آفاق
نهلة سوسو
أدركَني قلبُك ..
مدينة موغلة في القدم وربّما شُيِّدت بيوتها حين بدأ آدم يتعلّم الأسماء ، فهل افتأَتَ عليها اللّيل المنبسط كصحراء بلا نهاية ، حتّى صمتت شوارعُها هذا الصّمتَ البليغ لكأنّها تتوجّس السّقوط عن ظهر الكوكب ؟
المصابيح مطفأة ولا شيء ينمُّ عن وجودها إلا الأعمدة في متتاليتِها ، كالأشباح التي جمّدها البرد وما عادت توحي إلا بوحشة الغياب ! الأرصفة والشّبابيك والمداخل والأشجار الفتيّة والهرمة ، وحدَها لم تَزُلْ ، لم تمّحِ ، لم تختَفِ في كثبان الظّلام التي كانت ، من عجَبٍ ، تعلو في بعض الزّوايا وتنقص في زوايا أخرى بمحاذاة النّوافذ المتّشحة بضوء شحيح !
هنا ، كان اللّيل حين ينزل ، يُرى من سطح القمر ، بهيجاً ، صخّاباً بالأضواء ، غابةَ أنوار من الورد الجوري وقلائد الجلّنار وخلاخيل النّرجس وأطواق الياسمين ، وأهلَ منازل يطيب لهم إسراء اللّيل ومشاوير تدوم حتّى الفجر ولو كان فيها مغامرة اصطحاب الأطفال ، ينامون في الحضن أو في عربات وثيرة بالوسائد و الملاءات المطرّزة ، وكانت الدّكاكين تسهر مع السّهارى الذين يفطنون إلى نفاد الخبز والقهوة والسُّكَّر من مطابخهم وهم عائدون إلى بيوتهم ، وكذا تفعل العربات المزيّنة بغَزْل البنات ، وبسطات الصبّار واللّوز الأخضر وأكواز الذُّرة والفستق السُّوداني والحلبي ! خُضاب الشّوارع كان من قلب البيوت القريبة والبعيدة ... جهازُ دورانٍ لا انسداد فيه ولا خثرات !
صوت قرقعة يجرح الصّمتَ قليلاً ! يترجمه السّمْعُ في غياب المنطق : لا ! ليس طفلاً شقيّاً يطيح بعلبة فارغة في مثل هذا الوقت ، بل هي قطّة تتنزّه في اللّيل الواسع حيث لا زاجر ولا كيس نفايات يسقط على رأسها وهي تنقاد بحاسّة الشّمّ وراء قطرة حليب في زجاجة فارغة أو علبة سردين تُسعدُها برائحة الأحياء البحريّة ! تقف بحذر وعينين ساطعتين .. وواقفاً يبدو الزّمان ، لا شيء يحرّكه ! لا وقع خطا ولا شبّاك يُفتح ولا أغنية تلمس قلب اللّيل ليخفق مع أشواق أحد ! توقّف دوران الدّم بعد أن صار من شيم النّاس الرُّكونُ إلى البيوت بعد غياب الشّمس ، ورويداً ، رويداً صار اللّيل في عزلةٍ لا شفاء منها ! رويداً ، رويداً ، ساقوا البلادَ إلى ظلام حالك ، بضرب مصادر الطّاقة بما فيها النّور والتّدفئة والعقول والأوابد والأمان والسّلام !
تنصرف القطّة بخفّة وعيناها تبصران الطّريق لا كما أبصره ، وليس بيدي مصباح يدويّ ‘ في ذات اللّحظة حين يضيء صوته واضح النبرات : -تحتاجين لمساعدة ؟ يبدو أنّك تائهة في المكان ! أستبين بذلته التي لا يقوى ظلام في العالم على طمس تموّجاتها المطبوعة من جذوع السّنديان : - أتوه وأنتم موجودون على هذه الأرض ؟ لولا أنّني ممتلئة بأنفاسكم وظلّكم هل كنت أجرؤ على رفقة هذا اللّيل الخالي ؟ كنت قبلكم أتوجّس من اللّيل في غَسَقِه وموْهِنِه وانتصافه فكيف في سحَرِه ثمّ غلَسِه ؟ - ظننتُ أنّ شؤمهم غلب النّفوس ! – لكنّكم حميتم عيوننا وأبقيتم لها الإبصار .. و وعدتمونا بقدوم الفجر وأنتم صادقون ! تحت المجرّات الأزليّة تابع خطاه وقلبي يتبع ظلّه وسمعي يلتقط صداه ، والنّجوم تستأنف السّمر والنّوافذ تسدل السّتائر والأحزان على من غادروا الدّنيا وتركوا حكاياتهم بالدّمع والشّجن ترسم برقّة وعناية حدائق النّور للنّهار القادم ، فهو من قال لي واثقاً : - أليس الصُّبح بقريب ؟جريده تشرين 7/3/2017
نهلة سوسو
أدركَني قلبُك ..
مدينة موغلة في القدم وربّما شُيِّدت بيوتها حين بدأ آدم يتعلّم الأسماء ، فهل افتأَتَ عليها اللّيل المنبسط كصحراء بلا نهاية ، حتّى صمتت شوارعُها هذا الصّمتَ البليغ لكأنّها تتوجّس السّقوط عن ظهر الكوكب ؟
المصابيح مطفأة ولا شيء ينمُّ عن وجودها إلا الأعمدة في متتاليتِها ، كالأشباح التي جمّدها البرد وما عادت توحي إلا بوحشة الغياب ! الأرصفة والشّبابيك والمداخل والأشجار الفتيّة والهرمة ، وحدَها لم تَزُلْ ، لم تمّحِ ، لم تختَفِ في كثبان الظّلام التي كانت ، من عجَبٍ ، تعلو في بعض الزّوايا وتنقص في زوايا أخرى بمحاذاة النّوافذ المتّشحة بضوء شحيح !
هنا ، كان اللّيل حين ينزل ، يُرى من سطح القمر ، بهيجاً ، صخّاباً بالأضواء ، غابةَ أنوار من الورد الجوري وقلائد الجلّنار وخلاخيل النّرجس وأطواق الياسمين ، وأهلَ منازل يطيب لهم إسراء اللّيل ومشاوير تدوم حتّى الفجر ولو كان فيها مغامرة اصطحاب الأطفال ، ينامون في الحضن أو في عربات وثيرة بالوسائد و الملاءات المطرّزة ، وكانت الدّكاكين تسهر مع السّهارى الذين يفطنون إلى نفاد الخبز والقهوة والسُّكَّر من مطابخهم وهم عائدون إلى بيوتهم ، وكذا تفعل العربات المزيّنة بغَزْل البنات ، وبسطات الصبّار واللّوز الأخضر وأكواز الذُّرة والفستق السُّوداني والحلبي ! خُضاب الشّوارع كان من قلب البيوت القريبة والبعيدة ... جهازُ دورانٍ لا انسداد فيه ولا خثرات !
صوت قرقعة يجرح الصّمتَ قليلاً ! يترجمه السّمْعُ في غياب المنطق : لا ! ليس طفلاً شقيّاً يطيح بعلبة فارغة في مثل هذا الوقت ، بل هي قطّة تتنزّه في اللّيل الواسع حيث لا زاجر ولا كيس نفايات يسقط على رأسها وهي تنقاد بحاسّة الشّمّ وراء قطرة حليب في زجاجة فارغة أو علبة سردين تُسعدُها برائحة الأحياء البحريّة ! تقف بحذر وعينين ساطعتين .. وواقفاً يبدو الزّمان ، لا شيء يحرّكه ! لا وقع خطا ولا شبّاك يُفتح ولا أغنية تلمس قلب اللّيل ليخفق مع أشواق أحد ! توقّف دوران الدّم بعد أن صار من شيم النّاس الرُّكونُ إلى البيوت بعد غياب الشّمس ، ورويداً ، رويداً صار اللّيل في عزلةٍ لا شفاء منها ! رويداً ، رويداً ، ساقوا البلادَ إلى ظلام حالك ، بضرب مصادر الطّاقة بما فيها النّور والتّدفئة والعقول والأوابد والأمان والسّلام !
تنصرف القطّة بخفّة وعيناها تبصران الطّريق لا كما أبصره ، وليس بيدي مصباح يدويّ ‘ في ذات اللّحظة حين يضيء صوته واضح النبرات : -تحتاجين لمساعدة ؟ يبدو أنّك تائهة في المكان ! أستبين بذلته التي لا يقوى ظلام في العالم على طمس تموّجاتها المطبوعة من جذوع السّنديان : - أتوه وأنتم موجودون على هذه الأرض ؟ لولا أنّني ممتلئة بأنفاسكم وظلّكم هل كنت أجرؤ على رفقة هذا اللّيل الخالي ؟ كنت قبلكم أتوجّس من اللّيل في غَسَقِه وموْهِنِه وانتصافه فكيف في سحَرِه ثمّ غلَسِه ؟ - ظننتُ أنّ شؤمهم غلب النّفوس ! – لكنّكم حميتم عيوننا وأبقيتم لها الإبصار .. و وعدتمونا بقدوم الفجر وأنتم صادقون ! تحت المجرّات الأزليّة تابع خطاه وقلبي يتبع ظلّه وسمعي يلتقط صداه ، والنّجوم تستأنف السّمر والنّوافذ تسدل السّتائر والأحزان على من غادروا الدّنيا وتركوا حكاياتهم بالدّمع والشّجن ترسم برقّة وعناية حدائق النّور للنّهار القادم ، فهو من قال لي واثقاً : - أليس الصُّبح بقريب ؟جريده تشرين 7/3/2017

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق