الاثنين، 27 مارس 2017

آفاق أنداء عطر
نهلة سوسو
 ظننتُ أنّ النّوم خطفها بعد أن طالعنا طويلاً ، بضعةَ صور لأزياء سوريّة تعود لعدّة عصور ! كانت تجذب الموسوعة بيديها الصّغيرتين لتستأثر بالصّفحة ، تحدّق بوجه المرأة الواجم ، المحاط بشالٍ حريريٍّ يخفي جُمّةَ الشَّعْر قبل أن ينسدل على الكتفين والذراعين المعقودتين على ثوبٍ سابغٍ متعدِّد الطيّات ، وتلمس حاشيته الملامسة للأرض حين سألت باهتمام : - أليس لهذه المرأة رائحة ؟ وأطلقت الطّفلة بسؤالها هذا تداعيات سريعة مذهلة ! حقّاً ، إنّ حاسّة الشّم محدودةُ الخَزْن ، تهزمها هشاشةُ المشموم ، ولا يمكن الاحتفاظ بموجاتها كما تُحفَظ مشاهَدات البصر بالصّور ومسموعات الأذن بالتسجيل ! وسرعان ما دقّتْ كلمات اكتنزها الشِّعْرُ العربيّ وقصصُ القصور والملكات والخلفاء والجواري : مسك وعود وعنبر ، وأقبلت أنداء عطور مُتَخَيَّلة من قصْرَيْ المأمون والمعتصم اللذين كان لكلّ واحد منهما صانع عطوره الخاص كما جاء في " كتاب الطّيب " لابن حسن الخازن وهو يصف تلك الصّناعة الرّهيفة بتفاصيل خياليّة مرهقة ، لكنّ العطور كانت حقيقة رغم أنّ قصصها شابهت أساطيرَ ألف ليلة وليلة ، فالعودُ ، الذي كان أصلَها ، موطنُه الهند ، وفي النّص الحرفيّ : " ... أصلُهُ أشجارٌ في غياضٍ ، وراء جبالٍ ، ليس إليها وصول ، وخلف الجبل ماءٌ ، وقدّامَه بحرٌ ، ومن الجبل طريقٌ يخرج منه الماءُ إلى البحر فيحمل ما يسقطُ من أشجار العود ، وسلطانُ ذلك الموضع قد أقام قوماً يترصّدون ذلك ، فإذا وجدوه ، دفنوه تحت الأرض ، سنةً كاملة ، ثمّ يُخْرَج ويُنَظّف ويُحَكُّ بالسكّين والمبرَد ويُبْرى ويُجْلَب ... ومن حكى أنّه وصل إلى شجر العود النّابت فغير صادق ! " ( كأنّها قصة الحسناء النّائمة دونها غياض القرّيص ) وفي حيثيّات الصّناعة يقول الزهراوي : الوقت الذي يصلح لتخمير الورد والمسك هو وجه السَّحَر ، قبل طلوع الشّمس ، لاعتدال الهواء فيه ، وإن وافق أن يكون فصل الربيع فهو أفضل ويُتَوقّى أن يكون حالةَ وقتِ هبوب الرّيح ، بل في وقت سكونه ! أمّا الآلات التي تصلح لعملها وسحق أجزائها فيها ، فأفضلُ ما سُحق المسكُ في هاون ذهبٍ خالص ، أو صَلاية ( مدقّ الطّيب ) زجاج بفِهْر زجاج ، وأن يُذاب العنبرُ في محارة من حجر ، أو في مدهن من حجرٍ أسود ، أو مدهن ذهب أو فضّة مموّهة بالذّهب ! "
 لا تواضُعَ في مملكة العطور يخضعها للمعادن والعناصر الرّخيصة ، والأيدي غير الخبيرة ، هي النّفيسة أيّاً كان مصدرها : المسك والعنبر والصّندل والسُّنبل والعود والكافور والزّعفران والورد والزّنبق ! لكن أين الياسمين الشّامي في كلّ هذا ؟ ولماذا الهند والتيبت وعشرات القوافل والتجّار والصنّاع والأدوات باهظة الثّمن وعلماء الكيمياء ؟ في نهاية كتاب الطّيب ، بعد أن خمّرَ العطّارون واستقطروا ومزجوا وختموا قواريرهم قالوا إنّ أجود المسك في الرّائحة والمنظر ما كان تفّاحيَاً ، تشبه رائحتُه ، التّفّاحَ الشّاميّ !
 بلى ! الشّام أمُّ الطُّيوب على هذه الأرض ، تهبُّ من ترابها عواصف النّبت البريّ الشذيّ وتمتلئ غياضها وحواكيرها بالياسمين ، سيد الرّيحان ، وليس تفّاحَها أصلَ التشبيه ، لا التشبيه فحسب ، بل إنّ طيب الكون استراح في قرية " المراح " قرب دمشق التي تصدّر وردَها أطناناً إلى فرنسا ، لتصنِّعه وتوزّعه ، احتكاراً ، على أثرياء العالم .جريده تشرين 28-3-2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق