آفاق رحيل الضِّياء
نهلة السوسو
لمَ احتفظتُ بصورتكِ وأودعتُها بين أغلى الصُّور كأنّها سرٌّ مكنون؟ لمَ أرْجأتُ أبداً حديثي إليكِ كأنّكِ باقية كالأبد؟ لمَ اكتفيتُ بإلقاء التحيّة عليكِ كلّما طالعتُ وجهكِ البدريَّ، على عجل، في زحمة الصّور، وأنتِ لا تنتظرين مني موعداً ولا تحيّة ولا حديثاً ولا لقاءً؟ بل كان الموعد مرجأً بيني وبين نفسي، أريد أن نكون اثنتين وحيدتين، كي لا يبتَلَّ صوتُك الذي أسمعه، حتى بهديل اليمام الذي أعشق! ولكم تهيّبتُ ذلك اللّقاء، كأنّني ذاهبةٌ إلى محفلٍ سيضعني تحت أنوارٍ، ساطعةٍ، كاشفة، ترقبني فيه العيون، وأقول لنفسي سأطرق بابك ذات يومٍ تكونين فيه أنجزتِ ريّ أصص الحبق، واطمأننتِ على الأحفاد الستّةَ والعشرين، وجلستِ إلى قهوتك وذكرياتك! سأسألك عن حكاية كلِّ اسمٍ من أسماء أبنائك لأننا، نحن الأمّهات، لا نملُّ من سرد قصص فلذات أكبادنا، حتى قبل أن يتخلّقوا أجنّة، فنستمتع بإعادة الأحلام التي بشّرتْنا بهم قبل التكوين، ثم نسترجع ما تزامن مع لحظات إبصارهم للنّور: كانت ساعةً تقارب الفجر، والبرق يشقُّ السّماء، والثّلج يسدُّ الطّرقات، أو أنّ الصّيف أنضجَ فاكهته وكوّمها في السّلال، ونتذكّر الصّرخةَ الأولى، ثمّ الجدَلَ العائليَّ حول الاسم! احكي لي كلَّ حكايةٍ على حدة: " فوز". " نمر". "ضيغم". " محمّد". "رحيم". أليس لافتاً أن الأسماءَ، منكِ وحولكِ فيها شيء من النبوءة؟ فأنتِ "ضياء" وكلُّ أبنائك من ذوي الأسماء الحاملة لمعاني وصِفات الشّجاعة والجسارة والمروءة والنُّبْل والإيثار والكرَم، كأنّكِ أعدَدْتِهم ليومِ وثبةٍ يجابهون فيه عدوّاً متربّصاً ليمنعوه من أن يجوسَ التّلال ويستبيحَ الغلال، وقد سمعتكِ تقولين بصوتٍ طريٍّ ثابتٍ كمناجاة الله، وقلبي يكاد يتوقّف عن الوجيب: -كنت أتقدّم من جسد ولدي المسجّى وأتحسّس مكان رصاصة العدوّ لأطمئنّ أنّها ليست في الظّهر، وأنّه قاتل ذلك العدوَّ وجهاً لوجه، ولم يفكّر للحظة أن يهرب من مواجهته، وبعد أن أطمئنّ أنّه قاتل بشرفٍ كما أعرفه، أقول: -الآن شيِّعوه وودّعوه بالورود والزّغاريد كما يليق بالشّهيد!
طويلاً، أنظر في وجهك المجلّل بالوشاح الأبيض، وعينيك السّاطعتين وراء زجاج النظّارة وتلك النظرة العذبة المتسلّقة على حبال النّور، فيها الرّضى الذي يستعصي إلا على القدّيسين، حيث لا مادّةَ محسوسة يمكن أن تحجبَه، فيبكي شيء في روحي لأنك رحلتِ ولم أودّعكِ! طافت حولك ملائكة الله يا "ضياء" وأنتِ تطلّين من العلياء..جريده تشرين 26 / 6 / 2018 م

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق