الأربعاء، 15 فبراير 2017

آفاق..مُتَصَوِّفان نهلة_سوسو

 صِنْوُ العسل هي و" زيرُ " الزّهر ، وبين الزّهر والعسل جسورُ الرّحيق ، على مبتداها ومنتهاها الغياض والرّياض والمنحدرات التي تخبّئ في حنايا صخورها ، أسراراً ، لا قِبَل لعابرٍ بفضِّها وإباحتها ، إلا بذلك الاستشعار الإلهيّ الكاشف الذي يتلوه رقصٌ في ضوء الشّمس ، حين تنهض مناديةً الحياة أن هُبّي ، لقد حضَرْت !
 سرُّ العسل في صَفْوته واصطفائه ، ليس في قطع الدّروب المضنية من الحقول والبراري بعد زيارة البنفسج والأقحوان والزّعتر البرّي وزهر اللّيمون ، بل في تلك العيون الخمس التي تملكها فنّانةٌ مزّاجةٌ لأدقّ قطرات الجنى ، منذ الأزل ! خمس عيون في رأسها الصّغير ، ثلاثٌ بسيطة بعدسة واحدة أعلى الرّأس تستخدمها في الخليّة حين تؤوب لتَخْلُدَ إلى الرّاحة والدِّفء والنّوم ، واثنتان مركّبتان ، فيهما مئات العدَسات المتراصفة ، تتيح لها أن ترى الضوء القطبيّ ، وعبر الأشعّة فوق البنفسجيّة ! هاتِ عدسة تكشف ما بعد آخر شعاعٍ في قوس قزح ، في منطقة الأشعّة فوق البنفسجيّة ، والبث قليلاً أمام وهج وألق الحجارة التي كانت باردة بلونٍ واحد ! هنا سرُّ العسل وسرُّ صانعته ومزّاجته !
 ليست الرّائحة غوايةَ النّحلة في إبداعها ، بل الألوان الخافية التي خُلِقَت لها عيونُها ، وها هي حين تقترب من الرّوض ، ترقص مع رفيقاتها ، متقارباتٍ ، متباعداتٍ ، في " مولويّة " صباحيّة فيغلي السّديم الصّباحيّ بنثار تبرٍ وهّاج ويُقبل معه جلال الدّين الرّومي ، ذاك الذي أبصر ، دون شكّ ، ما أبصرته عيونُ جانيةِ الرّحيق حتّى اتّحدا وتناغما في رقصة واحدة ! وإلا كيف كان نطق كلَّ هذه الأشعار ؟ أليس لأنّه رأى ما لم تره عيون البشر وهم منقادون إلى متطلّبات البدن ، متنازعون على الملكيّات المتنقّلة بين الأرجل والأيدي ، غادون ، رائحون في الرّضى والغضب ، والحقد والتّسامح ، هو الذي لم يترك في العين رفّة وفي القلب نبضة وفي الشّعور خلَجة إلا جعلها تعصر رحيقها ! كان التصوُّفَ الخالصَ ،عنصراً وتطوافاً فوق وحل الأرض لأنه امتلك العين الذّاهبة إلى فضّ متاهة الأشعّة المعتمة- فوق البنفسجيّة ! وكانت العلاقة غير المرئيّة بين رسولة العسل ورسول الحب الذي توضّأ بنور الكون حين صلّى قائلاً : ما لمس الحبُّ شيئاً إلا جعله مقدّساً ! – ما ضرّكَ لو أطفأ هذا العالم أضواءه كلّها في وجهك مادام النّور في قلبك متوهّجاً ! – في الإنسان عشقٌ وألمٌ وتلهُّفٌ وإلحاح ، على نحوِ ، أنّه لو صار مئة ألف عام ، ملكاً له ، لما استراح ولما هدأ ! – يا مَن أنتَ وسط روحي ولا خبَر لروحي عنك . الدّنيا مملوءة بك ولا خبر للدّنيا عنك . كيف يدركك قلبي وروحي وأنتَ في جملتك في القلب والرّوح ولا خبر للقلب والرّوح عنك ؟ صورتك في الخيال ولا نصيب للخيال منك . اسمك على اللّسان ولا خبر للّسان عنك . لدى الخَلْق خبرٌ عنك بالاسم والإشارة ، وبرغم ذلك لا خبر لديهم عن اسمٍ وإشارة منك ! هذا حين أنشد ، أما حين صام عن الكلام فقال إنّ روحه في داخله غدت ناياً يشدو !
 في نبع ما ، قد يبدو غائراً ومُسْتَسرّاً ، تتلاقى أرواح الكائنات مهما اختلفت ظواهرها وطرائق سعيها ، لتتدفّق في أنشودة واحدة وصلاة واحدة هي لفرح الكون وجماله ومعنى سيرورته التي لا يقف عندها إلا العارفون !

جريده تشرين 14-2-2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق