الاثنين، 11 ديسمبر 2017

آفاق   مقلاع
نهله سوسو
تتكسّر الأمواج، تحت قدميه وقدَميّ الصّخرة العالية، بعد أن تأخذ حفنةً من أشعّة الشمس الحامية كاللّهيب، ثمّ تذوب في الرّمال، فيدخل السّرور إلى قلبه كالوجع ويُصلح جلسته على الصّخرة المبلّلة بمَدِّ اللّيلة الفائتة...الفرح يُسْرق، خارج البيت فقط، فهو لم يعرف أباه إلا في أحاديث أمّه ونداء الموظّف ذي الخوذة الزّرقاء حين يسلّمه أكياس المعونات وتلك الأمّ لم يرَ وجهها إلا شاحباً، ساكنَ القَسَمات، التي ازدادت جموداً عندما ذهب أخوه الأكبر ولم يعد، ثمّ صارت أخاديدُه كتلك الأرض المتشقّقة في بيّارة اللّيمون حين ضغطت زرَّ المذياع ليسكت قبل أن تنتهي نشرة الأخبار وتدخل الجارة التي قوّضَت بيتَها جرّافةٌ منذ زمن، فتتعانقان وتبكيان ويعرف أنّ أخاه الثّاني ذهب في طريق أخيه الغائب ولن يعود! ولم يعد يتذكّر متى أصبحت أمّه دائمة الهلع عليه، شديدة الحبّ له، لأنّه صار وحيدها بعد أن اختفى أخوه الثّالث: -لمَ ذهب إلى عسقلان؟ - لم يذهب بخاطره! اعتقلوه مع رفاقه وأخذوه! –لمَ لا تسمحين لي بالذّهاب مع رفاقي كما سمحتِ له؟ - أنتَ لن تذهب إلى أيّ مكان! لكنّه مازال يذهب إلى المدرسة دون أن توبّخه بل ويتلبّث قرب حلقات العجائز على عتبات البيوت والأرصفة الضيّقة الملاصقة لها، يسمع أحاديثهم عن دير ياسين وكفر قاسم والطّنطورة والحرم الإبراهيمي والأقارب في شتات المخيّمات وإذاعة العدوّ التي تكذب وتكذب و تكذب حتّى تجعل من كلّ واحدٍ منهم بندقيّة وقنبلة ولغم تهدّد حياتهم فيهرع العالم لنجدتهم بالسّلاح وحماية وافديهم من كلّ أصقاع الأرض! وما لبث أن وعى من سيل التحذيرات المتدفّق عليه أنّ البحر والنّهر والرّمل والطّرقات والحواكير والبيّارات ليست له وقد يأتي يوم يُحرم فيه من الهواء خاصّة حين حكى المعلّم، وهو حين يحكي عن الحياة يختلف كثيراً عن أمّه حين تحكي، عن القبّة الحديديّة التي نصبها العدوّ ليحمي نفسه بعد عجز الجدار الفاصل عن أداء المهمة! ولَكَم تأمّل السّماء حيثما مشى ليرى تلك القُبّة وتخيّلها كمصيدة الفأر الهائلة التي يمكن أن تُطبق عليه وتحطّم عظامه، لكنّه فهم بعد عناء، وتوضيح من المعلّم برسمها بالطّباشير على السبّورة، أنها موجودة على الأرض أمّا خطوطها في الفضاء فلا يراها أحد إلا العدوّ حين تسير عليها الصّواريخ المدمّرة! 
ضاقت نفسُه بنفسه وهو يشعر يوماً بعد يوم أنّه يعيش كطائر ضائع في فضاء، إن حطّ على غصن ستصطاده رصاصة كما فعلت بأخويه الكبيرين وإن لجأ إلى عتبة نافذة ستنقضُّ عليه يدٌ، تكسر جناحيه وترميه في زنزانة أسوأ من القبر بعتمتها كما يحدس حال أخيه الثّالث، وها هو العصفور المارق فوق رأسه مباشرةً في شمس الظّهيرة، والموج لم يتعب بعد من سرقة الأشعّة وتحطيمها تحت قدميه: -أنتَ أيضاً بلا أب وإخوة ورفاق؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟ أنا جئت لأن معلمي أخذوه ليسألوه عن الخريطة التي رسمها وكتب عليها فلسطين عاصمتها القدس، ولأن بوابة زقاقنا مسدودة بركام منزل مهدوم! هيّا كُفَّ عن الطّيران! سأنزلك بمقلاعي لترى عقاب العصيان! يخرج المقلاع من حقيبته ويلتقط حجراً فيراهم قادمين بأشكالهم التي تثير رعباً في نفسه فيسدِّد مقلاعه على أكثر الوجوه بدانةً وانبساطاً فإذ به يرى الرُّعبَ على وجوههم، هُمْ، من المباغتة والبلبلة التي أحدثها وهو واقف في الأعلى يلتقط حجراً إثْر حجر ويسدّد، وقد شعر أنّه يحلّق عالياً ولن تقوى يد على الوصول إليه!
ما كان يعلم أنّ المقلاع سينبثق من كلّ التّراب الذي سرقوه وأنّ الشّارة التي يرفعها المنتصرون هي شكل هذا المقلاع الجميل المبارك..

جريده تشرين / 12/ 12 / 2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق