آفاق.. حين يكتبـون
نهلة السوسو
أشعارهم وقصائدهم وقصصهم ومقالاتهم بين يديّ – مسابقة الأطفال الأدبيّة المعلنة من وزارة الثّقافة! لا يغيب عنها إلا المسرح، ربّما لأنّه الفنُّ الأصعب الشّبيه بالتشييد الهندسيّ، بينما ينقاد الشِّعْرُ والقصّة والمقال بالمشاعر والدَّفْق الذّاتيّ المتفلّت من العلوم ذات القواعد الصّارمة!.
آخذُ الورقةَ الأولى، مغفَلَةَ التّوقيع لضرورة موضوعيّة التّحكيم، وفي تداعياتي «رامبو» الذي ستترك فيه جملةُ أبيه وهو يغادر البيتَ العائليّ، إلى الأبد: بعض النّساء يا «آرثر»، لا يفعلن شيئاً في حياتك إلا جرَّكَ إلى العَتَمة والطّين والوحل، أثراً عميقاً يدمَغُ حياتَه حتّى نهاياتها بالقلق والتّرحال وتجارة الرّقيق والشِّعْر ومغالبة الأمّ المتسلّطة، التي سحب منها الأب برحيله إلى جبهات القتال طبّاخاً، كلَّ رغبة في التّقرُّب منها والتماس الأمان، بينما غذَّ «جيرار دي نيرفال» طريقَ ترحاله في اتّجاهٍ آخر يفتّش عن أمّه ليعطيها أقراطها وأساورها المهجورة على نضد مرآتها حتّى يصلَ إلى ضفاف النّيل و«يرى» «إيزيس» المغيَّبة قد تركت هي الأخرى، حليَّها في اللّوتس والفيضان والطّمي أمّاً لا يمكن إعادتُها إلى أزقّة باريس الباردة حيث أنهى حياته!
ألمُ الوجود، صانعُ الإبداع، منابعُه واحدة، لكنَّ تجلِّياتِه مختلفة، يخالطُها المكان واللّغة، التي هي ليست مجرّد مفردات بل تجارب حسّيّة، بكلّ ما للحواس الخمس من قدرة على التّوصيل، وعواصفُ وأنواءٌ شعوريّة، إن لم تَهْتَجْ لن تترك شيئاً يُعَوَّل عليه في الإبداع! وبالتّأكيد لن أعثر في هذه الأكوام من ورق الكُتّاب الصّغار، مختلفةِ الأحجام والخطوط، على« رامبو» و «دي نيرفال» لكنّني سأرى ظلال الحرب القاتمة في كلماتٍ جامعة: شهيد. جريح. مخطوف. مهاجر. مفقود. مأوى. مهجَّر. بيت مهدّم. حيٌّ جديد غريب. وعَلَمٌ وصديقٌ وفيٌّ ويتيم جائعٌ، مشرّد، وعجوزٌ مقرورٌ على رصيف، وعصافيرُ ضربتها العواصف فلجأت إلى نوافذ هؤلاء الكُتّاب لتجد الدفء والقُوت ودعوة متعجّلة للإقامة في قفص ذي خدمات سخيّة، فرفضٌ سريعٌ وحاسم للقضبان وتوقٌ للحرّيّة التي من أجلها خُلِقَت الأجنحة…
عشرات الأوراق تتلاقى، إلى درجة التّوَحُّد، في مقاربة موضوعات القصص والقصائد والمقالات وتشي للباحث في عوالم أطفالنا بنوع الثّقافة التي يتلَقَّوْنَها من محيطهم التّعليمي والعائلي والإعلامي، منتِجَةً حالةً من التّقَبُّل واختلاس النّظر إلى الكبار إن كانوا سعداء بطاعتهم، هم الذين يعيشون في ظلّهم ورعايتهم! وأيّ رعاية! معظمهم لا يميّز بين طائر وعصفور ففي معارف أطفالنا يسطو العصفور بلا خجل على أسماء وطبائع السّنونو والغراب واليمام والببغاء، على طريقة ثقافة الكبار العائمة على العموميّات والخلط، والجرأة على استخدامها من دون غضاضة!.
أسعد إلى درجة تبديل جلستي إلى الطّاولة حين يشرق نصٌّ فيه إبداع يتجاوز المألوف المشغول كموضوع تعبيرٍ مدرسيّ، وأنقّب وراء السّطور عن عينيّ طفل خالصَتَيّ الصّفاء تريان العالم بشكله، ما قبلَ التّلقين، ويلتقط نثار إشعاعاته ليصوغها على الورق وأتمنّى لو تتحوّل كل هذه النصوص إلى أشخاصها الواقعيين لنتحاور من دون حواجز وأذكِّرَهم بما غاب عن الكبار المنفصلين عن طفولتهم، المشغولين بشؤون الدّنيا: -اكتبوا مذكّراتكم في عُمرٍ مبكّر، لأنكم حين تختلون بالقلم ستُحضرون العالم من حولكم لترسموه وتسمعوا أنفاسه وتغوصوا في الفرح لتمسكوا كائناته الزّلقة من بين طحالب الحزن، وترسموا وجوه أصدقائكم، وتفكّوا الطّلاسم عن سبب زجر الأب أو المعلّم، وخيانة قرين مقعد الصّفّ أو القطّ الذي أكل ثم تنكّر، وسحابة الألم المُرّ التي عبرت من سخرية أحدٍ لم تعجبه قبّعة على رأسكم، أو شكل حذاء لم تختاروه! هكذا يتدرّب الإبداع على التكوّن لأنّه يبحث عن الكلمات والصّياغات ويوسّع العالم بأضوائه وظلاله بلا حدود، وهناك جمره لابثٌ فلا تهملوه! جريده تشرين 2017/11/21
نهلة السوسو
أشعارهم وقصائدهم وقصصهم ومقالاتهم بين يديّ – مسابقة الأطفال الأدبيّة المعلنة من وزارة الثّقافة! لا يغيب عنها إلا المسرح، ربّما لأنّه الفنُّ الأصعب الشّبيه بالتشييد الهندسيّ، بينما ينقاد الشِّعْرُ والقصّة والمقال بالمشاعر والدَّفْق الذّاتيّ المتفلّت من العلوم ذات القواعد الصّارمة!.
آخذُ الورقةَ الأولى، مغفَلَةَ التّوقيع لضرورة موضوعيّة التّحكيم، وفي تداعياتي «رامبو» الذي ستترك فيه جملةُ أبيه وهو يغادر البيتَ العائليّ، إلى الأبد: بعض النّساء يا «آرثر»، لا يفعلن شيئاً في حياتك إلا جرَّكَ إلى العَتَمة والطّين والوحل، أثراً عميقاً يدمَغُ حياتَه حتّى نهاياتها بالقلق والتّرحال وتجارة الرّقيق والشِّعْر ومغالبة الأمّ المتسلّطة، التي سحب منها الأب برحيله إلى جبهات القتال طبّاخاً، كلَّ رغبة في التّقرُّب منها والتماس الأمان، بينما غذَّ «جيرار دي نيرفال» طريقَ ترحاله في اتّجاهٍ آخر يفتّش عن أمّه ليعطيها أقراطها وأساورها المهجورة على نضد مرآتها حتّى يصلَ إلى ضفاف النّيل و«يرى» «إيزيس» المغيَّبة قد تركت هي الأخرى، حليَّها في اللّوتس والفيضان والطّمي أمّاً لا يمكن إعادتُها إلى أزقّة باريس الباردة حيث أنهى حياته!
ألمُ الوجود، صانعُ الإبداع، منابعُه واحدة، لكنَّ تجلِّياتِه مختلفة، يخالطُها المكان واللّغة، التي هي ليست مجرّد مفردات بل تجارب حسّيّة، بكلّ ما للحواس الخمس من قدرة على التّوصيل، وعواصفُ وأنواءٌ شعوريّة، إن لم تَهْتَجْ لن تترك شيئاً يُعَوَّل عليه في الإبداع! وبالتّأكيد لن أعثر في هذه الأكوام من ورق الكُتّاب الصّغار، مختلفةِ الأحجام والخطوط، على« رامبو» و «دي نيرفال» لكنّني سأرى ظلال الحرب القاتمة في كلماتٍ جامعة: شهيد. جريح. مخطوف. مهاجر. مفقود. مأوى. مهجَّر. بيت مهدّم. حيٌّ جديد غريب. وعَلَمٌ وصديقٌ وفيٌّ ويتيم جائعٌ، مشرّد، وعجوزٌ مقرورٌ على رصيف، وعصافيرُ ضربتها العواصف فلجأت إلى نوافذ هؤلاء الكُتّاب لتجد الدفء والقُوت ودعوة متعجّلة للإقامة في قفص ذي خدمات سخيّة، فرفضٌ سريعٌ وحاسم للقضبان وتوقٌ للحرّيّة التي من أجلها خُلِقَت الأجنحة…
عشرات الأوراق تتلاقى، إلى درجة التّوَحُّد، في مقاربة موضوعات القصص والقصائد والمقالات وتشي للباحث في عوالم أطفالنا بنوع الثّقافة التي يتلَقَّوْنَها من محيطهم التّعليمي والعائلي والإعلامي، منتِجَةً حالةً من التّقَبُّل واختلاس النّظر إلى الكبار إن كانوا سعداء بطاعتهم، هم الذين يعيشون في ظلّهم ورعايتهم! وأيّ رعاية! معظمهم لا يميّز بين طائر وعصفور ففي معارف أطفالنا يسطو العصفور بلا خجل على أسماء وطبائع السّنونو والغراب واليمام والببغاء، على طريقة ثقافة الكبار العائمة على العموميّات والخلط، والجرأة على استخدامها من دون غضاضة!.
أسعد إلى درجة تبديل جلستي إلى الطّاولة حين يشرق نصٌّ فيه إبداع يتجاوز المألوف المشغول كموضوع تعبيرٍ مدرسيّ، وأنقّب وراء السّطور عن عينيّ طفل خالصَتَيّ الصّفاء تريان العالم بشكله، ما قبلَ التّلقين، ويلتقط نثار إشعاعاته ليصوغها على الورق وأتمنّى لو تتحوّل كل هذه النصوص إلى أشخاصها الواقعيين لنتحاور من دون حواجز وأذكِّرَهم بما غاب عن الكبار المنفصلين عن طفولتهم، المشغولين بشؤون الدّنيا: -اكتبوا مذكّراتكم في عُمرٍ مبكّر، لأنكم حين تختلون بالقلم ستُحضرون العالم من حولكم لترسموه وتسمعوا أنفاسه وتغوصوا في الفرح لتمسكوا كائناته الزّلقة من بين طحالب الحزن، وترسموا وجوه أصدقائكم، وتفكّوا الطّلاسم عن سبب زجر الأب أو المعلّم، وخيانة قرين مقعد الصّفّ أو القطّ الذي أكل ثم تنكّر، وسحابة الألم المُرّ التي عبرت من سخرية أحدٍ لم تعجبه قبّعة على رأسكم، أو شكل حذاء لم تختاروه! هكذا يتدرّب الإبداع على التكوّن لأنّه يبحث عن الكلمات والصّياغات ويوسّع العالم بأضوائه وظلاله بلا حدود، وهناك جمره لابثٌ فلا تهملوه! جريده تشرين 2017/11/21

جميل
ردحذف