الاثنين، 28 يونيو 2021

ريحانه المرداوي

 ريحانة

كل ما كُتب من الأدب العالميّ، يدين لملحمة "جلجامش" بإبداع الصورة الشعرية، التي صاغتها الروح البشرية التوّاقة للخلود، المتّقدة بدافع بقاء الصداقة النبيلة فوق الفَناء، وإذ مضى "أنكيدو" إلى مصيره المحتوم، خلّدته أناشيدُ الملحمة في الذاكرة الإنسانية إلى الأبد، ولعلّ الأدب العربي والإنساني سيدين لحكاية "ريحانة" الأسير "محمد المرداوي" بنفس التأثير!

سيعدُّ القارئ أنفاسه وهي تتسارع وراء "محمد" حين يستنشق الهواء في "فورة" السّجن (الباحة، المسموح للشمس بزيارتها) ويسمع مناجاته للحرية وحلمَه بكائن حيٍّ يأتي من عالمه الدافئ البعيد، يعيش معه ومع رفاقه بين الجدران الشاهقة التي صبّها العدوّ دونهم والعالم ليذيقهم نمطاً خاصاً من الموت، هو البارع، المتفنّن باختراع طرائق الموت، وستنحبس أنفاس القارئ حين تطلع من خيال "محمد" بذرة الريحان ثمّ تنبت وتبرعم وتخضرُّ وتنشر الشذى، بديلاً عن طائر مغرّد يستحيل إحضارُه من فضاء فلسطين إلى الزنزانة، حيث تُقَصّ حتى أجنحة الضوء والزرقة والبشر!

رواية قصيرة، لكنها بحجم ملحمة! وإني قرأت في سطورها جلالة كلّ قطرة دم شهيد منذ قيامة فلسطين، ودواوينَ شعر "إبراهيم طوقان" و"عبد الرحيم محمود" وروايات "غسان كنفاني" وغُرَزَ الثوب القاني الذي مازال يقاوم الروايات الكاذبة عن الوعد التلمودي ل "شعب الله المختار".

"ريحانة" "محمد المرداوي" ستُنبت غاباتٍ ومروجاً وبساتينَ يانعةَ الخضرة، حيثما لامستها يدُ قارئ! ريحانةٌ ستقاوم الجفاف والقحط الذي يسعون إليه لتُطمَس فلسطين من الخرائط والذّواكر!

شكر خاص لكل من ساعد على خروج هذا العمل من ظلام السجن إلى الحياة....

الكاتبة والاديبة الكبيرة السورية نهلة السوسو 

والأخ الغالي محمد حسين لمع 

والمناضلة عاشقة فلسطين سيلفيا اديب عمون بنت جنوب لبنان

إھداء: إلى أخي.. َ إلى الجرح الذي نزف.. و الید السمراء التي أدماھا القید.. ّف عن النبض، رغم ازدحام الاوجاع.. ًا ما توق إلى الصدر الذي یحتوي قلب إلى ابن الارض الاسیرة، فلسطین المظلومة.. إلى ابن الشعب المقھور المتروك لیواجھ الطواغیت باللحم العاري.. ً ما َ عاطفة ّ إلى أخي محم َ د، الذي لم أر ُ ه من قبل ّ ، و لم أسمع صوتھ، لكن لھ في فؤادي الیوم ُ كانت لغیر إخوتي الشھداء الذین سبقني العشرات منھم على درب التحریر الطویل، درب ذات ّ الشوكة الصعب و المعبّد بأنیاط القلب.. َ أنا ابن الجنوب، كنت أف ّ تح نافذة غرفتي الصغیرة و أرمي ببصري ناحیة فلسطین، فأتنسم ھواءھا، و أحبسھ في صدري كي لا یضیع.. ًا ّ ّ بة، قضیتي التي شربتھا مع لبن أم ُ ي، فعشقتھا وأفنیت َ العمر طلب فلسطین الحبیبة الاسیرة المعذ لحریّتھا.. ٌ من قلبي، في صحراء الن فلسطین الیوم ّ قب، و فوق رمالھا الحارة، تخفق َ، صار لي فیھا قطعة ، فیجیبھا ما بقي ٌ في صدري. ھكذا صار لي قلبان، أو قلب بنصفین.. ٍ ھناك في زنزانة ٍ مظلمة َ ُھ الیماني الذي لم ّ إلى أخي محم ّ د عدنان المرداوي، محم ّ د الذي أحببتھ، كما أحب َّ النبي صاحب ّل َیره. وصلتني رسالتك، فقبّلت حروفھا قبل ان أقرأھا، و شممت فیھا رائحة قمیصك المبل

بعرق الكرامة، و مسحت بھ وجھي، عل ّ ھ یباركني كزیت الكنیسة المقدّ ّ س. مررت یدي فوق الحروف التي خطتھا یداك، و صدّقني فقد شعرت بك تكتبھا، و لو أنھا وصلتني بغیر ورق، ً، كیف لا و ھي مكتوبة ِ ك و عاطفة قلبك. ٌ بمداد حبر فإني استطعت لمسھا فبدت لي نافرة ًا مضى من ًا كان لك من العمر یوم أسروك، و عشرون خریف ً عشرون عاما، بل عشرون ربیع العمر خلف القضبان. ٌ ھكذا صار عمرك نصفین.. ربیع واحدٌ ٌ و خریف عساه لا یطول. ً ّ ، و سیعوض الرحمن ما فاتك بس بب ّ لسني ّ العمر الآتیة، لا یساورني، شك بأنھا ستكون مزھرة قھر الظالمین العتاة المجرمین. ً 4 َ حزیران، یوم ضاع ما بقي من فلسطین، بسبب التخاذل و أن یكون میلادك یوم لیس صدفة الخیانة و التقاعس. ففي ھذا الیوم ولد البطل محمد عدنان المرداوي لكي یكون و رفاقھ من داخل أسوار السجن وسط َ ابناء جیلھ، بذرة الامل بالتحریر، التي تنمو كما نمت ریحانتك الصحراء. ٌ لا تضیع فلسطین و فیھا رجال ِ رجال.. لا تضیع القدس و عیناك ساھرتان تحلمان ببیت العائلة ّ في عر ّ ابة.. كما أرانا الله جنوبنا المحتل ّ ، یرینا غدًا تراب فلسطین، كل فلسطین، من بحرھا إلى نھرھا، و من لبنان إلى أرض الكنانة.. حینھا أكون ضیفك في بیتك في جنین و تكون دلیلي ّي بإمامتك، و لحظة صلاتك سآخد من تحت في رحلة الشوق إلى بیت المقدس.. ھناك سأصل ّر بھا جبیني فأسمو.. ًا للسجود أعف ٍ قدمیك كمشة تراب مقدّ ٍسة تكون لي موضع ّ لعینیك یا محمد، لعینیك الجمیلتین، و صدرك الذي یضیق في ھذه الغربة.. لروحك الجمیلة.. ّي، في یوم میلادك.. أھدیك روایتي الصغیرة.. "ریحانة".. من ّكل ٍ عام َ و أنت ٍ و آلاف الاحرار من الذین لا أعرفھم، بألف خیر.. عسى أن تكون في یوم ّ میلادك الثاني بیننا فأكح ّ ل ناظري برؤیتك.. 

نھم یرونھ بعیدًا، و أراه قریب ّكل ٍ عام ّ و أنت كل الخیر.. یا ریحانة قلبي..

ریحانة َ الموت، كما لم یره من قبل ّجول)، ُسمح فیھ بالت َورة ( ساحة الشمس في المعتقل؛ المكان الوحید الذي ی ّ خرج محمد إلى الف ّ ّ ھ یراھا أول ً و على غیر عادتھ، نظر طویلا في الجدران التي تحیط بھ من أربع جھات، و كأن ٍ ٍ ، ثم غرق في بحر من الأفكار. لم یعد یسمع أصوات الأسرى یتحادثون بقربھ، وقد سكن مرة ّف عن المشي الذي ّ ّ ى أن ّ كل ٍ شيء من حولھ صار جمادًا. توق الھواء و غابت الشمس، حت ّفت ساعة ّ یحتاجھ جسده، ثم أغلق عینیھ، و عاد بالذا ً خلت، یوم توق ٍ كرة إلى ثمان وعشرین سنة ّ الزمان عن الدوران، لیحل مكانھا عدّاد الموت البطيء: عدّاد الأسر. لا ل لموت فتح عینیھ و راح یتفح ٍ ص المكان بطریقة لم ی ِ إلى صدور الأسرى كانت الخطر المحدق في كل لحظة، الأسلاك الشائكة و الجدران المرتفعة، الحائل بینھم و بین من یحبّون؛ سنتیمترات قلیلة من الإسمنت المسل ا، حجبت ّ ّ ح كما كل ٍ شيء ھن ّ عنھ دفء حضن أم ّ ھ. السج ٌّ انون: في الزاویة الأولى جندي ُ أسمر عساه من فلاشا أثیوبیا، و ٌّ في الزاویة الثانیة جندي ُ أبیض من روسیا، و في الثالثة آخر ٌّ حنطي من المغرب، و في الزاویة ّة. ٌّ الرابعة ألماني ٌّ أو نمساوي ُ أشقر ضخم الجثه 

أفر َج ّ ت شفتا محمد عن ابت ٍ و ھو یرى أسوار المعتقل الأربعة و قد جمعت مرتزقة ٍ سامة ساخرة ٍ، لكنھم یسجنون ِ ِص ٍ لة، و لا ینتمون إلیھا بخیط رفیع ّون إلى ھذه الأرض ب ٍ من أربع دول، لا یمت َورة؛ َ ابن التراب الأصیل، الذي تمتدّ ُ جذور ّ ه فیھ أبعد من كل التاریخ. كذا كان المشھد في الف ٌ أرض تحتضن ابنھا الأصیل، ویحیط بھما غرباء یحاولون أن ینزرعوا في ترابھا، لكنھا لا ً ّ تعرفھا متى لامست وجھھا، فتنشق لھا و تحتضنھا. ً بلدیة ِت إلا بذرة ُنب ت ّ تابع محم ٍ د جولتھ بعینیھ، و صار یرى الأشیاء بمنظار مختلف عن الذي شاھدھا بھ منذ وطئت قدماه أرض المعتقل. اللون الأحمر! لماذا یطغى اللون الأحمر على المكان؟ كامیرات المراقبة حمراء، و الأرض َ ْو ِن الدم أن یحیط بنا، و ّ ً ھ لون الموت حتم ّ ا، فك ّ ر محم ِ د، یریدون لل ً تحت قدمیھ حمراء أیضا. إن َ َحجبوا زرقة السماء ھي الأخرى و صبغوھا بلون الدم. لا یریدون لنا أن ننسى لو استطاعوا ل أن كیانھم قام على دمنا المسفوح في دیر یاسین و قرى فلسطین من بحرھا الأزرق إلى نھرھا ُّ الزلال عند حدود الأردن. یریدون لرائحة الدم أن تستوطن أنوفنا لننسى رائحة زھر لیمون یافا. یافا یافا، ولیس تل أبیب! لن یغیّروا الأسماء في وجداننا ولو صبغوا كل لافتات الدنیا ّ بحروفھم ال م عربي". عبریة؛ تبقى الأرض "بتتكل ّ الحیاة.. الحیاة.. استفاق محمدٌ ّ من جولة تأملھ و صاح: الحیاة في مقابل الموت! نحتاج ھنا للحیاة، لنھزم الموت الذي یزحفون بھ علینا. وسط كل ھذا الیباس وھذه الوحشة في صحراء النقب، و بین جدران الموت العالیة، نحتاج إلى الحیاة كي یحیا فینا الأمل ولا ننھزم من الداخل. 

اا

هناك تعليق واحد: