الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

آفاق رأيتِ القمر نهله سوسو



آفاق رأيتِ القمر
نهله سوسو
غربتُها اكتملَت رغمَ بقاء الحجارة، جدراناً وسقوفاً وعتَبات، ممّا لا يجعل للبكاء على الأطلال معنى، فهي لم تغادر بل "هُم" من غادروا تباعاً وأخلَوا الأمكنة حولَها، حتى ما عادت تعرفها، متّسعةً وضيّقة، ممتلئةً وفارغة! كأنّها كانت "هُم"! كأنّهم كانوا "هي"! بات الفراغ يتمدّد من غيابهم إلى داخلها، لا تملؤه الرّسائل ولا الأخبار الكذوبة المتباعدة، لذلك عكفت على عَيْش ساعتها خاليةً من الأمل والذّكريات!
في مبتدأ المساء تنهض لتفعل ما كانت تفعله في الصّباح أيّام زمان، لأن الزّمن نفسه اختلّ ولم يكفّ عن عبثه منذ ثماني سنوات، بعد أن امتدّت الأيادي المجرمة إلى الأرض الآمنة فزعزعتها، وإلى السّماء الصّافية فملأتها بسحب الدّم، فقد يتوقّف كلُّ شيء، عدا تلك الأعمال المبتذلة، الضّروريّة للبقاء، وعليها أن تغسل ملابس، أو ترتجل طبق طعام، أو تمسح بقعةً من زجاج نافذة، لكنّها تقف مشدوهةً بعد أن تفتح مصراع النّافذة الصّدئة، كأنّها طفلٌ بوغِتَ بشلّالٍ متدفّق أمام ناظريه، قبل أن ينتزعَه عنوةً من مكانه ويطوّح به في دفْقِه ورذاذه الأبيض الصّخّاب! كان القمر أمامها! كان معلّقاً برفق كأنّ يداً دافئة أودَعتْه هناك لتستعيده بعد لحظات، ودار الزّمن بسرعة خرافيّة، يستحضر صوتَه النّاعسَ المنغوم: -رأيتِ القمر؟ أخشى أن أنام فلا أجده في الصّباح! وبعدها بات القمرُ سرّهما الأعظم من الحَبْل السُّرّيّ الذي عوّضاه محبّةً عميقة دامت في حكايات اللّيل وحوارات المطالعة وكشوفات اللّغة العبقرية التي عشقاها والتّنافس في كشف أسرارها وألغازها! لمست حديد النّافذة البارد، لا تقاوم موجات الدّفء المندفعة في قلبها وأطرافها، وقد جاء صوتٌ آخر عبر هواتف متكرِّرة: -عليكِ أن تعرفي الرّيف أكثر ممّا قرأتِ وسمعتِ عنه، لا أحسب أنّ قمَرَ مدينتك يبدو قريباً جداً من السّطوح كما يبدو لي الآن وأنا ساهرٌ مستسلمٌ لأشرعة النّسيم والنجوم في سماء المدينة لا تعدو غباراً لا بريق فيه! ولَكَم باعدت بينها وبينه الخلافات والخصومة انتهت جميعها باتّصال: -رأيتِ القمر؟ فتنهض باحثةً عنه، لتجدَه بَدْراً ومحاقاً وهلالاً يرنو إليها وهي تعلم أنه يراهما معاً من مدارٍ يمحو المسافات على الأرض وقد امّحَت فعلاً دون أن يراوغاه ويخدعاه!
استدارت واجفةَ القلب، متعبة، لكنّها سعيدة لعودة الغائبين، البعيدين، الذين لا يمكن أن يتنكّروا لها بالنّسيان وقد واصل القمرُ سُكْنى منزلَه كما فعلَت هي، وكما تذكّرت أن تقول لهم من فورها: -بلى رأيتُ القمر لتوّي!
جريده تشرين / 18 / 9 / 2018

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق