الجمعة، 28 فبراير 2020

وطنُ الأساطير-رامي جلبوط

في العام 1990 صدر في فرنسا قانونٌ جديدٌ أُطلِق عليه اسم قانون “غيسو”،Gayssot Actنسبةً إلى عرّاب القانون السياسي الفرنسي جان كلود غيسو “Jean- Claude Gayssot” عضو الحزب الشيوعي الفرنسي، وفرضَ هذا القانون عقوبات قاسية على إنكار وجود أو حجم الجرائم ضد الإنسانيَّة التي عرَّفها ميثاق لندن لعام 1945 في مادته التاسعة، والتي خضع على أساسها قادة الحزب النازي للمحاكمة العسكريَّة الدوليَّة في نورنبرغ بين عامي 1945 و1946. أي أنَّ القانون باختصار يعاقب من ينكر وجود أو حجم المحرقة النازيَّة المعروفة بـ الهولوكوست. لم يكن قانون “غيسو” هو القانون الأوَّل من نوعه؛ لكنه كان الأهم من جهة أهميَّة الدَّولة التي أصدرته، وصرامة العقوبات التي فرضها، وتكريس المصطلحات التي استعملها، فقد استعمل القانون في متنه مرات عديدةٍ مصطلح “معاداة الساميَّة”، و”جرائم ضدَّ الساميَّة”. ولكن؛ ماذا تعني معاداة الساميَّة؟ ومن أين أتى هذا المصطلح؟
في الحقيقة تعبير “معاداة الساميَّة” ليس تعبيراً جديداً، ولم يكن قانون “غيسو” هو الذي ابتدعه، وقد مرَّ خلال تطور استخدامه إلى حين وصوله اليوم للتعبير عن “معاداة اليهود” بمراحل متعددةٍ، فقد بدأ مع المفكر النمساوي اليهودي “موريتز ستاينشايدر Moritz Steinchneider، (1816-1907)، الذي استخدمه لكونه تعبيراً يصف عن طريقه آراء الفيلسوف الفرنسي “إرنست رينان Josef Ernest Renan ” بأنَّها تحمل “التَّعصب ضدَّ الساميَّة” وكيف أنَّ الأعراق الآريَّة أسمى من الأعراق الساميَّة، وصولاً إلى دلالات المصطلح اليوم بكونه تعبيراً يصف كراهية أو معاداة اليهود Anti- Semitism. ولكن ماذا تعني الساميَّة؟ من أين جاءت هذه الكلمة؟
الساميَّة منسوبةٌ إلى سام، واحدٌ من أشهر أبناء نوح الثلاثة، الإخوة سام وحام ويافث. تقول التوراة إنَّ نوح صاحب الطوفان، قد تبعَه ثلاثة من أبنائه، وهم سام وحام ويافث، ومن هؤلاء تناسل البشر بعد الطوفان. طبعاً كان لدى نوح أبناء آخرين لكنهم لم يتبعوه وغرقوا، وأشهر هؤلاء كنعان.
وبحسب التوراة فإنَّ اليهود هم أبناء سام بن نوح، بينما أنجب حام كنعان -غير عمه الذي غرق في الطوفان- الذي لعنه نوح بعدما صحا من سكرته، وعرف أنَّ ابنه حام قد رآه عارياً، فلعن ولده.
وكنعان هو أب الكنعانيين وبقية الأقوام التي تُشكِّل أجدادنا بحسب التوراة، في حين جاءت الشعوب الأوربيّة من نسل يافث ولد حام الثالث الصغير. ومنه، فإنَّ اليهود ساميون لأنَّهم ينحدرون من سام؛ إذ إنَّ إبراهيم أحد أحفاده، ومن إبراهيم إلى إسحق ومنه إلى يعقوب وصولاً إلى موسى، ومن بعده داوود الملك ثمَّ سليمان اللذين أسسا يهوذا والسامرة على أرض فلسطين، من هنا جاءت إذاً تسمية الساميَّة وأصبحت تشير إلى اليهود، وسنعود إليها لاحقاً. وحتى تتوضح الفكرة بصورةٍ أفضل سنلخص الأحداث التي سردتها التوراة في هذا الصدد بسرعةٍ. تناسل أبناء سام بن نوح بعد الطوفان، ليأتي منهم بعد 350 عاماً من الطوفان إبراهيم الذي كان يسكن مدينة أور، وكان تقياً ورعاً. وعندما طلب منه يهوه التِّرحال في الأرض لم يتردد وترك أور، وسافر يضرب في الأرض حتى وصل أرض كنعان، وهناك قطع يهوه عهداً على نفسه أمام إبراهيم أن يُملكه أرض كنعان، وأن تتملك ذريته الأرض وتكون أمة عظيمة.
وحسب التوراة، من إبراهيم جاء إسحق ويعقوب وصولاً إلى موسى الذي جدد يهوه معه العهد بمنحه أرض كنعان، واستطاع أحفاده فيما بعد تأسيس مملكة عظيمة عاصمتها “أورشليم” التي أصبحت مدينة كبيرة؛ إذ جعل منها داوود الملك مملكة شاسعة الأرجاء وذلك كله بمباركة الرب يهوه، ومن بعده ابنه سليمان الذي ذاع صيته في أنحاء الأرض كلها؛ فكان يكلم الحيوانات، وخضعت لطاعته قوى الجان والمملكة والمناطق جميعها التي كانت تحت نفوذها بما فيها من حيوانات وجان لتأتمر بأمره! وبنى سليمان الهيكل في “أورشليم”، وبعد وفاته تعرضت المملكة العظيمة لهجومٍ كبيرٍ من الآشوريين بقيادة “سنحاريب”، وتبعه هجوم شامل قضى على المملكة بقيادة الملك البابلي “نبوخذ نصر” الذي جرَّ معه اليهود إلى بابل أسرى، وسمي فيما بعد بـ السبي البابلي.
كان من الممكن أن تكون هذه القصة واحدة من القصص العادية التي تعج بها كتب التاريخ على مرِّ العصور، فالباحث المتعمق في قراءة الآثار سيجد كثيراً من القصص التي كان سكان الأرض فيها يندرجون تحت أنواع ثلاثة (آلهة، وأنصاف الآلهة، والبشر)، وكان ظهور أنصاف الآلهة نتيجة تزاوج الآلهة مع البشر، وكان من الممكن أن يكون موقع هذه الرواية في التراث الإنساني مماثلاً لموقع ملحمة جلجامش أو الإلياذة والأوديسة.
روايات حفظها البشر على مدى التاريخ للعبر التي فيها، غير أنَّها كانت فيما بعد أساساً استند إليه المستفيدون؛ بهدف إحداث الشق والشرخ في الشرق عبر صناعة الكيان الصهيوني، مما يضمن بقاء المنطقة في حالة اشتعال وحروب لا تنتهي، لتكون نتيجتها اقتلاع شعب برمته من أرضه، ومئات آلاف الضحايا، وكثير من الدم المسفوك، وضياع كامل للحقوق.
أين المشكلة؟
تكمن المشكلة في أنه، وحتى هذه اللحظة، لا يوجد أيّ دليل علمي أو أثري على حدوث القصة التي نسردها هاهنا!  فحتى اليوم لم يستطع علماء الآثار – ومن ضمنهم العلماء اليهود – اكتشافَ دليل علمي حقيقي واحد، واحدٌ فقط، يشير -سواءً أكان تصريحاً أم تلميحاً – إلى أنَّه في يومٍ من الأيام وعلى هذه الأرض قد عاش رجلٌ اسمه إبراهيم، وخلَفه من بعده ولده إسحق، ومن ذريته أتى ملكٌ اسمه داوود، وتبعَه ملك جبار اسمه سليمان. كلّ هذه الرواية لا وجود لها في آثار هذه المنطقة ولا بأيِّ شكلٍ من الأشكال، على الرغم من التنقيبات والحفريات الأثريَّة الحثيثة التي بدأ بها المستفيدون منذ مطلع القرن التاسع عشر، وتابع بها الكيان المحتل إلى يومنا هذا.
ففي كتاب بعنوان “كشف التوراة”، The Bible Unearthed” لكل من عالم الآثار الإسرائيلي الشهير “إسرائيل فنكلشتاين Israel Finklestein ” الأستاذ في جامعة تل أبيب، ونييل آشر سلفرمان، Neil Asher Silverman، نقرأ ما يلي: “إن أهم قصص التوراة وأكثره شهرة لم تحصل. إن القصة التوراتية عن الآباء المؤسسين، البطاركة، (أي إبراهيم واسحاق ويعقوب) ويوسف وموسى وأحداث سفر الخروج، كلها تشل إنجازا أدبيا مهما ولكنها ليست تاريخا. بل إن قصة معركة أريحا كما هي في التوراة ليست سوى سراب رومنطيقي. في الحقيقة إن معظم كتاب التوراة قد وضع في القرن السابع قبل الميلاد وهو نتيجة آمال ومخاوف وطموحات مملكة يهوذا.”
في الحقيقة لم يكن “فنكلشتاين” العالم الأوَّل من نوعه في هذا الطرح، فقد سبقه إليه علماء آثار آخرون معظمهم من اليهود؛ إذ ناقش المؤرخ البريطاني “كيث وايتلام Keith W. Whitlam ” في كتابه “اختلاق إسرائيل القديمة “The invention of Ancient Israel” هذه المسألة بالتفصيل، ومن أشهر هؤلاء العلماء “توماس طومسون Thomas L. Thompson” الذي طُرِد من جامعة ماركويت في ملووكي في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، والتي كان يدرس فيها بعد صدور كتابه الذي أثار جدلاً واسعاً بعنوان: “التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي على ضوء المكتشفات والمصادر الأثريَّةEarly History of the Israelite People from the Written & Archaeological Sources ، الذي قال فيه إنَّ مجموع التاريخ الغربي “لإسرائيل وللإسرائيليين” يستند في العهد القديم إلى قصصٍ من صنع الخيال.
أصواتٌ كثيرةٌ صرخت في وجه الكذب والتضليل، وعقولٌ مهمةٌ لم تتوانى عن كشف الخداع والتزوير الذي أسهم فيه -ولسنوات طويلةٍ للأسف- بعض من أبناء جلدتنا، حين قدَّموا أنفسهم على أنَّهم باحثون في التاريخ، وانطلقوا من المصدر نفسه الذي انطلق منه المزورون؛ في أنَّ التوراة هي المصدر الأقدم لتاريخ المنطقة، متجاهلين الحقائق جميعها التي تدحض هذه الادعاءات. أمام تعالي هذه الأصوات، التي بدأت تصدح في كشف ألاعيب الصهيونيَّة وتزييفها للحقائق، سارعت الصهيونيَّة العالميَّة إلى ابتداع سلاح “معاداة الساميَّة” هذا السلاح القائم على الأسطورة نفسها، والذي أشهرته في وجه كلّ من علا صوته أو حاول أن يكشف الزيف، واستطاعت فرض قوانين صارمة في كثيرٍ من دول العالم كما ذكرنا أعلاه.
وللحديث عن هذا تتمة

الخميس، 13 فبراير 2020

مقابلة مع زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون خليل سعاده حول الحراك الشعبي في لبنان 2019-2020
أنطون سعاده الباقي أبداً، الراهن دائماً، نسمعه مع صرخة كل صوت يطالب بالحرية والانعتاق من العفن السياسي الطائفي والمذهبي والإقطاعي-العائلي الذي ينخر لبنان منذ “اختراعه” قبل مئة عام. نطرح على الزعيم اليوم أسئلتنا حول تطورات الشارع في الكيان اللبناني ليعطينا من فيض فكره ورؤيته ونظرته للأحداث التي تعصف بهذا الكيان العزيز على قلبه وعلى قلوب جميع القوميين الاجتماعيين واللبنانيين الشرفاء.
حضرة الزعيم، الأمة لا تزال تعاني من فقدان الهوية القومية، والأنظمة المتحكمة بالكيانات السورية لا تزال على حالها من الضياع والولاء إلى الخارج، والسياسات الدينية والطائفية والمذهبية لا تزال مستفحلة في كافة كيانات الوطن. اليوم، الشارع اللبناني ينتفض في وجه سياسييه وحكّامه مطالباً بحقوقه من أجل حياة كريمة، كيف تنظرون إلى الأوضاع التي يمر فيها الكيان اللبناني وما تشهده ساحات المدن الرئيسية من تظاهرات واحتجاجات؟
إن في سورية، ومنها الكيان اللبناني، إقطاعيات حقيقية تؤلف جزءاً لا يستهان به من ثروة الأمة ولا يمكن بوجه من الوجوه حسبانها ملكاً شخصياً، ومع ذلك فهي لا تزال وقفاً على “بكوات” إقطاعيين يتصرفون بها أو يهملونها كيفما شاؤوا مهما كان في ذلك من الضرر للمصلحة القومية. ومنهم فئة تهمل هذه الإقطاعات وتغرق في سوء التصرف بها إلى حد يوقعها في عجز مالي ينتهي بتحويل الأرض إلى المصارف الأجنبية، الرسمال الأجنبي، البلوتكراطية الأجنبية. والحزب السوري القومي الاجتماعي، يعتبر أن وضع حد لحالة من هذا النوع، تهدد السيادة القومية والوحدة الوطنية، أمر ضروري جداً، وإلاّ ينشأ إجحاف للبلاد وإجحاف بفئات من الناس تعمل في الأرض تحت سيطرة وسلطة مطلقة من الإقطاعي الذي، وإن لم يكن معترفاً به إقطاعياً قانونياً، فإن الامتيازات التي يتمتع بها تجاه الحكومة وتجاه الشعب تجعله ذا سلطة مطلقة يتصرف بالناس في إقطاعه تصرف المالك في مُلكه أو السيد في عبيده.
نحن نقرُّ بضبط الأمر وتوجيهه وضبط الأفكار والسماح للصحيح الذي يقدم الخير للأمة لكي ينمو، وبتشذيب الفاسد لكي لا يعمل على إفساد ما بقي من حيوية الأمة وفاعليتها.
– وما هو موقفكم كحزب؟
نحن حركة مهاجمة تأتي بتعاليم جديدة تهاجم بها المفاسد والفوضى التي بسببها بقي الشعب في الوضع المؤسف المحزن الموجود فيه.
نحن لم نحارب ولا نحارب من أجل أن تكون لنا ولغيرنا حرية فوضوية تخدم لذّات الأفراد المرضى في نفوسهم بل حاربنا ونحارب من أجل تحقيق قضية واضحة وإقامة نظام جديد.
وقد تزعمت جماعة من الأفراد تململ الشعب وجعلوا همهم استثمار هذا التململ لينالوا مكانة يطمعون فيها، واستندوا في تزعمهم إلى بقية نفوذ عائلي مستمد من مبادئ زمن عتيق تجعل الشعب قطائع موقوفة على عائلات معينة تبذل مصالح الشعب في سبيل نفوذها. ورأى هؤلاء المتزعمون أن العائلة والبيت لا يكفيان في هذا العصر لدعم التزعم فلجأوا إلى كلمات محبوبة لدى الشعب، كلمات الحرية والاستقلال والمبادئ وتلاعبوا بهذه الألفاظ، المقدسة متى كانت تدل على مثال أعلى لأمة حية، الفاسدة متى كانت وسيلة من وسائل التزعم وستاراً تلعب وراءه الأهواء والأغراض، خصوصاً المبادئ، ففيها يجب أن تتجلى حيوية الأمة وحاجاتها الأساسية. أما المتزعمون فقد اتخذوا من الشعب وسيلة للتعبير عن بعض المبادئ. فعكسوا الآية بطريقة لبقة، وقد يكون ذلك عن جهل مطبق، وكوَّنوا قضية مضحكة مبكية هي قضية جعل الشعب وقفاً على مبادئهم وتضحيته في سبيل تلك المبادئ. وقد كادوا ينجحون في تضحيته. وبديهي أن لا تكون هذه القضية قضية قومية إلا للذين ضلوا ضلالاً بعيداً.
– ما هي برأيكم الأسباب التي أدّت إلى هذا التحرك وإلى ما يشهده الشارع منذ 17 أكتوبر الماضي؟
هي فساد الإدارة، هي الغش والمكر والبرطيل، هي التكالب على الحكم، هي البطالة وما تجرّ من خمول وفساد أخلاق.
هي المهاجرة التي تبتلع الكثير من خيرة شباب الوطن. هي أرامل لم يمت رجالهن بل هاجروا، هي ثكالى لم يمت أبناؤهن بل هاجروا،
هي أيامى لا رجال لهن لأنهم هاجروا. هي الأرض بور! هي الفوضى تدور!
هي العامل يرزح والفلاح يجوع! هي الطائفية والحزبيات الدينية بلاء الأمة وعلة الانحطاط، هي الإقطاعية الملتفة على جسم الأمة كالأفعى، هي هضم حقوق وأكل أموال الفقراء.
هي هبوط المناقب وصعود المثالب، هذه هي الحقيقة. هو ضجيج الذين يريدون أن يخفتوا أنين الشعب ويخنقوا صوته!
هي ضجيج الذين لا عيش لهم إلا باستنزاف قوى الشعب وامتصاص موارد حياته!
هي ضجيج الذين يريدون جرّ الشعب في لبنان إلى انتخابات جديدة وهو معصوب العينين، والحقيقة مستورة عنه بستار مصطنع من الدخان، فتسجّل هناك مدة جديدة من استمرار الشقاء بيده!
هي ضجيج الذين يريدون أن يفرّقوا بين الشعب وبين الحق والإنقاذ، وأن يحجبوا عنه اليقين!
لذلك، فإن ما من عمل أو إنتاج في المجتمع إلا وهو عمل أو إنتاج مشترك أو تعاوني. فإذا ترك للفرد الرسمالي حرية مطلقة في التصرف بالعمل والإنتاج، كان لا بد من وقوع إجحاف بحق العمل وكثير من العمال. إن ثروة الأمة العامة يجب أن تخضع لمصلحة الأمة العامة وضبط الدولة القومية. لا يمكن تنمية موارد القوة والتقدم في الدولة إلى الحد الأعلى إلا بهذه الطريقة.
– كيف ترون أسلوب معالجة السياسيين في لبنان للحراك وللأسباب التي دفعت باتجاه حدوثه؟
إن النفعيين الذين لا همّ لهم سوى استثمار الحال الراهنة لأغراضهم الخاصة لا يزالون يرون المصالح مصالح مسلمين ومسيحيين ودروز إلخ. وكل نفعي يلجأ إلى جماعته الدينية ليسيّرها في سبيل منافعه ونفوذه. إنهم يجدون في تقسيم المصالح وفاقاً للقاعدة المذهبية الوسيلة الاستثمارية الأقرب متناولاً.
لن تكون المعركة هينة، أما النصر فسيكون حليف المبادئ التي تؤمن المصلحة القومية ضد المصالح الخاصة.
إن النهضة التي تنظر في مصالح الفلاحين والعمال وأرباب الحرف والصناعات والتجارات وتتخذ منها أساساً لكل أعمالها، خليقة أن تنتصر على جميع الحركات السياسية التي تشتري المنفعة والنفوذ الخاصّين بدماء الغوغاء. وما يؤيد الشعب تأييداً مطلقاً إلاّ الذين يخدمون مصلحته خدمة مخلصة.
لقد قامت الرجعية بعد هجعتها وخرجت تبحث عن فريسة فوجدتها في الغوغاء فأنشبت أظفارها في لحمها. إنّ الرجعية خبيثة ومنافقة وذات حيلة ولبوس. فهي تظهر حيناً بمظهر الغضب لكرامة بالية وآناً بمظهر الدعوة إلى وهم أجوف وما غايتها الصحيحة إلا الاصطياد في الماء العكر.
– ما هو تقييمكم لأداء الإعلام حيال الأزمة القائمة؟
بعض الكتّاب والصحافيين اللبنانيين، الذين أذعنوا للإرادة الأجنبية، لا يفتأون يسمّمون أفكار الشعب بتضليلهم وتشويههم الحقائق، ويحملون الحملات تلو الحملات على اللبنانيين الذين لم يذعنوا للإرادة الأجنبية، ناعتينهم تارة بالخيانة وطوراً بالمروق من «الوطنية» وبغير ذلك من النعوت.
وصارت هذه الوقاحة حيلة من حيل التعيش عند الصحافيين الذين كان من نكد الدنيا وسوء طالع الشعب أنهم دخلوا الصحافة بدون كفاءة ليكونوا وسيلة من وسائل البلبلة والفوضى، وليزيدوا طين الأمور القومية بلّة. فلا يكاد الواحد منهم يصطدم برأي لبنانيين أحرار رفضوا ما فرض على الشعب في لبنان من قِبل إرادة أجنبية، حتى ينعي عليهم «المروق من الوطنية»، أو «خيانة الوطن»، أو «تفريق كلمة اللبنانيين»، أو غير ذلك. وأكثر ما تكون غيرته «الوطنية» على منافعه الخصوصية من انتشار إعلامه باسم الوطن الديني الذي صار من دعاته لمصلحة الإرادة الأجنبية.
هذا الداخل على الصحافة والسياسة يظن أنّ السفسطة والتخليط والهفت دعامات قوية يمكن أن تقوم عليها قضية شعب أو يقرر بها مصير أمة. لقطاء السياسة والمتعيشون بالصحافة لا تهمهم الحقائق. وصاحب التهجم على فئة من كرام اللبنانيين الذين يرفضون ما تقرره الإرادة الأجنبية في البلاد لا يرى فرقاً بين دولة يعلنها شعب حي بمطلق إرادته، ودولة تفرضها القوى الأجنبية على الشعب.
إنّ أولئك الذين يطلبون من الآخرين أن يحترموا آراءهم ومعتقداتهم، يجب عليهم أن يتعلموا احترام آراء غيرهم ليعرفوا كيف يحترمون آراءهم وكيف ينتظرون أن يحترم غيرهم آراءهم.
– ما هو توجهكم للبنان وللبنانيين وسط هذه الظروف؟
إني أثق بفهم الشعب في لبنان ووعيه ومقدرته على الإدراك، على الرغم من جميع الإشاعات والكتابات والتصريحات التي تحاول وضعه في درك الشعوب المتأخرة العقلية. وأرى الاستقلال الذي حازه هذا الكيان خطوة أولى يجب أن تعقبها خطوة، هي جعل هذا الكيان قوة فاعلة لا ضعفا متقلصاً منزوياً.
إنّ الكيان اللبناني هو وقف على إرادة الشعب اللبناني.
وَضَعَ الحزب حق تقرير مصير الشعب في لبنان في يده، لأنه هو وحده لبنان ولا يجوز لقوة في داخل هذا الكيان أو خارجه أن تلغي إرادته وسيادته. فإذا لم يكن الشعب مرجع الأمر الأخير في لبنان، فأين عزّه، وأين كرامته، وأين استقلاله؟
وأتوجه للشعب اللبناني قائلاً “إن الساعة لعصيبة وإن الفوضى لعظيمة!
في هذه الساعة يكثر الذين يريدون أن يستغلّوا غضبتك للحق ولكرامتك وأن يحولوها لمنفعتهم. فاتّقِ المستغلين، أصحاب البطولة الوهمية!
إتّقِ المشكلات المحاكة التي نشأت بإرادات أجنبية وبدوافع خصوصية لتضلّك عن طريق النهضة القومية الاجتماعية التي فيها مصالحك وفيها عزك ومجدك.
أيها الشعب اللبناني،
إني لا أتبنى نحيب أصحاب المطامع الشخصية الخائبة ولا زحير الرازحين تحت أهوائهم.
إني أقف نفسي في سبيل حياتك وإرادتك وحقك وخيرك.”
– هل من توجّهٍ إلى المتظاهرين والمنتفضين أنفسهم؟
كونوا رسلاً أمناء لقضيتكم القومية. كونوا جنوداً لتحاربوا التجزئة والانقسام الداخليين. كونوا سداً منيعاً ضد الدعوة إلى بعث النعرات الهدامة. أوصوا كل من تجتمعون بهم أن لا يكونوا آلة في يد رجال يستثمرون الشعب ويضحون مصالح الشعب في سبيل منافعهم، هؤلاء الذين اتخذوا الرعونة نظاماً لهم والمنفعة الشخصية دستوراً.
إننا حركة الشعب. إننا نثق بالشعب الذي احتقره السياسيون وتلاعب بمقدراته الإقطاعيون وخانه المثقفون في ثقافة الاستعمار والرجعة. فنحن من الشعب ونعمل في الشعب لأجل الشعب. إننا نحتقر الاستناد إلى النفوذ الأجنبي الذي يعتمده دهاقنة السياسة الرجعيون الإقطاعيون ليسخّروا الشعب للقضايا الغريبة ولا نعتز إلا بالشعب.
الحكومات تأتي وتذهب أما الشعب فيبقى!
ليست قضيتنا قضية حكومات، بل قضية شعب ـ قضية أمة ـ قضية خير وفلاح ووعز قومي اجتماعي.
إنّ لبنان التَّعِب من التدجيل والقضايا المقلوبة بجد الإنقاذ والصيانة والعز في النهضة القومية الاجتماعية ـ هذه النهضة التي تحرره بأنوارها من المخاوف والتقلص والتلاشي وتجعله قوة فاعلة تثق بالمصير القومي الاجتماعي.
إنّ بناء النفوس في النهضة القومية الاجتماعية ينقذ لبنان من ذلك التلبنن الاستعماري الرجعي، ويقيم الحقيقة اللبنانية، ويزيل عن الأرزة اللبنانية الجليلة صبغة السخافة والانحطاط التي صبغتها بها فئات الاستسلام للأمر المفعول، والعمل بالإرادات الأجنبية، ويعيد إلى اللبنانيين حقيقتهم وكرامتهم ويُنهض سورية كلها ويوجه العالم العربي نحو التعاون والخير.
لم تجابه الحركة القومية الاجتماعية معضلة في الماضي إلا وخرجت ظافرة، ولن يعجزها في المستقبل ما لم يعجزها في الماضي. إنها حركة صراع لأنها حركة حرية، وحركة انتصار لأنها حركة حق!
ألا لو شئنا أنّ ننفر من النجاح لما وجدنا منه مفراً!
– شكراً حضرة الزعيم على هذه الأفكار التي لن تندثر. أملنا هو في أن تبقى شعلة هذا الإيمان متَّقدة في نفوس حاملي هذه العقيدة، يعودون إليها كلّما احلولكت ظلمات دروبهم فتنير لهم الطريق.
إعداد فادي خوري الفينيق

مقابلة مع زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون خليل سعاده حول الحراك الشعبي في لبنان 2019-2020

مقابلة مع زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون خليل سعاده حول الحراك الشعبي في لبنان 2019-2020
أنطون سعاده الباقي أبداً، الراهن دائماً، نسمعه مع صرخة كل صوت يطالب بالحرية والانعتاق من العفن السياسي الطائفي والمذهبي والإقطاعي-العائلي الذي ينخر لبنان منذ “اختراعه” قبل مئة عام. نطرح على الزعيم اليوم أسئلتنا حول تطورات الشارع في الكيان اللبناني ليعطينا من فيض فكره ورؤيته ونظرته للأحداث التي تعصف بهذا الكيان العزيز على قلبه وعلى قلوب جميع القوميين الاجتماعيين واللبنانيين الشرفاء.
حضرة الزعيم، الأمة لا تزال تعاني من فقدان الهوية القومية، والأنظمة المتحكمة بالكيانات السورية لا تزال على حالها من الضياع والولاء إلى الخارج، والسياسات الدينية والطائفية والمذهبية لا تزال مستفحلة في كافة كيانات الوطن. اليوم، الشارع اللبناني ينتفض في وجه سياسييه وحكّامه مطالباً بحقوقه من أجل حياة كريمة، كيف تنظرون إلى الأوضاع التي يمر فيها الكيان اللبناني وما تشهده ساحات المدن الرئيسية من تظاهرات واحتجاجات؟
إن في سورية، ومنها الكيان اللبناني، إقطاعيات حقيقية تؤلف جزءاً لا يستهان به من ثروة الأمة ولا يمكن بوجه من الوجوه حسبانها ملكاً شخصياً، ومع ذلك فهي لا تزال وقفاً على “بكوات” إقطاعيين يتصرفون بها أو يهملونها كيفما شاؤوا مهما كان في ذلك من الضرر للمصلحة القومية. ومنهم فئة تهمل هذه الإقطاعات وتغرق في سوء التصرف بها إلى حد يوقعها في عجز مالي ينتهي بتحويل الأرض إلى المصارف الأجنبية، الرسمال الأجنبي، البلوتكراطية الأجنبية. والحزب السوري القومي الاجتماعي، يعتبر أن وضع حد لحالة من هذا النوع، تهدد السيادة القومية والوحدة الوطنية، أمر ضروري جداً، وإلاّ ينشأ إجحاف للبلاد وإجحاف بفئات من الناس تعمل في الأرض تحت سيطرة وسلطة مطلقة من الإقطاعي الذي، وإن لم يكن معترفاً به إقطاعياً قانونياً، فإن الامتيازات التي يتمتع بها تجاه الحكومة وتجاه الشعب تجعله ذا سلطة مطلقة يتصرف بالناس في إقطاعه تصرف المالك في مُلكه أو السيد في عبيده.
نحن نقرُّ بضبط الأمر وتوجيهه وضبط الأفكار والسماح للصحيح الذي يقدم الخير للأمة لكي ينمو، وبتشذيب الفاسد لكي لا يعمل على إفساد ما بقي من حيوية الأمة وفاعليتها.
– وما هو موقفكم كحزب؟
نحن حركة مهاجمة تأتي بتعاليم جديدة تهاجم بها المفاسد والفوضى التي بسببها بقي الشعب في الوضع المؤسف المحزن الموجود فيه.
نحن لم نحارب ولا نحارب من أجل أن تكون لنا ولغيرنا حرية فوضوية تخدم لذّات الأفراد المرضى في نفوسهم بل حاربنا ونحارب من أجل تحقيق قضية واضحة وإقامة نظام جديد.
وقد تزعمت جماعة من الأفراد تململ الشعب وجعلوا همهم استثمار هذا التململ لينالوا مكانة يطمعون فيها، واستندوا في تزعمهم إلى بقية نفوذ عائلي مستمد من مبادئ زمن عتيق تجعل الشعب قطائع موقوفة على عائلات معينة تبذل مصالح الشعب في سبيل نفوذها. ورأى هؤلاء المتزعمون أن العائلة والبيت لا يكفيان في هذا العصر لدعم التزعم فلجأوا إلى كلمات محبوبة لدى الشعب، كلمات الحرية والاستقلال والمبادئ وتلاعبوا بهذه الألفاظ، المقدسة متى كانت تدل على مثال أعلى لأمة حية، الفاسدة متى كانت وسيلة من وسائل التزعم وستاراً تلعب وراءه الأهواء والأغراض، خصوصاً المبادئ، ففيها يجب أن تتجلى حيوية الأمة وحاجاتها الأساسية. أما المتزعمون فقد اتخذوا من الشعب وسيلة للتعبير عن بعض المبادئ. فعكسوا الآية بطريقة لبقة، وقد يكون ذلك عن جهل مطبق، وكوَّنوا قضية مضحكة مبكية هي قضية جعل الشعب وقفاً على مبادئهم وتضحيته في سبيل تلك المبادئ. وقد كادوا ينجحون في تضحيته. وبديهي أن لا تكون هذه القضية قضية قومية إلا للذين ضلوا ضلالاً بعيداً.
– ما هي برأيكم الأسباب التي أدّت إلى هذا التحرك وإلى ما يشهده الشارع منذ 17 أكتوبر الماضي؟
هي فساد الإدارة، هي الغش والمكر والبرطيل، هي التكالب على الحكم، هي البطالة وما تجرّ من خمول وفساد أخلاق.
هي المهاجرة التي تبتلع الكثير من خيرة شباب الوطن. هي أرامل لم يمت رجالهن بل هاجروا، هي ثكالى لم يمت أبناؤهن بل هاجروا،
هي أيامى لا رجال لهن لأنهم هاجروا. هي الأرض بور! هي الفوضى تدور!
هي العامل يرزح والفلاح يجوع! هي الطائفية والحزبيات الدينية بلاء الأمة وعلة الانحطاط، هي الإقطاعية الملتفة على جسم الأمة كالأفعى، هي هضم حقوق وأكل أموال الفقراء.
هي هبوط المناقب وصعود المثالب، هذه هي الحقيقة. هو ضجيج الذين يريدون أن يخفتوا أنين الشعب ويخنقوا صوته!
هي ضجيج الذين لا عيش لهم إلا باستنزاف قوى الشعب وامتصاص موارد حياته!
هي ضجيج الذين يريدون جرّ الشعب في لبنان إلى انتخابات جديدة وهو معصوب العينين، والحقيقة مستورة عنه بستار مصطنع من الدخان، فتسجّل هناك مدة جديدة من استمرار الشقاء بيده!
هي ضجيج الذين يريدون أن يفرّقوا بين الشعب وبين الحق والإنقاذ، وأن يحجبوا عنه اليقين!
لذلك، فإن ما من عمل أو إنتاج في المجتمع إلا وهو عمل أو إنتاج مشترك أو تعاوني. فإذا ترك للفرد الرسمالي حرية مطلقة في التصرف بالعمل والإنتاج، كان لا بد من وقوع إجحاف بحق العمل وكثير من العمال. إن ثروة الأمة العامة يجب أن تخضع لمصلحة الأمة العامة وضبط الدولة القومية. لا يمكن تنمية موارد القوة والتقدم في الدولة إلى الحد الأعلى إلا بهذه الطريقة.
– كيف ترون أسلوب معالجة السياسيين في لبنان للحراك وللأسباب التي دفعت باتجاه حدوثه؟
إن النفعيين الذين لا همّ لهم سوى استثمار الحال الراهنة لأغراضهم الخاصة لا يزالون يرون المصالح مصالح مسلمين ومسيحيين ودروز إلخ. وكل نفعي يلجأ إلى جماعته الدينية ليسيّرها في سبيل منافعه ونفوذه. إنهم يجدون في تقسيم المصالح وفاقاً للقاعدة المذهبية الوسيلة الاستثمارية الأقرب متناولاً.
لن تكون المعركة هينة، أما النصر فسيكون حليف المبادئ التي تؤمن المصلحة القومية ضد المصالح الخاصة.
إن النهضة التي تنظر في مصالح الفلاحين والعمال وأرباب الحرف والصناعات والتجارات وتتخذ منها أساساً لكل أعمالها، خليقة أن تنتصر على جميع الحركات السياسية التي تشتري المنفعة والنفوذ الخاصّين بدماء الغوغاء. وما يؤيد الشعب تأييداً مطلقاً إلاّ الذين يخدمون مصلحته خدمة مخلصة.
لقد قامت الرجعية بعد هجعتها وخرجت تبحث عن فريسة فوجدتها في الغوغاء فأنشبت أظفارها في لحمها. إنّ الرجعية خبيثة ومنافقة وذات حيلة ولبوس. فهي تظهر حيناً بمظهر الغضب لكرامة بالية وآناً بمظهر الدعوة إلى وهم أجوف وما غايتها الصحيحة إلا الاصطياد في الماء العكر.
– ما هو تقييمكم لأداء الإعلام حيال الأزمة القائمة؟
بعض الكتّاب والصحافيين اللبنانيين، الذين أذعنوا للإرادة الأجنبية، لا يفتأون يسمّمون أفكار الشعب بتضليلهم وتشويههم الحقائق، ويحملون الحملات تلو الحملات على اللبنانيين الذين لم يذعنوا للإرادة الأجنبية، ناعتينهم تارة بالخيانة وطوراً بالمروق من «الوطنية» وبغير ذلك من النعوت.
وصارت هذه الوقاحة حيلة من حيل التعيش عند الصحافيين الذين كان من نكد الدنيا وسوء طالع الشعب أنهم دخلوا الصحافة بدون كفاءة ليكونوا وسيلة من وسائل البلبلة والفوضى، وليزيدوا طين الأمور القومية بلّة. فلا يكاد الواحد منهم يصطدم برأي لبنانيين أحرار رفضوا ما فرض على الشعب في لبنان من قِبل إرادة أجنبية، حتى ينعي عليهم «المروق من الوطنية»، أو «خيانة الوطن»، أو «تفريق كلمة اللبنانيين»، أو غير ذلك. وأكثر ما تكون غيرته «الوطنية» على منافعه الخصوصية من انتشار إعلامه باسم الوطن الديني الذي صار من دعاته لمصلحة الإرادة الأجنبية.
هذا الداخل على الصحافة والسياسة يظن أنّ السفسطة والتخليط والهفت دعامات قوية يمكن أن تقوم عليها قضية شعب أو يقرر بها مصير أمة. لقطاء السياسة والمتعيشون بالصحافة لا تهمهم الحقائق. وصاحب التهجم على فئة من كرام اللبنانيين الذين يرفضون ما تقرره الإرادة الأجنبية في البلاد لا يرى فرقاً بين دولة يعلنها شعب حي بمطلق إرادته، ودولة تفرضها القوى الأجنبية على الشعب.
إنّ أولئك الذين يطلبون من الآخرين أن يحترموا آراءهم ومعتقداتهم، يجب عليهم أن يتعلموا احترام آراء غيرهم ليعرفوا كيف يحترمون آراءهم وكيف ينتظرون أن يحترم غيرهم آراءهم.
– ما هو توجهكم للبنان وللبنانيين وسط هذه الظروف؟
إني أثق بفهم الشعب في لبنان ووعيه ومقدرته على الإدراك، على الرغم من جميع الإشاعات والكتابات والتصريحات التي تحاول وضعه في درك الشعوب المتأخرة العقلية. وأرى الاستقلال الذي حازه هذا الكيان خطوة أولى يجب أن تعقبها خطوة، هي جعل هذا الكيان قوة فاعلة لا ضعفا متقلصاً منزوياً.
إنّ الكيان اللبناني هو وقف على إرادة الشعب اللبناني.
وَضَعَ الحزب حق تقرير مصير الشعب في لبنان في يده، لأنه هو وحده لبنان ولا يجوز لقوة في داخل هذا الكيان أو خارجه أن تلغي إرادته وسيادته. فإذا لم يكن الشعب مرجع الأمر الأخير في لبنان، فأين عزّه، وأين كرامته، وأين استقلاله؟
وأتوجه للشعب اللبناني قائلاً “إن الساعة لعصيبة وإن الفوضى لعظيمة!
في هذه الساعة يكثر الذين يريدون أن يستغلّوا غضبتك للحق ولكرامتك وأن يحولوها لمنفعتهم. فاتّقِ المستغلين، أصحاب البطولة الوهمية!
إتّقِ المشكلات المحاكة التي نشأت بإرادات أجنبية وبدوافع خصوصية لتضلّك عن طريق النهضة القومية الاجتماعية التي فيها مصالحك وفيها عزك ومجدك.
أيها الشعب اللبناني،
إني لا أتبنى نحيب أصحاب المطامع الشخصية الخائبة ولا زحير الرازحين تحت أهوائهم.
إني أقف نفسي في سبيل حياتك وإرادتك وحقك وخيرك.”
– هل من توجّهٍ إلى المتظاهرين والمنتفضين أنفسهم؟
كونوا رسلاً أمناء لقضيتكم القومية. كونوا جنوداً لتحاربوا التجزئة والانقسام الداخليين. كونوا سداً منيعاً ضد الدعوة إلى بعث النعرات الهدامة. أوصوا كل من تجتمعون بهم أن لا يكونوا آلة في يد رجال يستثمرون الشعب ويضحون مصالح الشعب في سبيل منافعهم، هؤلاء الذين اتخذوا الرعونة نظاماً لهم والمنفعة الشخصية دستوراً.
إننا حركة الشعب. إننا نثق بالشعب الذي احتقره السياسيون وتلاعب بمقدراته الإقطاعيون وخانه المثقفون في ثقافة الاستعمار والرجعة. فنحن من الشعب ونعمل في الشعب لأجل الشعب. إننا نحتقر الاستناد إلى النفوذ الأجنبي الذي يعتمده دهاقنة السياسة الرجعيون الإقطاعيون ليسخّروا الشعب للقضايا الغريبة ولا نعتز إلا بالشعب.
الحكومات تأتي وتذهب أما الشعب فيبقى!
ليست قضيتنا قضية حكومات، بل قضية شعب ـ قضية أمة ـ قضية خير وفلاح ووعز قومي اجتماعي.
إنّ لبنان التَّعِب من التدجيل والقضايا المقلوبة بجد الإنقاذ والصيانة والعز في النهضة القومية الاجتماعية ـ هذه النهضة التي تحرره بأنوارها من المخاوف والتقلص والتلاشي وتجعله قوة فاعلة تثق بالمصير القومي الاجتماعي.
إنّ بناء النفوس في النهضة القومية الاجتماعية ينقذ لبنان من ذلك التلبنن الاستعماري الرجعي، ويقيم الحقيقة اللبنانية، ويزيل عن الأرزة اللبنانية الجليلة صبغة السخافة والانحطاط التي صبغتها بها فئات الاستسلام للأمر المفعول، والعمل بالإرادات الأجنبية، ويعيد إلى اللبنانيين حقيقتهم وكرامتهم ويُنهض سورية كلها ويوجه العالم العربي نحو التعاون والخير.
لم تجابه الحركة القومية الاجتماعية معضلة في الماضي إلا وخرجت ظافرة، ولن يعجزها في المستقبل ما لم يعجزها في الماضي. إنها حركة صراع لأنها حركة حرية، وحركة انتصار لأنها حركة حق!
ألا لو شئنا أنّ ننفر من النجاح لما وجدنا منه مفراً!
– شكراً حضرة الزعيم على هذه الأفكار التي لن تندثر. أملنا هو في أن تبقى شعلة هذا الإيمان متَّقدة في نفوس حاملي هذه العقيدة، يعودون إليها كلّما احلولكت ظلمات دروبهم فتنير لهم الطريق.
إعداد فادي خوري الفينيق

السبت، 1 فبراير 2020

القضية الوطنية جزء 4"المجلة" الجزء الأول، السنة العاشرة، شباط 1924



القضية الوطنية جزء 4
أما النظرية الثانية القائلة بوجوب تفكيك عرى وحدتنا وقسمتنا إلى أمم ودويلات تكون أضحوكة الأضاحيك التاريخية فمن الأمور المعيبة التي قام بها ضيقو الصدور وضعيفو الإرادة والمدارك وإذا كان لا بد من إيجاد تعليل معقول لها يمكن البت فيه بصورة جدية فهذا التعليل منحصر في أمرين: الأول منهما الخوف من الإجحاف الذي قد يلحق الأقلية عند نيل الاستقلال وهو ما حدا بمسيحيي لبنان إلى اعتبار لبنان أمة ودولة منفصلة عن جسم سوريا وقاموا يدعون إلى هذه العقيدة لا بين المسيحيين فقط بل بين المسلمين والدروز أيضا محاولين أن يقنعوهم بأنهم هم في لبنان يؤلفون جزءا من "الأمة اللبنانية" لا من الأمة السورية. الأمر الثاني هو التزلف وحب الأثرة والظهور اللذان يدفعان أصحابهما إلى متابعة هذه النظرية لأنها تدر عليهم مالا ووظائف وأوسمة تنعم بها عليهم دولا أجنبية.
