الاثنين، 5 يونيو 2017

اب أمّا الصّحيفة فهي وَصلٌ بالأحداث اليوميّة وبهذا صنعت الصّحافة نجومها ، ولم تتواضع حين سمّت نفسها السُّلطة الرّابعة بل وصاحبة الجلالة ، وحين زاحمت السّلطات العريقة الثّلاث ، ومدّت أصابعها في جُملة أعصابها وأدقّ خصوصيّاتها ، أعلت صوتَ : حرّيتي ، وحقوقي ، وسطوتي ، ونزاهتي ، فأنا أقسمتُ قَسَم شَرَفٍ لا يختلف عن قَسَم " إيبوقراط " الذي تضعون الطّبيبَ ، بعده ، في منطقة قداسةٍ وأمانٍ لا يقترب منها أحد ! لكن شتّان بين هذا وذاك لأنّ هناك مؤسَّسات قويّة بمالها ، والمال أبو الصِّحافة وأمُّها ، وظّفَت لإيديولوجيّتها صحفيّين يمتشقون خناجرَ ونصالاً تحرّف الحقائق النّاصعة بكلمة واحدة ملتبسة ، أو بطريقة صياغة تبدو بسيطة ، لكنّها قادرة على زرع مستنقعٍ بأندر أنواع الزّهور فالحبر في هذه المؤسّسات التي تعيد تدوير كلّ شيء ، هو السُّمُّ الناقع ، وكلُّ جهدٍ هو الطّلائع التّمهيديّة للقصف بالقنابل الفراغيّة ، ودماءٍ كالسّيول ، تُسمّى ، ببساطة حقوق إنسان بحياة كريمة آمنة ! وهؤلاء النّجوم لهم أدوار مختلفة ، بعضهم لا يبدّل الزّيّ الذي يرتديه ويلبث تحت الضّوء المسلّط عليه لا يغادر زاويته ولا يترك إزميل الحفر في المكان المكلّف به ، وبعضهم ينوس مثل بندول السّاعة يلقي حصاةً في هذه البحيرة ، وحصاة في تلك ، وبعضهم يخلع القبّعة ليضع القلنسوة حسب الفصول ، لكن ، ليس هذا أسوأ الأسوأ في بلاط " صاحبة الجلالة " ، بل هناك ظاهرة أنتجها العصر المضطرب واتّساع سطوة المؤسّسات الكبرى وحاجتها للخدمات التخريبية في الزّوايا المهملة والمعتمة ، ولم يكلّفها الأمر عنَتاً ولا جهداً في التّأهيل والتّكوين لأنّ وسائل الاتصال وُضِعَت فوراً في خدمتها ، بسلاسة تفوق الخيال : موقعٌ إليكترونيّ ، وشارة مميّزة ، وفي الهامش كاميرا للتصوير ومراسلون وشعارات و أخبار ومزج صور! وكان لابدّ لهذا الفضاء الموازي الذي نما كالطحالب وتسلّق كاللبلاب ، من جدرانِ حمايةٍ تبقيه على قيد الحياة ، فأُسِّسَت من أجله " مراسلون بلا حدود " ، ونُظّمت جداولُ لدول قمع الصحفيّين ، وجوائز لأكثر الصّحفيين إسهاماً في إنتاج الأكاذيب لتدمير بلده ، والمفارقة الكبرى أن هؤلاء لم ينالوا حظّاً من تعليم كما حال أولئك النّجوم المسلّحين بالمعرفة والخبرة اللّتين جعلتا منهم رؤساء تحرير أو كتّاب أعمدة، وفي غمرة الفوضى وتوفّر الوسائل نما على هامش الهامش متطفّلون آخرون لم يعوا من المهنة برمّتها إلا الشّهرة والتطوّع ل" الاستشهاد " من أجل الحقيقة والعدالة وهو تطفّلٌ لا يشبه التطفُّل على المهن الأخرى التي سرعان ما تلفظ الأدعياء، بل يستمرّ بالنّمو بحكم قانون الجذب وحيثما تكون نواة يكون جذب ولو لأوهى وأكثر العناصر خمولاً!
 الصحافة ضرورة لا يمكن نفيها أو تجاهلها منذ أن كانت نقْلَ وقائع ، ، لكنّها بما أنتجت من صحفيّين وطفيليّات ليست مقدّسة وليست فوق النقد والمساءلة !جريده تشرين 6/6/2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق