الثلاثاء، 31 يناير 2017

نهلة سوسو
كل الأحبة غادروا على عجل، أو على وداع قصير، ونحن نوسع لهم في القلب، مكان لهفة وأمانٍ، دون أن يُترك لنا أن نرافقهم إلى مطار أو جبهة قتال أو مثوى أخير نزينه بالآس والزهور..
الزمن يتسارع لحظة الرحيل، ويقصّ من القلب قطعة وراء قطعة، وقد أوقف الدموع منذ حين! الدموع السحرية التي تشيل من الأعماق وضَراً وطيناً أسود وأوشاباً، لتهيئها للأحزان مجدداً، ريثما ينقضي الأجل، جفّت وماعادت تجدد ينابيعها التي تزودنا بالقدرة على رثاء النفس وبقائها! المناديل لم تعد تلزمنا بعد أن تغيّر كل شيء في حياتنا! لا منازلنا باتت صالحة للسكن، ولا زوايا الحارات التي ألفت خطانا في مبتدأ الصباح وموهن الليل باتت تحفل بنا وهي تئن من خرابها، ولا هواتفنا واصلت الرنين، لتسترجع أحاديث الأصدقاء والمعارف، ولا الأصوات التي غيّبها الشتات حفظت أسماء أصحابها في الذاكرة... وتحولت بنا الأرض شيئاً فشيئاً، إلى ضفة عريضة على حافة بحيرة تمتلئ بالمراكب والزوارق، وهي تحمل المسافرين بعيداً عن اليابسة...
 على الشاطئ، أرقب ظلال الراحلين وهي تغيب في البحيرة المصطخبة: الذين سافروا إلى موانئ زُيِّنت لهم أوطان نعيم، أُزيلت منها شوائب الغربة ونصال الحنين وعضُّ التخلي عمّا كان وطناً عظيماً بكل معاني العظمة، والذين ألقَوا بأنفسهم في المياه الغادرة ممسكين بحبل الوعود الخلّبية وغيّبهم الموت كأرخص كائنات حيّة لا صاحب لها ولا راع ولا مطالِبَ بدم!
 والذين أخرجوا من خزائنهم بزّات الاحتفالات، وواروا ضمائرهم في جيوبهم المخفية أو بطانة أحذيتهم، وامتشقوا أقلامهم لمديح القراصنة المترصدين على الشواطئ المقابلة، علهم يجدون مكاناً على موائدهم، وعجّت البحيرة بالنخاسين وتجار السبايا والأيتام والأعضاء البشرية، ونشطت «المنظمات الإنسانية» التي أسهمت في صنع كل هذا الخراب، ثم عادت إليه بياقات بيضاء وممثلي إنقاذ وفتات طعام وقطع ملابس للتصوير لزوم الرحمة والتعاطف..
 تعصف الريح ويشتد البرد ويعلو الموج، فيتكشّف في عمق الماء الداكن، ذلك الجندي المنتصب كآلهة الخير والعدالة، حيث لا مكان لكل من اعتلى البحيرة وعاث فيها فساداً منفلتاً من كل عقاب، كأن قيامة الشر قد قامت بلا نهاية ولا زوال... لكن هذا الجندي أعرفه في واقعه وحياته وهمومه، وهو فوق صورته المشهدية الأخاذة، الممجدة، إنسان خرج من بيوتنا وريفنا وماضيه المسالم وأحلامه بحياة، أقلُّها أن يأكل لقمته في جو العائلة الدافئ، ويقرأ بضع صفحات من كتاب يحبه، قبل النوم، ويصبّ سطح الغرفة المضافة إلى منزل العائلة، فيهتف قلبي بصلاة حارة: أنصفوا هذا الجندي! لا تتركوه وحيداً في لبّ العاصفة والإعصار، يواجه كل هؤلاء الوحوش... احموا ظهره! دججوه بالاحترام! أعطوه حقّه في الراحة والمساحات الإنسانية! اسمعوه إذا أراد أن يتكلم ولا تجوروا عليه بقاعدة: نفّذ ثم اعترض لأنه لم يعد في زمن التدريب، بل في زمن القيامة التي فُرضت عليه قبل أن تُفرض علينا... وإذ أعلم أن لا أحد يبالي بمطلبي، أحتفظ لنفسي بقدسية انتظاره عائداً إلى الشاطئ، متورد الوجه، مكللاً بالغار، محفوظاً بالعناية الإلهية التي جعلته كالشجرة الخضراء على أعلى قمة في جبالنا رغم كل المعاناة التي يلقاها حتى من الأقربين، من فجر النهار حتى بلوغ الانتصار...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق