مع فنجان قهوة لا يعرف حميميّته إلا من عمل في ذلك المبنى على طرف ساحة الأمويّين، وكان يعبر إليه، ذات يوم، على جسر صغير يتدفّق تحته بردى، ويدخل من بوّابته في ساعات الفجر الأولى أو يخرج والفجر لمّا يوقظ دمشق بعد! ذلك الفنجان الذي يأتي بعد فترة إخباريّة طويلة أو ساعة تواصل مع المستمعين، كان بمذاقٍ طيّبٍ مهما كان البنُّ رديئاً، لأنّه يستحضر بهجة البيوت المتروكة لساعات ويشرّد الأشعّة السّلبيّة التي ترافق توتُّرَ المهنة، وقد قالت لي وهي تضع الفنجان أمامي: – لديّ فكرة إذاعيّة، أريد أن نحقّقها معاً! وأمام كلمة فكرة يصبح الانتباه في ذروته لأنّ هذه الفكرة تقطع طريقاً طويلاً قبل أن تخرج على الهواء! فهي تحتاج إلى قالب ينفّذه المخرج، أهي سردٌ أم حوارٌ أم تمثيل؟ تابَعَت وهي تعرف التّداعيات التي مرّت في خاطري: -أريد أن نتناول دواعش الدّاخل! حسناً، هذه الكلمة دخلت قاموس لغتنا اليوميّة مشحونةً بكلّ شرور العالم لأنّها، بحقّ، ارتهنَت لصورة الشّيطان، منذ وعى الإنسان مفهومَيْ الشرّ والخير! ولطالما بدّلت المفردات مدلولاتها مع مرور الزّمن وخلعَت بعض خصائصها الأصليّة، لذلك سألتُها: -هل هناك سلبيّات محدّدة نتناولها؟ قالت بحماسة: -ابني الأصغر يعاني صعوبات في تعلّم اللّغة الفرنسيّة، لذلك لجأت إلى الحلّ الذي تشكو منه كلُّ العائلات لكنّها تضع رقبتها تحت سيفه! اتّصلتُ بأستاذ المادّة وطلبت منه مواعيد للدّروس الخصوصيّة، على أن يصارحني بثمن الدّرس الواحد كي أبرمج ميزانيّتي! وكم كانت دهشتي كبيرة حين طلب منّي بعد أن استمع بهدوء وصبر أن أسأل ابني عن الأسلوب الذي يستخدمه في شرح الدّروس وتنشيط المحادثات وتكليف الوظائف وأوافيه بالجواب، فإن كان مقصّراً فسيعمد إلى تعديل طريقته، ثمّ تودّد قائلاً: -نقودك فائضة وتفتّشين عن وسيلةٍ لصرفها؟ حرامٌ أن يذهب أبناؤنا إلى الدّروس الخصوصيّة بموازاة مدارس مكلّفة ببذل العلم من دون إرهاق الأهل وتشتيت الطّالب وتوسيع دائرة الاتّكال على حلول أراها بدعة لا أخلاقيّة …
هذا المعلّم فتح لي، ربّما من دون أن يدري، نافذة من أمل ونسيم نقيّ، في زمن تبرير كلّ تجاوز: احتكار السّلعة، غشّ المواد، التهرّب من أداء واجب العمل، الكسب غير المشروع بذريعة: خذ ما تصل إليه يدُك، بأيّ وسيلة لأنّه قد لا يتوفّر غداً أو إذا لم تأخذه سيأخذه غيرُك، استغلال حاجة النّاس للسّكن والتّضييق عليهم بالأجور ولو على حساب لقمة وعافية أطفالهم، الهدْر اللامحدود لما توفّره الدّولة من خبز وماء وكهرباء ووقود وهي تنوء بالمسؤوليّات الجسام، كأنّها وكالة بلا بوّاب، المطالبة بالحقوق من دون الالتزام بأدنى الواجبات، بثُّ الشّائعات حين التقاط أيّ شرارة تخدمها لإبراز مواهب التلفيق من دون مراعاة كرامات النّاس، السّرقة المادّيّة والأدبيّة التي باتت فنوناً تواكبها المواعظ في الأمانة والاستقامة وصحوة الضّمير… رنّ هاتفها فالتقطت السّمّاعة وهي تطرح سؤالاً على عجل: -ما رأيك في أن نقدّم في كلّ حلقة أنموذجاً من هؤلاء ضمن فترة منوّعات هادفة ثمّ نسمع ردود فعل المتابِعين عبر الاتّصالات؟.
كان فنجان القهوة قد فرغ ورُفع، لا شعوريّاً لأكثر من مرّة، للشّرب منه، والشّجون قد استيقظت: نحن في زمن حرب إجراميّة، كان هدفها اجتثاث جذور وجودنا ولا بدّ أنّها خلخلت ما قُدِّرَ لها أن تفعل، لكنّ الالتفات إلى من سمّيْتِهم دواعش الدّاخل وتعريتهم هو من صلب المهنة التي اخترناها وعشنا نمنحها أعصابنا واهتمامنا وأعمارنا! دعيني أفكّر بأسلوب رشيق خالٍ من الوعظ والمباشرة قبل أن نلتقي على قهوة ثانية!ما زلتُ أرى «هم» حولي في كلّ مكان وأفكّر، وربّما سأبقى أفكّر..جريده تشرين 2017/11/28
هذا المعلّم فتح لي، ربّما من دون أن يدري، نافذة من أمل ونسيم نقيّ، في زمن تبرير كلّ تجاوز: احتكار السّلعة، غشّ المواد، التهرّب من أداء واجب العمل، الكسب غير المشروع بذريعة: خذ ما تصل إليه يدُك، بأيّ وسيلة لأنّه قد لا يتوفّر غداً أو إذا لم تأخذه سيأخذه غيرُك، استغلال حاجة النّاس للسّكن والتّضييق عليهم بالأجور ولو على حساب لقمة وعافية أطفالهم، الهدْر اللامحدود لما توفّره الدّولة من خبز وماء وكهرباء ووقود وهي تنوء بالمسؤوليّات الجسام، كأنّها وكالة بلا بوّاب، المطالبة بالحقوق من دون الالتزام بأدنى الواجبات، بثُّ الشّائعات حين التقاط أيّ شرارة تخدمها لإبراز مواهب التلفيق من دون مراعاة كرامات النّاس، السّرقة المادّيّة والأدبيّة التي باتت فنوناً تواكبها المواعظ في الأمانة والاستقامة وصحوة الضّمير… رنّ هاتفها فالتقطت السّمّاعة وهي تطرح سؤالاً على عجل: -ما رأيك في أن نقدّم في كلّ حلقة أنموذجاً من هؤلاء ضمن فترة منوّعات هادفة ثمّ نسمع ردود فعل المتابِعين عبر الاتّصالات؟.
كان فنجان القهوة قد فرغ ورُفع، لا شعوريّاً لأكثر من مرّة، للشّرب منه، والشّجون قد استيقظت: نحن في زمن حرب إجراميّة، كان هدفها اجتثاث جذور وجودنا ولا بدّ أنّها خلخلت ما قُدِّرَ لها أن تفعل، لكنّ الالتفات إلى من سمّيْتِهم دواعش الدّاخل وتعريتهم هو من صلب المهنة التي اخترناها وعشنا نمنحها أعصابنا واهتمامنا وأعمارنا! دعيني أفكّر بأسلوب رشيق خالٍ من الوعظ والمباشرة قبل أن نلتقي على قهوة ثانية!ما زلتُ أرى «هم» حولي في كلّ مكان وأفكّر، وربّما سأبقى أفكّر..جريده تشرين 2017/11/28

بين الحرب والسلام
ردحذف