أما البحث في الأمر الأول فيكفي أن نبين أنه ليس في وسع أحد من الذين يعتقدون ويقولون بصحته أن يأتوا ببرهان واحد يشفع فيما يقولون لأنه لا براهين هنالك فليس في استطاعة القائلين بالأمة اللبنانية أن يأتوا بفارق واحد يميز بين المسيحي المقيم في لبنان والمسيحي المقيم في خارجه أو بين المسلم المقيم في لبنان والمسلم القاطن خارجه أو بين الدرزي في لبنان والدرزي خارجه أي انه ليس في استطاعهم أن يأتوا بفوارق تميز بين اللبنانيين وسائر السوريين اللهم إلا الفوارق السطحية التي تميز سكان في أي بلاد كانت وسكان غيرها من ذات البلاد كالفرق بين سكان لندن في انكلترا وسكان بليموت أو مانشستر أو الفوارق التي تميز بين أي إنسان على وجه البسيطة وإنسان آخر وهذه لا يعول عليها في هذا المبحث مطلقا وهنا يبدو لك سقوط حجة الذاهبين إلى الانقسام بصورة لا تقبل التردد والشك.
والظاهر أن السوريين قد أدركوا هذه الحقائق أو أبتدأوا يدركونها كما قلت سابقا بالاستناد إلى البيان الذي أذاعه المؤتمر السوري الفلسطيني فإذا كان هذا الإدراك حقيقة ثابتة وهو ما نرجحه فأن حاضرنا ومستقبلنا قد تغيرا تغيرا حسنا جدا وأصبحنا أمام عمل حقيقي مقرر وهذا يعني أننا قد انتقلنا من طور التفكير والإمعان الذي ينفسح فيه المجال لمفكرينا لإبداء الآراء بصراحة والخلاصة أننا أصبحنا الآن أمام عمل جدي يجب البحث فيه بصورة جدية.
الفرق بيننا الآن وكما كان عليه في تلك الأيام التي كان فيها كل مبدع صاحب النظرية الصحيحة أننا أصبحنا ندرك قضيتنا الوطنية من وجهتها الحقيقية وصار في إمكاننا أن نبحث ونعمل فيها من هذه الوجهة فيوم كنا نلتئم لكي ننظر في هل يجوز حسبان لبنان داخلا في القضية الوطنية السورية أم لا وهل يمكن أن تكون القضية السورية خارجة عن القضية العربية قد مضى وانقضى لا أعاده الله وصرنا الآن في يوم يجب أن نجتمع فيه للنظر في كيف يمكننا أن نعمل ونساعد في إبلاغ قضيتنا الوطنية متمناها.
إذاً حاضرنا قد تغير بتأثير هذه النظرية وكذلك مستقبلنا فأنه أصبح على طريق واضحة أمامنا أما الممكنات التي تخولنا هذه النظرية استعمالها فأهمها إمكانية توحيد قوانا وإمكانية البحث في قضيتنا بصراحة لأنها أصبحت قضية مقررة وإمكانية إيجاد حركة منظمة مبنية على التفاهم التام تسير في أعمالها بنشاط ودقة وهنالك فرص كثيرة تعرض لنا يوم تقريبا لم نكن نتمكن من انتهازها في الماضي أما في الوقت الحاضر والمستقبل فإننا يجب علينا أن لا ندعها تمضي دون أن نستفيد منها وأننا إذا تابعنا هذه النظرية في أحزابنا ومؤتمرات أحزابنا المقبلة كانت فائدتنا المطلوبة محتمة كالقضاء والقدر.
وهنا أحب أن أوجه كلمة إلى الجالية السورية في البرازيل خصوصا وسائر الجوالي السورية الأخرى عموما وهي ما هو موقفها، أيدها الله، تجاه هذه الخطوة الجديدة. ألا يجب عليها أن تسرع إلى الانضمام إلى مفكريها والعمل بإرشاداتهم ونصائحهم لأجل خلاص وطنها الذي ليس هنالك تعاسة ينفطر لها القلب حزنا أكبر من تعاسته؟
إذا كان أحد يشك في وجود هذه التعاسة فليذهب إلى ذلك الوطن التعيس وهنالك يشاهد ويسمع ما يذيب مهجته ويحرق قلبه - هناك يرى الفتيات يبكين وينحن على أهلهن وأنفسهن وليس هنالك من يشفق ويعزي وليس سرور في مكان ما - هناك اليتامى تعول والثكالى تنوح ومصائب الفحش والموبقات تربي على ويلات الحروب والنكبات - هناك يرى الناظر من بقي من الأمهات تحضن من بقي من الأطفال ويجلسن الليل كله ساهرات منقبضات القلوب، مرتجفات الأعضاء، يتوقعن في كل دقيقة من دقائق الليل قدوم طارق يريد انتزاع الولد من أمه أو انتزاع الأم من ولدها – هذه هي تعاسة الوطن الذي ننتسب نحن إليه ولا يمكننا أن ننكر أننا تحت سمائه رأينا للمرة الأولى في حياتنا نور الحياة!
فماذا تريد الجوالي السورية في المهاجر كلها أن تعمل في سبيل وطنها؟
هو ذا أبواب القبور قد انفتحت على مصاريعها وخرج منها الأموات يطلبون الحياة والحرية أفيرى الأحياء هذه العجائب التي تحدث أمامهم دون أن يتأثروا هم.
من أراد أن يضحك فهناك أوقات كثيرة للضحك أما الآن فأن الموقف مهيب لأننا أمام الوطن والتاريخ وجها لوجه.
فمن لا يستحي من نفسه فيجب على الأقل أن يستحي منهما!
تمت
"المجلة" الجزء الأول، السنة العاشرة، شباط
1924