. على الرغم من أنها كانت موالية وصديقة للولايات المتحدة. بعض من هذه الدول قدمت أعداداً كبيرة من شبانها في الحرب العالمية كحلفاء للولايات المتحدة".
امبراطوريات اليوم، رماد الغد
جدير القول أن القوى العظمى الجشعة سعت إلى تقطيع أوصال سورية منذ أيام الإمبراطورية العثمانية من الفرنسيين إلى الإنكليز بعد الحرب العالمية الأولى إلى الولايات المتحدة، إسرائيل ودول الخليج العربي اليوم –جميعهم دعموا تدمير سورية. سعادة، وقتذاك، عمل على معارضة القوى العظمى التي كانت تسعى لتعريض البلاد للخطر. لكن جهوده انتهت مع إعدامه في 8 تموز عام 1949، حيث وجدوا أنه يُشكل خطراً على الأهداف الجيوسياسية للبلدان التي عارضها.
في 15 تشرين الأول عام 1937 كتب سعادة في النهضة:
"لقد وجدت آيديولوجيتنا في الدين الوهابي، عدواً. الدين الوهابي عدو للمسيحيين والسنة والشيعة، إنه خطر على جميع الدول حول السعودية، خاصة الأمة السورية. إنه ليس فقط خطر اقتصادياً، أو احتلالاً، لكنها العائلة المالكة السعودية من يعمل من أجل الحرب داخل المجتمع في سورية، لبنان وفلسطين، من خلال وكلائهم على الأرض، الذين ينشرون الوهابية وأهدافها، عبر وسائل الإعلام، من قبل السياسيين ورجال الدين".
نشأ سعادة في ظل الاحتلال القمعي لبلاده من قبل قوة أجنبية. آيديولوجيته الحكيمة تطرقت إلى القضايا التي لا تزال تتصدر عناوين اليوم، حتى عندما كتب عنهم منذ ما يقرب من 100 عام، وتحذيراته بشأن التهديدات المحتملة لسورية والشرق الأوسط لا تزال حقيقة. لكن المالك التي بنيت على الرمال المتحركة للشرق الأوسط، ربما ستعصف بها الزوبعة في الرمال الصحراوية وتجعلها أثر بعد عين، ويا حبذا لو لو تتابع هذه الزوبعة مسيرها وتأخذ في طريقها أسيادهم الغربيين.
- بقلم: ستيفن صهيوني _ترجمة: وصال صالح

الأربعاء، 2 أكتوبر 2019

ومضات من التاريخ السوري

دفنة، وهي ضاحية قرب انطاكية، مركزاً شهيراً لأعظم احتفالات الربيع في سورية، وقد سمّيت دفنة « DAPHNE» على اسم الحورية التي عشقها أبولون وأسرته بجمالها، وتحوّلت في ذلك المكان إلى شجرة غار عندما كان يلاحقها دافني تعني الغار .

وفي دفنة حيث تحوّلت الحورية إلى شجرة، نمت تلك الشجرة وصارت غابة كبيرة من الغار، هذا النبات الذي تكلّل بأوراقه الأباطرة والأبطال والمنتصرون. وفي دفنة أقيم لعشيق الحورية أبولون معبد كبير يذكر عنه أنه كان مركزاً لطقوس فيها شيء من الخلاعة، ما جعل المؤرّخون يذكرون تلك الاحتفالات ببعض الاستهجان. لكنّ هذه الطقوس ربما كانت سبباً ليصبح هذا المعبد مركز استقطاب للمحتفلين من كل أرجاء سورية.

وكإشارة إلى أهمية هذه الاحتفالات في سورية ومدى تعلّق السوريين، بها ذكر أحد المؤرّخين أنّ أحد أعضاء مجلس شيوخ أنطاكية أوصى بكلّ ثروته لإقامة احتفالات في دفنة، تدوم ثلاثين يوماً. وكانت الاحتفالات تشمل الرقص والروايات التمثيلية وسباق العربات، إضافة إلى الألعاب الرياضية والمصارعة. ويذكر أنّه في أوائل القرن الثالث مدّدت فترة الاحتفالات إلى خمسة وأربعين يوماً، وساهمت النساء في بعض هذه الألعاب. وكانت الاحتفالات كما يمكن أن يتوقع، مشهداً لبعض الحوادث الأخلاقية الشاذّة، حتى أصبح يضرب المثل بدفنة وخلاعتها.

عام 166 قبل الميلاد قرّر الملك السوري أنطيوخوس الرابع إقامة احتفال عظيم في دفنة، كردّ على الاحتفال الكبير الذي أقامته روما عام 167 قبل الميلاد في مدينة أمفيبوليس اليونانية لمناسبة انتصارهم في مقدونية.

وتزوّدنا مصادر التاريخ بتفصيلات عن ذلك المهرجان التي استُهلّ باستعراض عسكريّ شارك فيه عشرات الآلاف من الجنود من قوميات مختلفة، وقد تدرّعوا بالدروع الذهبية والفضّية الرائعة. وركب بعضهم أجمل الخيول المطهّمة والمزيّنة، ومن خلف هؤلاء مشت فرق الخيالة من سكوثية والأفيال الهندية، والمصارعون، ثم تلت هؤلاء مواكب من رجال مدنيين يحملون تيجاناً ذهبية، ومئات الثيران التي أُعدّت للتضحية، وثلاثمئة بعثة دبلوماسية من مدن المتوسّط. ثم عرض خاص لأنياب الأفيال، وتماثيل لكافة الآلهة وأنصاف الآلهة ذهبية أو مطليّة بالذهب، ولا ننسى الأواني الرائعة، والنساء المتزيّنات اللواتي يرششن العطور من زجاجات ذهبية، أو محمولات بواسطة محفّات لها أرجل مذهّبة. وقد تضمّنت الاحتفالات التي استمرّت شهراً، إقامة الألعاب الرياضية ومشاهد المصارعين المحترفين وعراك الحيوانات المتوحّشة. كما خُصّصت بعض الأوقات لكي يجري الخمر في مصدر الماء الرئيس في مدينة أنطاكية ليشرب منه كلّ الناس.

إن هذا التوصيف يفيدنا في رسم صورة لمستوى العمران في أنطاكية عاصمة سورية آنذاك، والتي قدّر أحد المؤرّخين عدد سكانها بـ600 ألف نسمة. وقد قال إنها بالمستوى نفسه لضخامة سلوقيا التي على دجلة العاصمة الشرقية لسورية في الفترة السلوقية .

وفي نصّ آخر، ذكر أحد المصادر في سياق توصيفه حياة الترف التي كان يعيشها السوريون الأنطاكيون في تلك الفترة فقال: إن ديونيسيوس، صديق أنطيوخوس الرابع إيبيفانس أو مساعده، كان لديه في الاحتفال بالألعاب في دفنة ألف عبد يسيرون في الموكب ويحملون الأواني الفضية، التي لا يقلّ وزن كلّ منها عن ألف دراخمة درهم ، ثم تلاهم 600 وصيف ملكيّ يحملون الأواني الذهبية و200 امرأة يرششن الزيوت العطرية من أباريق ذهبية، وتعقب هؤلاء في الموكب 80 امرأة جالسات في محفّات ذات مساند ذهبية، و500 امرأة في محفّات ذات مساند فضّية. وقد سيّر الملك في الاحتفال 3000 كيليكي يلبسون تيجاناً ذهبية و10000 مقدوني يحملون تروساً ذهبية و5000 يحملون تروساً برونزية و5000 يحملون تروساً فضّية. وكانت أكثرية الجنود والمواطنين البالغين 3000 يضعون أغطية ذهبية على خدودهم ويلبسون تيجاناً ذهبية. وكان للباقين أغطية فضّية على خدودهم. هذه هي مساهمة شخص واحد من أعيان أنطاكية.

كما يؤكّد المؤرّخون ويركّزون على أنّ أنطيوخوس كان يشارك بصورة فعّالة جدّاً في تنظيم الاحتفالات والإعداد لها. فكان يُشاهَد تارة يرحّب بالضيوف، وأخرى يُصدر أوامره التنظيمية، وثالثة يلقي النكات، وأخرى يشارك بالرقصات العامة. ويبدو أنّ أنطيوخوس كان يبغي إدهاش الوفد الروماني برئاسة تيبريوس سمبرنيوس كراكخوس الذي عومل بأمر من الملك السوري معاملة ملكية، فوضع القصر الملكي تحت تصرّف الوفد وأحاط جميع أعضائه برعاية لم يكن يحظى بها إلّا الملوك.

وفي ذكر لاحتفالات دفنة من المؤرّخ بوسيدونيوس، عن الاحتفالات التي أقيمت في زمن أنطيوخوس السابع سيديتس 137 128 قبل الميلاد ، قال إنّ المضيف الملكي سمح لكلّ مشترك في الحفل أن يحمل إلى بيته من لحم الحيوانات البرّية والبحرية ما يكفي لملء عربة، إضافة إلى كمّيات الحلوى المعمولة بالعسل، وأكاليل المر والبخور ومشبّكات الذهب التي يبلغ طولها طول الرجل. كما قال إنّ من عادة أنطيوخوس الثامن غريبوس معقوف الأنف 125 96 قبل الميلاد أن يوزّع في مناسبات كهذه، إوزّات حيّة وأرانب وغزلاناً على المدعوّين، إضافة إلى الأكاليل الذهبية والأواني الفضّية والعبيد والخيول والجمال. وبعدما يركب كلّ رجل جمَلَه، يشرب نخباً ويقبل الجمل بما حمل والخادم الملحق به. وكانت التسلية الرئيسة، إضافة إلى الولائم، تتضمّن الصيد والفروسية.

ويقول بوسيدونيوس في مكان آخر: «كان جميع سكان سورية آمنين من أيّ ضيق يتعلّق بضرورات الحياة، بسبب الوفرة الكبيرة التي تقدّمها بلادهم».

ومن اجل استكمال الصورة، يرجّح أنّ سكان سورية في تلك الفترة كان عددهم ستّة ملايين نسمة. أليست احتفالات دفنة، حدثاً وامضاً في تاريخنا السوري؟