آفاق.. يداه ينابيع
نهلة سوسو
ذبلَتْ ثمّ جفّت ثمّ فارقت الحياة!
ابنة الثّلاثين عاماً، المتباهية بفَرْط الصّبا والدّندشة سقطت فوق أوراق يابسة كالجثث المتفسخة المرميّة في الصّقيع! حتّى هي نفسها لم تجد في قلبها متّسعاً لحزنٍ أو رثاء على رفيقة الأصباح والأماسي، تتناجيان عبر الزُّجاج حين يبدأ السّبَل قبيل المطر وينهمر الثّلج النّادر، وتتآلفان حتّى العناق تحت شموس الرّبيع وأقمار الصّيف! هي أيضاً عطشى، بل صادية من العطش وتشعر أنّ في دمها مِلْحاً مُرّاً يمنعه من الجريان ويجذبها ببطء إلى دوّامة عميقة ملساء! تموت وحيدةً كما لم يخطر ببالها يوماً؟ لابأس! لكن ليس دون صلاة وذكريات! تحاول نطق حرف فلا يستجيب اللّسان! شوكةً جافّة صار هو الآخر.. تعصر الصّنبور الصّامت كما تفعل منذ أيام لعلّه ينزف قطرة لكنّه لا يستجيب! هو الآخر مات؟ أولئك الذين تاهوا في الصّحراء يوماً، لم يستسلموا للموت رغم أنّه يبطش ويصمّ أذنيه ويحصد الأرواح، عابراً مفازات الرّمال والصمت الموحش بردائه الأسود، لذلك مدّوا حياتهم بالسّراب، وتبعوا أمواجه الرّقراقة كأنّها الحياة، ولا حياة! سرابُها يتضاءل وهي تسمع لغَطَ بشَر قريبين، بعيدين، وضجّةَ أوانٍ فارغة على الرّصيف فتختلط في رأسها صورٌ غير منتظمة: ينبوع غامض، أخفى أسراره منذ الأزل بين صخرة ومغارة ومنحنى وسرير صغير، ولم يُعْطِها إلا لبساتين الثّمر وحواكير الياسمين! لصوصٌ ملثَّمون انتزعوا مفاتيحه ولوّثوه ثمّ أداروا وجهته ليضيع في البراري ويلهث الأحياء موتاً كلّما تبدّدت مياهه بعيداً عن عروقهم ونَسْغهم! سبيل ماء حجّت إليه في زقاق شاميٍّ عتيق، أذهلها عن نفسها بمحرابه المرمريّ المنقوش ومائه السّلسبيل المتدفّق كأنداء الأشواق خفيّةً ومعلنة، وقال صوت والفقاعات تغنّي على أصابعها: اشربي فأنت في مدينة الثّماني مئة سبيل! وابتلّ الشّال النبيذيّ، وفرّ دوريّ بعد سرقة بضع قطرات من الجرن! حقّاً، من كان ذلك المتصوّف الذي أجرى أوّل سبيل في مدينة نهر الذهب لتبقى أشعاره للمقيمين والعابرين والمسافرين والتّائهين؟ لعلّها بدأت تهذي! بعد أربعين يوماً على شفا الحياة، تكتشف أنّ ما حسبته ميزات هو مجرّد ترّهات: عرائش الحديقة والزّجاج الملمّع والغسيل الفوّاح والاستحمام المتواتر وورد المزهريّة! مزيّة الحياة هي قدح ماء ترتضيه بلا شروط نقاء وصفاء وبرودة وبعده تبّاً لكلّ أوهام الدّنيا وكلّ غواياتها!
آن أن تستسلم للنّوم ولو في رائعة النّهار الصّقيعيّ، هي لم تعد تشعر بشيء بعد أن توسّدت أوراق رفيقتها اليابسة ورائحتها الصّفراء التي لا ندى فيها تزكم أنفاسها! لكنّ المعجزة هزّت الأرض حيث كانت.. تدفّقت أصداء خَطْوٍ ونبض وأهازيج تذكرت أنّها سمعتها في احتفالات شاميّة آسرة: قومي! لقد عاد الماء إلى سبيله! قومي! الجيش فكّ الينبوع الأسير وأجراه صدَقةً مباركة للبشر والبساتين واليمام والدوري، وجرت من يديه سبعة أنهرٍ بجرارٍ ذهبيّة، أزليّة، أبديّة.. وقامت لترى الماء القراح يتدفق من راحتيه، عيناه بلون زمرّد نقيّ لامسته شمس حانية! كان يملأ “ مطَرَة صديقه الشّهيد: خذها لأمّي، إنّها مقدار دمي كي لا يقتلها العطش! وشعرت أنّها أمُّه بحق وأنّه أهداها الحياة قبل أن يُنشِد الصنبور بعد صمت طويل ومَوات، ويغنّي بشجنٍ حتّى تتدفق ملايين المآقي بالشُّكر والعرفان.
جريده تشرين2017/02/7
نهلة سوسو
ذبلَتْ ثمّ جفّت ثمّ فارقت الحياة!
ابنة الثّلاثين عاماً، المتباهية بفَرْط الصّبا والدّندشة سقطت فوق أوراق يابسة كالجثث المتفسخة المرميّة في الصّقيع! حتّى هي نفسها لم تجد في قلبها متّسعاً لحزنٍ أو رثاء على رفيقة الأصباح والأماسي، تتناجيان عبر الزُّجاج حين يبدأ السّبَل قبيل المطر وينهمر الثّلج النّادر، وتتآلفان حتّى العناق تحت شموس الرّبيع وأقمار الصّيف! هي أيضاً عطشى، بل صادية من العطش وتشعر أنّ في دمها مِلْحاً مُرّاً يمنعه من الجريان ويجذبها ببطء إلى دوّامة عميقة ملساء! تموت وحيدةً كما لم يخطر ببالها يوماً؟ لابأس! لكن ليس دون صلاة وذكريات! تحاول نطق حرف فلا يستجيب اللّسان! شوكةً جافّة صار هو الآخر.. تعصر الصّنبور الصّامت كما تفعل منذ أيام لعلّه ينزف قطرة لكنّه لا يستجيب! هو الآخر مات؟ أولئك الذين تاهوا في الصّحراء يوماً، لم يستسلموا للموت رغم أنّه يبطش ويصمّ أذنيه ويحصد الأرواح، عابراً مفازات الرّمال والصمت الموحش بردائه الأسود، لذلك مدّوا حياتهم بالسّراب، وتبعوا أمواجه الرّقراقة كأنّها الحياة، ولا حياة! سرابُها يتضاءل وهي تسمع لغَطَ بشَر قريبين، بعيدين، وضجّةَ أوانٍ فارغة على الرّصيف فتختلط في رأسها صورٌ غير منتظمة: ينبوع غامض، أخفى أسراره منذ الأزل بين صخرة ومغارة ومنحنى وسرير صغير، ولم يُعْطِها إلا لبساتين الثّمر وحواكير الياسمين! لصوصٌ ملثَّمون انتزعوا مفاتيحه ولوّثوه ثمّ أداروا وجهته ليضيع في البراري ويلهث الأحياء موتاً كلّما تبدّدت مياهه بعيداً عن عروقهم ونَسْغهم! سبيل ماء حجّت إليه في زقاق شاميٍّ عتيق، أذهلها عن نفسها بمحرابه المرمريّ المنقوش ومائه السّلسبيل المتدفّق كأنداء الأشواق خفيّةً ومعلنة، وقال صوت والفقاعات تغنّي على أصابعها: اشربي فأنت في مدينة الثّماني مئة سبيل! وابتلّ الشّال النبيذيّ، وفرّ دوريّ بعد سرقة بضع قطرات من الجرن! حقّاً، من كان ذلك المتصوّف الذي أجرى أوّل سبيل في مدينة نهر الذهب لتبقى أشعاره للمقيمين والعابرين والمسافرين والتّائهين؟ لعلّها بدأت تهذي! بعد أربعين يوماً على شفا الحياة، تكتشف أنّ ما حسبته ميزات هو مجرّد ترّهات: عرائش الحديقة والزّجاج الملمّع والغسيل الفوّاح والاستحمام المتواتر وورد المزهريّة! مزيّة الحياة هي قدح ماء ترتضيه بلا شروط نقاء وصفاء وبرودة وبعده تبّاً لكلّ أوهام الدّنيا وكلّ غواياتها!
آن أن تستسلم للنّوم ولو في رائعة النّهار الصّقيعيّ، هي لم تعد تشعر بشيء بعد أن توسّدت أوراق رفيقتها اليابسة ورائحتها الصّفراء التي لا ندى فيها تزكم أنفاسها! لكنّ المعجزة هزّت الأرض حيث كانت.. تدفّقت أصداء خَطْوٍ ونبض وأهازيج تذكرت أنّها سمعتها في احتفالات شاميّة آسرة: قومي! لقد عاد الماء إلى سبيله! قومي! الجيش فكّ الينبوع الأسير وأجراه صدَقةً مباركة للبشر والبساتين واليمام والدوري، وجرت من يديه سبعة أنهرٍ بجرارٍ ذهبيّة، أزليّة، أبديّة.. وقامت لترى الماء القراح يتدفق من راحتيه، عيناه بلون زمرّد نقيّ لامسته شمس حانية! كان يملأ “ مطَرَة صديقه الشّهيد: خذها لأمّي، إنّها مقدار دمي كي لا يقتلها العطش! وشعرت أنّها أمُّه بحق وأنّه أهداها الحياة قبل أن يُنشِد الصنبور بعد صمت طويل ومَوات، ويغنّي بشجنٍ حتّى تتدفق ملايين المآقي بالشُّكر والعرفان.
جريده تشرين2017/02/7

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق