الاثنين، 13 مارس 2017

آفاق رومانس
نهلة سوسو
لم تلتقيا يوماً ! 
 ما أشدَّ ما صارت اللُّغة ، ملتبسةً ، مشحونة بألغاز جديدة ، حين تسلل النتّ إلى العلاقات ، فاللّقاء قبله ، كان يعني تواجداً فيزيائيّاً ، سواء حصل بالمصادفة ، أو بترتيب موعد لأنّ فيه الصّوتَ والمصافحة و نظرة العيون وحركة البدَن والرّائحة ، والمكان ، الذي بدوره يشمل الكتلة والفراغ ، فهنا الأريكة قرب الطّاولة الخفيضة ، تصل اليد بفنجان القهوة ، وهناك الباب الدّاخليّ حاضن الهواء الحبيس المتماوج برائحة المنزل الحميمة واحتمالات أن يُضاف مؤثّر أو ينقص ، متوفّرة في كلّ لحظة ! رنّةٌ تناديها وهي تحمل فنجان القهوة فتنحشر قرب الجهاز الموصول بمأخذ الكهرباء يسرق ما تيسّر من الشحن حين تأتي في مواعيدها المضطربة ! وردة حمراء في حقل المحادثة : أنا هنا ! و " هُنا " هي بلاد النّفط التي تزهق أنفاسها بروائح بغيضة متخَيِّلة ، وهواء فاسد في المنازل والمكاتب والسيّارات ، حيث الرّمال الحارقة لا تترك للأحياء نعمة تنفُّس هواء الله ! ولم تستحسن يوماً بدائل تلك المسرّات من مالٍ يسيل كماء الصّنابير ، ويُبادَل بالقصور والذّهب وسلع باهظة من الشّرق والغرب أزالت عنها دماء العمال البائسين على طريقة عمال المناجم أيام زمان ! تكتب في الحقل الرمادي البارد : كيف الحال ؟ وتنتظر ثواني وهي ترى في خيالها يداً مثقلة بالأساور والخواتم ترد : -إذا أرسلتُ لك دعوة هل تأتين ؟ - لو أنّنا تعارفنا قبل ستّ سنوات ربّما قلت لك نعم ، أمّا الآن فلا ! السّفر في ظروف البلد الرّاهنة خيانة ! – إذن سآتي أنا ! – تعالي إلى الظلام المتوفّر بلا حساب بفضل شذّاذ الآفاق ! – وماذا غير التقنين الطّويل ؟ - البرد والغلاء والخراب والقذائف العمياء والوقت الضّائع يلفّ أنشوطته على عنقك حين تعبرين الحواجز أو الطّرق الدّوليّة أو تسعين وراء ورقة في الدّوائر الرّسميّة ، أو تلطمك أزمة مفاجئة في الوقود والماء والخبز والدّواء والحصار المتواصل : العدوّ من الخارج وعملاؤه في الدّاخل ! – ألستِ وسط هذا كلّه ؟ سآتي ! – لن تجدي سيّارة فاخرة بسائق كالعبد تحت يدك ، ولن تَحْظَي بعطور فرنسا الثّمينة ولا حتّى بأجبانها المتنوّعة .. – العطور آخر همومي ! – لا تتوقعي أن تجدي المطاعم والمصايف كما تركتها .. – صدّقيني ، كانت سوريّة قبل الحرب مجرّد مكان نبذني فيه أهلي لأنّني تمرّدت عليهم بزواجٍ ، أعترف لك ، أنّه أخفق سريعاً فعوّضته بالعمل وجَمْعِ الثّروة ، أمّا بعد الحرب علينا فقد اكتشفت أنّها بيتي الذي لا أمان إلا فيه وأنّها ثوبي الذي قتلني البرد لأنّني خلعته وأنّها طريقي الآمن الذي تُهتُ حين تنكّبتُ غيره إلى جنّة موعودة ، وأنّها المثوى الذي سيدفئ عظامي حين سأمضي إلى الأبديّة .. – لكنّ مطار دمشق مغلق منذ سنوات ككلّ المطارات ومحطّات القطارات و الحافلات التي دمّروها ووكّلوا قطّاع الطُّرق على منافذها ! – سآتيها من البحر أو مع الهواء .. – قد يطالعك السّواد في كل مكان ! – لقد شيّعتُ الشّهداء وأوقدتُ لهم الشّموع واحداً ، واحداً وحفظتُ أسماءهم وقسمات وجوه أمهاتهم بل والأغنيات التي ردّدنها في التشييع ... تتوقّف دقائق عن الكتابة فتحسب أنّ النت انقطع لكنّها تستأنف : - تقولين لنفسك هذه رومانسية المغتربين ؟ - يا لها من رومانسيّة ! هذه الحرب صهرت النّفوس وأزالت منها الشّوائب ليخرج معدنها الأصيل ! تعالي يا صديقتي ، بيتي المتواضع يتسع لنا على ودٍّ ورغيف ووطن .. تعالي لا تتأخّري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق