افاق..غيرُ مرئيّ
نهلة سوسو

كلُّ ما حصل بعد لحظةِ استيقاظها على أزيز طلقةٍ كالفحيح، الذي تعاني فوبيا حتى من ذكره، ونهضت مفزوعةً من نومها القلِق، لم يعد يخضع لأيّ ترتيب زمنيٍّ في ذاكرتها! بعد ذلك اليوم المشؤوم الذي وزّعَ القتل في البلد وتفنّن في جرائمه، تكاثرت الأحداث بعنفٍ لم يقْوَ خيالها يوماً على تصوُّر فظاعته، ومثلَ كومة قصاصاتٍ ورقيّة تركها فنّانٌ مزاجيّ، تراكمت بقايا الأحداث المتسارعة: ترحالٌ طويل مع حقيبة ضروريّات صغيرة، بشرٌ في الحدائق تحت العراء، بشرٌ في مراكز إيواء، مدارس مغلقة، حواجز سدّت شرايين الشوارع، مجيبٌ آليٌّ لا يملُّ من رسالة «هذا الخطّ خارج نطاق التّغطية» لكن كلّما نشَزَ لحنٌ في الجنّاز المديد، استجابت له بكل روحها: -طاعونٌ هذا، ليس إلا طاعوناً أسود سينتهي! سيتلاشى! سيندثر لتنصب الحياةُ ميزانها من جديد، تعيد الأضواء اللّيليّة إلى الشّوارع والأحياء، وتسقي الحدائقَ ماءً وليس دماً، وتعجُّ المدارس بصخب الأطفال لا المُهَجّرين!
استيقَظت صباحاً في المنزل المؤقّت الذي ستغادره بعد أسابيع فرأت على الشّاشة التي تقزّمَت هي الأخرى بحجم هاتفٍ جوّال، سيلاً من البشر يضطرب في معبر ترابيّ وأدركَت أنّ الميزان الذي آمنت بوجوده واتّزانه قد انتصَبَ فوق كلّ الخراب والدّمار! الآتون كانوا كمن حبَسَ أنفاسه طويلاً تحت الماء ثم أطلقها لحظةَ الإحساس بالأمان والإمساك بطوق النجاة: رجالٌ عفّرهم القهر والغضب، نساءٌ أكثر من الرّجال يروين القصص بلا البراعة التي اشتُهرن بها، أطفالٌ كقَفير نحلٍ انفلت من خليَّته يعارك النسيم في خلاء مفتوح! كان المعبر الضيّق المغْبَرّ بحجم وطن كبيرٍ يعيش يوماً طولُهُ قرنٌ من الزّمان ويتسلّل في إدراكها أنّه ليس خطّاً فاصلاً مرسوماً في مكانٍ، على ضفّتيه عالمان شديدا التّناقض، بل هو أيضاً خطٌّ فاصلٌ في الزّمان، خلّف وراءه وباء الطّاعون وجلب الأحياء إلى أرض العافية حيث يستظلُّون برجالٍ أشدّاء كالسّنديان، راحاتهم وابتساماتهم مفتوحة على المدى والأمان! ورأت فيمن رأت عيوناً ترصد وتسجّل لحظات انقلاب الزّمن والكلّ منفعلٌ تعصف به حواسّه الخمس، حتى لاحت واجهة المبنى الرّماديِّ الواجمِ في خلفيّة المشهد، فتذكّرَت أنها تعرفه جيداً في لحظة تحوّلت إلى رعبٍ بسرعة البرق! هناك تاهت سيّارتها في المنحنيات التي قطّعتْها الحواجز، وانبثق أمامها من وراء دشمة، بطوله الفارع وخوذته الجميلة، ووجّهها إلى الطّريق الآمن من القنص وهو يضحك: -احفظي الخريطة ولا تكرّري خطأك المميت! كان يبتسم في أرض الموت ويحميها! وها هو موجود بروحه وظلّه وابتسامته بين هذه الجموع، لكنّه غير مرئيٍّ إلا لعينيها وقلبها!.جريده تشرين / 2018-03 -27
سهل على القلوب هضمها و على الأرواح تشربها
ردحذف