الثلاثاء، 6 مارس 2018

افاق..صـدمة نهلة سوسو


كلُّ حاضرٍ ستتلاعب فيه الذّاكرة حين يعبر ويصبح رهينَ الماضي!
لا تُؤتَمن الذَّاكرةُ على ودائعها لأنّها تمحو وتطمس وقد تعيد صياغة التّفاصيل بغَيْر ترتيبها، لكنّها تعجز عن الاطمئنان إلى دفْنِ أحيائها الدّقيقة ومنعها من الانبعاث على غير انتظار!
ذات يوم، في منتصف سبعينيّات القرن الماضي، قرأتُ، للحاجة المهنيّة، قصّةَ أطفال للكاتب «عبد الله عبد» بعنوان «الباشق والعصفور» وشعرتُ بأنني أقف على قمّة جبلٍ حيث لا شاهدَ على الباشق، مطلقِ القوّة، إلاي، وقد افترقْنا على رائحة صنوبر وسماء زرقاء صافية! ومرّت أربعة عقود من الزّمان، طمسَتْ فيما جدّدَتْ من قراءات، كلَّ كلمات ذلك اللّقاء، عدا الانطباع العميق والمذهل الذي تركه الكاتب الحاذق، المنقضّ على الوصف، من موقعِ عالِمِ طبيعةٍ يعرف صراعَ البقاء بين مخلوقاتها، وعالِمِ نفْسٍ يأخذ بيد طفلٍ إلى حقائق الحياة القاسية والعنف الذي يتعرّض له أحبّتُه، ومنهم العصفور، الجميلُ، الوديعُ، المغرّدُ، الذي لا يعتدي على كائن حيّ، إلا إذا عدّ الكبارُ نَقْرَه لبقايا قمح البيادر جَوْراً على الطّبيعة الأمّ!.. تقودني المصادفةُ مجدّداً، إلى القصّة، طيَّ أعمال الكاتب الكاملة، فأشعر بأنني فتحتُ البابَ بعد دقّةٍ خفيفة لأجد عزيزاً غائباً قد عاد! أتفحّص على ملامحه آثارَ الزّمن، وأضيف عليها من غَرْفِ القلب والمودّة عطراً وندى، وأمزج عشرات الصّور القادمة من ماضٍ وراهن! أقرأ السّطورَ الأولى من القصّة برجفةِ لمْسِ حَجَرِ عقيق ضاع ثمّ عاد، وأرى الباشقَ حيث تركتُه يحوّم في العُلا، قويّاً، مشيقاً، لكنّه اكتسب بطشاً واستعلاءً، ثمّ وحشيّة تقارب السّاديّة! يقول العصفور، وقد بدا صوتُه منكسراً: -أيُّها الباشق، أنت طائرٌ ظالم! قد تستطيع أن تضربني حتّى تنزفَ كلُّ دمائي، لكنّك لا تستطيع أن تجبرني على العيش كما تريد! أنا أحبُّ الطَّيران في السّماء والتّحليقَ فوقَ البحر. رفع الباشق مخلبه وضرب العصفور الشّجاع مرّات ومرّات، لكنّ العصفور لم يخضع له لأنّه كان يحبُّ الحرّيّة ولأنّه كان في تلك اللّحظة يطير بخياله فوق بحرٍ أزرق لا تحدُّه حدود!
ليست الذّاكرةُ، وحدَها، من يتواطأ على الحدَث لسبب أو لآخر، بل قد نساعدها على ذلك كي لا يتهشّم ما أحببنا غفوتَه وراء ظهورنا، لأنَّه إذا ما استيقظ زعزَعنا بصدمة وطوّح بغفَواتنا، وما أشدّ صدمتي حين رأيت حقيقة الباشق بعين العصفور.. وأخفق جمالُه ورشاقتُه وسطوتُه في التّغاضي عن شراسته وتعاليه ودموّيته، رغم الطّبع الذي خُلق فيه، فما أشقّ الحياة بمعرفة ومن دون معرفة!. / جريده تشرين 2018-03-06

هناك تعليق واحد: