آفاق قلمُ أنثى 
نهله سوسو
على غيرِ عجَلٍ في معارجِ الشُّهرة بدأت "كاترين مانسفيلد" النيوزلنديّة تكتب القصّة القصيرة، وكان الزَّمنُ زمنَ "فيرجينيا وولف" و" د.إتش.لورنس"!
"كاترين" ذات الجذور الفرنسيّة، وُلدَت وترعرعت في مستعمَرة بريطانيّة وغادرَتها وهي في الثّامنة عشرة لتقيمَ في لندن مصطَحِبةً معها مرضَ السُّلّ خارج الرّئة، وتبدأَ قصَّ حكاياتها بأسلوبٍ غير مألوف، وحين تُصدر مجموعتَها الأولى تتلقّاها "فرجينيا وولف" بحفاوة بالغة وتكتب عنها مقالةً ترفع فيه أوّل منسوبٍ للشهرة القادمة التي سترسّمها سيّدةَ الحداثة في القرن العشرين، كما رسّم النُّقّادُ " فرجينيا" كاتبةً لتيّار الوعي الدّاخليّ وواحدةً من أهمّ كاتبات التاريخ!
طافت "مانسفيلد" عميقاً في أدب "تشيخوف" و"كافكا" لكنّها نسجت قصصها بإبرةٍ ذهبيّة، من خيوط روحها، ولم تطرق باب أحدٍ من النّاشرين أو النقّاد أو المتنفّذين، إذ نشَرَ لها " مودي جون مندلتون " قصصها في مجلته الأدبيّة وهو طالبٌ في جامعة أوكسفورد، فوصلت إلى يد " فرجينيا" ليهتمّ بها فيما بعد كاتب " نساء عاشقات" و"عشيق الليدي تشاترلي"! وكاتبةُ " سعادة" و"الكناري" و "الرّوايات والرّوائيّون" و "في نُزْلٍ ألمانيّ" لم تكن راضيةً عمّا تكتب بل تتوسّل الزّمن لتعيد صياغة ما كتبَت، وحين تتمرّد عليها شجرة "الألويس" التي تنمو في البلاد المداريّة الحارّة ولا تثمر إلا مرّةً واحدة كلَّ مئة عام، كعنوانٍ لإحدى رواياتها، تستبدلها بعنوان آخر هو " المُقدِّمة" ولا ترضى عن السّرد بل تعيده مراراً وتكراراً، تحذف وتضيف وتنقّح وهي لا تغادر محرابَ الإبداع مستجيبةً لمديحٍ نالته من أرفع كتّاب عصرها، ولا تضع رأسها على وسادة حبِّ النّاشر الذي أصبح زوجَها ومن أهمّ نقّاد عصره، ولا تفرض وجودها عبر مرضها القاتل الذي لم يكن دواؤه قد اكتُشف بعد، وقد يهيّئ لها متابعين منافقين يمزجون بين الرّأي الموضوعيّ والإشفاق، بل راحت تكتب بغزارة وعينها على نافذة الموت، تأتيها الحكايات من مخزون طفولة هانئة، وفلسفةٍ عمّقتْها الثّقافة والتّأمّلات، وأخذت بيدها إلى عوالم الإنسانيّة الرّحيبة التي تاقت إليها نفسُها المحكومة بالموت المبكّر، هي القائلة: -الشَّرُّ يكمن في مكان ما... هادئاً، منتظراً، ما علينا إلا تحريك بعض الغبار لينبعث صارخاً، فاعلاً في النّفوس! ومع تيمتها هذه، أمضت أيّامها الأخيرة في إحدى ضواحي باريس تلتمس السّلام لروحها، قبل أن ترحل في الرّابعة والثّلاثين... وفي نفس قارئها أنّ سيرةَ حياتها هي أهمُّ روايةٍ يجب أن تتعلّمَ منها الكاتبات عبر كلّ العصور!
جريدة تشرين / 28 / 8 / 2018

نهله سوسو
على غيرِ عجَلٍ في معارجِ الشُّهرة بدأت "كاترين مانسفيلد" النيوزلنديّة تكتب القصّة القصيرة، وكان الزَّمنُ زمنَ "فيرجينيا وولف" و" د.إتش.لورنس"!
"كاترين" ذات الجذور الفرنسيّة، وُلدَت وترعرعت في مستعمَرة بريطانيّة وغادرَتها وهي في الثّامنة عشرة لتقيمَ في لندن مصطَحِبةً معها مرضَ السُّلّ خارج الرّئة، وتبدأَ قصَّ حكاياتها بأسلوبٍ غير مألوف، وحين تُصدر مجموعتَها الأولى تتلقّاها "فرجينيا وولف" بحفاوة بالغة وتكتب عنها مقالةً ترفع فيه أوّل منسوبٍ للشهرة القادمة التي سترسّمها سيّدةَ الحداثة في القرن العشرين، كما رسّم النُّقّادُ " فرجينيا" كاتبةً لتيّار الوعي الدّاخليّ وواحدةً من أهمّ كاتبات التاريخ!
طافت "مانسفيلد" عميقاً في أدب "تشيخوف" و"كافكا" لكنّها نسجت قصصها بإبرةٍ ذهبيّة، من خيوط روحها، ولم تطرق باب أحدٍ من النّاشرين أو النقّاد أو المتنفّذين، إذ نشَرَ لها " مودي جون مندلتون " قصصها في مجلته الأدبيّة وهو طالبٌ في جامعة أوكسفورد، فوصلت إلى يد " فرجينيا" ليهتمّ بها فيما بعد كاتب " نساء عاشقات" و"عشيق الليدي تشاترلي"! وكاتبةُ " سعادة" و"الكناري" و "الرّوايات والرّوائيّون" و "في نُزْلٍ ألمانيّ" لم تكن راضيةً عمّا تكتب بل تتوسّل الزّمن لتعيد صياغة ما كتبَت، وحين تتمرّد عليها شجرة "الألويس" التي تنمو في البلاد المداريّة الحارّة ولا تثمر إلا مرّةً واحدة كلَّ مئة عام، كعنوانٍ لإحدى رواياتها، تستبدلها بعنوان آخر هو " المُقدِّمة" ولا ترضى عن السّرد بل تعيده مراراً وتكراراً، تحذف وتضيف وتنقّح وهي لا تغادر محرابَ الإبداع مستجيبةً لمديحٍ نالته من أرفع كتّاب عصرها، ولا تضع رأسها على وسادة حبِّ النّاشر الذي أصبح زوجَها ومن أهمّ نقّاد عصره، ولا تفرض وجودها عبر مرضها القاتل الذي لم يكن دواؤه قد اكتُشف بعد، وقد يهيّئ لها متابعين منافقين يمزجون بين الرّأي الموضوعيّ والإشفاق، بل راحت تكتب بغزارة وعينها على نافذة الموت، تأتيها الحكايات من مخزون طفولة هانئة، وفلسفةٍ عمّقتْها الثّقافة والتّأمّلات، وأخذت بيدها إلى عوالم الإنسانيّة الرّحيبة التي تاقت إليها نفسُها المحكومة بالموت المبكّر، هي القائلة: -الشَّرُّ يكمن في مكان ما... هادئاً، منتظراً، ما علينا إلا تحريك بعض الغبار لينبعث صارخاً، فاعلاً في النّفوس! ومع تيمتها هذه، أمضت أيّامها الأخيرة في إحدى ضواحي باريس تلتمس السّلام لروحها، قبل أن ترحل في الرّابعة والثّلاثين... وفي نفس قارئها أنّ سيرةَ حياتها هي أهمُّ روايةٍ يجب أن تتعلّمَ منها الكاتبات عبر كلّ العصور!
جريدة تشرين / 28 / 8 / 2018
جميل
ردحذف