
آفاق على بابِه
نهله سوسو
سبع سنواتِ فراق وهو مودَعٌ في حمّالة مفاتيح!
تعدَّدَت بعده المفاتيح، لكنّها في حمّالات أخرى جُمعت، ومن عجب أنّني بدّلتُ البيوت، لكنّ أصحابها لم يستردّوا مفاتيحها كأنّ مفتاح البيت حين ينتقل إلى غير صاحبه يفقد الثّقة ويغدو قطعة خردة أو طريقَ لصٍّ إلى مأمن! ومن عجَبٍ أيضاً أنّ حمّالة المفاتيح تلك بقيت في حقيبة يدي سبع سنواتٍ طويتُها دون عدٍّ لأنّها كانت قابلةً للتحوّل من زمنٍ مديدٍ في فِقْد الأحباب وتتالي الخراب، إلى برهةٍ ومشوار قصير أعود بعده إلى العتبة الظّليلة أتلمّس رائحة الطّعام الذي طهوتُه في الصّباح، وأعِدُ نفسي بالرّاحة بعد عملٍ مرهِق وتعبٍ يتجدّد لكنّه يزول! يبدو أنّ التخلّي عن حمّالة المفاتيح كان مستحيلاً، رغم أنّ البيت صار أبعدَ من كواكب السّماء، وكيف لا يكون أبعَدَ، بعد أن قطع طريقَه إرهابٌ وأحقادٌ وبهائمُ قتْلٍ لا تعي ولا ترعوي؟ ربّما كان ذلك المفتاح هو يقينَ العودة لذلك لم أشْرِكْ معه مفتاحاً آخر! ربّما كان البيتَ بذاته محمولاً في القلب أو على الظّهر لا يريد أن يفارقني ولا أريد أن أفارقَه!
وقفتُ ببابه أدير المفتاح الذي انزلق بسلاسة كأنّه أُغلِقَ منذ سبع دقائق، لكنّ الرّائحة التي تدفّقَت من جوفه صرَخَت في سمْعي: -هنا سهر رجالٌ لم يعرفوا النّوم حتّى لا تطَأَ أقدامُ اللّصوص العتبةَ! وحينَ خطوتُ فوق شظايا الزّجاج المتراكمة على المقاعد والمساند، حاذرتُ من رفع بصري إلى رفوف المكتبة، و يا ويحَ قلبي الذي خفق: -ستحزنين على الشعراء والرِّوائيّين وهم من ورق وتنسين الشّهداء الذين عرَفْتِهم في الحيّ يومَ أخرجوكِ آمنةً: -نخاف عليكِ من إصابةٍ لا نستطيع معها إسعافَكِ تحت سيل قذائفهم الغادرة! ومغمَضةَ العينين والمشاعر أمضي لتفقُّدِ الحجرات وشرفة المطبخ فأرى دموعاً من صدأٍ وصديد قد سالت على الجدران! سبع سنوات هطلت أمطارُ شتاءاتها مع رصاصهم الغادر، ومرّت أصيافُ جفافها مع قنْص البشَر وأنابيب المياه العارية، فكيف لا تبكي الجدرانُ صدأً وصديداً، وكيف لا تصبح الشُّرفة مطلّةً على حديقةٍ أرضيّةٍ، بلا سواتر؟ أقف مستذكرة فصول الرّبيع التي تسابقَت إلى توزيع التيجان الخضراء على النخيل والزنزلخت والكينا وعرائش الياسمين الأصفر فلا يفاجئني أنهم جعلوها مِكَبّ خراب بقي فيه رأس النخلة أخضرَ عالياً، وعلى جذعه أزهرت وجوه الشّهداء الذين كان مفتاحي معهم وليس في حقيبتي./ جريده تشرين 7 / 8 / 2018
لأرواح شهدائنا السلام
ردحذف