الاثنين، 19 فبراير 2018

آفاق.. قـوارير طِـيب نهلة سوسو

عابراً وخاطفاً كسحابةٍ تجري، كان الصَّوتُ المترَنِّم القويّ، وهو يصف الشَّيْخ المِكْناسيّ الذي يغنّي في الأسواق: «إِشْ عليَّ أنا من النّاس وإِشْ على النَّاس منّي»! مرّةً واحدة، وبالمصادَفة، عبَرَ ذلك الصَّوت في سمْعي لكنَّه ترَك نقْشاً كحبَّات البرَد في بُرَك ماء: «إشْ عليَّ يا صاحب من جميع الخلايق؟ افعل الخير تنجو واتبَعْ أهلَ الحقايق. لا تقول يا بني كلمة إلا إن كنتِ صادق» ورأيتُ بعيني ذلك الشُّوَيِّخ فحسبتُه يضربُ في صحراءَ لا ماء فيها ولا ظلّ وقد غاب عنّي أنّ «مكناس» مدينةٌ مترَعةٌ بالجمال وأنَّ المغنّي يتجوّل وهو يضربُ على بنديرِه (الرِقّ) في أسواقٍ مكتظَّةٍ بالدَّكاكين والبائعين والشّارين: «.. وترى أهل الحوانيت يلفتوا له بالأعناق. بغِرارة في عنقه وعكيكيز ورقراق». كانت الأغنية مفرِطةَ الحلاوة كجرعة العسل الصّادمة، بكلماتها الملحَّنة بذاتها، لا تحتمِل اجتهاداً في تنويع النَّغَم أو تغيير القفلات.. ومرَّ زمنٌ، والزّمنُ طيِّعٌ جدّاً في إنتاج الأغاني وزوالها كأنّها أزهار الهندباء التي تشبه الهَباء وتُسمّى عندنا، للمفارقة، بكسّار الزّبادي! لكنَّ الأغنية مرّت مجدَّداً بالمصادفة، من دون أن تمْضِي سريعاً هذه المرّة لأنّ شاعرَها ظهر معها فأذهَلني أنّه أميرٌ من أمراء الأندلس وكأنَّ قروناً ثمانية لم تمرَّ عليه حين غادرَ قصرَه ووزارتَه في وادي «آش» متقَفِّياً أَثَرَ الشّيخ «محي الدِّين بنِ عربي» يتلمّسُ كشوفاتِهِ وفتوحاتِه بعد أن اختلى بقنديله الأخير في سفح قاسيون دمشق!
يقول الأميرُ «أبو الحَسَن الشُّشْتُري» للصُّوفيّ «بنِ سبعين» حين يلتقيه في «بجاية» الجزائر: -أريدُ دخولَ الطّريق! فيجيبه: -لا تنالُ منها شيئاً حتّى تبيعَ متاعك وتلبسَ قشّابة وتأخذَ بنديراً وتدخلَ السُّوق! ففعَلَ جميعَ ذلك، وبعدَ دخوله السُّوق بثلاثة أيّام خُرِقَت له الحُجُب فجعلَ يغنّي في الأسواق بعلوم الأذواق!.
الغرابة في الأغنية القادمة من زمنِ «جادَكَ الغيثُ إذا الغيثُ همى» أنّها مغايرةٌ للّغة والصِّياغة والقالب الدّقيق الصّارم لبنية الشِّعْر العربيّ، ولكَم توهَّمْتُ حين كنتُ أقرأ التُّراث أنّ لغةَ أزمنته المكتوبة والمحكيّة تؤخَذُ من صناديقَ ثقيلة مزخرَفة مرصَّعة ذاتِ أقفالٍ متينةٍ ومكينة وأنّ الفنون باللّهجات الدّارجة أو العامّية لم تكن موجودة أو ممكنة أو قابلة للشُّيوع والحياة، حتّى رأيت جانباً آخرَ من الشّاعر الصّوفيّ «الشُّشتُري»:
سهرْتُ غراماً والخَلِيُّونَ نُوَّمُ
وكيف ينامُ المُسْتَهامُ المُتَيَّمُ
ونادَمَني بعدَ الحبيبِ ثلاثةٌ
غرامي ووجدي والسَّقامُ المخيِّمُ
أَ أحْبابَنا، إنَّ كانَ قتْلي رضاكُمُ
فها مُهْجَتي طَوْعاً لكم فتحكَّموا
أقَمْتُم غرامي في الهوى وقعَدْتُمُ
وأسهَرْتموا جَفْني القريحَ ونمتُمُ
كان شاعراً على أصول الفراهيدي قبل أن يكون زجّالاً! كان الزّجل هناك، إلى جوار الموشّح! كانت الرّوح الشّعبيّة الفيّاضة هناك إلى جوار الحِذْق في الصّنعة الشّعرية النُّخْبَويّة! وكان «أبو الحسَن الشُّشتُري» يخزّن الطِّيب في قواريره كما أترعها «ابنُ زيدون» و«لسان الدِّين الخطيب» و«ولّادة بنت المُستَكفي»! لكنَّ الجميل والمعْجِز أن تبقى الطّلاوة في كلمات أغنية عامّية عبر القرون، غير مصنّفة في الموشّحات ولا القصائد وأن تحافظ على لحنها الأصليّ من دون أن يبلى وقد بليت آلاف الأغاني عبر الأزمنة كأنّها من ظواهر الطبيعة الموسميّة العابرة، ربّما لأنّ التّكلّفَ خالطها، أو لأنّها صُنِعت حسب الطّلب، وزمننا هذا هو البرهان على ركام من كلام يعْسُر عليه أن يعيش، بَلْهَ أن ينقش في الوجدان، حتّى نقْشَ البَرَد في بركة ماء!جريده تشرين 2018/02/20

هناك تعليق واحد:

  1. وما بعدَ الأحبابُ إِلا لِشِقوتي ولكن علَيّا علمُوا فتعَلّموا

    ردحذف