الاثنين، 20 فبراير 2017



آفاق صداقات
نهلة سوسو
 لكأنّه قلعةً مهيبةً كان ! تزيد رهبتَه علاقتُه بسيف الدّولة وحكمتُه التي سرت على ألسنة الخاصّة والعامّة والعلماء والأمّيين ! القلِقُ كأنّ الرّيحَ تحته ، المتمرّد حتّى على قوانين الضّرورة ، المقلُّ من الغزَل كأنّه يعرّيه من عزّة نفسه ، كان كذلك حين أمرُّ بدواوين الشِّعْر مروراً خفيفاً وأتجنّب " بحارَه " العاتية وأصحابَه الذين يتجادل الخَلْقُ جرّاهم ويختصمون ، حتى عرَفْتُ أن من ظلموه بادّعاء النبوّة ، كان صديقاً حميماً للناقد النّحويّ ابن جِنِّي ، ولم يلفت نظري قول الصّديق فيه : لقد عرفتُه على خُلُق ، قلّما تكامل إلا بعالِمٍ موفّق ، فأمّا اختراعه للمعاني وتغلغله فيها واستنقاؤه لها ممّا لا يدفعه إلا ضدٌّ ولا يستحسن معاندتَه إلا ندٌّ ، وما رأيتُ أحداً يتناكر فضل هذا الرّجل ردحاً من الزّمان إلا وشاهدتُه بعد ذلك قد رجع عنه وعاد إلى تفضيله ( كان يقصد أستاذه أبا عليّ الفارسيّ ، الذي أنكر في البداية شعرية المتنبي ) بل أخذتني هذه الصداقة الرفيعة التي بدأت في بلاط سيف الدولة واستمرّت في بغداد وشيراز ، قوامها مبدعان عملاقان تلاقيا على ضفاف اللغة يصوغان قصوراً لا تقوّضها الأعاصير ، وينحتان ببراعة وصبر، يداخلهما فرح الخَلْق ، تلك التكوينات الخالدة ، من الشّعْر الصّرف الذي مازال يصرف يخضوره على الورق والألسنة وفي الوجدان على مرّ الزّمان !
 قد يتحمّل الشّاعر مزاج القريض إذا عاند أو انزوى أو هجر ، أما الصّداقة فلا تحتمل ذلك لأنّها نسيج الودّ والصّبر وسعة الرّوح والتربة التي لا تعرف ولا تعترف بالتصحُّر ، بل على العكس ، هي التي تنبع ماءً حين يقع الصديق في ضائقة وهي أجلُّ شأناً من قرابة الدّم لأنّها رابطة تُقبِل طائعةً من فوق حواجز النّسَب والاختلاف في الموقع والأفكار والمزاج وحتّى اللّغة ، بمعناها الدّلاليّ لا اللّفظيّ والنّحْويّ ،وفي الصّداقة تتواضع النّفس ، وتلقي بمفاتيح الحذر جانباً لكأنّها محراب صلاة لا تردّد جدرانُه إلا مفردات الرّوح خالصةً من الزّيغ والزّيف والتردّد والخوف والخجل والوجل ، وكيف تفعل وهي من صنع الرّوح وفي عالم الرّوح لا حسابات دنيويّة ولا سجلّ أرباح وخسائر بل مساحات لامتناهية من الترفُّق بالصّديق وإقالة عثراته ورقئ دمعه واجتراح وردة في لحظة قحطه ! أما كان المتنبي وابن جنّي صديقين على هذا المسار ؟ بلى وإلا مادامت تلك اللقاءات العامرة بالجدل حول المعاني والاستعارات والنحو والصّرف ، وما كان كتابا " الفَسْرُ الصغير " و " الفَسْر الكبير" اللذان اجتاحا شعر المتنبّي طولاً وعرضاً ومنهما خرجت كلُّ شروح الشّعراء فيما بعد في الثقافة العربية !
 هل كانت المراسلات بين محمد كرد علي والأب أنستاس الأنطاكي صداقة ؟ وكذا مراسلات سيغموند فرويد وأينشتاين ؟ ربما لم تكن إلا مراسلات في قضايا الفكر ، لكن الجزم في أن صداقات الكبار أنتجت رسائل هي شواهد عصرها كرسائل جبران خليل جبران وميّ زيادة و مكسيم غوركي والمربي الفذ أنطون مكارينكو ، التي توقفت بوفاة الرّوائي ، تماماً كما حصل في وفاة المتنبي قبل صديقه ومثل هذه الصداقات تجعل لزمنها معنى عميقاً لمرورنا في هذه الحياة الفانية ، بل وتترك على جدرانه أمثولات تطيب قراءتها حين ترتجف بوصلة الرؤية وتتوقف عن الإشارة السليمة ! بات المتنبي أقرب إلى قلبي بسبب صديقه الذي قال فيه متواضعاً : إنه أعلم بشعري مني ؟ نعم ! ولأنه قال يوماً : لا تصلح عربٌ ملوكها عجم
/جريده تشرين  21/2/2017

هناك تعليقان (2):