علْمٌ غائب
نهلة سوسو:
أواخر القرن التّاسع عشر استقلّ علمُ النّفس عن الفلسفة، وزَها بكشوفاته وكلِّ وسائله المساعِدة، من تحليلٍ وعياداتٍ ونظريّاتٍ عن الدّوافع، وأسباب السّلوك، والعُقَد الموروثة، التي استعارت من الأساطير أسماءها: «أوديب» و«إلكترا»، ثم ذهبت إلى «قابيل» و«النّقص» و«العظَمة» و«السّاديّة» و«المازوخيّة»، وراقَت لجموع المثقفين وطلاب المعرفة والنقّاد، بل وللباحثين الذين عارضوا أفكاراً، وطوّروا وجهات نظر، عُرفت بالمدارس: «فرويد» و«يونغ» و«أدلر» و«إيريك فروم» وغيرُهم كثير، ما جعل هذا العلم، مطلقَ الجاذبيّة، واسعَ الآفاق!. بجوار مجريات حياتنا اليوميّة، سرى علم النَّفس، يحلّل لنا غيرة الإخوة، والعدوانيّة، والتّنافس، والتّسلُّط، حتى وجدنا لكلّ سؤالٍ جواب، إن لم يكن في عيادة الطّبيب النفسيّ، ففي المراجع التي تمتلئ بها المكتبات، أمّا حين حلّت الحربُ في الدّيار فقد ظهرت شخصيّةٌ ملغزة في تكوينها، واضحةٌ في سلوكها، هي شخصيّة الخائن، غيرُ المنتمية إلى فئة محدّدة، في تصنيفات علم الاجتماع، أي لا تشترك في المستوى التّعليميّ، ولا الطّبقي، ولا البيئيّ، ولا الثقافيّ، ولا المعرفيّ، لكنّها تجاوزت كلّ هذه الانتماءات وتلاقت في مفترق واحد، وقد غادرَت قيماً جماعيّة كوّنتها الشعوب بلا كلل، ليس مصادفةً ولا رفاهيّةً في الوقت الضّائع، بل لتحافظ على كينونتها، في أزمنة الخطر! لم تنتَهِ كل تأمُّلاتي والمراجعات والتّفاسير لفهم تركيبة الخائن الذي كان أستاذاً جامعيّاً يحاضر في طلبة يخاطبهم بأبنائي، ثم انتقل ببساطة إلى ضفّة أخرى، وهو يعلم أنّه باعهم جميعاً لسيف الجلاد، ولا ذلك الذي كان جزّاراً يحرص على بيع جاره أفضل اللحوم، ثم أشهر ساطوره لقتل الجار وأبناء الجار، ولا ذلك الفنان الذي كان يتجوّل كالطّاووس، يبتسم للناس البسطاء، ثم يكشّر عن أنيابه، يهجو جهلهم بقيمة الكرامة والحرية، ويحسبهم كومبارس، لا بأس من إبادتهم!. ما هي اللّحظة التي يطمس فيها الخائنُ القطرةَ البيضاء في نفسه؟ هل يدرك مفاعيل خيانته على المدى المنظور وغير المنظور؟ هل هو كائن عاقل، بمعنى أنه يعي مفاعيل ما يقوم به على نفسه وعلى الآخرين والقيم النبيلة التي تسقط بسقوطه؟ هل تدهمه مشاعر ذنب ولو بشكل عابر ما الذي يجنيه واقعاً أو وَهْماً حين يغادر سِرْبَه؟ وذات يوم قال معالج نفسي، إن الحرب الإجرامية على سوريّة هزمت علم النّفس، وكان يقصد شجاعة قائدها وجيشها وشعبها في التصدّي لها، لكنني سأبقى أسأل عن ذهنيّة الخائن، ليس المحللين السياسيين ولا الضّحايا، بل علمَ النفس، وحده لا سواه!
جريده تشرين :آفاق,زوايا وأعمدة 12-03-2019
نهلة سوسو:

أواخر القرن التّاسع عشر استقلّ علمُ النّفس عن الفلسفة، وزَها بكشوفاته وكلِّ وسائله المساعِدة، من تحليلٍ وعياداتٍ ونظريّاتٍ عن الدّوافع، وأسباب السّلوك، والعُقَد الموروثة، التي استعارت من الأساطير أسماءها: «أوديب» و«إلكترا»، ثم ذهبت إلى «قابيل» و«النّقص» و«العظَمة» و«السّاديّة» و«المازوخيّة»، وراقَت لجموع المثقفين وطلاب المعرفة والنقّاد، بل وللباحثين الذين عارضوا أفكاراً، وطوّروا وجهات نظر، عُرفت بالمدارس: «فرويد» و«يونغ» و«أدلر» و«إيريك فروم» وغيرُهم كثير، ما جعل هذا العلم، مطلقَ الجاذبيّة، واسعَ الآفاق!. بجوار مجريات حياتنا اليوميّة، سرى علم النَّفس، يحلّل لنا غيرة الإخوة، والعدوانيّة، والتّنافس، والتّسلُّط، حتى وجدنا لكلّ سؤالٍ جواب، إن لم يكن في عيادة الطّبيب النفسيّ، ففي المراجع التي تمتلئ بها المكتبات، أمّا حين حلّت الحربُ في الدّيار فقد ظهرت شخصيّةٌ ملغزة في تكوينها، واضحةٌ في سلوكها، هي شخصيّة الخائن، غيرُ المنتمية إلى فئة محدّدة، في تصنيفات علم الاجتماع، أي لا تشترك في المستوى التّعليميّ، ولا الطّبقي، ولا البيئيّ، ولا الثقافيّ، ولا المعرفيّ، لكنّها تجاوزت كلّ هذه الانتماءات وتلاقت في مفترق واحد، وقد غادرَت قيماً جماعيّة كوّنتها الشعوب بلا كلل، ليس مصادفةً ولا رفاهيّةً في الوقت الضّائع، بل لتحافظ على كينونتها، في أزمنة الخطر! لم تنتَهِ كل تأمُّلاتي والمراجعات والتّفاسير لفهم تركيبة الخائن الذي كان أستاذاً جامعيّاً يحاضر في طلبة يخاطبهم بأبنائي، ثم انتقل ببساطة إلى ضفّة أخرى، وهو يعلم أنّه باعهم جميعاً لسيف الجلاد، ولا ذلك الذي كان جزّاراً يحرص على بيع جاره أفضل اللحوم، ثم أشهر ساطوره لقتل الجار وأبناء الجار، ولا ذلك الفنان الذي كان يتجوّل كالطّاووس، يبتسم للناس البسطاء، ثم يكشّر عن أنيابه، يهجو جهلهم بقيمة الكرامة والحرية، ويحسبهم كومبارس، لا بأس من إبادتهم!. ما هي اللّحظة التي يطمس فيها الخائنُ القطرةَ البيضاء في نفسه؟ هل يدرك مفاعيل خيانته على المدى المنظور وغير المنظور؟ هل هو كائن عاقل، بمعنى أنه يعي مفاعيل ما يقوم به على نفسه وعلى الآخرين والقيم النبيلة التي تسقط بسقوطه؟ هل تدهمه مشاعر ذنب ولو بشكل عابر ما الذي يجنيه واقعاً أو وَهْماً حين يغادر سِرْبَه؟ وذات يوم قال معالج نفسي، إن الحرب الإجرامية على سوريّة هزمت علم النّفس، وكان يقصد شجاعة قائدها وجيشها وشعبها في التصدّي لها، لكنني سأبقى أسأل عن ذهنيّة الخائن، ليس المحللين السياسيين ولا الضّحايا، بل علمَ النفس، وحده لا سواه!
جريده تشرين :آفاق,زوايا وأعمدة 12-03-2019
لكل خاين حبيب
ردحذف