الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

آفاق.. ليس بَعْد نهلة سوسو:

حسبتُها ممّن لا يُجبَرُ لهم كِسْرٌ حتّى بعدَ جراحة وضمادٍ وجبيرة، لأنّني حين هنّأتُها بالعودة إلى بيتها بعد تهجيرٍ طويل لم تكن بتلك السّعادة التي تخيّلت، فَلَم أبتكرْ كلمات لمواساتها لأنّها قالَت ما تتوقَّع منّي قولَه: -لا أصدّق أنّ بوسعي أن أفتح الشّبابيك من دون خوفٍ من رصاصة قنّاصٍ غادر، وأنّ السّماء عادت إلى قمَرِها ونجومها وأنّ اللّيل عاد يبثُّ أشجان العشّاق والمتعَبين بعدَ أن قضى عليهم جيشُنا وأودعهم في ذاكرة التّاريخ مع قذائفهم عشوائيةِ القتل وأنّ إيقاعات النّهار في الحيّ تزايدَت بسرعة خياليّة، حين عادت الدّكاكين وأولاد كرة القدم ومضخّات الماء المنزليّ وغسيلُ الشُّرفات والأفنية وبائعو العربات الجوّالون! أنتظر أن تفسّرَ لي ذلك الحزنَ الكامن في صوتها كغصَّةٍ مخبوءة في خبرٍ سارّ، لكنّها تضع القهوة على موقدٍ تحطّمَت إحدى عيونه من دون تذمّر، وتدفع السّتارةَ الممزّقة قائلةً إنّها لم تُفاجَأ بوجود رصاصتين نافذتَيْن خلفها، فكلّما رفعت قطعة في البيت وجدت تحتها خراباً ما، وهي لا يهمّها إلا أنّ السّقف والجدران سليمة، سليمة، وكلّ ما بعدَها مجرّدُ تفاصيل وحين تجلس أمامي أتوقّع أن تشكو من هَوْل المبالغ التي سترهقُها حين ستبدأ التّرميمَ والإصلاح فأحضّر مواساتي لها بأنّ حالها أفضل من حال من فقدوا بيوتهم ولم يجدوا منها إلا آثاراً على الأرض، لكنّها تدهشني بقولها: -أحمقُ من لم تبدِّلْ الحربُ أوهامَه وأسلوبَ حياته! سأعتمد على أبسط الضّروريّات لأنّ رفاهيةَ الماضي التي كانت تستدعي تغيير الطّلاء والأثاث و«الدّيكور» ذهبت إلى غير رجعة! أقول لها بعد أن خيَّبَت كلّ ما راودني من أفكار: -ما الذي استعصى عليكِ وجعلَ كلَّ ما ذكرتِ غيرَ كافٍ للرّضى والفرح؟ نظَرت إليّ طويلاً كأنّني تجاوزتُ الحدود ثمّ أجابت بمرارة: -إدلب! –ليس في علمي أنّ لك أقاربَ هناك! -أنا في بيتي الصّغير الذي كان بعيداً عني بضعة كيلومترات، مدّة سبع سنوات، لكنّكِ تعلمين كم مضى على هذا الطّريق من البواسل وكم قضى منهم شهداء كي أستطيع عبورَه آمنةً في كلّ وقت، ولكنّ الرّجال مازالوا ماضين في طريقٍ، ينظّفونه، كي تنبتَ الأشجار على طرفَيْه وتسطعَ المصابيحُ على أرصفته، فكيف تهدأ نفسي وهم لم يعودوا بعدُ من مسيرهم المقدّس الطّويل؟ لن أعرف الفرح حتّى أرى البيت الكبير، بكلِّ ركنٍ فيه، محَرَّراً، مزيّناً بالأعلام والغار، لأنّ بيتي الصغير ليس إلا زاويةً صغيرة على أحد أطرافه تنشد الأمان!
جريدة تشرين الثلاثاء 11-09-2018

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق