كلمة حضرة رئيس الحزب في احتفال منفذية دمشق العامة الذي أقيم في مدرج مسرح مدينة الشباب، المزة، في 28 تموز 2019.
أيها الحضور الكريم
في كلّ عامٍ يحيي القوميّون الاجتماعيّون عيد الفداء - الثامن من تموز.... ورُبّ قائلٍ إنّه تقليدٌ تقديسيٌّ لـ"زعيم" كان بمثابة المؤلّه لدى أتباعه... أمّا نحن - الذين تعاقدنا مع الزعيم الشارع على قضية تساوي وجودنا - فلا نرى في احتفالنا تقليدًا باليًا، ولا نمارسه مجرّدًا مما حمله من فلسفة نابعة من نظرتنا إلى الحياة والكون والفن. وإذا استحضرنا ما قاله سعاده مطلع شبابه، عندما كان في السابعة عشرة من عمره، "إنّ السوري لا يرضى عن الإهانة ولا يرضى بأن يسجّل على نفسه خيانة وطنه بل بالعكس هو غيور على الوطن ومحبّ للوطن. ولكنّ الغيرة والحبّ لا يكفيان وليسا بالبرهان على ذلك بل البرهان هو الأعمال الّتي يأتيها كلّ فرد تجاه وطنه. فهذه آمال الوطن بأبنائه..." (سعاده، مقالة "آمال الوطن 1"، الجريدة، سان باولو 1921)، نرى أنّ ما حدث في الثامن من تموز 1949 هو في أعلى مراتب الأعمال المعبّرة عن حبّ الوطن، التضحية بالنفس في سبيل حياة الشعب وعزّه.
أيّها الرفقاء والمواطنون،
في خضمّ المآسي التي تعاني منها أمّتنا والتي تكلّمت عنها بالتّفصيل في البيان الرئاسي الّذي صدر في الثامن من تموز هذا العام. وأظنّ أنّ أغلبكم قد اطّلع عليه. وأنا لن أعيد قراءته ولا أذكر ما تضمّنه لأنّه متوفّر بين أيديكم. لذلك، سأذهب إلى مكان آخر وآخذ بعض اللقطات الصّغيرة.
ففي فلسطين، كان الأبرز قرار السيّد محمود عبّاس بعد ما حصل مؤخّرا في القدس، بوقف تنفيذ الاتّفاقيات المعقودة مع العدوّ الغاصب. هذا القرار - وأوافق صديقنا أنه من المفروض ومن الواجب أن يذهب القرار من وقف التنفيذ إلى الإلغاء نهائيًّا - وأن يبدأ بالاتّفاقيات الأمنية التي تسبّب الكثير من المآسي تجاه شعبنا في فلسطين. وقف تنفيذ الاتّفاقات هذا له إسهام كبير في إعادة توحيد الفلسطينيّين مع بعضهم البعض لأنّ الوحدة الفلسطينية - الفلسطينية هي أوّل الطّريق في اتّجاه المقاومة وتحرير الأرض. وهذا ما كنّا نطالب به دائمًا. وهذا الوقف لتنفيذ الاتّفاقات يُجمع عليه الفلسطينيّون على أساس المشروع الواحد، حتّى لا يبقى هناك صراع بين مشروعين: مشروع يقال عنه الخطّ السّلمي والسّلام، الذي نسمّيه نحن الاستسلام، والمشروع المقاوم، ليجتمع الفلسطينيّون على مشروع واحد هو مشروع المقاومة.
وفي لبنان، جاء إقرار الموازنة الأخير الّذي ما زال موضع نقاش، وأنا سأختصر الموقف من الموازنة بما ذكره رفيقنا النّائب سليم سعادة عندما قال: "نحن نعرف بأنّ الشّعب يعرف بأنّنا نكذب عليه، ونحن نعرف بأنهم يعرفون بأنّنا نعرف أنّنا نكذب عليهم". أي أنّ الخطاب والعلاقة هي علاقة كذب بكذب. وليس هذا ما هو أخطر في الموازنة، ولكن الأخطر هو في تبعات هذه الموازنة التي يذهبون إلى إقرارها حيث المزيد من الإفقار والوقوع في حضن صندوق النّقد الدّولي. ودائمًا كنّا نقول إنّ الوضع في لبنان يأخذنا إلى صندوق النّقد الدّولي وفي حضنه لأغراض سياسية لاحقة متعلّقة بالمسألة الفلسطينيّة واللجوء الفلسطيني وغيرها من المسائل. وجاء قرار وزارة العمل اللبنانية بمنع عمل الأجانب بدون ترخيص، وهو مطلب محقّ في الحالات العادية، ليزيد على الفلسطينيين الحصار، رغم انضمام لبنان إلى اتّفاقيات اللجوء الدّولية، ورغم أنّ إقامة الفلسطينيّين في لبنان تحمل صفة "اللجوء" منذ عام 1948 إلى اليوم. فهل تكون الخطّة تنفيذًا لمندرجات "صفقة القرن"؟ وأنا لن أدخل في مندرجات هذه الصفقة، فكلّكم تتابعون ما يحصل بهدف إخراج الفلسطينيين من لبنان وإلغاء "حقّ العودة". هذا السؤال الكبير برسم الحكومة اللبنانية والسياسات اللبنانية في المرحلة القادمة.
والأردنّ والعراق يغرقان أكثر فأكثر تحت الإرادات الأجنبية والأوامر الغربية. وهو الوضع في الكويت باستثناء المواقف الواضحة والشجاعة الأخيرة فيما يتعلّق بالمسألة الفلسطينية.
ودائمًا نعرّج على الأراضي السّليبة والمغتصبة جميعها. والبعض يسأل: "هل ما زلتم تذكرون"؟ فنقول لهم: لا تغيب عن بال أيّ سوريّ قوميّ اجتماعيّ. وللمستغربين، أذكّرهم بمعاهدة عام 1608 بين الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير ودوق توسكانة. وكان موضوع المعاهدة المساعدة على تحرير جزيرة قبرص وإعادتها إلى الوطن الأم، سورية. "قبرص أوّلًا".
أما الشّام، حاضنتنا اليوم في هذا اللقاء. فاسمحوا لي بالاستفاضة قليلًا فيما يتعلّق بالشّام لأسباب كثيرة. وأبدأ بالسؤال المحوري: "هل انتصرت الشّام في معركتها حتّى الآن"؟ أقول بصراحة نعم ولا. نعم، لأنّها انتصرت في البداية على مشروع تفتيت الدّولة وتحويل الدّولة الشّاميّة إلى دولة فاشلة. وتحويل الشّام إلى إقطاعات وإلى محميات متصارعة. وحافظت على الدّولة المركزية وعلى جيش واحد وقيادة واحدة حتّى الآن. ولكن هل هذا كافٍ؟ هل هذه هي نهاية المعركة؟ وهل هذا هو دليل الانتصار النّهائي؟ هنا، أقول لا. وهنا أذهب إلى عناوين ثلاثة: اقتصاديّة، سياسيّة وعسكريّة.
ففي الاقتصاد، أنتم تتابعون الويلات التي أصابت السوريين في الشّام. هذه الويلات التي يحاول البعض أن يعيدها إلى الحصار أو إلى العقوبات الجائرة بحقّ سورية. وأنا أقول هذا صحيح وهذا منطقي ومحقّ، فالحصار جائر والمعركة قاسية جدًّا، وقد تكون المعركة الأقسى في المرحلة القادمة. المعركة الاقتصاديّة ضدّ الدّولة في الشام وضدّ سورية وضدّ الشّعب في الدّرجة الأولى. ولكن هذا لا يكفي ـ هذا لا يكفي للدّلالة على ما يحصل داخل الشام.
تذكرون جيّدًا خلال فترة الثّمانينيّات عندما كانت علبة المحارم حلم الشاميّين، وكذلك كانت علبة السّردين. ولكن كان الشاميّون مقتنعين بأنّ الفقر والحرمان كان يصيب الجميع. كان هناك عدالة حتى في العقوبات. عندما تصيب العدالة الجميع بالفقر والغنى يقبل السّوريّون ذلك. ولكن الآن أُضيفَ عامل مهمّ جدًّا لما يحصل في الشام وهو ضعف المؤسّسات واقتصاد الظّل والفساد، عناوين ثلاثة تسهم بشكل كبير في معاناتنا الحياتيّة اليوميّة ومعاناة السّوريّين في الشام. وببساطة أقول اليوم إنّ كتلة الرواتب والمعاشات لا تتجاوز 20% من الدّخل الإجمالي في الشام، وهذا الرّقم مخيف ومرعب ودليل على خلل حقيقيّ. لا يتحمل الحصار والعقوبات فقط المسؤولية في ذلك، لأنّ الرّقم المنطقي يجب أن يكون أكثر من 50%. كما أنّ اقتصاد الظّل في سورية يتجاوز أكثر من 75% من الاقتصاد الإجمالي، 78% أو قد يصل إلى 80%، وهذا رقم مرعب كذلك. وأنتم تعرفون تبعات اقتصاد الظّل. فإذا ربطنا العناوين الثلاثة نرى أنّه علينا مسؤوليّة كبيرة في معالجة وتقويم هذا الخلل الكبير، وإن لم نبادر إلى معالجته، فهناك مشكلة حقيقيّة، تبعاتها اجتماعيّة مؤثّرة على الشام كلّها، ومؤثّرة في انقسام أفقي وعامودي، ومؤثّرة على استقطاباته اللاحقة. والخطر كلّ الخطر من ذلك مستقبلًا. لذلك نقول إنّ ناقوس الخطر يُدقّ في المسألة الاقتصاديّة ويحتاج إلى استنفار كلّ القوى، وإلى حلول استثنائيّة وإسعافيّة لمعالجة هذا الخلل وعدم الرّكون إلى أنّ المسألة متعلّقة فقط بالعقوبات والحصار.
أمّا في المسألة العسكريّة، فأبدأ بالتّحيّة لجيشنا البطل الذي قدّم التّضحيات والدّم وكلّ ما يستطيع، وقاوم في بعض المعارك بالصدر الحيّ، وحقّق الانتصارات الكبيرة. وحقيقة الأمر، لمن تابع بدقّة إنجازات الجيش، أستطيع أن أجزم بأنّ الجيش الشامي لم يخض معركة فعليّة إلّا وربحها. هذا شيء مُسلّم به وليس موضوع بحثنا في المسألة العسكريّة. ولكن اليوم، هناك من يقول إنّنا انتصرنا عسكريّا، كذلك الأمر هنا رؤية ناقصة تحصل على كامل رقعة الشّام. فمن يتابع ما يحصل في الشّمال الشّرقي يعرف بأنّ الوجود الأميركاني قد أصبح أمرًا واقعًا. وأنا لا أتكلّم عن قاعدة التّنف التي لم يعد يذكرها أحد، والتي أصبحت اليوم خارج التّداول، وما إذا كان الأميركان سيخلونها أم لا. وكنّا نسمع منذ سنة أو سنة ونصف بأنّ هناك مشروعًا أميركانيًّا للانسحاب. اليوم أصبح هذا الأمر خارج البحث والبعض يتناساه. الوجود الأميركاني في الشّمال الشّرقي هو وجود احتلال حقيقيّ منتشر، ولا يكفي الحديث عن انسحاب مئات منه لنقول إنّ هناك خطّة أو قرارًا بانسحاب أميركاني أو القول بأنّ الوجود الأميركاني وجود مؤقّت. القرار الأميركاني هو الوجود الدائم في الشام وليس العكس. ومن يتابع الخطوات العمليّة يعرف بأنّ الأميركان يريدون ذلك، ويفعلون ذلك، وفقط يختبئون خلف محاولة تدويل هذا الوجود في الشّمال الشّرقي عندما يقولون إنّ هناك انسحابًا لأعداد بالمئات سيحلّ محلّهم مئات أخرى من بعض الدّول الأوروبيّة الغربيّة. ولكن في النهاية، الأمر الواقع والأمر المفعول هو وجود احتلال أميركاني على مساحات ليست بقليلة من الأرض السّوريّة.
وفي إدلب، وهو الجزء الشّرقي من الشّمال، الوجود التّركي الاحتلالي العلني الذي تحوّل في مكان ما إلى محاولة شرعنته حتّى من بعض الأصدقاء، للأسف. وأنا أقول بصراحة للأسف. بالإضافة لهذا الوجود، كذلك يحاول التّركي أن يفعل شيئًا واحدًا وهو كسب الوقت - ومن يتابع كلّ ما يحصل في هذا المسار يرى ذلك - ويحاول أن يفرض أمرًا واقعًا في هذه الأشهر التي تلي. هذا الوضع التّركي أصبح عمره بالسنوات الآن. ولمن لا يعرف خطورة الوجود التّركي في إدلب، ويظنّ أنّ إدلب بقعة نائية في الشام، أقول له إنّ هناك مخافر تركيّة الآن تحت إسم نقاط مراقبة تبعد عن حماة 20 كلم "خط نظر". وهذا الوجود التّركي محميّ بهيئة تحرير الشّام (جبهة النّصرة) مع كلّ تفرّعاتها: التّركستاني، حرّاس الدّين وجيش العزّة وغيرها من الأسماء، والعكس بالعكس بمعنى أنّ التّركي بدوره يحمي كلّ هذه المجموعات، بعكس ما يقال بأنّ هناك صراعًا بين المجموعات المسلّحة التي تدعمها تركيا والمجموعات التي ترفض الوجود التّركي في إدلب وتقاومه، وتظنّ أنّ هذا الصراع هو الذي سيؤدّي إلى رحيل التّركي عن إدلب. الحضور التّركيّ هو احتلال كذلك الأمر، وهو احتلال يبغي الاستمرار بالبقاء في تلك البقعة من سورية، وهي ليست بقعة صغيرة، فالأتراك اليوم على حدود حماة، 20 كلم عن حماة.
في الوقت نفسه، في الجنوب، تابعتم وتتابعون ما حصل في المنطقة الجنوبيّة، هل حُلّت مشكلة المنطقة الجنوبيّة وعادت إلى حاضنة الدّولة واستطاع جيشنا أن ينتشر بقوّاته ويفرض سلطته وتستعيد الدّولة قوّتها في تلك المنطقة؟ أقول لكم لا. وأنا أتكلّم بصراحة مع استمرار محاولات التعطّيل والتّخريب. وأنتم تسمعون يوميًّا عن عمليّات ضدّ قوّاتنا المسلّحة، ضدّ جيشنا، ضدّ مؤسّساتنا: تفجيرات، اغتيالات، منع الشّباب من الالتحاق بالجيش رغم انقضاء فترة السّماح لمدّة ستّة أشهر، وغيرها من العمليّات. هذا كلّه ليس بفعل عشرات أو مئات أو آلاف من المسلّحين الذين احتفظوا بأسلحتهم وأجروا تسوياتهم وبقوا في قراهم. لا، هذا بفعل قوى إقليميّة ودوليّة تدعم هذا الوضع القلق في المنطقة الجنوبية. حتّى السّويداء، للأسف، حتّى السّويداء التي نكنّ لأهلها كلّ المحبّة، ونعرف بأنّها قلعة من قلاع سورية، وشبابها الذين ضحّوا بالمئات للدفاع عن وحدة الجغرافيا السّوريّة والشّعب السّوري. اليوم، هناك من يلعب بالنّار، بمحاولة التّفتيت والتّخريب ومحاولة الإضعاف في المنطقة الجنوبيّة. لو أضفنا إلى هذا المشهد الحصار الذي يطالنا: غربًا هناك حصار بحري، شرقًا قاعدة التّنف، شمالًا الأميركاني والتّركي، وجنوبًا التّركي والقطري. الأردنّ ليس أساسيّا، فهو أداة هامشيّة وأنا آسف لقول ذلك. كلّ هذا بغضّ النّظر عن الدّول الكبرى والعدوّ الأساسي (اليهود) والذي سأتحدّث عنه لاحقًا بالتفصيل. لأقول إنّ هذا الواقع يؤمّن حضورًا حقيقيًّا للدّول المتدخّلة في الشّأن الشامي، فاليوم تسمعون عن مفاوضات تركيّة - أميركانيّة لإقامة منطقة عازلة في المنطقة الشّماليّة الشّرقيّة، وكأنّنا نحن لسنا معنيين بما يحصل: مفاوضات تركيّة - أميركانيّة وبدعم سعودي بعشرات الآلاف من المقاتلين، لتعود السّعودية بعد أن أُخرجت من المناطق الشامية، عادت من جديد إلى الشّمال الشامي. مع العلم أنّ ما يحصل في المنطقة الجنوبيّة يحصل بدعم قطريّ - تركيّ. أي أنّ أغلب الدّول التي خرجت من الباب في المعارك العسكريّة السّابقة عادت إلى المناطق الحدوديّة من الشّبّاك، كما يقال.
اليوم أيّها الأحبّة لو أضفنا، إلى كلّ هذا المشهد، العدوّ الدّائم لنا (الكيان الغاصب) الذي هو أكبر الرّابحين بالإضافة إلى التّركيّ، بحيث نشهد العمليّات العدوانيّة المستمرّة المتكرّرة اليوم والتي تطال كلّ الأراضي الشامية، فالعدوان ضرب في حلب ودير الزور وحمص ودمشق وفي درعا، وهو يطال كلّ الأراضي الشامية. هذا المشهد ما الذي يحميه؟ للأسف، حتّى الآن الدّولة في الشام هي المحاول الوحيد لمواجهة كلّ هذه الاحتلالات. مع كلّ هذا الواقع المرير الذي يطال الشام، هذا المشهد ما الذي يحميه؟ للأسف يحميه اتّفاقات ثنائيّة بين الدّول، والشام ليست طرفا فيها، وهي المعنيّة الأولى والأخيرة.
لقد تكلّمنا عن محاولة اتّفاق، لأنّه حتّى الآن لم يُرضوا التّركيّ، وللمناسبة، ليس للتّركيّ من مشكلة مع الكرديّ في الشّمال، فالتّركي كان الدّاعم الوحيد بعد الكيان الغاصب لاستقلال أو محاولة الاستقلال الكردي في شمال العراق، لأنّه المنفّذ الوحيد لكلّ المشاريع الاقتصاديّة وحتّى العسكريّة والسّياسيّة. واليوم يخطئ من يظنّ أنّ تركيا هي المتضرّرة من أيّة حالة انفصال في المنطقة الشّماليّة الشّرقيّة، لأنّها تدرك تمامًا أنّها ليست حالة كرديّة خالصة. فالأكراد مهما حاولوا - وهم في كلّ الظّروف لا تتجاوز نسبة وجودهم الـ 30% من عدد سكّان المنطقة الشّمالية الشّرقيّة - هم لا يشكّلون الخطر الحقيقيّ لتركيا، ومن يدعم هذا الوجود اقتصاديًّا وتدريبًا عسكريًّا هم الأتراك وليس العكس.
إذًا، الاتّفاق الأوّل هو الاتّفاق الأميركانيّ - التّركيّ. الاتّفاقات الأخرى: الاتّفاق الأميركانيّ - الرّوسيّ في الجنوب في البداية، والتّفاهمات بين روسيا والعدوّ الغاصب التي تطال المنطقة الجنوبيّة بالكامل. أين هذه الاتّفاقات من حماية الشام؟ الشام التي تعنينا نحن، التي يدافع عنها السّوريّون. حتّى إدلب، أيّها الأحبّة، إن ما يحصل في إدلب هو خطير خطير خطير، هو الأخطر الآن في المشهد الشامي. وكلّ الخوف أن تكون الأستانة هي العرّاب لهذا الحضور الدّائم للتّركيّ باسم محاربة الإرهاب. أيّ إرهاب يحاربه التّركيّ؟ أين حرب الإرهاب للتركي في إدلب؟ التّركيّ يتحالف مع الإرهابيّين تحت أيّ مسمّى كان ويتركهم فصائل متناحرة، يتبادلون الأدوار ليعالج وضعهم كما يريد، وليس لأنّ هناك من هو ضدّه أو من معه. عندما انتقلت الفصائل المسلّحة الدّاعشيّة وجبهة النّصرة في فترة من الفترات - لمن تابع كيف انتقلت من المناطق الشّماليّة الشّرقيّة في معارك ضدّ الجيش حتى آخر حدود إدلب، وكيف انتقلت جبهة تحرير الشّام من المنطقة الشّماليّة والشّماليّة الغربيّة إلى الجنوب والجنوب الشّرقيّ لمقاتلة ومواجهة الجيش الوطني - الجيش الشامي. كلّ هذا الانتقال وكلّ الدّعم كان دعمًا تركيًّا خالصًا. واليوم، الخطّة الأخطر والمحاولات الأخطر في هذه المرحلة أنّ فصائل متطرّفة من هيئة تحرير الشّام، بهدف اعتبار الفصائل الأخرى فصائل معتدلة على اعتبار أنّ هيئة تحرير الشّام هي المتطرّفة، وإدخالها ضمن الفصائل الأخرى لتشكّل فصيلًا واحدًا يسمّى الفصيل المعتدل في إدلب. إذا باختصار أقول إنّ الوضع العسكريّ في أخطر حالاته كذلك. وأنّ هذا الوضع يطال كلّ محيط الشام بالكامل تقريبًا. وأنّه للأسف كلّ هذه الصّورة المرسومة هي نتيجة تفاهمات دول على سورية، وليست لمصلحة سورية.
طبعًا ما يحصل لم يكن متوقّعًا غيره، لسبب واحد قاله الأميركانيّ منذ بداية الحرب على الشام. تذكرون بيان جنيف الأوّل السيّء السّمعة، تذكرون عندما طرح السّؤال حينها: "أيّهما أسبق العملية السّياسيّة أو محاربة الإرهاب"؟ ماذا كان جواب الأميركانيّ؟ كان الأميركانيّ يريد العمليّة السّياسيّة قبل محاربة الإرهاب. لماذا؟ لأنّ عمليّة محاربة الإرهاب بالأساس هي إدامة الاشتباك وإطالة المعركة على الأرض الشامية والضّغط على الحكومة الشامية للحصول على درجة من التّنازلات في العمليّة السّياسيّة وليس العكس. هذا هو المشروع باختصار. والأميركانيّ صريح وواضح فيه ولم يخفه في يوم من الأيام. وهو حتّى هذه اللحظة كلّ ما يفعله هو إطالة أمد الاشتباك في كلّ المناطق الشاميّة والتسبّب بما يسمّى حرب الاستنزاف - وأنتم تعرفون ماذا تعني حرب الاستنزاف وتكاليفها ونتائجها - للذّهاب إلى عمليّة سياسيّة لاحقة يستطيع الأميركانيّ أن يحقق منها أعلى درجات المصلحة التي أتى بالأساس إلى الشام لتحقيقها.
اقتصاديًّا وعسكريًّا لخدمة السّياسة. هذه القاعدة ولا أحد يتملّص من هذه الحقيقة. أين نحن من العمليّة السّياسيّة؟ لن أذكر سنوات من العمل السّياسيّ، وحقيقة الأمر أنّ الشام حقّقت نجاحات وإنجازات تكاد في بعض المفاصل، لمن تابعها، تكون معجزة في لحظة من اللحظات: تذكرون المرحلة الأولى وإلى أين تطوّرت وكيف تراجعت. انتهى هذا المسار في جنيف وانتهى جنيف بعنوان السّلال الأربع، ولن أدخل في هذا التّفصيل، وأصبح هذا هو الخيار، والكل أصبح يقول بأنّ الحلّ بناءً على بيان جنيف، وجنيف هي المنصّة أو المكان الذي يمكن أن نعالج فيه المسألة الشامية وأن نجد حلًّا للشام. وجاء المسار الآخر أستانة ومخرجات سوتشي. وأنتم كذلك تابعتم، وتابعتم كذلك الصراع الذي دام بين هذين الخيارين: جنيف الذي شكّل عمليّة إرهاب وتخويف وابتزاز لكلّ من أراد الذّهاب إلى الخيار الآخر. وأنتم تسمعون دائمًا إذا لم يكن من خيار آخر يجب أن نعود إلى جنيف. وجنيف تعني واحد... اثنان... ثلاثة. هذا كلام نسمعه دائمًا. ثم جاءت سوتشي، وانتهى سوتشي في مكان ما في ما قلته قبل قليل، في فرض أمر واقع، وتحديدًا في مسألة منطقة خفض التّصعيد في إدلب التي يجب أن تكون خارج هذا السّياق في المطلق، لأنّ مناطق خفض التّصعيد كان يحكمها منطق آخر، وليس منطق التّفاوض الذي لا ينتهي، لفرض الأمر الواقع. ولكن اليوم ونحن نعرف أصدقاءنا في روسيا وإيران والصين وكلّ الدّول الصّديقة يسعون بكلّ ما يستطيعون لإنجاح مسار سوتشي على اعتبار أنّ هذا المسار يأخذنا إلى أقلّ الخسائر الممكنة في العمليّة السّياسيّة. وأنتم تابعتم التّفاصيل الأخيرة لتشكيل اللّجنة الدّستوريّة، وأنّها قد وصلت إلى المراحل الأخيرة بتوزيع الثلاثة أثلاث: 50 ،50، 50. وأنا أقول لكم بأنّ المسألة لن تنتهي. لأنّ حتّى في كلّ من الخمسينتين خارج 50 الدّولة الشامية، مشاكل لا تنتهي. هناك محاولات لإقناع تركيا في معالجة المشاكل في الخمسينتين الأخريين. في كلّ الأحوال وطبعًا بعد الإشكال الأوّل في بنية هذه اللجنة الدّستوريّة، والمشاكل التّالية التي تبدأ بآليّات عمل هذه اللّجنة ورئاسة هذه اللّجنة وطريقة اتّخاذ القرارات فيها، وإذا أسمينا هذه القرارات مخرجات، كيف تُقرّ على أنها دستور جديد "للجمهوريّة العربيّة السّوريّة"، أو كيف تُقرّ على أنّها الحلّ السّياسي إلّا عبر العودة إلى الشّعب في الشام والاحتكام إلى رأيه، أو إلى الأمم المتّحدة التي تعتبر نفسها في مكان ما وصيّة على الدّولة في الشام. ولكن في كلّ الأحوال ما يهمّنا هنا وهنا وهنا، في جنيف وأستانة وفي كلّ الخيارات، شيء واحد، لا يهمّنا أن ندخل في التّفاصيل، لا يهمّنا إلّا شيء واحد: هل في كلّ هذه الخيارات اللاعب الأساسي هو الدّولة الشامية، المعبّرة عن مصلحة الشّعب في الشام وعن مصلحة الشاميين؟ هل الشاميون فقط هم من يعالج مسائلهم في العمليّة السّياسيّة في كلّ هذه المواقع المختلفة، ويشكّل "المجتمع الدّولي" - سواء في جنيف أو أستانة أو أي موقع آخر - يشكّل الخيمة، كما كنّا نسمّيها، أو الحاضنة التي تساعد على التقاء الشاميين مع بعضهم البعض والتوصّل إلى حلّ حقيقيّ في نهاية الأمر؟ إنّ ما يحصل ليس كذلك، ما يحصل هو العكس تمامًا، ما يحصل هو محاولة الآخرين لإقرار كلّ ما يتعلّق بالشّأن الشامي وبالشاميين، وكأنّ السّوريّين اليوم يتعلّمون القراءة والكتابة، وليست سورية هي من علّم العالم الأبجديّة منذ آلاف السّنين.
اليوم، حتّى المسألة السّياسيّة، أقول لكم أيّها الأحبّة ليست في المسار كما نحن نتصوّر وكما نريد. إن لم نفعل نحن ما نريد، لا تنتظروا من أحد أيًّا كان أن يقوم بواجبه في الحفاظ على حقوق السّوريّين ومصالحهم بغياب السّوريّين أنفسهم. وهذا ما يحصل اليوم في الحقيقة. ففي كلّ الخيارات: في جنيف، مجموعة الدّول المصغّرة، أستانة - والمحاولات اليوم لاحتواء الدّور الرّوسي واحتواء أستانة كلّها، بطرح شكل أمميّ جديد يضمّ أستانة مع المجموعة المصغّرة ومع الصّين بتشكيل حاضن أممي جديد لمعالجة الشّأن الشامي - في كلّ هذه الخيارات يلعب شيئان دورًا فيها: مصالح تلك الدّول على الأرض السّوريّة وليست المصالح السّوريّة، والنّقطة الثّانية هي نتاج صراعات هذه الدّول على مجموع ملفّات قائمة وليست على الملف الشامي وحده. أحيانا تتقدّم ملفّات غير سوريّة الملف الشامي، وقد توجد ملفّات كثيرة ويأتي الملفّ الشامي في المرتبة الرّابعة أو الخامسة أو السّادسة من الاهتمام بسبب الأجواء الدّوليّة كالأزمة الأوكرانيّة أو الفنزوليّة أو الملفّ النّوويّ الإيرانيّ أو الحرب التّجارية بين أميركا ومعظم دول العالم .....إلخ.
هذا هو الخطير في هذه المسألة: أنّ الشاميين حتى هذه اللحظة لم يستطيعوا أن يضعوا الكتف على الكتف واليد باليد ويجلسوا ويقولوا كفى تدخّلًا في الشام - للجميع - ونطلب من الأصدقاء قبل الأعداء، إنّنا نريد منهم شيئًا واحدًا: سهّلوا لقاء الشاميّين مع بعضهم البعض ودعونا نعالج أمورنا بأنفسنا. هذا ما نريده، فلا اتّفاقات دوليّة ولا مشاريع معلّبة. وأنتم تابعتم ما ذكر سابقًا وما سُرّب من دستور لا أعلم من وضعه، واقتراحات عمل سياسيّ وخطط وضعتها دول وشخصيّات، والشاميّون غائبون عن كلّ هذه المحافل.
الحقيقة من هذا الأمر الواقع، أستطيع أن أقول اليوم، الأميركانيّ رابح، ومن يقول إنّ الأميركاني خسر، فليتفضّل ليشرح لنا كيف. الأميركانيّ رابح، اليهودي رابح أكبر، والتّركيّ أكبر الرّابحين. تذكرون كيليكيا ولواء الاسكندرون. تنتظرون استعادة تجربة اللواء السّليب في إدلب؟ بالمناسبة، الحديث عن إدلب علنًا، ولكنّ العمل سرًّا يطال حلب. من يظنّ أن الأمر سينتهي بأن يستولوا على إدلب ونسامحهم بها يكون مخطئًا. فتّشوا عن العمل الحقيقيّ والمحاولات الذي تكلّم التّركي عنها منذ فترة، دخول بعض المناطق: الباب، تل أبيض، عفرين. هي محاولة لتطويق حلب وللوصول إليها. ابحثوا عمّا يحاول التّركيّ أن يفعله عبر أزلامه في المناطق التي استولى عليها لتعرفوا أنه يريد الأمبراطورية العثمانية التي تمتدّ حدودها إلى حدود حماة. إذا طابقنا خارطتين: "السلطنة العثمانيّة" و"إسرائيل الكبرى" لن يبقى لنا مكان في أرضنا، يعني سنهاجر. لو تركوا لنا، رأفةً، مساحة صغيرة لمدى العشرين أو الثلاثين سنة القادمة حتى يرتبوا أمورهم ثمّ يخرجونا.
الفرنسي اليوم رابح، وهو عائد إلى المنطقة من جديد، اليوم الفرنسي يعمل في المنطقة الشّماليّة الشّرقيّة ويعمل في الجنوب. ولا بأس إذا قلنا، وللأسف، بأن الفرنسي يحاول الدّخول إلى السّاحة الشامية عبر بعض الفرقاء اللّبنانيّين تحت عنوان طائفي ومذهبي. فهناك من وعد أحد "الزعماء" الكبار أنه في حال إنشاء الدّولة الدّرزيّة الأولى في المنطقة ستكون أنت رئيسها. وهو يحضّر نفسه ليصبح رئيسًا.
أمام هذا الأمر الواقع الجميع ينتظر أستانة. لا تنتظروا من أستانة شيئًا. تذكرون في بداية الأزمة، وفي أولى اللقاءات على التلفزيون، سُئلت عن جنيف واحد، سألوني ماذا تنتظر من جنيف واحد. فقلت إنّ الوقت ما زال مبكرًا، سنتكلّم لاحقًا بعد جنيف عشرة ماذا ننتظر من جنيف عشرين. قالت إلى هذا الحد أنت متشائم؟ قلت لها إنّي متفائل لأنّني لم أكن أريد أن ينجح جنيف واحد. واليوم أقول لكم أيّ استحقاق دوليّ ليس للدّولة الشامية وللشّعب في الشام القرار الأوّل والأخير، نحن الخاسرون. لا تحزنوا إذا فشل أستانة أو إذا فشل جنيف أو إذا فشل أيّ استحقاق، لأنّ الحلّ طال أم قصر هو بيد الشاميين أنفسهم. وكما قلت الأخطر هو الحضور الهامشيّ للشاميين في أيّ استحقاق. أنا أقول لكم بصراحة، لا الأميركانيّ ولا الأوروبيّ ولا العدوّ الغاصب ولا التّركيّ ولا السّعوديّ ولا القطريّ، لا أحد يريد الحلّ في الشام. الآن، الجميع أعينهم على شيء واحد: تمرير الوقت لفرض أمر واقع، والعين على الاستحقاقات المقبلة: الانتخابات النّيابيّة في العام 2020 والانتخابات الرئاسيّة في العام 2021.
في النهاية، حتّى لا نطيل ولا نقصّر، فماذا نعمل؟ وماذا نحضّر؟ وماذا يفعل العدوّ؟ ما يفعله العدو يُعدّ أمرًا طبيعيًّا. والعدوّ سيفعل كلّ ما يستطيع حتّى يصل إلى أهدافه. وما هو السّؤال؟ السّؤال المفصليّ للحقيقة أمام كلّ هذه الأخطار، ماذا نحن فاعلون؟ وللإجابة نقول: هل امتلكنا المعرفة والإرادة؟ المعرفة هي معرفة مخاطر الأمر الواقع. والإرادة هي إرادة مواجهة ورفض الأمر المفعول. الأمر المفعول مرفوض حتّى لو كان من أقرب الأحبّة والأصدقاء. نحبّهم ونشكرهم ونقدّر ما قدّموه، ولكن لا نسلّمهم رقبتنا. لا نسلّمهم مصيرنا. ما فائدة أن نربح العالم ونخسر أنفسنا؟ لذلك، نحن كحزب نعلن رفضنا لما يسمّى ضرورات الأنظمة والحكومات، ونتمسّك بخيارات الشّعوب. نحن حركة الوصول للشّعب. إن لم نكن اليوم قادرين أن نصل للشّعب وندافع عن حكم الشّعب، يجب أن نعمل على ذلك. نستطيع غدًا؟ أو بعد شهر؟ أو بعد سنة؟ هذه مسألة أخرى. نحن كحزب هذا هو قرارنا وهذا عنوان عملنا في المرحلة القادمة. والآن نتمسّك أكثر لخطورة ما تواجهه سورية، وما يواجهه الشّعب السّوريّ. نحن في مواجهة أيّ مشروع تقسيميّ كان. لأنّه مشروع تقسيميّ للمقسّم من سوريانا، فسوريانا مقسّمة. هل نعود ونقبل بتقسيم المقسّم؟ تحت أيّ مبرّر كان: أمر مفعول، مناطق خفض تصعيد، اتّفاقات دوليّة، اتّفاقات بين دول، أيّ حلّ سياسيّ باسم أيّ منصّة من المنصّات، باسم فدراليّة أو كونفدراليّة أو لا مركزيّة أو أيّ شكل من هذه التسويات، أيّ شيء سيقسّم المقسّم نحن نرفضه ولن نوافق عليه ولن نقبل به، قولاً واحدًا، لأنّ مشروعنا الرّامي إلى وحدة الشّعب وحياته ومصالحه ومستقبله ومصيره ووحدة أرضه السّوريّة هو ما ندافع عنه ونعمل لتحقيقه. نحن في مواجهة أيّ مشروع يمسّ الهويّة الوطنيّة. أنا لا أتصوّر أنّ أيّ سوريّ يقبل بتغيير اسمه أو اسم والدته أو المواليد ومكان الولادة. جزء من المشاريع الرّامية بالقوّة تحت مسمّى الحلول السّياسيّة ثمّ يستهدف هويّتنا السّوريّة التي تقوم على المواطنة التي تساوي بين الجميع بغضّ النّظر عن اللّون والجنس و"الأصول الإثنية" وغيرها. سورية، والدّولة السّوريّة، وأيّ اسم آخر هو مساس بالهويّة ولن نقبل به، ونحن في مواجهته في المرحلة المقبلة. طبعًا وفي هذه المواجهة لن تبقى كلامية فلا بدّ من أن نصارع لتكريس مفهوم المواطنة ببعدها الاقتصادي، الذي يوفّر الأمن والسّلام الداخليّين ويُعدّ من أبعاد بناء وتعزيز الهويّة الجامعة لكلّ السّوريّين. سياسة مقاومة لمشاريع الحصار والمقاطعة. الحصار والمقاطعة لا يواجهان بالكلام وبالكلام السّياسيّ وبالخطب، تحتاج إلى سياسات حقيقيّة تدافع، كما سمّيتها منذ قليل، بالعدالة. وكلّما ارتفع منسوب العدالة والإنصاف في توزيع الثّروات وفرص العمل، كلّما تعزّزت الثّقة وتعزّزت الرابطة الاجتماعيّة تحقيقًا لوحدة المجتمع، وهو ما نبحث عنه. وكذلك نحن في مواجهة أيّ مشروع تحت أيّة عباءة سياسيّة أو اقتصاديّة أو بأيّ عنوان آخر يسمح لأيّ كان غير سوريّ بالتّدخّل في بنية الدّولة ووظيفتها لاحقًا، وهو ما يحاول البعض التّحضير له في الاستحقاقات السّياسيّة المقلبة. دائمًا نقول إنّ جزءًا من هويّة الدّولة هو بنيتها والوظيفة المرتبطة بهذه البنية. ونسمع كلامًا كثيرًا عن ذلك. نحن نقول ليس منّا، في الأيام القادمة، من يمكنه أن يغضّ الطّرف عن هذه التّضحيات والدّماء، ويقبل بالسّياسة والسّلم وبالاتّفاقات الجانبيّة، أن يخسر ما لم نخسره في الحرب. للتّوافق بشكل نهائيّ وجازم، إنّ الحلّ، كما قلت، مهما تأخّر لن يكون إلّا كما نريده نحن، سوريًّا خالصًا يقوده سوريّون وينجزه سوريّون، يستطيعون بصبرهم وبجهادهم وتضحياتهم تحقيق ذلك. وهنا أقول الدّول العدوة عدوّ، ستواجه وستقاتل وهي ضدّ كل ما نريده نحن، وهذا شأن عادي، وأقول للدّول الصّديقة إنّه يجب أن تدعم الحلّ من السوريين وتشجّع عليه لأنّ السّوريّين، كما أقول دائمًا، قد بلغوا سنّ الرّشد منذ آلاف السّنين، ولا يحتاجون الرّعاية من أحد أو أيّة وصاية من أحد. والكلام القائل بأنّ السّوريّين لا يريدون حلًّا لهو أخطر بكثير من كلام عدوّ يريد تفتيت سورية ومواجهة سورية.
نحن في الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ أيّها الأحبّة في حالة استنفار للعمل مع الجميع لتحقيق ذلك. وإلى ذلك الحين نعتبر أنفسنا في حالة مواجهة مباشرة وعلنيّة مع كلّ معتد على حقوقنا وأرضنا وفي مقدّمتهم العدوّ اليهوديّ في الجنوب، والتّواجد التركي والأميركاني في الشّمال والشّمال الشّرقيّ، ونعتبر كلّ مصالحهم ومواقعهم مستهدفة بكلّ الوسائل المتاحة. وفي هذا المجال نمدّ يدنا لكلّ القوى المقاومة. ونحن على أتمّ الاستعداد (والكلام ليصل) لأيّ تعاون ممكن في هذه المواجهة المصيريّة لبلادنا. فلا تعيدوا تجربة 1948 عندما طرح شعار "لا سلاح للقوميّين الاجتماعيّين" الذي أعلنته القيادات المأجورة في تلك الفترة من حرب اليهود ضدّنا، وانظروا إلى ما وصلنا إليه جرّاء ذلك "الشّعار"، وإلام جرّنا. كما نذكّر بإعلاننا السّابق بأنّ أيّة اتّفاقات أو هدنات سابقة لم تعد تعنينا. تعرفون أنّ هناك اتّفاقات وهدن، وكنّا نقول إنّنا نحترمها لأنّنا نحترم الدّول في تعهّداتها الدّوليّة. أمّا الآن، وإزاء ضرب العدوّ لتلك الاتّفاقات والهدن، وضرب قواعد الاشتباك. لماذا يُفرض على القوى الشّعبيّة أن تلتزم بما لا يلتزم به العدوّ الغاصب؟ فإذا كنّا بالأساس لا نعترف بهذه الاتّفاقات، فأظنّ الآن لا أحد يستطيع أن يتوجّه إلينا بلومة لائم، عندما نقول إنّ هذه الاتّفاقات لا تعنينا، لا خطوط المواجهة ولا خطوط فصل ولا قوّات دوليّة ولا غيرها. من يستهدفنا في بيوتنا - وأنتم تعرفون أنّ البيوت قد استهدفت، واستشهد الأطفال - من يستهدفنا في بيوتنا يحقّ لنا أن نستهدفه أينما وجد.
أيّها الرفقاء
«إنّ حالة أمّتنا ووطننا الحاضرة لا تزال الحالة عينها الّتي تستدعي التوجّه بالكلّية إلى مزيّة أوّلية أساسيّة من مزايا حزبكم ونهضتكم العظيمة، أعني مزيّة البطولة المؤمنة. فإنّ أزمنة مليئة بالصعاب والمحن تأتي على الأمم الحيّة فلا يكون لها إنقاذ منها إلّا بالبطولة المؤيَّدة بصحّة العقيدة. فإذا تركت أمّة ما اعتماد البطولة في الفصل في مصيرها، قرّرته الحوادث الجارية والإرادات الغريبة.»
هذا الكلام عمره أكثر من ستين عامًا.
«إنّ حزبكم قد افتتح عهد البطولة الشعبية، الواعية، المؤمنة، المنظّمة، في أمّتكم، فإنّ عهدكم هو عهد البطولة فلا تتخلّوا عن طريق البطولة ولا تركنوا إلى طريق المساومة الغرارة.... إنّ قوتكم الحقيقية ليست في المؤلّفة قلوبهم ولا في المتقرّبين إليكم ... بل في بطولتكم المثبتة في حوادث تاريخ حزبكم، وفي عناصر رئيسية هي: صحة العقيدة وشدّة الإيمان وصلابة الإرادة ومضاء العزيمة... » (سعاده، إلى القوميين الاجتماعيين، 9 كانون الثاني 1947)
هذه العناصر الرئيسيّة تجلّت في أبهى أشكالها صبيحة الثامن من تموز 1949، ولا شكّ في أنّ كلّ من رفع يده زاويةً قائمة معتنقًا مبادئ الحزب ومنتظمًا في مؤسّساته يجعل من هذه العناصر نبراسًا يضيء دربه. فهلّموا بنا نعطي الدماء المراقة على رمل بيروت حقّها في كونها منارة تضيء درب التضحية والفداء، درب محبّة شعبنا وإرادة مصلحته وعزه، فنكون حقًّا تلامذة المعلّم القائد، نمضي سراعًا نحو النصر الأكيد....
لتحيَ سورية وليحيَ سعاده
المركز في 28 تموز 2019
رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي
رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق