آفاق عقوق
نهله سوسو
تعالَ، حدِّثني عن علاقتك بها مذ كنتَ طفلاً!
هل كانت أمُّكَ تروي لكَ الحكايات؟ هل كنتَ تعدُّ نجومَ السّماء وأنت تتساءل لمَ تغيب في النّهار وتطلع في اللّيل؟ هل مدَدْتَ يدك وأنت تنام تحت النّافذة لتسرق القمَرَ وتخبِّئَه تحت الوسادة؟ بأيّ الأوصاف كان أبوك يدعوك وهو يناديك؟ أتتذكّر درسَ القراءة الأوّل؟ بمَ شعرتَ حين رأيتَ الكلمة التي كنتَ تلفظها وقد تحوّلت إلى حروف؟ ألَمْ يدهشْك كيف تحوّل باب دارك العريض العالي إلى ثلاثة حروفٍ منزوية في طرف صفحة بيضاء؟ هل كنتَ فضوليّاً لمعرفة أثر فعل الأمر دون المضارع
على حرّيتِك ومزاجك؟ وعلى سيرة الفضول والمعرفة، هل كانت المدرسة في حياتك عصا وسجّاناً أم بستاناً يغريك بالتسلل من فتحة سُوره لتلتقط الثمار وتكتشف الأزهار والسّواقي والزّيزان والفراشات؟ ومن مباهج البستان تقطف ما طاب من الرحيق والألوان لتشرق ابتسامة معلمك: -مرحى لك، موضوع التعبير الذي كتبتَه ممتاز!
لا أستطيع فهمَ استخفافك باللّغة إلا من هذه البدايات، التي خلَت من المحبّة المتبادَلة واتّسمَتْ بالإخفاق المزمن، خاصّة وأنت تتّهمها بالتجهُّم والعسر والغربة عن الواقع، بل وتجاوزتَ ذلك إلى ما هو أدهى وأمَرُّ حين بدأت تتجاهل تقصيرَك وتهاجمها بحدّ ذاتها، وتصبُّ جامَ غضبك على من يراها جزءاً من وجوده الإنسانيّ والرّوحيّ ويدعوها بالأمّ! وأغرب ما قلتَه إن الكثير من اللّغات أبدعت وهي ليست عربيّة متعثّرة بالمؤنّث والمثنّى والممنوع من الصّرف! ماذا أتقنتَ من اللّغات لتتحدّث عنها بهذه الثّقة المعرفيّة؟ وماذا وصل إليك من ثقافة الأمّة التي تنتمي إليها لتلغيها بهذه الجسارة والبساطة؟ وبأيّ منطق سألتَ أن يتحدّث الإعلاميّون باللّغة التي يسعفهم بها لسانهم لأنّهم إذا فكّروا بالقواعد وهم يتحدّثون، تلعثموا، وتعثّروا، وضاعت منهم الأفكار والمعاني، ولعلمك الفكرة والمعنى هما من صلب اللُّغة قبلَ نطقِها والفكرة العالية تأتي من لغة عالية وما من فضاء ثقافيٍّ أو إعلاميٍّ معاصر، مطلوبٌ أن يكون كلُّ واحدٍ من أهله " سيبويه" المثقل بالمعاجم والمراجع، أما أن يتجرّأ كلُّ متجرّئ على اقتحام عالم الكتابة والتأليف وهو خالي الوفاض من أوّل وسائل " المهنة" فلا شكّ أنّه صيّادٌ بلا صنّارة، وعازفٌ بلا طنبور، وسائسٌ بلا خيول، وخزّافٌ بلا صلصال!
عقوق الأمّ، بعدَه، لا مصداقيّة لأيّ علاقة تربطنا بأحد، وضياعٌ في متاهات التّبرير، ولا تبرير لمن يستخفُّ بأعلى القيم./ جريدة تشرين / 14 / 8 / 2018
نهله سوسو
تعالَ، حدِّثني عن علاقتك بها مذ كنتَ طفلاً!
هل كانت أمُّكَ تروي لكَ الحكايات؟ هل كنتَ تعدُّ نجومَ السّماء وأنت تتساءل لمَ تغيب في النّهار وتطلع في اللّيل؟ هل مدَدْتَ يدك وأنت تنام تحت النّافذة لتسرق القمَرَ وتخبِّئَه تحت الوسادة؟ بأيّ الأوصاف كان أبوك يدعوك وهو يناديك؟ أتتذكّر درسَ القراءة الأوّل؟ بمَ شعرتَ حين رأيتَ الكلمة التي كنتَ تلفظها وقد تحوّلت إلى حروف؟ ألَمْ يدهشْك كيف تحوّل باب دارك العريض العالي إلى ثلاثة حروفٍ منزوية في طرف صفحة بيضاء؟ هل كنتَ فضوليّاً لمعرفة أثر فعل الأمر دون المضارع
على حرّيتِك ومزاجك؟ وعلى سيرة الفضول والمعرفة، هل كانت المدرسة في حياتك عصا وسجّاناً أم بستاناً يغريك بالتسلل من فتحة سُوره لتلتقط الثمار وتكتشف الأزهار والسّواقي والزّيزان والفراشات؟ ومن مباهج البستان تقطف ما طاب من الرحيق والألوان لتشرق ابتسامة معلمك: -مرحى لك، موضوع التعبير الذي كتبتَه ممتاز!
لا أستطيع فهمَ استخفافك باللّغة إلا من هذه البدايات، التي خلَت من المحبّة المتبادَلة واتّسمَتْ بالإخفاق المزمن، خاصّة وأنت تتّهمها بالتجهُّم والعسر والغربة عن الواقع، بل وتجاوزتَ ذلك إلى ما هو أدهى وأمَرُّ حين بدأت تتجاهل تقصيرَك وتهاجمها بحدّ ذاتها، وتصبُّ جامَ غضبك على من يراها جزءاً من وجوده الإنسانيّ والرّوحيّ ويدعوها بالأمّ! وأغرب ما قلتَه إن الكثير من اللّغات أبدعت وهي ليست عربيّة متعثّرة بالمؤنّث والمثنّى والممنوع من الصّرف! ماذا أتقنتَ من اللّغات لتتحدّث عنها بهذه الثّقة المعرفيّة؟ وماذا وصل إليك من ثقافة الأمّة التي تنتمي إليها لتلغيها بهذه الجسارة والبساطة؟ وبأيّ منطق سألتَ أن يتحدّث الإعلاميّون باللّغة التي يسعفهم بها لسانهم لأنّهم إذا فكّروا بالقواعد وهم يتحدّثون، تلعثموا، وتعثّروا، وضاعت منهم الأفكار والمعاني، ولعلمك الفكرة والمعنى هما من صلب اللُّغة قبلَ نطقِها والفكرة العالية تأتي من لغة عالية وما من فضاء ثقافيٍّ أو إعلاميٍّ معاصر، مطلوبٌ أن يكون كلُّ واحدٍ من أهله " سيبويه" المثقل بالمعاجم والمراجع، أما أن يتجرّأ كلُّ متجرّئ على اقتحام عالم الكتابة والتأليف وهو خالي الوفاض من أوّل وسائل " المهنة" فلا شكّ أنّه صيّادٌ بلا صنّارة، وعازفٌ بلا طنبور، وسائسٌ بلا خيول، وخزّافٌ بلا صلصال!
عقوق الأمّ، بعدَه، لا مصداقيّة لأيّ علاقة تربطنا بأحد، وضياعٌ في متاهات التّبرير، ولا تبرير لمن يستخفُّ بأعلى القيم./ جريدة تشرين / 14 / 8 / 2018

جميل ورائع
ردحذف