الجمعة، 6 أبريل 2018

افاق..تشويش نهلة سوسو

كم لبث من الأيّام تحت الأرض من دون ضوء؟ يستحيل أن يتذكّر مهما غاص عقله في سديمه! ثبتت في وعيه لحظة واحدة مديدة كأنّها دهرٌ، حين سيق، عصرَ يوم غائم عمّته الفوضى منذ الفجر، وعينُه على أمّه تُنخَس ببندقيّة رجلٍ ملْتَحٍ، وهي لا تقوى على المشي، ثمّ على أبيه يمسك بيد أخيه الأكبر وهو يطأطئ رأسه، يواكبهم عجاجٌ وزعيق بشر لم يألف أشكالهم حتى في الكوابيس!
جلس بجوار أخيه، قواه فاترة من الجوع وراح ينتظر أباه! –أبوك لن يأتي لأنّه صار خارج هذا الجحيم! سقط قلبه في جبٍّ عميق: -أبي مات؟ بعد ذاك بات وحيداً بين غرباء بُكْمٍ كالظّلال، لا يبادلونه حتّى النّظر، ولن يعرف أبداً كيف تغذّى وعيه بموت أخيه لانعدام الدّواء وعودة أبيه إلى وظيفته في العاصمة واحتجاز أمّه في «سجن النّساء»! ربّما من مزاح الجلادين حين طلبوا منه أن يخرج مع المخطوفين للحَفْر فلم يَقْوَ على رفع يده وضُرب حتّى فقَدَ الوعي وغفا في سريرٍ ترابيٍّ يشبه القبر وسمع وهو غارقٌ في دواره المتناوب: -زيدوا مئتي الغرام ليستطيع أن يعمل! فلم يفهم إن كانت الزيادة في ملعقة اللّبن الوحيدة التي يتناولها أم في ملعقة المربّى، حين قال صوتٌ بارد: -لن نزيد طعاماً لأحد، بل سنبدّل مهمّته! بعدها ربطوه بسلسلة حديديّة وأخرجوه من طاقة في جدار: -ازحف إلى جثّة المجاهد واسحبها إلى هنا، ربطناك بجنزير حتى لا تهرب مثل أبيك… صار ناقلَ جثث مثبّتاً بجنزير ككلب الحراسة حتّى أصابته طلقات تأخّرت كثيراً، ورأى أمعاءه الخاوية أمام عينيه فردّها إلى جوفه وأطبق عليها بذراعه! إنّها الحياة مادامت لم تتقطّع، لكنّهم قطعوها وخاطوا البطن وتركوه! شفي الجرح على تشوُّه، ولسرٍّ غامض بقيت ساقه ممدودة معوجّة ثابتة كلحظة شقّت الطّلقات طريقها إليه!
أراد أن يرفع أصابعه ليلمس وجه أبيه ويتأكّد أنّه لا يحلم في ظلمة النّفق البارد فعجز أن يفعل! حضن الأب رأسه وقال بحنان كمطر تفجّر من غيمة عفيّة: -احكِ يا ولدي، ارفع صوتك، أنت مُحرَّر والجلادون ليسوا هنا… كانت رائحة حساء شذيّة تنتشر في الغرفة الدّافئة والهاتف يرنّ وصوتُ أبيه حقيقيّاً: -سنغذّيه يا دكتور كما طلبت حتى يتحمّل الجراحة… أعرف أن الأمر قد يستغرق ثلاثة شهور! مرّة أخرى يستخدمون الزّمن في أحاديثهم، والزّمن أفلت خيوطه من وعيه وذاكرته، لكن ها هو يفلح في رؤية قسمات أبيه ويشعر بنعومة الوسادة وينام! / جريده تشرين / 2018- 04 - 3 /

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق