الاثنين، 5 فبراير 2018

آفاق دور نشر نهله سوسو

آفاق.. دور نشر
نهلة سوسو 
وصلني الكتابُ المُصنَّف قصّة قصيرة!. تجاوزْتُ الغلاف، لأنّ الأغلفة باتت تعتمد أيّ شيء إلا الدّلالة على مضمون الكتاب، فعلى عجَلٍ أو عدم دراية واختصاص، صارت أغلفة الكتب تخرج بلوحة عائمة، يصعب على المتأمّل تذوُّقُها، على الأقلّ بسبب مَسْخ حجمها الأصليّ وسَجْنهِ في صفحة من القَطْع الصّغير أو المتوسّط، أو حتّى الكبير (أليس للغلاف أهمِّية؟ بلى لأنّه دلالة الكتاب العميقة ووسْمُه الفريد)! أتجاوز الغلاف الشّبيه بحريق بلا دخان، وأذهب من فوري إلى القصص، فإذ بها فقْراتٌ إنشائيّة قصيرة، دونها تلك الوجدانيّات التي تُدبَّج في مرحلة المراهقة المبكّرة، حيث تكون النَّفْس هائمةً بعد تكسُّر قشرة البيضة مباشرةً، والإحساس بالضَّوْء والهواء والضّجيج فتذهب إلى تسجيل اضطراباتها على الورق!.
بضعُ مفردات شائعة، كالحبّ والغيْم والبَوْح والنّجمة والكبرياء والصّمْت، كانت عُدّةَ الكتاب في إنشائه الضّحْل الذي لا ينتمي إلى أيّ جنْسٍ أدبيّ، فكيف استطاع الوصول إلى الطّبع وهو مرحلةٌ متقدّمة جداً ترافقها عشراتُ الخطوات والجهود الجماعيّة حتّى لو كانت البذرة الأولى بيد الكاتب! طويتُ الكتاب، متشابِهَ الصّفحات إلى درجة النّسْخ، وذهبَت عيني تلقائيّاً إلى رفوف المكتبة المكتظّة بعناوين وزارة الثّقافة: روايات وقصص وقصص أطفال ومسرحيّات ودراسات ومُتَرْجَمات وفهمْتُ تلك العلاقة الحميمة التي ربطَتْني بهذه المطبوعات عبر عقود من الزّمن رغم أنّ الوزارة لمْ تُغيّرْ أغلفَتَها البسيطة إلى درجة التقَشُّف بالألوان والأشكال! لم تغيِّرْ الإطار الكلاسيكيّ إلا بعد استحداث الهيئة العامّة السّوريَّة للكتاب، حيث أفادت من صور المؤلّفين أو لوحات الفنّانين التّشكيليّين، لكنّ الحروف الطّباعية بقيت من دون تبديلٍ واجتهادٍ و«تحديث»! كان التمَيُّز إذاً فيمن أشرف على المضامين! كان فيما يُسمّى بلجنة القراءة والتّقييم التي اعتمدَت على خِيرة المفكّرين وجعلَتْهم المصفاةَ الدّقيقة التي لا يمكن أن ينفذ من خرومها كاتبٌ أو كتابٌ هشٌّ لا يقرؤه إلا صاحبُه ومنضِّدُه!.
كثرة دور النّشر ليست مؤشّراً على نهوض ثقافيٍّ معافى، كما هي الحال مع كثرة العناوين المطبوعة وتداولها بين القرّاء، لأنّ الدّار بدورها توازي، كاتباً كبيراً يضع لغتَه الأمّ في مرتبةٍ عالية بين لغات الشُّعوب، علماً أنَّ التّمويل الكبير والتّرويج والتّسويق ليست من يصنع داراً للنّشْر بل الكتب القيّمة التي تتبادل الأهمّية في عالم الفكر والثّقافة الإنسانيّة، وفيه ذلك الجهد العظيم، غير المرئي غالباً، الذي يُضاف إلى الكتاب عبر لجنة القراءة والتَّقييم، التي جعلت من إحدى دور النشر العالميّة صانعةً للنّجوم، والجوائز، وفي هيكليَّتها لجنةٌ موسّعة ترشّح المخطوط الجدير بالنشر فتتلقّاه لجنةٌ أعلى مؤلّفة من شخصين يجب أن يوافقا، من دون اختلافٍ على أدنى التّفاصيل، على دفْعِه إلى المطبعة وإذا اختلفا يتدخّل صاحب الدّار، ليبتّ بالأمر! ومثل هذه الدّار تجعل الكاتب الحالم بوجود اسمها على كتابه، يتهيّب من تقديم عملٍ سيمرُّ عبر مصفاتها الواسعة الدّقيقة، فيعمد إلى كتابةٍ، تليق بالمرتقى الذي يضع قدميه على أوّل درجاته وعتَبَتِه!.
مؤلّفات الكاتب المبدع قد تتفاوت، بل هي تتفاوت فعلاً، إلى درجة أنّ القارئ العادي يدرك هذا التّفاوت (صفة العادي للدّلالة على أنّه يقرأ للمتعة وليس للنّقد والتشريح) لكنّ دار النّشْر يجب ألّا تتفاوت في منشوراتها لأنّ عملها مختلف ولديها التّقاليد والتّجربة والزّمن الكافي والجَمْع المتخصّص، كلٌّ في مجاله، حتّى يصبح الكتاب في قاعة العرض والبيع!.
منشوراتٌ متواضعة أو ضحلة أو فجّة أو مسيئة أو متطفّلة على الفكر والثّقافة، هي مسؤولية الكاتب جزئيّاً ومسؤوليّة دور النَّشر بشكلٍ أكبرَ وأخطر لأنّها تصدّت لمسؤوليّة ليست لها، تظنّ الأمر ورقاً وحبراً مدفوع الثّمن وهو ليس كذلك!.جريدة تشرين / 2018/02/6

هناك تعليق واحد:

  1. عللى الكاتب ان يجعل لكل صفحه لهفه من أجل القارئ يستمتع بدن ملل

    ردحذف