آفاق.. من ماءٍ فرات
نهلة سوسو
دقّات قلبه أعلى من وجيب الماء الذي يسمعه من دون أن يراه، فالظّلام المطبق على المكان جعل حتّى الشّجر حوله أكواماً مبهمة، يشعر بها هي الأخرى من حفيفها الخافت، ولا شعوريّاً يضمُّ قبضتيه اللّتين نسيتا استخدام المفكّ والقطّاعة والأسلاك الباردة التي كان يمدّدها، ببراعة، في الجدران، لتضيء المصابيح وتعمل الأجهزة ويتناوب التيّار، فمنذ انقضّوا على البلاد صارت «مهنته» أشدَّ وطأة وأعظم حين دمّروا الأبراج بتوتُّرها العالي والمتوسّط والمنخفض… ولم يُتَح له يوماً منذ لبس البزّة العسكريّة أن يفكّر كيف قطع الطّريق من أقصى الجنوب إلى حيث هو الآن في الشّمال الشّرقي، عُدَّتُه السّلاح، وفي الطّريق غادره الرّفاق واحداً إثْرَ آخر، وعلى كلّ منعطف كان يجتاز دماراً تمحوه فظاعةُ ما بعدَه! وها هو آخر من يعبر الجسر الذي ارتجلوه وقت الأصيل وتقدّموا على أرض الجزيرة الصّغيرة وقد تذكّر من حجرة ما، في ذهنه المُجهَد، مثلّث برمودا الذي كان يحبس أنفاسَه كلّما أتى ذكره! مثلّث الموت الشّرِه الذي يبتلع الأحياء كأنهم حفنة طين تذوب في بحر ولا تترك أثراً! فهنا قضى رفاقُه كأنّ فخاخاً جاهزة كانت بانتظارهم! خطا نحو رطوبة النّهر، لعلّه ينسى أن قائده الذي رآه عن قرب، مرّة واحدة وذهل من موكب الإشعاع الذي يرافقه بل وحسبه خالداً، أبديّاً، لا يمكن أن يزول، قد استُشهد هنا ضحى الأمس وغاص قلبُه في برودة أشدّ من الموت خوف جوع قادم، فذاك القائد أطعمهم واطمأنّ على خبزهم في أبشع أيّام الحصار التي امتدّت كأنّها قرون!
خاض في الطّين الرّخْص فأدرك أنّ الشّاطئ بات على بعد خطوات ولم يتراجع أو يتوقّف وهو يسمع أصواتهم الفرِحة تتنادى لمشاهدة أكوام الأسلحة والذّخائر الهائلة التي تركها القتلة الطارئون على البلاد، بل دسّ قدميه في خطّ الماء الصّريح وبدأ بانتزاع الأفكار التي هاجمَتْه كحُزَم الأعشاب والطّحالب: وجه أمّه الشّاحب، تلوب باحثةً عن اسمه في شريط الأخبار، تأخُّر إمدادات الطّعام إلى مدى غير معلوم والنّفس التي عافت تناول ما تيسّر من أعشاب الأرض حتّى تصل الخضر من الحقول البعيدة وتُرمى من الطّائرات، ومَوْهِن اللّيل القادم الذي سيضُمّهم متعَبين، يكسرون البرد بالمزاح والغناء على أرض «الحويجة» الطّافحة بالخراب! انحنى ليرفع قضيباً معدنيّاً عن حذائه فلمعَت تحت ناظريه، تنفض الماء عن جسدها الرّشيق ثمّ تغطس مجدّداً وتدور في سرير من فقاعات فضّية مبهجة، وسريعاً، كخَطْف البرق، تذكّر تفاسير جدّته لسمكة الأحلام! السّمكة في المنام رزق وفير، وفي الحكايات لؤلؤة تختفي في جوفها ولا يعثر عليها إلا المحظوظ الذي أضناه التّرحال وأتعبته الموانئ! تَخْبُط السّمكةُ الماءَ بزعانفها فيدرك أنّها ليست حلماً بل هي وعدٌ للبحّار الذي أضنته بحق رحلة السّنوات السّبع! يسحب القضيب الحديديّ المعقوف بقدرة الأقدار ويقرّبه منها: تعالي، أيّتها الغالية أكثر من صندوق لؤلؤ…
في السّديم الأسود الثّقيل كماء الأعماق، توهّج الجمر وتلوّى الدّخان جميلاً، مشبعاً بشذى الشّواء وهم يصخبون، ويقتسمون أرغفة الخبز التي عثروا عليها في صناديق المؤونة بعد فرار الغرباء: أنت ساحر؟ كيف عثرت على السّمك والبحر بعيد عنا، بُعْدَ السّماء؟ بأيّ صنّارة جلبتَ هذا الكنز؟ – أمّا البحر فهو هنا! فراتٌ عذبٌ، جدّد ماءه برغم كلّ سمومهم وخبّأ كنوزه لأصحابها, وليس لمن جاء سفّاحاً وقاتلاً وطامعاً…
انداح اللّيل الفراتيّ وأنشدت الأرض لنجومه حكاية أسطورة جديدة سترويها الجدّات في ليالي لن تنتهي، كما روت تفاسير الأحلام عن السّمكة رمز الخير والرزق حتّى لو ضنّ جوفُها بلؤلؤة ثمينة
خاض في الطّين الرّخْص فأدرك أنّ الشّاطئ بات على بعد خطوات ولم يتراجع أو يتوقّف وهو يسمع أصواتهم الفرِحة تتنادى لمشاهدة أكوام الأسلحة والذّخائر الهائلة التي تركها القتلة الطارئون على البلاد، بل دسّ قدميه في خطّ الماء الصّريح وبدأ بانتزاع الأفكار التي هاجمَتْه كحُزَم الأعشاب والطّحالب: وجه أمّه الشّاحب، تلوب باحثةً عن اسمه في شريط الأخبار، تأخُّر إمدادات الطّعام إلى مدى غير معلوم والنّفس التي عافت تناول ما تيسّر من أعشاب الأرض حتّى تصل الخضر من الحقول البعيدة وتُرمى من الطّائرات، ومَوْهِن اللّيل القادم الذي سيضُمّهم متعَبين، يكسرون البرد بالمزاح والغناء على أرض «الحويجة» الطّافحة بالخراب! انحنى ليرفع قضيباً معدنيّاً عن حذائه فلمعَت تحت ناظريه، تنفض الماء عن جسدها الرّشيق ثمّ تغطس مجدّداً وتدور في سرير من فقاعات فضّية مبهجة، وسريعاً، كخَطْف البرق، تذكّر تفاسير جدّته لسمكة الأحلام! السّمكة في المنام رزق وفير، وفي الحكايات لؤلؤة تختفي في جوفها ولا يعثر عليها إلا المحظوظ الذي أضناه التّرحال وأتعبته الموانئ! تَخْبُط السّمكةُ الماءَ بزعانفها فيدرك أنّها ليست حلماً بل هي وعدٌ للبحّار الذي أضنته بحق رحلة السّنوات السّبع! يسحب القضيب الحديديّ المعقوف بقدرة الأقدار ويقرّبه منها: تعالي، أيّتها الغالية أكثر من صندوق لؤلؤ…
في السّديم الأسود الثّقيل كماء الأعماق، توهّج الجمر وتلوّى الدّخان جميلاً، مشبعاً بشذى الشّواء وهم يصخبون، ويقتسمون أرغفة الخبز التي عثروا عليها في صناديق المؤونة بعد فرار الغرباء: أنت ساحر؟ كيف عثرت على السّمك والبحر بعيد عنا، بُعْدَ السّماء؟ بأيّ صنّارة جلبتَ هذا الكنز؟ – أمّا البحر فهو هنا! فراتٌ عذبٌ، جدّد ماءه برغم كلّ سمومهم وخبّأ كنوزه لأصحابها, وليس لمن جاء سفّاحاً وقاتلاً وطامعاً…
انداح اللّيل الفراتيّ وأنشدت الأرض لنجومه حكاية أسطورة جديدة سترويها الجدّات في ليالي لن تنتهي، كما روت تفاسير الأحلام عن السّمكة رمز الخير والرزق حتّى لو ضنّ جوفُها بلؤلؤة ثمينة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق