افاق..كالأوابـد..
نهلة سوسو
هدأ الحديث عن مشروع الفيلم الذي جاء لتصويره، وفي ذهنه عواصفُ من الأفكار والانطباعات، يريد أن يضبطها في سياق فنِّيّ، ليقدّمها للرَّأي العام الغربيّ حيث الصُّورة مقلوبة ومجحفة ويجب عليه أن يصحِّحها بشهادات حيّة من أهل البلد، ورأت أنّ قهوة جديدة يمكن أن تنهي اللّقاء، كما بدأ، بمودّة!
تشعَّب الحديث بعيداً عن يوميّات الحرب الدّامية التي استقدَمتْهُ من عاصمة أوروبّية لإنصاف ضحاياها وهما يتذاكران فيلماً هنا وروايةً هناك، وقالت بأسى مفاجئ: -ضاعت مني ثلاثيّة الجزائريّ محمد ديب! استعارت إحدى معارفي «النُّول» ولم تُعِدْه، فصرت أرى «الحريق» و«الدّار الكبيرة» كنصٍّ مضطرب السّياق، بل أقول لك لم تعد الرّواية، روايةً، بعد أن هُدم أحدُ طوابقها! قال بحماسة وحرارة فيها مواساة شهمٍ يقيل عثرةَ عزيز كريم: -سأرسل لك الثلاثيّة حالما أصل إلى مقرِّ إقامتي!
وصلَتْ الرّواية بعد خمسة عشر يوماً في ظرفٍ أبيض صغير، لم يُتَح له أن يحبس حفنة هواء توحي بأنّه ليس فارغاً! فضّت الظّرف، فلمعت لِصْق حاشيته حزوز أسطوانة صغيرة تموج بزرقة ولون ذهبيّ وعليها أن تصدّق أن الثلاثيّة الرّوائيّة مدوّنة هنا في هذه الحزوز بعديد شخصيّاتها وصفحاتها، ولا شعوريّاً، ذهبت عيناها إلى رفوف المكتبة التي ارتجَلتْها بعد التهجير القسريّ من بيتها، هناك كانت الأغلفة قد شحبت من غبار وصمت، لكنّ ألوانها أضاءت فجأة وتنفّست أويقاتٌ مسائيّة وصباحيّة، ووشى قلمُ رصاص منسيٌّ في أحدها أنّه خادعها وبقي طيّ الورق، بعد أن سجّلت به ملاحظات على الكاتب الذي لصَّ فكرة فيلسوف أجنبيّ من دون أن يرفّ له جفن، وصحّحَتْ أكثر من عشرين خطأً طباعيّاً، بينما اتّكأ عليه ديوان شعريّ قرمزيّ الغلاف، خُطَّ اسمُ شاعره بذهبيٍّ بهيٍّ، وضعَت إشاراتٍ مرهفة عند قصائده التي أحبّتها كأنّها تحاذر أن تلوّث الورق، وتنهّدت حين طالعها الكتاب الثقيل الذي لا تستطيع اصطحابَه إلى وسادتها قبل النوم! هل كانت تبحث عن مكان تضع فيه الثّلاثيّة؟ خطَت نحو المكتبة وقد خطفها شعورٌ لا منطق في سياقه، كأنها تجوس في أرض عراء تناثرت فيها بقايا أعمدة وحجارة تقول: كانت هنا منازل ومعاصر زيتون، هي باختصار التّسميات: الأوابد التاريخيّة! وما كانت تشعر حين تجوس أرض تلك الأوابد، إلا بالحزن الممضّ، لأن الحياة غربت عنها إلى الأبد! قلّبَتْ الأسطوانة الصغيرة بين يديها ثم أغمدتها في الظّرف، وأودعتها درجَ الفواتير المتراكمة، المدفوعة، التي ستسلّمها لصاحب البيت حين تغادره، متحررةً من واجبِ شكر المرسل لروايةٍ، ليست برواية! / جريدة تشرين / 2018-06-05

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق