الثلاثاء، 31 يوليو 2018

آفاق تُطعِم قلبَها.. نهله سوسو



آفاق تُطعِم قلبَها..
نهله سوسو
نهلة سوسو:
لافتٌ أن المخرجين، حتّى البارعين منهم، خرجوا عن الهارموني العالي في تصوير أحداث أفلامهم ومسلسلاتهم، حين عبرت جزئية الحرب على سوريّة ضمن تلك الأحداث، فما استطاع أحدٌ منهم مضاهاةَ مشهد واحدٍ صوَّره الإعلامُ الحربيُّ في الميادين المتناثرة على امتداد الوطن! فشل الخيال الإبداعيُّ، وفشلت إدارةُ المخرج الحاذق للتّفاصيل الإنسانيّة والمكانيّة والصوتيّة والموسيقيّة في خلْق مشهد مقنعٍ، مؤثّرٍ، تأثيرَ الملاحم التي شوهدَت في الجبهات وصُوِّرت حيّةً، باهيةً، من دون خلفيّاتٍ أكاديمية، وإعاداتٍ بمقتضى خطأٍ هنا وهناك! وما عادت مقولةُ إنّ الدراما هي إعادةُ خلق الواقع، مُزالٌ منه العوالق وفائضُ التَّفاصيل، مستساغةً، لأن الواقع كان أغنى من «إعادة» خلقِه! كنت أغالب مطاردةَ هذا الانطباع لخاطري وأحاول إيجادَ الذّرائع للدراما، حتّى رأيت الجدَّةَ السبعينيّة الجريحة على سرير المشفى تروي للطّبيب حكاية جراحها: -كان اللّيل في آخره حين أفقتُ مفزوعةً على صراخٍ ظننتُه كابوساً ثقيلاً، ولم يخطر في بالي إلا أحفادي الأربعة النّائمون في الحجرة الدّاخلية، كانوا ضيوفَ الصَّيفِ وعطلتِه المدرسيّة، وأنا وحدي معهم! راعني صوتٌ غريب بلهجةٍ لم تكن يوماً بيني وبين جيراني: -افتحوا الأبواب! لا تقاوموا! عندها استيقظ جسدي وعقلي وأخذتني يدٌ مجهولة إلى غرفة المؤونة حيث بندقيّةُ الصّيد معلّقة، أخذتُها ووقفتُ وراء الباب الدّاخليّ، بيوتُنا ببابين يا حكيم! بابٌ للحوش الخارجي تدخل منه إلى حديقةٍ صغيرة، وبابٌ تدخل منه إلى غُرف البيت! وقفت هناك وأطلقت النّار على الشّبح الواقف خارجاً، وحين تقدّم منه شبحٌ ثانٍ عاودتُ إطلاقَ النّار وحين تجمّعوا كالكلاب الجائعة حول جيفة، أتذكّر أنني أرديْتُ أربعة قبل أن يتفرّقوا ويبدؤوا بقذف حوش الدّار بقذائف لهب ليحرقونا ونحن أحياء وكنت قد أُصبتُ برصاصة حين تقدّمت خطوة على العتبة!–حمداً لله على سلامتك يا أمي! –حين وصل رجال الجيش شعرتُ بأمان الغريق يمتدُّ إليه طوْقُ النّجاة وقلت لذلك الجنديّ الذي أغلق جرحي بيده: -أحفادي هناك، دعْهم يروْن وجهَك ليطمئنِّوا! وكان غيرُه يحتضنهم واحداً، واحداً ويقدِّم لهم الماء، بينما أودعني هو على نقّالة وطلب من السّائق إيصالي إلى أقرب مشفى بأقصى سرعة! كانت الجدّة ذات الوجه الصّبوح كتلك البجعة التي حين يجوع أبناؤها ويعزُّ الطّعام، تُتْلع جيدَها للرّيح وتشقُّ صدرها، ليأكل صغارُها قلبَها الخافق فتموت ويعيشون، فهل هناك دراما ترقى إلى هذه التضحية والنبالة؟ جريده تشرين 31-07-2018

هناك تعليق واحد: