آفاق.. طبقات العملاء
نهلة سوسو
هذا العالم الهامشيّ الذي يُباد أو يجفُّ بعد انتهاء التّجارب لا يمكن أن يكون متجانساً لأنني رأيت بقدرة خيالي المعتمد على معارفي، فأنا لا أملك مُجْهراً يوضّح لي حجم الجرثومة أو شكلها إن كان متّسقاً أو مشوّهاً أو مكتملاً، أنّ الطّبقات موجودة حتّى في هذه المزارع الجرثوميّة المفتعلة! ولمَ لا تكون؟ الأرض طبقات! الجوّ طبقات! البشر طبقات، حتى لو حاربتها الإيديولوجيا وذمّتها ورفضتها! سأقنعك برأيي إذا أحَلْتُك إلى الثّقافة العربيّة التي حين ارتقت إلى النّقد، ألّفت العديد من كتب «الطّبقات»: «طبقات فحول الشّعراء» «طبقات الصّوفيّة» «طبقات النحويين» «طبقات المحدّثين» «طبقات النّسّابين» «طبقات الحُفّاظ» «طبقات المفسّرين» «طبقات الأصفياء» و «طبقات الأعيان» وهذا يعني أن الفئات في داخلها تمايز لا يمكن تجاهله! – كنتِ تتحدّثين عن مزرعة الجراثيم! – بل كنتُ أتحدّث عن عملاء الحرب علينا بصرف النّظر عن العدوّ… كان على رأسهم أكاديميّون بدؤوا يتناوبون على إدخال مفهوم الوطن في النّظريات التي لُقِّنوها في جامعات أجنبيّة مختلفة اللّغات ويضعون اسمه وصفاته، دائماً، في جمل تبدو رشيقةً ولافتة لكنّها ما تلبث أن تتلاشى كفقاعات الصّابون حين تلامس خيط قماش بسبب بُعْدها عن خِبْراتنا ونشطت بمحاذاتهم طبقة من رجال الدّين، علماً أنّ صفة الدّين لا تصحّ على رجال ونساء لأنّه ليس إضافة لغويّة أو قيميّة لفئاتٍ أو أشخاص بل هو عقيدة روحيّة إنسانيّة بلا مضاف إليه حصريّ! وبادرت طبقة إلى الظهور تحمل السكّين والسّيف لتترجم نظريّات الأكاديميين وفتاوى شيوخ المنابر إلى دمٍ وقطع رقاب ضمن طبقة محيطة، ظلاميّة، واسعة، كان فلاسفة العصور السّحيقة يسمونها «الرّعاع» وسمّيْناها نحن تسمية حداثيّة «البيئة الحاضنة»! زيدي على ذلك حاملات وحاملي أقلام مدقعي المواهب، عظيمي الجوع إلى الموائد، أيّاً كان مقيموها، يتسابقون لكتابة ما يُملى عليهم من هجاء لوطنهم، حتى لو وصل هذا الهجاء إلى الأم والأب لينالوا شريطةً تافهة تعطيهم صفة! مجرّدَ صفة! وحول هذه الطبقة اشتدّ طنين كتبة وممثلين ومغنّين وناعقين! – هل أبقيت أحداً من العملاء خارج هذه التّصنيفات؟ – نعم! وهم من جعلني أعود إلى بداية الحرب، بالطّريق الرّاجع! ولا أعني بالطّبع أولئك المتربّصين الجبناء الذين سمّيناهم «الرّمادييّن» من باب الاستخفاف بشأنهم، وتركهم إلى حين وقتهم، هل تتذكرين هذا النّمط الذي أخفى موقفه المشين، بدعوات تصحّ للجلاد والضّحيّة؟ ما يستوقفني اليوم أولئك الغيارى على الوطن وجراحه وبيدهم محاقن السّمّ! هؤلاء الذين استراحوا وراء وسائل التّواصل الاجتماعيّ، ينداح لهم ميدان واسع بلا حدود، بمعنى الحدود الحرفي والمجازي، فبعضهم في بلاد جليديّة باردة، وبعضهم قريبون، لكن ما إن تقرئي لهم جملة، مهما كانت برّاقة وبليغة حتى تشمّي فيها رائحة اللغة العبريّة الفاسدة، لغة العدوّ الذي شنّ الحرب علينا وهجّرنا ومزّق نسيجنا الرّوحي والإنسانيّ! هُزِم السلاح وتبدّدت النّظريات وغابت الوجوه الكريهة وطلعت الشّمس، لكنّ هذه الطّبقة، طبقة الغيارى على الوطن، مازالت تجدّد نفسها وتواصل الانشطار لعلّها…– لعلّها تنتصر وتأتي إلى ما فشل فيه غيرها؟ – لن تنتصر! وعيُنا سيهزم العدوّ كيفما تجلّى.جريده تشرين 2017/12/19
تسألني ببساطتها التي يَعسُر ألا تصلَ إلى محدّثها لأنها لا تعرف المراوغة والجملَ التي تقول نصف معانيها وتترك نصفها الآخر للتأويل: أتعرفين ماذا يستوقفني هذه الأيّام العملاء الذين يُستخدمون حطابين لتغذية الحرب، ثمّ حطباً سيئ الاشتعال أو سريع اللّهب في موقد سرعان ما ترمّدوا فيه وذرَتْهم الرّيح! تماماً كمستعمرة الجراثيم التي تُزْرَع من أجل بحثٍ ودراسة فتنمو وتتكاثر وتتفاعل لحين انتهاء الرّصد واكتمال البحث!.

الخاين لاوطن له
ردحذفأزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفولتحيى سوريه بشرفائها
ردحذف