الثلاثاء، 19 يونيو 2018

آفاق.. جائزة شرف نهلة سوسو





آفاق.. جائزة شرف
نهلة سوسو

قالت، وهي واجمة: أخاف من الاعتراف، حتّى أمام نفسي، أنّني أفتقد هدير الطّيران الحربيّ الذي ألفتُه كرسائل حبيبٍ باعدت بيني وبينه المسافات، يتركها لي كلّما اهتزّت نافذة في الهزيع الأخير من اللّيل، ويوافيني بجميل حروفها وأنا أعدُّ قهوة الفجر مع أناشيد الدّوري، نشوى بتحليقه الجَسور في السّماء، والأرضُ تنهض تحته موعودةً بتراب وماء نظيفين من اللُّصوص وشذّاذ الآفاق! لا تظنّي أنني أدمنتُ الحرب، أتفرّج على أهوالها، وأبكي شهداءها، بل أخاف أن ننسى، والنّسيان طبعٌ أليمٌ في الإنسان! أخاف أن تغدو الملاحم التي عشناها مجرّد صورٍ هشّةٍ نستحضرها في المناسبات، أو بالمصادفات، حين تأخذنا أُلهِياتُ الحياة وما أكثرَها وأشدَّ استبدادها! -سأريكِ صوراً ليسَت مجازيّة كالتي تتخوّفين منها، لعلّك تكفّين عن الشُّعور بالذّنب من حنينك إلى صوت الطّيران الحربيّ، ما دمتِ لم تطمئنّي بعد على توثيق ملاحمنا المشرّفة كما يليق بها! – «حكايات الألم والصّمود»؟ -نعم! وكذلك «أيدٍ بريئة وإطارات»! انسالت الصّور، تروي يوميّات حلب، وتقول ما لا يعرف اللّسان نطقَه، ولا البيانُ صياغتَه، وبلونيْنِ لا ثالثَ لهما: الأبيض والأسود! –إنّها بعضٌ من أربعة عشر ألف صورة طافت على التّتابع عواصم العالم، وحين حضرَتْ في الأمم المتحدة، مع البعثة السّوريّة الدّائمة هناك، كانت تحت عنوان «موطني»… وأيّامَ مرّت في باريس، استوقفت المشاهدين والمنظّمين ونال صاحبها جائزة من بين عشرات المصوِّرين العالميّين، وهي في طوكيو اليوم، حصادُها تسعُ جوائز عالميّة، ويتَوَّجُ صاحبها، مجَدَّداً بجائزة الشّرف! آغوب وانيسيان، حين يحكي وهو أمام صوره الناطقة، يقول إنه بدأ حياته صائغ فضّة وحين انقضّت الحرب الإجراميّة على الوطن، وبدأت تذيب معالم الجمال، في مدينةٍ، قلعتُها جَمال، وأسواقها جَمال، وأنغامها وقدودها وآلات موسيقاها وفستقُها وأطباق طعامها جمال، ترك مهنته وامتشق آلة تصويره ومضى مع المقاتلين، يتوغّل في شرايين المدينة طوال عامين قبل أن يغادرها، حاملاً في حقيبته الوجوه التي أحبّها، يرنو إلى نور حدقاتِ من ارتَقَوا فداءً لها، ويتذكّر «عند التقاط الصّورة أنعزل كلّيّاً وأتجاهل ما وراء الكاميرا وأركّز على الصّورة لتكون بزاويتها الصّحيحة».. وحين يبحث عن قِبْلَتِه يجد الوطن والشهداء بلا مُرتَسمٍ آخر ولا هوامشَ أخرى!
جريده تشرين 2018-06-19

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق