دفنة، وهي ضاحية قرب انطاكية، مركزاً شهيراً لأعظم احتفالات الربيع في سورية، وقد سمّيت دفنة « DAPHNE» على اسم الحورية التي عشقها أبولون وأسرته بجمالها، وتحوّلت في ذلك المكان إلى شجرة غار عندما كان يلاحقها دافني تعني الغار .
وفي دفنة حيث تحوّلت الحورية إلى شجرة، نمت تلك الشجرة وصارت غابة كبيرة من الغار، هذا النبات الذي تكلّل بأوراقه الأباطرة والأبطال والمنتصرون. وفي دفنة أقيم لعشيق الحورية أبولون معبد كبير يذكر عنه أنه كان مركزاً لطقوس فيها شيء من الخلاعة، ما جعل المؤرّخون يذكرون تلك الاحتفالات ببعض الاستهجان. لكنّ هذه الطقوس ربما كانت سبباً ليصبح هذا المعبد مركز استقطاب للمحتفلين من كل أرجاء سورية.
وكإشارة إلى أهمية هذه الاحتفالات في سورية ومدى تعلّق السوريين، بها ذكر أحد المؤرّخين أنّ أحد أعضاء مجلس شيوخ أنطاكية أوصى بكلّ ثروته لإقامة احتفالات في دفنة، تدوم ثلاثين يوماً. وكانت الاحتفالات تشمل الرقص والروايات التمثيلية وسباق العربات، إضافة إلى الألعاب الرياضية والمصارعة. ويذكر أنّه في أوائل القرن الثالث مدّدت فترة الاحتفالات إلى خمسة وأربعين يوماً، وساهمت النساء في بعض هذه الألعاب. وكانت الاحتفالات كما يمكن أن يتوقع، مشهداً لبعض الحوادث الأخلاقية الشاذّة، حتى أصبح يضرب المثل بدفنة وخلاعتها.
عام 166 قبل الميلاد قرّر الملك السوري أنطيوخوس الرابع إقامة احتفال عظيم في دفنة، كردّ على الاحتفال الكبير الذي أقامته روما عام 167 قبل الميلاد في مدينة أمفيبوليس اليونانية لمناسبة انتصارهم في مقدونية.
وتزوّدنا مصادر التاريخ بتفصيلات عن ذلك المهرجان التي استُهلّ باستعراض عسكريّ شارك فيه عشرات الآلاف من الجنود من قوميات مختلفة، وقد تدرّعوا بالدروع الذهبية والفضّية الرائعة. وركب بعضهم أجمل الخيول المطهّمة والمزيّنة، ومن خلف هؤلاء مشت فرق الخيالة من سكوثية والأفيال الهندية، والمصارعون، ثم تلت هؤلاء مواكب من رجال مدنيين يحملون تيجاناً ذهبية، ومئات الثيران التي أُعدّت للتضحية، وثلاثمئة بعثة دبلوماسية من مدن المتوسّط. ثم عرض خاص لأنياب الأفيال، وتماثيل لكافة الآلهة وأنصاف الآلهة ذهبية أو مطليّة بالذهب، ولا ننسى الأواني الرائعة، والنساء المتزيّنات اللواتي يرششن العطور من زجاجات ذهبية، أو محمولات بواسطة محفّات لها أرجل مذهّبة. وقد تضمّنت الاحتفالات التي استمرّت شهراً، إقامة الألعاب الرياضية ومشاهد المصارعين المحترفين وعراك الحيوانات المتوحّشة. كما خُصّصت بعض الأوقات لكي يجري الخمر في مصدر الماء الرئيس في مدينة أنطاكية ليشرب منه كلّ الناس.
إن هذا التوصيف يفيدنا في رسم صورة لمستوى العمران في أنطاكية عاصمة سورية آنذاك، والتي قدّر أحد المؤرّخين عدد سكانها بـ600 ألف نسمة. وقد قال إنها بالمستوى نفسه لضخامة سلوقيا التي على دجلة العاصمة الشرقية لسورية في الفترة السلوقية .
وفي نصّ آخر، ذكر أحد المصادر في سياق توصيفه حياة الترف التي كان يعيشها السوريون الأنطاكيون في تلك الفترة فقال: إن ديونيسيوس، صديق أنطيوخوس الرابع إيبيفانس أو مساعده، كان لديه في الاحتفال بالألعاب في دفنة ألف عبد يسيرون في الموكب ويحملون الأواني الفضية، التي لا يقلّ وزن كلّ منها عن ألف دراخمة درهم ، ثم تلاهم 600 وصيف ملكيّ يحملون الأواني الذهبية و200 امرأة يرششن الزيوت العطرية من أباريق ذهبية، وتعقب هؤلاء في الموكب 80 امرأة جالسات في محفّات ذات مساند ذهبية، و500 امرأة في محفّات ذات مساند فضّية. وقد سيّر الملك في الاحتفال 3000 كيليكي يلبسون تيجاناً ذهبية و10000 مقدوني يحملون تروساً ذهبية و5000 يحملون تروساً برونزية و5000 يحملون تروساً فضّية. وكانت أكثرية الجنود والمواطنين البالغين 3000 يضعون أغطية ذهبية على خدودهم ويلبسون تيجاناً ذهبية. وكان للباقين أغطية فضّية على خدودهم. هذه هي مساهمة شخص واحد من أعيان أنطاكية.
كما يؤكّد المؤرّخون ويركّزون على أنّ أنطيوخوس كان يشارك بصورة فعّالة جدّاً في تنظيم الاحتفالات والإعداد لها. فكان يُشاهَد تارة يرحّب بالضيوف، وأخرى يُصدر أوامره التنظيمية، وثالثة يلقي النكات، وأخرى يشارك بالرقصات العامة. ويبدو أنّ أنطيوخوس كان يبغي إدهاش الوفد الروماني برئاسة تيبريوس سمبرنيوس كراكخوس الذي عومل بأمر من الملك السوري معاملة ملكية، فوضع القصر الملكي تحت تصرّف الوفد وأحاط جميع أعضائه برعاية لم يكن يحظى بها إلّا الملوك.
وفي ذكر لاحتفالات دفنة من المؤرّخ بوسيدونيوس، عن الاحتفالات التي أقيمت في زمن أنطيوخوس السابع سيديتس 137 128 قبل الميلاد ، قال إنّ المضيف الملكي سمح لكلّ مشترك في الحفل أن يحمل إلى بيته من لحم الحيوانات البرّية والبحرية ما يكفي لملء عربة، إضافة إلى كمّيات الحلوى المعمولة بالعسل، وأكاليل المر والبخور ومشبّكات الذهب التي يبلغ طولها طول الرجل. كما قال إنّ من عادة أنطيوخوس الثامن غريبوس معقوف الأنف 125 96 قبل الميلاد أن يوزّع في مناسبات كهذه، إوزّات حيّة وأرانب وغزلاناً على المدعوّين، إضافة إلى الأكاليل الذهبية والأواني الفضّية والعبيد والخيول والجمال. وبعدما يركب كلّ رجل جمَلَه، يشرب نخباً ويقبل الجمل بما حمل والخادم الملحق به. وكانت التسلية الرئيسة، إضافة إلى الولائم، تتضمّن الصيد والفروسية.
ويقول بوسيدونيوس في مكان آخر: «كان جميع سكان سورية آمنين من أيّ ضيق يتعلّق بضرورات الحياة، بسبب الوفرة الكبيرة التي تقدّمها بلادهم».
ومن اجل استكمال الصورة، يرجّح أنّ سكان سورية في تلك الفترة كان عددهم ستّة ملايين نسمة. أليست احتفالات دفنة، حدثاً وامضاً في تاريخنا السوري؟

وفي دفنة حيث تحوّلت الحورية إلى شجرة، نمت تلك الشجرة وصارت غابة كبيرة من الغار، هذا النبات الذي تكلّل بأوراقه الأباطرة والأبطال والمنتصرون. وفي دفنة أقيم لعشيق الحورية أبولون معبد كبير يذكر عنه أنه كان مركزاً لطقوس فيها شيء من الخلاعة، ما جعل المؤرّخون يذكرون تلك الاحتفالات ببعض الاستهجان. لكنّ هذه الطقوس ربما كانت سبباً ليصبح هذا المعبد مركز استقطاب للمحتفلين من كل أرجاء سورية.
وكإشارة إلى أهمية هذه الاحتفالات في سورية ومدى تعلّق السوريين، بها ذكر أحد المؤرّخين أنّ أحد أعضاء مجلس شيوخ أنطاكية أوصى بكلّ ثروته لإقامة احتفالات في دفنة، تدوم ثلاثين يوماً. وكانت الاحتفالات تشمل الرقص والروايات التمثيلية وسباق العربات، إضافة إلى الألعاب الرياضية والمصارعة. ويذكر أنّه في أوائل القرن الثالث مدّدت فترة الاحتفالات إلى خمسة وأربعين يوماً، وساهمت النساء في بعض هذه الألعاب. وكانت الاحتفالات كما يمكن أن يتوقع، مشهداً لبعض الحوادث الأخلاقية الشاذّة، حتى أصبح يضرب المثل بدفنة وخلاعتها.
عام 166 قبل الميلاد قرّر الملك السوري أنطيوخوس الرابع إقامة احتفال عظيم في دفنة، كردّ على الاحتفال الكبير الذي أقامته روما عام 167 قبل الميلاد في مدينة أمفيبوليس اليونانية لمناسبة انتصارهم في مقدونية.
وتزوّدنا مصادر التاريخ بتفصيلات عن ذلك المهرجان التي استُهلّ باستعراض عسكريّ شارك فيه عشرات الآلاف من الجنود من قوميات مختلفة، وقد تدرّعوا بالدروع الذهبية والفضّية الرائعة. وركب بعضهم أجمل الخيول المطهّمة والمزيّنة، ومن خلف هؤلاء مشت فرق الخيالة من سكوثية والأفيال الهندية، والمصارعون، ثم تلت هؤلاء مواكب من رجال مدنيين يحملون تيجاناً ذهبية، ومئات الثيران التي أُعدّت للتضحية، وثلاثمئة بعثة دبلوماسية من مدن المتوسّط. ثم عرض خاص لأنياب الأفيال، وتماثيل لكافة الآلهة وأنصاف الآلهة ذهبية أو مطليّة بالذهب، ولا ننسى الأواني الرائعة، والنساء المتزيّنات اللواتي يرششن العطور من زجاجات ذهبية، أو محمولات بواسطة محفّات لها أرجل مذهّبة. وقد تضمّنت الاحتفالات التي استمرّت شهراً، إقامة الألعاب الرياضية ومشاهد المصارعين المحترفين وعراك الحيوانات المتوحّشة. كما خُصّصت بعض الأوقات لكي يجري الخمر في مصدر الماء الرئيس في مدينة أنطاكية ليشرب منه كلّ الناس.
إن هذا التوصيف يفيدنا في رسم صورة لمستوى العمران في أنطاكية عاصمة سورية آنذاك، والتي قدّر أحد المؤرّخين عدد سكانها بـ600 ألف نسمة. وقد قال إنها بالمستوى نفسه لضخامة سلوقيا التي على دجلة العاصمة الشرقية لسورية في الفترة السلوقية .
وفي نصّ آخر، ذكر أحد المصادر في سياق توصيفه حياة الترف التي كان يعيشها السوريون الأنطاكيون في تلك الفترة فقال: إن ديونيسيوس، صديق أنطيوخوس الرابع إيبيفانس أو مساعده، كان لديه في الاحتفال بالألعاب في دفنة ألف عبد يسيرون في الموكب ويحملون الأواني الفضية، التي لا يقلّ وزن كلّ منها عن ألف دراخمة درهم ، ثم تلاهم 600 وصيف ملكيّ يحملون الأواني الذهبية و200 امرأة يرششن الزيوت العطرية من أباريق ذهبية، وتعقب هؤلاء في الموكب 80 امرأة جالسات في محفّات ذات مساند ذهبية، و500 امرأة في محفّات ذات مساند فضّية. وقد سيّر الملك في الاحتفال 3000 كيليكي يلبسون تيجاناً ذهبية و10000 مقدوني يحملون تروساً ذهبية و5000 يحملون تروساً برونزية و5000 يحملون تروساً فضّية. وكانت أكثرية الجنود والمواطنين البالغين 3000 يضعون أغطية ذهبية على خدودهم ويلبسون تيجاناً ذهبية. وكان للباقين أغطية فضّية على خدودهم. هذه هي مساهمة شخص واحد من أعيان أنطاكية.
كما يؤكّد المؤرّخون ويركّزون على أنّ أنطيوخوس كان يشارك بصورة فعّالة جدّاً في تنظيم الاحتفالات والإعداد لها. فكان يُشاهَد تارة يرحّب بالضيوف، وأخرى يُصدر أوامره التنظيمية، وثالثة يلقي النكات، وأخرى يشارك بالرقصات العامة. ويبدو أنّ أنطيوخوس كان يبغي إدهاش الوفد الروماني برئاسة تيبريوس سمبرنيوس كراكخوس الذي عومل بأمر من الملك السوري معاملة ملكية، فوضع القصر الملكي تحت تصرّف الوفد وأحاط جميع أعضائه برعاية لم يكن يحظى بها إلّا الملوك.
وفي ذكر لاحتفالات دفنة من المؤرّخ بوسيدونيوس، عن الاحتفالات التي أقيمت في زمن أنطيوخوس السابع سيديتس 137 128 قبل الميلاد ، قال إنّ المضيف الملكي سمح لكلّ مشترك في الحفل أن يحمل إلى بيته من لحم الحيوانات البرّية والبحرية ما يكفي لملء عربة، إضافة إلى كمّيات الحلوى المعمولة بالعسل، وأكاليل المر والبخور ومشبّكات الذهب التي يبلغ طولها طول الرجل. كما قال إنّ من عادة أنطيوخوس الثامن غريبوس معقوف الأنف 125 96 قبل الميلاد أن يوزّع في مناسبات كهذه، إوزّات حيّة وأرانب وغزلاناً على المدعوّين، إضافة إلى الأكاليل الذهبية والأواني الفضّية والعبيد والخيول والجمال. وبعدما يركب كلّ رجل جمَلَه، يشرب نخباً ويقبل الجمل بما حمل والخادم الملحق به. وكانت التسلية الرئيسة، إضافة إلى الولائم، تتضمّن الصيد والفروسية.
ويقول بوسيدونيوس في مكان آخر: «كان جميع سكان سورية آمنين من أيّ ضيق يتعلّق بضرورات الحياة، بسبب الوفرة الكبيرة التي تقدّمها بلادهم».
ومن اجل استكمال الصورة، يرجّح أنّ سكان سورية في تلك الفترة كان عددهم ستّة ملايين نسمة. أليست احتفالات دفنة، حدثاً وامضاً في تاريخنا السوري؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق