الاثنين، 19 مارس 2018

افاق..هذا المَعْبَر نهلة سوسو

افاق..هذا المَعْبَر
نهلة سوسو
بقي خالياً تصفُر فيه ريحٌ، سبعةَ أيّام!
كنافذةٍ خفيضةٍ، عتبتُها على الأرض، وستائرُها منزوعة، كان «المعبَرُ» في ضحى الصّمت والتّرقُّب والانتظار!.
ماذا يجري هناك وراء تلال التراب والأبنية المهجورة؟ يكاد جهلُها بالتّفاصيل يطمسُ قدرتَها على التفكير ولا يرحم فضولَها، هي التي كانت هناك منذ أربعين عاماً، تدهِشُ مديرةَ المدرسة بأفكارها الطّائشة: -سأصحب الأطفال إلى بستان المشمش في حصّة المطالعة لأنّ القراءة في الهواء الطّلْق أحلى! وهناك سمعَتْ من الصّغيرة ذات النّمَش الذهبيّ، الجملةَ الأجملَ من كلّ القصائد التي قرأتْها على الإطلاق: -انظري يا آنسة، حمْحَمَ الزَّهر! ومن هناك حملَتْ في آذار سبع ورداتٍ شاميّة نضّاحةٍ بالشّذى، طولُ سيقانها يقارب طول الأطفال الذين كانوا يواكبونها ساعاتٍ على الطّريق بانتظار البوسطة، تعيدها إلى العاصمة، في الدّروب الظّليلة أو المثلِّجة حتّى غياب التُّراب والحصى والسّواقي والأسوار والمطبّات… وبعد هذا جرى ماءٌ كثير ولم تستفِقْ على ذكرياتها إلا حين تحوّلت الغوطة بأسمائها المنمنمة من توت وتفّاح وكرز ولوز إلى جحيمٍ أوْغَل في بطن الأرض عدّةَ طبقات، وصار ينفث الحقدَ والسُّمَّ وقذائف الموت العشوائيّ… وما فكّرَتْ يوماً بمصير الأزهار والبراعم إنْ كانت حمْحَمَتْ كالأمهار الرَّشيقة، في الضَّوْء والنّدى، أم وجَمَت هي الأخرى حيثُ حُفِرَت الأنفاق وكُدِّسَت الأسلحة ويبسَت البساتين وتوقّف الحرْثُ والزّرع وصمتت الأطيار بوجود لصوص اللّيل والنّهار، يطلقون اللّحى ويهرطقون باسم اللّه وينصبون المشانق ويصلبون الأحياء ويعَدِّدون السُّجون ويحشرون البشر في أقفاص الحيوانات، تتجوَّل في الشّوارع بمواكبة درّاجات ناريّة، حسِبَ راكبوها أنّهم يصعدون بنشوة دم الفرائس، إلى السّماء!
تتأمّل، لليوم السّابع، المعبر الغريب الطّارئ، الشّبيهَ بالنّافذة بلا إطار، لا يبدو في فراغها إلا السّديم فتُفاجَأ أنّها هي الأخرى تنتظر مع أولئك الرّجال الذين لم يداخلْهم مللٌ ولا كلل! من أدركَ هذه الفكرة ونفَّذها لابدّ أنّه حكيمٌ صبورٌ، وعيُه عابرٌ للزّمن، وها هو ينتظر تجمُّعَ قطرات لتكون غيمة، والغيمة إن تشكّلَت وعدَتْ بالغيث ثمّ الانهمار ثمّ السّقي… وها هو غبار بعض القادمين: وجوه متعَبة وجَمْعٌ من أطفالٍ اعتادوا في زمنٍ ما، على السّيران والشّغَب بين الأزهار البرّيّة في الحقول! وما يلبث المعبر أن يتدفّقَ بالآلاف المؤلّفة من النّساء والرّجال والأطفال، على كلّ زفرةٍ من أنفاسهم وكلّ خيطٍ من ملابسهم وكلّ دمعةٍ من عيونهم تعلق حكايةٌ فريدةٌ لابد أن تكتمل بنهاية سعيدة! كيف لا وقد باتت بعد المعبر، بيد الرّجال المخلوقين من ضوءٍ ونبل ومروءة؟ / جريدة تشرين / 2018-03-20

هناك 3 تعليقات:

  1. إن فيكم قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ. - أنطون سعادة
    تحيى سوريه ويحيى جيشها الذي غير وجه التاريخ

    ردحذف
  2. تحيى سوريه ويحيى جيشها

    ردحذف
  3. الف تحيه لصمود جيشنا الاسطوري

    ردحذف