آفاق.. الضّوء المسافرنهلة سوسو
المرسَم، ضوءه شحيح والألوان ثلاثة، لا أكثر، تتحفّز للخلط والمَزْج لتعطي أطيافاً بلا عدد.. والذّهن متَّقد لتثبيت «بورتريه» للملامح الواضحة كمُنْسَرَحٍ جبليّ تتدفّق منه الينابيع وتشتبك عليه أغصانٌ خضراء.. خضراء كالزّمرّد الصّافي، تتموّج في ظلِّها شقائق النّعمان والنّفل والأقحوان! تتصلّب أصابعه وهي تغطُّ الفرشاة بالأحمر قبل المرور على الأبيض المُؤطَّر بخشب غير مشذّب! تدهم الخيال صورةُ الفارس بقامته الفارعة التي فَصَّلت الزيَّ المموّه بألوان جذوع السّنديان على تفاصيلها فكاد لا يتمايز عن غابة جبليّة غسلها النّدى حتّى النّقاء: يضع ساعته الذّهبيّة على معصمه ويلمس العلم الفضّيّ على صدره، ثمّ يعقد الشّال الزّيتونيّ على رأسه قبل أن ينفتح الباب وينهمر ضوء الفجر على محيّاه: – سيّدي نحن جاهزون!تختفي الصّورة قبل أن يضع خطّاً واحداً على بياض اللّوحة… يبدو الفارس في ردهة مشفى خالية، معتمة، خفيفَ الخطا، رشيق الانسياب، ينهض الجريح عن وسادته فيعاجله بوضع ذراعه وسادةً دافئة:
– جرحك غائر؟– لا يا سيّدي، سأكون معك بعد أيّام!
تتلاشى الصّورة قبل أن تلتقط ألوان الملاءة التي غُطّي بها الجريح، وقبل أن تستجيب الفرشاة لوضع نقطة على بياض اللّوحة ينفسح ميدانٌ مُحْصِب والفارسُ على جواد أدهم، يُسْلس قياده لصاحبه… هل كان يعلم أنّ أبطال الملاحم لهم طُلْعَتُه، كأنّ الأرض تمحو تضاريسَها، كلَّ تضاريسها حين يجولون على خطّ أفقها الأعلى؟ يشرد الرّسّام حين يسمع سقسقة ضحكات عذبة: الفارس يجلس على رصيف في ظلّ ياسمينة هرمة والأطفال يتحلَّلون من التهيُّب حين يبتسم! يمدّون راحاتهم الصّغيرة، تتدفّأ بكَفِّه المنبسطة، وواحداً إثْرَ آخر يلوذون بحضنه، يسمعون دقّات قلبه وذراعه تُدْخلهم إلى سويدائه! لن يرسم هذا المشهد إذا قادته اللوحة إلى رسمه مع آخرين! سيرسمه مع جُنده في الميدان وهم يقتحمون ويوصيهم بألا يتخلَّوْا عن «النّقطة» إذا غدرَتْه رصاصة! بل الأفضل أن يرسمه لحظة داس بقدمه على خطّ الفصْل والحصار وعانق رفاقه القادمين من الصحراء في مواكب الغبار والأذرُع المفتوحة وكان وجهه مضيئاً تلاشت جسارته في فيض من حنان وأشواق وهو يلوّح للّصوص الهاربين:– أرضاً جئتموها أحياء، ستخرجون منها أشلاء!
وتذكّر وهو يضع الفرشاة جانباً، يوم خاطبته صبيّة في مضافة شيخ جليل: أنت أكبر ممّن نُودي وا «معتصماه» فهبّ منقذاً وحامياً فيا «عصاماه» احْمِ ماء وتراب وسماء الوطن الوديعة وانصر قائدَنا الأمين…
ترك باب المرسم موارباً وخرج! ضوء نوافذه المُعَمَّر لم يعد كافياً! الضّوء كان في مكان آخر، لا يمكن أن يغادره ليتَشَتَّت في غير مواضعه! كان قد غذّ الخطا نحو الجنوب لملاقاة الموكب المهيب الذي يقوده الفارس وقد احتشدت فيه أكاليل الورد الأبيض عابرةً شحوب الخريف ويُبْسَه، وومضت السّيوف الذّهبية وأهازيج الحناجر التي طالما سمعها في أعراسهم ونزهاتهم وحفلات سمرهم، وكاد قلبه يتوقّف وهو يسمع صوت الفارس يغنّي ويعلو فوق كلّ صوت: أيّها الفرات، نزعْتُ من سرير جريانك كلّ حرابهم فاجْرِ حتّى تبلغ الحقول، أقصى الحقول، ليطلع القمح وينضج الرّغيف وتترسّخ الجسور القويّة! أودعتك رفاقاً أحبّة فامنحهم قُراح مائك حين يجوسون ضفافك، واسْقِهِم عذب نميرك لأنهم حرسوك بدمائهم وأرواحهم وجراحهم وأشواقهم لأهلهم وأعزّائهم…على دوّامات الضّوء راح خياله يرسم بلا توقُّف، لوحة وسيعة، انسابت ألوانها كدفق الحبّ في قلبٍ غير حذر، يفيض في أمكنة الجفاف ويشتعل في الحواف الصامتة غير مبال بحريقها، ويتمدّد… ثمّ يتمدّد حتى تكتمل اللّوحة، لوحات، ويبدو الفارس مبتسماً وعاقداً ذراعيه على صدره وقد غطّاه الورد الأبيض واقتربت السّماء من الأرض تلهب الألوان أطيافاً، يعجز عنها أيُّ رسّام في العالم..جريده تشرين 2017/10/24
شهدائنا طلائع انتصاراتنا
ردحذف