آفاق.. بلا أغصان
نهلة سوسو:
انزلَقَت تلك الشُّجيرة في النّسيان منذ زمنٍ بعيد! شجيرة، صار عمرُها عقوداً من تيهٍ ومَحْلٍ وغربة، كيف لا تنزلق في النّسيان؟ وحين تأتيها الذّاكرةُ المراوغة، تختار بعض ملامحها من دون ترتيب زمنيٍّ آليّ! تتذكّر لحظةَ دخلَتْ البيتَ أثناء عاصفة ثلجيّة وبعضُ ذؤاباتها يتقصّف وهو يُحني رأسها بيديه القاسيتين لتعبر تحت قوس الباب الحديديّ العريض، تنزف رائحةً نفّاذة ويتساقط الثّلج الهشُّ من شَعْرها على العتبة، ليتحوّل فوراً إلى بقعٍ موحلة! وبعد أن زُيِّنَت بالمصابيح والكُرَيّات والشّرائط، عرَفَت أنها انتُزِعَت من جذع أمٍّ هرمة، واقفة وراء سور حديقة، لأنّه قال بصوته العتيق الذي تسرّب إليه دفء عابر، إنّ أمَّها كانت بحاجة إلى تشحيل وتخيّلها لائقة في هذه الزّاوية، حيث تقف مشنشلة بالزّينة!
حين كانت تطفو على سُحُب النّعاس رأت ظلالاً كالأصابع تعلّق على الأغصان الخضراء نجوماً ذهبيّة وفضيّة وأزهار كروشيه بيضاء وورديّة، ظنّت يوماً، أنّ أختها المكتئبة، تعبث بإبرتها الطّويلة لتعقد الخيطان، مجرّد عبث!
ستكبر سنةً بعد سنة… وتعبر بها تلك الشّجيرة المزيّنة بهدوءٍ أو بصخَبٍ، وراء نوافذ البيوت المضاءة، وفي أبهاء الفنادق، ثمّ في السّاحات العامّة، تتناوب أضواؤها على الانطفاء والاشتعال، من دون أن تجاهر بأنّ الشّجرة تموت حين تغادر الغابة وتفقد روحها ولو زُيّنت بجواهر العالم ودُرَرِه! كلُّ هذه الزّينة-الماكياج لن تعوّض الشّجرة بهجةَ المطر والثّلج وضوء الفجر وغسق المساء وزيارات الطّيور! والأقبح أنّ أحمقَ ما… صنع شجرةً من لدائن ميّتة وصبغها بالتّرابي والأخضر ومنعها من النّموّ والتّنفُّس وسريان النَّسْغ، وأتاح للأيدي أن تعبث بها وتحمّلها من الزّينة ما فوق طاقتها! لعلّها، في أعمق أغوار نفسها، لا تحبُّ التّعديلات التي تجري على شيء ألفَتْه في الوجود حتى لو كان من الحجارة الصمّاء! لا تحبُّ الفكّ والتركيب! وتذكّرت… كيف تفهّمت قنوط النّاس الذين يشبهونها، لابدّ أنّهم يشبهونها، حين اجتاح شذّاذ الآفاق تلك القلعة الأزليّة كمجرّات السّماء وانهالوا عليها تخريباً، لكنّ حميماً، ما لبث أن تدفّق من قلبها: لن يتغيّر جسد قلعة هي من عمر الزّمان مهما تهاوت بعضُ حجارتها ورقصت الشّياطين على شرفاتها! لن تزول مدينة عظيمة حتى لو عبر فيها ألف زلزال! بل سيزول اللّصوص، وبما تساقط من حجارة القلعة سيُعاد تشييد المدينة التي خلبت لبّ البشريّة بالعمارة والزّخرفة والشّعر والقدود والغناء ودندنة الأوتار!.
ما ركنَ في نفسها عن ثبات الأشياء واتّساقها، استعادتْه وتشبّثت به، رغم الزّلازل التي قوّضَت ودَفَنت وأخرجت من باطن الأرض والنّفوس، ما أخرجَت، عدا عن أنّها ذُهلَت حين رأت الشّجرة نفسَها على بوّابة القلعة المنتصرة! شجرة، مشيقة، عالية، تبهر العين بأطواق وعقود المصابيح والأنوار المتوهّجة كأنّ كواكب السّماء نزلت وحطّت عليها: هنا الثّريّا… وهنا الميزان… وهنا الجوزاء… وكوكب الزُّهْرة… ودرب التبّانة ينثر على الوجوه الباسمة، نثاره الفضيّ الخفيف مع قرع الأجراس وترانيم الصّلوات! كانت الشّجرة، للعجب، بلا لحاءٍ جفّ ماؤه، وبلا أغصان وبلا أوراق! كأنّها انبثقت من خيال مهندس بارع، رسمها ثمّ نفّذها بالكريستال لتحمل الزّينة والأعلام بعيونها الخضراء الزمرّديّة! وعادت من أعماق ذاكرتها، المترِبة، شجرة العاصفة الثّلجيّة تبثُّ دفئاً متأخّراً، جعلها تتصالح مع جموع الأشجار المزيّنة التي عبرت حياتها! الميلاد هو حدثٌ لا يتوقّف! وها هي تعيشه حقّاً، مغمورةً، بفرح النّاس على بوّابة القلعة وأدراجها، وبتماوج الأنوار مع تراتيل الصلاة، وطلوع المدينة المتأنّي، من الظّلام الذي طوّقها لسنواتٍ، ولم تفقد يقينها يوماً بأنّه ظلام ليل عابر سينجلي عنها لتستقبل بعده شمسَ الأزل والأبد، إلى الأبد /جريده تشرين /2017/12/26
نهلة سوسو:
انزلَقَت تلك الشُّجيرة في النّسيان منذ زمنٍ بعيد! شجيرة، صار عمرُها عقوداً من تيهٍ ومَحْلٍ وغربة، كيف لا تنزلق في النّسيان؟ وحين تأتيها الذّاكرةُ المراوغة، تختار بعض ملامحها من دون ترتيب زمنيٍّ آليّ! تتذكّر لحظةَ دخلَتْ البيتَ أثناء عاصفة ثلجيّة وبعضُ ذؤاباتها يتقصّف وهو يُحني رأسها بيديه القاسيتين لتعبر تحت قوس الباب الحديديّ العريض، تنزف رائحةً نفّاذة ويتساقط الثّلج الهشُّ من شَعْرها على العتبة، ليتحوّل فوراً إلى بقعٍ موحلة! وبعد أن زُيِّنَت بالمصابيح والكُرَيّات والشّرائط، عرَفَت أنها انتُزِعَت من جذع أمٍّ هرمة، واقفة وراء سور حديقة، لأنّه قال بصوته العتيق الذي تسرّب إليه دفء عابر، إنّ أمَّها كانت بحاجة إلى تشحيل وتخيّلها لائقة في هذه الزّاوية، حيث تقف مشنشلة بالزّينة!
حين كانت تطفو على سُحُب النّعاس رأت ظلالاً كالأصابع تعلّق على الأغصان الخضراء نجوماً ذهبيّة وفضيّة وأزهار كروشيه بيضاء وورديّة، ظنّت يوماً، أنّ أختها المكتئبة، تعبث بإبرتها الطّويلة لتعقد الخيطان، مجرّد عبث!
ستكبر سنةً بعد سنة… وتعبر بها تلك الشّجيرة المزيّنة بهدوءٍ أو بصخَبٍ، وراء نوافذ البيوت المضاءة، وفي أبهاء الفنادق، ثمّ في السّاحات العامّة، تتناوب أضواؤها على الانطفاء والاشتعال، من دون أن تجاهر بأنّ الشّجرة تموت حين تغادر الغابة وتفقد روحها ولو زُيّنت بجواهر العالم ودُرَرِه! كلُّ هذه الزّينة-الماكياج لن تعوّض الشّجرة بهجةَ المطر والثّلج وضوء الفجر وغسق المساء وزيارات الطّيور! والأقبح أنّ أحمقَ ما… صنع شجرةً من لدائن ميّتة وصبغها بالتّرابي والأخضر ومنعها من النّموّ والتّنفُّس وسريان النَّسْغ، وأتاح للأيدي أن تعبث بها وتحمّلها من الزّينة ما فوق طاقتها! لعلّها، في أعمق أغوار نفسها، لا تحبُّ التّعديلات التي تجري على شيء ألفَتْه في الوجود حتى لو كان من الحجارة الصمّاء! لا تحبُّ الفكّ والتركيب! وتذكّرت… كيف تفهّمت قنوط النّاس الذين يشبهونها، لابدّ أنّهم يشبهونها، حين اجتاح شذّاذ الآفاق تلك القلعة الأزليّة كمجرّات السّماء وانهالوا عليها تخريباً، لكنّ حميماً، ما لبث أن تدفّق من قلبها: لن يتغيّر جسد قلعة هي من عمر الزّمان مهما تهاوت بعضُ حجارتها ورقصت الشّياطين على شرفاتها! لن تزول مدينة عظيمة حتى لو عبر فيها ألف زلزال! بل سيزول اللّصوص، وبما تساقط من حجارة القلعة سيُعاد تشييد المدينة التي خلبت لبّ البشريّة بالعمارة والزّخرفة والشّعر والقدود والغناء ودندنة الأوتار!.
ما ركنَ في نفسها عن ثبات الأشياء واتّساقها، استعادتْه وتشبّثت به، رغم الزّلازل التي قوّضَت ودَفَنت وأخرجت من باطن الأرض والنّفوس، ما أخرجَت، عدا عن أنّها ذُهلَت حين رأت الشّجرة نفسَها على بوّابة القلعة المنتصرة! شجرة، مشيقة، عالية، تبهر العين بأطواق وعقود المصابيح والأنوار المتوهّجة كأنّ كواكب السّماء نزلت وحطّت عليها: هنا الثّريّا… وهنا الميزان… وهنا الجوزاء… وكوكب الزُّهْرة… ودرب التبّانة ينثر على الوجوه الباسمة، نثاره الفضيّ الخفيف مع قرع الأجراس وترانيم الصّلوات! كانت الشّجرة، للعجب، بلا لحاءٍ جفّ ماؤه، وبلا أغصان وبلا أوراق! كأنّها انبثقت من خيال مهندس بارع، رسمها ثمّ نفّذها بالكريستال لتحمل الزّينة والأعلام بعيونها الخضراء الزمرّديّة! وعادت من أعماق ذاكرتها، المترِبة، شجرة العاصفة الثّلجيّة تبثُّ دفئاً متأخّراً، جعلها تتصالح مع جموع الأشجار المزيّنة التي عبرت حياتها! الميلاد هو حدثٌ لا يتوقّف! وها هي تعيشه حقّاً، مغمورةً، بفرح النّاس على بوّابة القلعة وأدراجها، وبتماوج الأنوار مع تراتيل الصلاة، وطلوع المدينة المتأنّي، من الظّلام الذي طوّقها لسنواتٍ، ولم تفقد يقينها يوماً بأنّه ظلام ليل عابر سينجلي عنها لتستقبل بعده شمسَ الأزل والأبد، إلى الأبد /جريده تشرين /2017/12/26

وسنستمر بالعطاء
ردحذف